← Акыда

Акыда · id 3047

شرح العقيدة الواسطية - الغنيمان

عبد الله بن محمد الغنيمان

Полный текст (524 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

اختلاف الصحابة في رؤية النبي ﷺ ربه ليلة المعراج اختلف الصحابة ومن بعدهم في رؤية النبي ﷺ لربه ليلة المعراج، فجاء نفيه عن أكثر الصحابة، وجاء إثبات ذلك عن بعضهم مثل ابن عباس، والصواب أن ابن عباس جاء عنه شيء مجمل، فقد جاءت عنه روايتان: الأولى: أنه قال: رآه، يعني: رؤية مطلقة، والثانية: جاءت مقيدة فإن رآه بفؤاده، ومن المعلوم أنه إذا جاء نص فيه إطلاق وجاء نص أخر مقيد أن المطلق يحمل على المقيد. وأما عائشة ﵂ فإنها نفته نفياً باتاً بل لما قال لها السائل: هل رأى رسول الله ﷺ ربه، قالت: لقد تكلمت كلمة قف منها شعري! من قال لك: إن محمداً ﷺ رأى ربه فقد كذب والله جل وعلا يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، ومن قال: إنه كتم شيئاً فقد كذب والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ، فأنكرت ذلك إنكاراً عاماً، والصواب في هذا أن الرسول ﷺ لم ير ربه، وقد ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر (أنه قال: قلت: يا رسول الله! هل رأيت ربك؟ فقال: نور أنّى أراه؟!) وفي رواية: (رأيت نوراً) وفي رواية: (رأيت ناراً) ، وهذا نص صريح في أن الرسول ﷺ لم يره. من الناس من إذا قيل له: إن صفات الله جل وعلا وأسماءه والتوحيد لم يقع فيه خلاف بين العلماء يعترض بمثل هذه المسألة، وهذا الاعتراض ليس في مكانه؛ لأن هذه مسألة فرعية في الصفات، ولو ثبتت لوجب القول بها، ولكنها لم تثبت فإذا لم تثبت فإنه لا يكون في ذلك خلاف، وأما الخلاف الذي وقع فقد ارتفع.

стр. 107

الأصل الذي بنى عليه نفاة الرؤية مذهبهم الذين نفوا الرؤية يعتمدون -على زعمهم- أن الرؤية لا تقع إلا على جسم، وقالوا: لو أثبتنا الرؤية لأثبتنا أن الله جسم وهذا كفر، وإذا انتفى هذا ينتفي الملزوم فلازم الكفر كفر، فعلى هذا يكون عندهم القول بإثبات الرؤية كفر، وهكذا ينعكس الأمر عند من أراد الله جل وعلا فتنته، فيصبح الحق باطلاً والباطل حقاً ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور:٤٠] ، وشابهوا الذين لا يؤمنون إلا بالمحسوسات. ولذلك فإن أصل التعطيل هو التشبيه فهم عندما لم يفهموا ويعقلوا رؤية الله إلا بما فهموه من أنفسهم قالوا: إنها لا تقع إلا على شيء مقابل، والمقابل لابد أن يكون جسماً يصطدم به الشعاع الذي ينطلق من العين حتى إذا انعكس حصلت الرؤية، أما لو لم يكن هناك شيء يقابل الرائي فلا يمكن أن يرى شيئاً، هذا هو أصلهم الذي بنوا عليه نفي الرؤية، وقد سبق أن قلنا: إن كلمة جسم من الكلام المجمل الذي لا يجوز إثباته ولا نفيه، فإذا أراد بالجسم ما يعرفه به المتكلمون، فإنهم مختلفون في تعريف الجسم! ولكن الجسم في اللغة العربية: هو البدن، بدن الإنسان أو بدن الحيوان، وكذلك ما لم يكن حياً مثل الحصى وغيرها فهي أجسام، وهو كل شيء له مكان يشغله أما أهل الكلام فقد اختلفوا في تفسير الجسم، فمنهم من قال: الجسم كل ما شغل مكاناً، ومنهم من يقول: الجسم ما صح أن يقال: هو هنا أو هناك أو فوق أو تحت، ومنهم من قال: الجسم ما صحت الإشارة إليه، إلى غير ذلك من تفسيراتهم، وكلها باطلة، مع أنه لا يجوز إطلاق لفظ الجسم ولا نفيه على الله؛ لأنه إذا أطلق فقد يوهم باطلاً: قد يوهم أنه جسم كأجسام الخلق تعالى الله وتقدس، وإذا نفي فقد يوهم أن الله لم يقم بنفسه تعالى وتقدس. إذاً: فالمبنى الذي بُني عليه نفي الرؤية مبنى باطل، وما بني على باطل فهو باطل، ومع ذلك نقول: إن الواجب على العبد أن يعلم أن الله جل وعلا أكبر وأعظم من كل شيء، وأنه فوق المخلوقات كلها، وأنه تعالى يقبض السماوات كلها ويطويها بيده وتكون صغيرة بالنسبة إليه هذا أمر، الأمر الثاني: أنه يجب على العبد أن يؤمن بما قاله الله جل وعلا ولو لم يدركه عقله وكذلك ما قاله الرسول ﷺ ، أما إذا حكم على قول الله وقول رسوله بعقله فهو ضال وتائه. ومن المعلوم منطقياً وعقلياً أنه لو وجد رجلان، واحد يؤمن بما قاله الله وما قاله الرسول: من أن الله يرى رؤيةً حقيقية إلخ، والآخر يقول: هذا كفر؛ لأنك إذا قلت ذلك لزمك أن تجعله جسماً، وإذا جعلته جسماً كفرت؛ لأن التجسيم كفر، ثم مضيا إلى الله جل وعلا كل على اعتقاده، فأوقفهم الله جل وعلا بين يديه، فقال الأول لما سأله ربه: يا رب! آمنت بقولك وبقول رسولك ﷺ ، واتبعت ذلك، وعلمت أنك خاطبتنا باللغة العربية التي نفهمهما، وهذا الذي أفهمه من اللغة، وقال الآخر: يا ربي! اعتمدت على عقلي وفكري، وتأولت قولك الذي قلته وقول رسولك الذي قاله، وأرجعتهما إلى عقلي، فدلني عقلي على أن هذا كفر، فأيهما أولى بالعذر وقبول الحجة الأول أم الثاني؟ لا شك أنه الأول، أما الثاني فلا حجة لديه، وليس معذوراً؛ لأنهما لم يكلفا بعقلهما، وإنما كلفا بكتاب الله جل وعلا وسنة الرسول ﷺ .

стр. 108

أدلة النفاة والرد عليهم احتج نفاة الرؤية بقول الله جل وعلا: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف:١٤٣] ، وقالوا: إن (لن) في لغة العرب تدل على النفي المؤبد! وهذا كما يقول ابن القيم ﵀: كذب على اللغة العربية، فإن (لن) لا تدل على النفي المؤبد، وقد جاء في القرآن ما يدل على خلاف ذلك، فإن الله جل وعلا ذكر عن اليهود أنهم لن يتمنون الموت أبداً، وزيادة على (لن) جاءت (أبداً) بعدها فقال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [البقرة:٩٥] ، ولما قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة:١٨] ، قيل لهم: إن كنتم صادقين فتمنوا الموت؛ لأن الذي هو حبيب لله جل وعلا وقريب إليه إذا مات يكون سعيداً سعادة لا تشبه سعادة الدنيا، فإذا كنتم صادقين فتمنوا الموت، فأخبر الله جل وعلا أنهم (لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) يعني: بسبب ما عملوه، ثم أخبر في آية أخرى أنهم يتمنون الموت إذا كانوا في النار، فقال: ﴿َوَنَادَوْا يا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، ليقض: يعني ليمتنا: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف:٧٧] ، فدل هذا على أن دعواهم أن (لن) تفيد التأبيد باطلة، ثم الآية تدل على عكس ما استدلوا به، وتدل على بطلان قولهم من وجوه: الوجه الأول: أن موسى ﵇ سأل ربه الرؤية، وموسى ﵇ لا يسأل شيئاً مستحيلاً، ولا يسأل شيئاً غير ممكن، وهذا يتنزه عنه الأنبياء؛ ولهذا قال العلماء: إن رؤية الله في الدنيا ممكنة ولكنها غير واقعة لضعف خلق البشر؛ فإنهم لا يستطيعون ذلك، بل الجبل ما استطاع أن يقوم لرؤية الله بل تدكدك؛ لأن المخلوقات في هذه الحياة خلقت للفناء فلا يمكن أن تقوم لرؤية الله جل وعلا كما جاء في حديث أبي موسى الذي في صحيح مسلم: (قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات، قال: إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه) ، ومن المعلوم أن بصر الله جل وعلا لا يحجبه شيء، ولا يمكن أن يستتر عن بصر الله جل وعلا شيء، فمعنى ذلك: أنه لو كشف الحجاب لذاب كل شيء، وقوله: (سبحات وجهه) ، يعني: بهاؤه وجماله جل وعلا. الوجه الثاني: أن الله جل وعلا علق إمكان رؤيته على إمكان استقرار الجبل في مكانه، واستقرار الجبل ممكن؛ فدل على أن الرؤية ممكنة. وهناك أوجه أخرى كثيرة في الآية تدل على بطلان قولهم. أما استدلالهم بقوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام:١٠٣] ، فهو أيضاً لا يدل على ما قالوا، ونحن نقول أيضاً: إن الله جل وعلا لا تدركه الأبصار، ولكن نفي الإدراك لا يدل على نفي الرؤية، فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه، نحن نرى السماء ولكن لا ندركها، ونرى الشمس ولا ندركها وهي صغيرة بالنسبة للسماء فكيف برب العالمين؟! ويدل على هذا ما ذكره الله جل وعلا في قصة موسى مع فرعون فإن موسى لما أمره الله جل وعلا أن يخرج ببني إسرائيل من مصر فسرى بهم ليلاً، فلما علم فرعون أرسل في المدائن حاشرين يحشدون الجنود لاتباعهم وقتلهم، فتبعهم فرعون بجنوده فلما صار بنو إسرائيل مع موسى أمام البحر، ويرون فرعون خلفهم، فقالوا لموسى: إنا لمدركون، فنفى موسى ﵇ ذلك وقال -كما أخبر الله عنه-: ﴿كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦٢] فدل هذا على أن الإدراك غير الرؤية، فتصح الرؤية مع نفي الإدراك، قالوا: إنا لمدركون، قال: كلا لن ندرك، وكل فريق يرى الثاني ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] فتبين بهذا أن الإدراك شيء آخر، وهو الإحاطة بالشيء من جميع جوانبه. وجميع ما استدلوا به وتسمكوا به في الواقع أنه شبه وليس أدلة، ومن العجب أن ترى النفاة يتمسكون بهذه الشبه، ويتركون الأدلة الواضحة الجلية السالمة عن المعارضات، والكثيرة الوفيرة حتى في أدعية النبي ﷺ المروية عنه، فقد جاء فيها تقرير هذه المسألة، فجاء عنه أنه قال: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم) ، فهذا دعاء الرسول ﷺ ، وقد دلت النصوص على أن أعلى نعيم يتمتع به أهل الجنة هو مشاهدة ربهم ورؤية وجهه الكريم جل وعلا.

стр. 109

رؤية الله في أرض المحشر عامة الرؤية التي تكون في المحشر هل هي للناس عامة أو للمؤمنين خاصة؟ الأحاديث التي جاءت فيها تدل على أنها ليست خاصة بالمؤمنين، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل: (أنه إذا شفع الرسول ﷺ إلى ربه جل وعلا ليفصل بين خلقه يقول: ثم آتي وأقف مع الناس -يعني: في الموقف- ثم يأتي رب العزة جل وعلا فيقول: يا عبادي! أليس عدلاً مني أن أولي كل واحد منكم ما كان يتولاه في الدنيا فيقولون: بلى يا رب! فيؤتى بكل معبود عُبد في الدنيا من الأصنام وغيرها، أما إذا كان المعبود من عباد الله الصالحين فإنه يؤتى بتمثاله بصورته بشيطان على صورة ذلك المعبود ثم يقال لهم: اتبعوهم، فيتبعونهم إلى النار ويكبكبون هم ومعبوداتهم فيها -كما قال جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء:٩٨]- فيبقى المؤمنون ومعهم المنافقون، فيأتيهم الله جل وعلا في صورة غير الصورة التي رأوه فيها أول مرة، فيقول: أنا ربكم ماذا تنتظرون وقد ذهب الناس؟! فيقولون: فارقناهم أحوج ما كنا إليهم، وإن لنا رباً ننتظره، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك! هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيقول: هل بينكم وبينه آية؟ فيقولون: نعم الساق، فيكشف عن ساقه جل وعلا فيخر له كل مؤمن ساجداً، ويبقى المنافقون ظهر أحدهم طبقاً واحداً كلما أراد أن يسجد خر على قفاه) ، وهذا تفسير لقوله جل وعلا: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ * خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ﴾ [القلم:٤٢-٤٣] ، يعني: كانوا في الدنيا يدعون إلى السجود وهم أصحاء ليس فيهم علة فيأبون الإجابة، فجزاءهم أنهم منعوا من السجود، وهذا يدلنا على أن المنافقين يرون الله جل وعلا في ذلك الموقف، ولكن هذه الرؤية ليست رؤية نعيم، بل رؤية عذاب والعياذ بالله!

стр. 110

شرح العقيدة الواسطية [٨] القرآن الكريم والسنة النبوية وحي من الله تعالى، فهما متفقان لا يخالف أحدهما الآخر، وتأتي السنة مبينة ومفسرة وموضحة لما في القرآن، فيجب الإيمان بالسنة وما ورد فيها كما يجب الإيمان بالقرآن وما ورد فيه، ومن ذلك: إثبات أسماء الله تعالى وصفاته على ما وردت في كتاب الله وسنة نبيه ﷺ .

стр. 111

منزلة السنة يقول المصنف ﵀: [ (فصل) : ثم في سنة رسول الله ﷺ ، فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه، وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول وجب الإيمان بها، فمن ذلك قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) متفق عليه. وقوله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته) الحديث متفق عليه. وقوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة) متفق عليه. وقوله: (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غيره ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن. ] . مضى في ما ذكره المؤلف ﵀ من صفات الله جل وعلا وأسمائه من القرآن، ولم يستقص وإنما ذكر أمثلة؛ لأن النهج والطريق واحد، ويكفي النوع عن الاستقصاء والإكثار، ثم بعد ذلك ثنى بذكر سنة المصطفى ﷺ ، وذلك أن القرآن وأحاديث الرسول ﷺ كلاهما وحي، ولا يخالف أحدهما الآخر، بل السنة تبين وتفسر وتوضح القرآن.

стр. 112

السنة بيان للقرآن الواقع أن السنة مع القرآن أقسام ثلاثة: الأول: قسم يأتي بإيضاحه وبيانه وتفسيره، وهذا كثير جداً، فإن الله جل وعلا أمرنا بالصلاة، وأمرنا بالزكاة، وأمرنا بالصوم، فبين لنا رسول الله ﷺ الصلوات وأوقاتها وعددها، وعدد ركعاتها، وكذلك الزكاة وغيرها مما جاء مجملاً في القرآن، وهذا الذي أخبر الله جل وعلا عنه أنه أنزل إليه الكتاب ليبين للناس ما نزل إليهم، وقد قرن ربنا جل وعلا في مواضع متعددة: ((الكتاب والحكمة)) ، والحكمة فسرت بأنها السنة. الثاني: ما يأتي مطابقاً لقول الله جل وعلا: فيكون ذلك من توارد الأدلة واتفاقها. يعني: يأتي مطابقاً تماماً ليس فيه زيادة ولا نقص، وهذا أيضاً موجود بكثرة. الثالث: ما يأتي مؤسساً لشيء لم نعرفه من كتاب الله وآياته، وإنما يقوله الرسول ﷺ ، ويكون الكتاب دل عليه في الجملة فقط، كما لعن عبد الله بن مسعود الواصلة والمستوصلة، فقيل له في ذلك فقال: (ومالي لا ألعن من لعنه الله ورسوله، فقيل له: أين لعن الله جل وعلا في كتابه للواصلة والمستوصلة؟ فقال: في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر:٧] وقد لعن رسول الله ﷺ الواصلة والمستوصلة) .

стр. 113

وجوب الإيمان بالسنة الصحيحة كل ما جاء به الرسول ﷺ فقد أمر الله جل وعلا بقبوله، وقد سلك السلف الصالح طريقة ابن مسعود حيث يستدلون بآيات الله ثم بأحاديث رسوله ﷺ ، كما فعل الإمام أحمد والبخاري وغيرهما ممن سبقهما وممن أتى بعدهما ممن يسلك هذا الطريق، بخلاف أهل البدع فإنهم لا يقبلون أحاديث رسول الله ﷺ ، ويزعمون أنها أخبار آحاد، إلا أن تكون متواترة، وهذا مع الأسف قد تعدى إلى بعض من يشتغل بالحديث، وممن يحسب من أهل السنة، وإن كان عن اجتهاد، ولكنه اجتهاد غير مفيد، بل هو خطأ محض، مثل ما يذكر بعض من يشتغل في شروح الأحاديث -بل ويشتغل في نقل السنة- أنه لا يقبل من السنة إلا ما كان متواتراً، وهذا تأثر بأهل البدع، وهذا المسلك سلكه جماعات، وبعضهم يعد من كبار العلماء، مثل الخطابي عفا الله عنا وعنه، فإنه ذكر في شرحه للبخاري أشياء من هذا القبيل، مع أنه ذكر في غير شرحه للبخاري قواعد لم يدل عليها كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ، فأنكر ما دلت عليه أحاديث الأفراد، مثل حديث ابن مسعود الذي فيه ذكر الأصابع، مع أنه حديث متفق عليه، فنص على أنه لم يدل على الأصابع كتاب ولا سنة، هكذا قال، وقصده السنة المتواترة، والمقصود: التمثيل فقط، وأن هذا من نهج أهل البدع، فيجب أن يقبل الحديث عن النبي ﷺ إذا كان صحيحاً أو حسناً؛ فإن الحسن من أقسام الصحيح، والصحيح هو ما توافر فيه شروط خمسة كما هو معروف عند أهله: أن ينقله العدل عن مثله، وأن يكون السند متصلاً، وألا يكون فيه شذوذ ولا علة. وشروط الحسن هي نفسها، إلا أنه يكون من نقلها أخف ضبطاً ممن ينقل الحديث الصحيح، وهذا الحسن لذاته، أما الحسن لغيره فهو أن يختل فيه شرط، ولكنه ينجبر لكثرة طرقه كما هو معروف، وكل هذا مقبول عند أهل السنة، ولا فرق بين كون الحديث جاء بهذه الصفة وكان يدل على أحكام تتعلق بأفعال المكلفين، أو يدل على علم وعقيدة، لا فرق بين هذا وهذا، ويجب أن يقبل الجميع، وأهل السنة لا يفرقون بين العقائد وبين الفروع والأحكام في علم السند، إنما عندهم كل دليل من حديث رسول الله ﷺ دل على شيء من العلم سواء كان من الفروع أو من الأصول وجب قبوله. قوله: (فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه) ، هذه ألفاظ مترادفة. تفسره: التفسير هو الإيضاح والكشف والبيان. والتبيين: تبينه؛ لأنه يكون مجملاً في بعض الأماكن فتبينه. وسنة الرسول ﷺ هي أقواله وأفعاله وتقريراته، فإذا أقر إنساناً على فعل من الأفعال فإن ذلك يعد سنة، ويكون من هذا النوع، إما مبيناً ومفسراً موضحاً أو يكون مطابقاً كما سبق، أو يكون أصلاً أثبت فيه ما لم يثبت في كتاب الله جل وعلا، ويدل على هذا ما رواه أهل السنن من قوله ﷺ : (ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه) ، فالكتاب هو القرآن، ومثله: أحاديثه التي يوحيها الله جل وعلا إليه، وكذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم:٣-٤] . وقد اشتغل العلماء في بيان ذلك وإيضاحه، ففرقوا بين الوحيين تفريقاً لا يؤثر في القبول أو في إثبات الأحكام والعقائد، وإنما الفرق من ناحية أن كلام الله جل وعلا معجز، ومتحدى به، ومتعبدٌ بتلاوته، أما أحاديث رسوله ﷺ فليست كذلك.

стр. 114

وجوب العمل بالحديث الصحيح قوله: (وما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقاها أهل المعرفة بالقبول) قوله: (تلقاها أهل المعرفة بالقبول) يقصد بهذا: أهل الحديث، فلا عبرة بقول غيرهم الذين ينكرونها وليسوا من أهل المعرفة، ولا عبرة بمن يقبل كل حديث وإن كان ضعيفاً، وإنما العبرة بأهل المعرفة، أي: معرفة الرجال والأسانيد، الذين يميزون بين المقبول وغير المقبول، فإذا حكم إمام من أئمة أهل الحديث أن هذا الحديث صحيح أو أنه حسن وجب العمل به.

стр. 115

وجوب الإيمان بآيات وأحاديث الصفات على ظاهرها قوله: (وجب الإيمان بها كذلك) ، (كذلك) : يعني: مثلما سبق في وجوب الإيمان بما وصف الله جل وعلا به نفسه في كتابه من غير تمثيل ولا تعطيل، ومن غير تحريف ولا تكييف. يعني: يجب أن يؤمن به بلا تشبيه ولا تمثيل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تكييف، بل يقبل النص على ظاهره كما قاله الله جل وعلا وكما قاله صلوات الله وسلامه عليه، وهذا هو الواجب لأمور: الأول: أن الله جل وعلا خاطبنا بلغة فصحى، وخاطب قوماً فصحاء بلغاء يعرفون اللغة، ولم يخاطبهم بألغاز وأحاج وكلام غريب، وهذا هو الخطاب الذي يقصد به القبول. الثاني: أن المتبادر هو الظاهر، فلا يجوز أن نعدل عنه. الثالث: أننا أمرنا بقبول ذلك وأخذه. الرابع: أن الله كلف رسوله ﷺ بالبيان، فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة:٦٧] ، والرسول ﷺ لم يأت عنه كلمة واحدة في أن -مثلاً- يد الله نعمته، أو أن استواءه على عرشه استيلاؤه على خلقه، أو أن رجله نوع من الخلق، أو أن رحمته ثوابه وما أشبه ذلك، ما جاء شيء من ذلك ولا في حديث ضعيف، وهذا يعطينا الثقة بأن المقصود هو الظاهر. الخامس: أن الصحابة الذين تلقوا ذلك عنه صلوات الله وسلامه عليه لم يعرف عنهم شيء لا بأفعالهم ولا بأقوالهم يدل على أنهم فهموا من خطاب الله وخطاب رسوله ﷺ غير الظاهر، وهم أولى بالحق وأجدر به كما شهد لهم ربنا جل وعلا، وشهد رسوله ﷺ بأنهم خير القرون، وأنهم أفضل الأمة، بل الله اختارهم له إلى غير ذلك من الأوجه. أما السنة فنقول أيضاً: إن الظاهر الواجب قبول ظاهر اللفظ على ما يفهم من لغة العرب، هذا الواجب ولا يجوز العدول عن ذلك؛ لما سبق، ولأن الله جل وعلا بعث رسوله ﷺ بأفصح الكلام، وهو أفصح الناس وأقدرهم على البيان، وهو صلوات الله وسلامه عليه شفيق على أمته، حريص على هدايتهم، ومع هذه الأمور لا يمكن إلا أن يبين ويوضح صلوات الله وسلامه عليه، وهذا أمر واضح وجلي لا يخفى، ولكن من أشرب قلبه البدع والهوى واتباع الباطل فإنه قد يعمى عن الأمور الظاهرة الجلية الواضحة.

стр. 116

إثبات صفة النزول قال: (مثل قوله ﷺ : (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟) ، جاء بالنصب: فأغفر له، فأستجيب له، فأعطيه، وجاء بالرفع. أما النصب فهو على جواب الطلب كما هو معروف، وأما الرفع فهو على الاستئناف، وكلاهما صحيح، وكلاهما روي به الحديث؛ فلهذا تجده في بعض كتب الحديث مرفوعاً، وفي بعضها منصوباً، وكله صحيح. وهذا من الكلام الفصيح الجلي الظاهر، وتأويله يكون تحريفاً. فالنزول في اللغة: هو الإتيان من العلو إلى ما هو أسفل، ولا يفهم منه إلا هذا، والنزول هنا أسند إلى الله جل وعلا: (ينزل ربنا) هكذا يقول الرسول ﷺ . (ينزل ربنا) فينزل: فعل مضارع، والفاعل هو الرب جل وعلا، فالتكلف بل التحريف بأن النازل شيء آخر رد لكلام الرسول ﷺ ، كفعل أهل التأويل مثل الأشاعرة وأساتذتهم وقدوتهم من المعتزلة ممن يقبل الحديث، وإلا فكثير منهم لا يقبله. المؤولة يقولون: (ينزل أمره) ، أو (تنزل رحمته) ، أو (ينزل ملك) وما أشبه ذلك، وهذا باطل، والحديث يبطله من وجوه عدة: الوجه الأول: أن النزول هنا مغيّا بغاية، وهو آخر الليل، ومن المعلوم عقلاً وشرعاً أن أمر الله ينزل دائماً ليس في آخر الليل فقط، بل ينزل في الليل والنهار وفي أوله وآخره ووسطه، وفي كل وقت أراد الله جل وعلا، وهذا الوجه واضح وجلي. الوجه الثاني: أنه لا يعقل أن الأمر يقول: من يدعوني فأستجيب له! ولا الرحمة تقول ذلك إلى آخره، فهذا باطل قطعاً، وكذلك الملك لا يمكن أن يقول: من يستغفرني فأغفر له، من يسألني فأستجيب له، لا يمكن أن يقول هذا الملك ولا أحد من الخلق، فتعين أن يكون النازل والقائل هو الله جل وعلا لا غيره، وهذا واضح أيضاً وجلي. الوجه الثالث: أنه جعل النزول إلى سماء الدنيا، وأمر الله ينزل إلى الأرض وإلى كل مكان ورحمته وملائكته كذلك، فدل هذا على أن التأويل باطل. الوجه الرابع: أن مذهبهم يبطل تأويلهم، وهو أنهم أنكروا علو الله جل وعلا. إذاً: أمره من أين ينزل وهو في كل مكان؟! عندهم أن الله في كل مكان تعالى الله وتقدس، فمن أين ينزل الأمر؟! فلا بد أن يكون المذهب باطلاً حتى يصح تأويلهم، وكل ذلك باطل، إلى غير ذلك من الأوجه الكثيرة التي أوصلها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ إلى ما يقرب من أربعين وجهاً في شرح هذا الحديث، وكلها تبطل التأويلات، ويكفينا هذه الأوجه. وقد احتج الحافظ ابن حجر ﵀ في فتح الباري على أن النازل ملك بالحديث الذي رواه النسائي وقال الحافظ: إنه صحيح، وهو: (أن الله جل وعلا يمهل حتى إذا صار آخر الليل أمر ملكاً فينادي: من يستغفر الله فيغفر الله له؟ من يدعوه فيستجيب له؟) إلى آخره. وقال: (يتعين أن يكون هذا هو المراد، والأحاديث التي جاءت على خلاف ذلك يجب أن تأول إليه) وبهذا قال الأشاعرة، وكأنه أمر متفق عليه عندهم، والجواب عن هذا من وجوه: الوجه الأول: أن هذا الحديث لا يساوي ما في الصحيحين، وهذا الحديث رواه ما يقرب من ثمانية عشر صحابياً عن النبي ﷺ ، بل قال بعض الحفاظ: إنه متواتر عن رسول الله ﷺ ، فكيف يترك ما كان بهذه الصفة بحديث قد تكلم فيه، وضعفه بعض الحفاظ، ثم كيف يحكم على الأحاديث التي بلغت حد التواتر بحديث هذه صفته، فهذا تحكم لا يجوز. الوجه الثاني: على تقدير صحة ما رواه النسائي ﵀، فإنه لا يخالف هذه الأحاديث الثابتة، فيكون ربنا جل وعلا ينزل إلى السماء الدنيا كما قال ﷺ وأخبر بذلك، ويأمر أيضاً ملكاً أن يقول ذلك، فيكون بذلك اتفاق الأحاديث، ولا يكون فيها خلاف، وليس في هذا أي إشكال. وقوله: (ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة) كل ليلة هذا عام في الليالي، ولكن في آخر الليل، وقوله: (حين يبقى ثلث الليل الآخر) (الآخر) صفة للثلث، فالليل ثلاثة أقسام: أول ووسط وآخر، والأمر واضح لا إشكال فيه. وقوله: (فيقول) يعني: أنه إذا نزل إلى سماء الدنيا يقول: من يدعوني؟ والدعاء -كما سبق- نوعان: دعاء مسألة ودعاء عبادة، ودعاء العبادة أعم، والقراءة والتسبيح والتكبير والصلاة والصوم وغير ذلك هذا كله دعاء عبادة؛ لأن كل من يفعل شيئاً من هذه الأمور يريد بذلك القرب إلى الله والإثابة، ودفع الهم والعذاب، فهو في الواقع داعٍ لربه. وقوله: (فأستجيب له) يدلنا على أن الداعي يستجاب له ولابد، فمن دعا الله استجاب له، ولكن هذا المفهوم قد قيد بنصوص أخرى: أولاً: أن الله لا يستجيب إلا بمشيئته جل وعلا، فإن الرسول ﷺ يقول: (إذا سألتم الله فاعزموا المسألة فإنه لا مستكره له) . يعني: أن دعاء الداعي لا يحمله على أن يعطي شيئاً كرهاً، فالأمر بمشيئته، إذا شاء أن يستجيب استجاب، وإن شاء ألا يستجب لا يستجيب. ثانياً: أن السائل قد يكون تخلفت الإجابة بسببه هو، بأن يكون يأكل حراماً، أو يكون قلبه مشغولاً لاهٍ، فإنه جاء في الحديث: (إن الله لا يستجيب من قلب غافل لاه) ، أو أنه يكون مستعجلاً؛ فإنه جاء في الحديث: (إن الله يجيب دعوة العبد ما لم يعجل) ، أي: ما لم يستجعل، يقول: دعوت ودعوت فلم يستجب لي، فيترك الدعاء. وقد يؤخر الله جل وعلا إجابة عبده حتى يسمع إلحاحه ودعاءه وابتهاله؛ لأنه جل وعلا يريد ويحب ما ينفع العبد ويقربه إلى ربه جل وعلا كما سيأتي. وقوله: (من يسألني) قال أولاً: (من يدعوني) ، ثم قال: (من يسألني) ، وسبق أن الدعاء أعم، والمسألة أخص؛ ولهذا فرق بينهما، فالسؤال هو طلب الشيء المعين الذي يسأل من أمور الدنيا والآخرة، أما الدعاء فهو عام، وقال في الأول: (فأستجيب له) ، وقال في الآخر: (فأعطيه) فالدعاء الذي في ضمنه العبادة، أو يشتمل على العبادة يناسبه الإجابة، وأما المسألة فيناسبها العطاء. وقوله: (من يستغفرني فأغفر له) الاستغفار استفعال، وهو طلب المغفرة، والمغفرة هي: الستر والوقاية. يعني: أن يستر ذنبه، ويوقى تبعته، فيسأل الإنسان ربه أن يستر ذنبه، وأن يقيه تبعة الذنب الذي كان عليه، وفي ضمن هذا: أن يمحي ذنبه، حتى لا يفتضح به في صحيفته، وقد يبقى ولكن الله يستره كما جاء في الحديث الصحيح من حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين حينما سئل وقيل له: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعته يقول: (يدني الله جل وعلا عبده المؤمن فيضع عليه كنفه -يعني: ستره- فيقرره بذنوبه. يقول: عملت يوم كذا كذا وكذا وكذا، فإذا رأى أنه قد هلك قال الله جل وعلا له: أنا سترتها عليك في الدنيا، وأغفرها لك اليوم، فيعطى صحيفته بيمينه) . وقوله: (فيضع عليه كنفه) حتى لا يتبين للناس حينما يذكّر بذنوبه تغير الوجه، فإنه يتغير وجهه عندما يرى أنه قد هلك حتى يبشره ربه جل وعلا بمغفرته وستره له، فهذا نوع.

стр. 117

الرد على المتكلمين المنكرين لصفة النزول ونوع: أن الله يبدل السيئات حسنات. اعترض على هذا الحديث من ناحية الواقع والعقل المتكلمون الرادون لأحاديث رسول الله ﷺ ، وقالوا: هذا لا يمكن في الواقع ولا في العقل، قالوا: إننا نشاهد اختلاف الليل، فمثلاً: آخر الليل هنا هو أول الليل لقوم غربنا، وهو نهار لقوم شرقنا، فإذا قيل: إنه ينزل آخر الليل لكل قوم، يلزم من ذلك أن يكون دائماً نازلاً في الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة. وهذا باطل. والجواب عن هذا: أن هذا القول مبني على القياس -أي: قياس أفعال المخلوق المحصور المحدود على أفعال الله جل وعلا- وهذا هو أصل التشبيه وأصل البلاء، وأصل التعطيل أيضاً، فيحصل التشبيه أولاً، ثم ينفى ما وصف الله جل وعلا به نفسه ووصفه به رسوله، ويعطل عن ذلك، فنقول: يصح هذا القول لو كان النازل مخلوقاً محصوراً محدوداً، وإلا فأفعال الله جل وعلا لا يجوز قياسها بمثل هذه الأقيسة التي تكون للمخلوق، فهو على كل شيء قدير، يكلم ويحاسب ويرى المخلوق أنه وحده يكلم وهو جل وعلا يكلم الجميع كلهم في آن واحد، ونزوله من هذا النوع في آن واحد، وإن اختلفت الأوقات والأماكن، فلا يجوز قياسه على ما يكون من فعل المخلوق الضعيف، وقد علم أن الله جل وعلا وسع كرسيه السموات والأرض، وأن الكرسي بالنسبة للعرش صغير جداً، وأنه جل وعلا فوق عرشه، وهو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فلا يجوز أن يقاس بشيء محدود محصور. ثم إن هذا النزول الذي ذكره الرسول ﷺ مثل ما مضى في الآيات: شيء يليق بالله جل وعلا، ولا يجوز أن يكون مثل نزول المخلوق، ولا يجوز أن يعتقد بأنه إذا نزل إلى سماء الدنيا أن شيئاً من السماء الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو الخامسة أو السادسة والسابعة يكون فوقه تعالى الله وتقدس، فهو ينزل إلى السماء الدنيا وهو فوق عرشه عالٍ على خلقه؛ لأنه أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، وكذلك يوم القيامة ينزل إلى الأرض وهو فوق عرشه؛ ولهذا اتفق علماء أهل السنة على أن العلو من صفات الذات، وصفات الذات هي الصفات التي لا تفارق الله جل وعلا سبحانه في حال من الأحوال، بل تكون ملازمة له دائماً وأبداً، بخلاف صفات الأفعال فإنها تتعلق بمشيئته، إذا شاء فعلها وإذا شاء لم يفعلها، والنزول من صفات الأفعال، أما العلو فهو من صفات الذات.

стр. 118

إثبات صفة الفرح قوله ﷺ : (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته) الحديث. هكذا المؤلف ﵀: (الحديث) منصوب، والناصب له شيء مقدر، إما اقرأ الحديث أو أعني الحديث، وفي هذا دليل على أنه يرى جواز اختصار الحديث، وقد أكثر منه الإمام البخاري ﵀ في صحيحه، والقول الصواب الصحيح، أنه يجوز ذلك إذا أمن اللبس، وأمن أن يقال على رسول الله ﷺ مالم يقله: فيجوز أن يختصر على موضع الشاهد، وكثير من العلماء يفعل ذلك، وكأنه شيء اتفقوا عليه، كما أن رواية الحديث بالمعنى أيضاً تجوز على الصحيح بشروط، منها: أن يكون المعنى الذي أدلي به لا يختلف عن المعنى الذي نقل عنه، وأن يكون الذي رواه بالمعنى يعرف ذلك ويفقهه. والحديث هو في الصحيحين، ولكن في رواية مسلم أشياء ليست في رواية البخاري وتمامه: (الله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم براحلته يضلها في أرض مهلكة، عليها متاعه وشرابه، فييئس منها، فيأتي إلى المكان الذي فقدها فيه ويضع رأسه تحت شجرة ينتظر الموت، يقول: أموت هاهنا، فبينما هو كذلك إذا راحلته واقفة على رأسه، فأخذ بخطامها وقال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) .

стр. 119

مسائل في حديث: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده) في هذا الحديث مسائل: الأولى وهي المقصودة: أن الله جل وعلا موصوف بأنه يفرح، وأن فرحه من صفاته تعالى وتقدس، ولكن فرحه ليس كفرح المخلوق؛ لأن فرح المخلوق يليق بضعفه وبفقره أما فرح الله جل وعلا فهو عن غنى وعن رحمة وإحسان، ثم لا يجوز أن يكون الرب جل وعلا والعبد يماثل أحدهما الآخر في شيء من الصفات، وهذا أصل يجب أن يكون بين أعيننا دائماً، فالله ليس كمثله شيء، لا في صفته ولا في ذاته. وأصل ثان هو: أن باب الصفات باب واحد، فما قيل في صفة يقال في الصفة الأخرى، لا فرق بين الاستواء والنزول، ولا فرق بين النزول والفرح، ولا بين اليد والعزة، يعني: صفة ذات أو صفة معنى، كلها سواء، فالله يختص بصفاته، والعبد يختص بصفاته وما يليق به. الثانية: أن فرح الرب جل وعلا بتوبة عبده ليس عن حاجة، فهو غني عن طاعة المطيعين وتوبة التائبين، ولكنها رحمته وفضله وإحسانه، وهذا يدلنا على أنه جل وعلا يكره عذاب العباد، ولكن تعذيبهم إنما هو بأفعالهم وكفرهم ومعاصيهم. الثالثة: أن هذا يدلنا على فضل التوبة، وأنها محبوبة إلى الله، وكذلك التائب، وأنه تغفر ذنوبه. الرابعة: أن الإنسان لو أخطأ من شدة فرحه، أو من شدة غضبه أو ما أشبه ذلك، فتكلم -مثلاً- بكلام الكفر لا يكون كافراً ولا يؤاخذ بذلك؛ لأن قوله: (اللهم أنت عبدي، وأنا ربك) بسبب أنه غلب عليه الفرح، وأصبح لا يميز بين الكلام، ولو اعتقده لكان كافراً، لكنه لا يؤاخذ بذلك. وهذا يدل على أن حكاية الكفر ليست بكفر، فإذا حكى الإنسان قول كافر فلا يكفر بذلك.

стр. 120

إثبات صفة الضحك قال: (وقوله ﷺ : (يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة) متفق عليه) . فيه إثبات صفة الضحك لله جل وعلا، وهي صفة كمال كالفرح، وضحكه يليق به تعالى وتقدس ولا يجوز أن يكون كضحك المخلوق، وما يلزم منه أن يكون المخلوق قد فعل شيئاً خرج به عن العادة التي اعتادها فأوجب له الرحمة، والله جل وعلا ضحكه يليق به، والمخلوق يجهل أشياء كثيرة جداً، والله علّام الغيوب، فضحكه ضحك يخصه ولا يشاركه فيه المخلوق، ولا يجوز أن يكون ذلك، ولا يلزم من ضحك المخلوق نفي ضحك الرب جل وعلا كما يقول أهل البدع: هذا يجب أن يرد ولا يثبت على أصولهم التي سبق أن قررناها. وفي هذا دليل ظاهر على فضل الشهادة في سبيل الله، وأن الذي يقتل في سبيل الله يدخل الجنة، وأن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب، وأن التوبة تمحو كل ذنب حتى القتل، وبهذا يرد على الذين يقولون: (إن القاتل لا توبة له) ، ويستدلون ببعض النصوص كقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء:٩٣] إلى آخر الآية. نقول: هذه الآية من النصوص التي يجب أن يوقف عليها ولا تؤول، ولكن لا يعارض بها الثابت من النصوص الأخرى، مثل قوله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً﴾ [الزمر:٥٣] ، ومثل هذا الحديث ونحوه. وقد فُسر هذا الحديث تفسيراً جلياً كما في صحيح مسلم: كيف يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة؟ فذكر أنه الرجل يقاتل في سبيل الله فيقتله الكافر، ثم يسلم ذلك الكافر ويقاتل في سبيل الله فيقتل فيدخل الجنة. وهذا التفسير جاء عن النبي ﷺ وله حكم المرفوع.

стр. 121

إثبات صفة العجب قال: [وقوله ﷺ : (عجب ربنا من قنوط عباده وقرب خيره) وفي رواية: (ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن، رواه أبو داود وغيره] . المقصود هنا: إثبات العجب لله جل وعلا، وأنه يعجب، والعجب صفة من صفاته، وقد جاء في قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢]-بضم التاء- (عجبتُ) ، فيكون المقصود: الله جل وعلا، فيكون ذلك مطابقاً لهذا الحديث، ومن توارد الأدلة، والعجب ظاهر ولا يحتاج إلى تفسير، فيجب أن يثبت لله كما قاله الرسول ﷺ ، وكما فهمه الصحابة رضوان الله عليهم، وذكر السبب في قوله: (من قنوط) . والقنوط هو: شدة الإياس من الشيء، وكون الإنسان ييئس من رحمة الله جل وعلا ليس له وجه لأمور: الأول: أن الله جل وعلا هو الرب، والرب هو الذي يتولى تربية عباده لمصالحهم فلا يضيعهم. الثاني: أنه الرحمن الرحيم. الثالث: أن فضله وخيره ملأ السموات والأرض. الرابع: أنه جل وعلا يستجيب الداعين كما مر إلى غير ذلك من أمور كثيرة كلها تمنع من كون الإنسان يقنط، لهذا قال (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) ، (غيره) يعني: تغييره الحالة التي أنتم عليها إلى حال أحسن، فإنه قد علم أن مع العسر يسراً، وأنه ما اشتد أمر إلا وأعقبه الفرج قريباً؛ ولهذا كان من أمثال العرب: (اشتدي أزمة تنفرجي) ، هذا من أمثالهم، كل إنسان يقع في أزمة وفي شدة، وإذا اشتدت انفرجت، وهذه سنة الله جل وعلا في خلقه. وأما قوله: (وقرب خيره) بالخاء فهذا أيضاً له وجه، وأن خيره قريب من عباده، وقوله: (ينظر إليكم) فيه إثبات النظر لله جل وعلا، وأنه ينظر إلى خلقه، ولا يخفى عليه شيء. (أزلين) يعني: أنكم في حالة شدة، والأزل هو المشتد، وأمر مشتد، (ينظر إليكم أزلين) يعني: من تأخر المطر. يعني: في شدة. وقوله: (قنطين) يعني مستبعدين الخير، آيسين منه. (فيظل يضحك) هنا: إثبات صفة الضحك. (فيظل) يعني: يبقى. وهذا يكون وقتاً دون وقت، فليس دائماً يضحك، بل يضحك إذا شاء كما أنه يعجب إذا شاء. (يعلم أن فرجكم قريب) يعني: تغير حالكم التي أنتم عليها قريب.

стр. 122

الأسئلة

стр. 123

الكتاب والسنة ميزان العقيدة السؤال كيف نرد على من يقول: إن بعض الحفاظ على غير عقيدة السلف؟ وإذا كان كذلك فكيف نقبل الإيضاح منهم في شرح الأحاديث؟ الجواب أولاً: ليس كل الحفاظ على عقيدة السلف، والحفظ ملكة يعطيها الله جل وعلا من يشاء، ولا يلزم أن يكون الحافظ على عقيدة صافية. ثانياً: الإيضاح والبيان والكلام يجب أن يعرض على كتاب الله ممن قاله، فكل من قال قولاً يجب أن يعرض قوله على كلام الله وكلام رسوله، فإن كان موافقاً لذلك قبل، ليس لأنه قاله فلان، بل لأنه وافق كلام الله وكلام رسوله ﷺ ولو كان القائل عدواً، ولا يجوز يعرف الحق بفلان وفلان، إذا جاء من فلان قبل، وإذا جاء من الآخر لا يقبل! هذا لا يجوز أن يكون.

стр. 124

نسخ السنة لأحكام القرآن السؤال أليس نسخ السنة لبعض أحكام القرآن قسم رابع من من أقسام السنة؟ الجواب لا. فالقرآن أيضاً ينسخ بعضه بعضاً، فهذا مثله.

стр. 125

بيان من الفرقة الناجية السؤال ما هي الفرقة الناجية؟ وهل يقال لمن خالف ذلك: مبتدع؟ الجواب الفرقة الناجية لا يحتاج أن يسأل عنها؛ لأن الرسول ﷺ بينها فقال: (من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي) ، هذه الفرقة الناجية.

стр. 126

مصادر التشريع السؤال ما هي مصادر التشريع؟ وما حكم من أنكر مصدراً منه؟ الجواب مصادر التشريع الكتاب والسنة، أما الإجماع والقياس فلا بد أن يستند إلى أصل من الكتاب والسنة، فهذه مصادر التشريع، وإذا أنكر الإنسان كتاب الله وسنة رسوله فالأمر واضح، لا يحتاج إلى أن يسأل عن حكم هذا.

стр. 127

متى يبدأ الثلث الأخير من الليل السؤال متى يبدأ الثلث الأخير من الليل بالساعة؟ الجواب يختلف الليل والنهار، فمرة يطول، ومرة يقصر، فهو مختلف ولا ينضبط بالساعة التي كل وقت له تحديد، لكن ينبغي أن يعرف متى يبدأ الليل، ومتى ينتهي، فإذا عرف ذلك فالأمر سهل، فالليل يبدأ من غروب الشمس وينتهي بطلوع الفجر الثاني، هذا الليل الذي جاء ذكره في الشرع.

стр. 128

وقت الأذان الأول في آخر الليل السؤال هل الوقت بين أذان الفجر الأول والأذان الثاني من ثلث الليل الآخر؟ الجواب إذا كان الأذان قبل طلوع الفجر فهو من آخر الليل. يعني: من الثلث الأخير. والأمر واضح، ولا يحتاج أن يسأل عن مثل هذا.

стр. 129

أدب السؤال السؤال هل هذه العبارة: (من لم يكفر الكافر فهو كافر) صحيحة؟ الجواب أولاً: الأسئلة يجب أن تكون من نفس الدرس، ولا تخرج عن الدرس، أما أن تخرج عن الدرس فلا يصلح أن نجيب عليها. الثاني: السؤال يجب أن يكون في أمر مشكل، يستفهم الإنسان عنه ويريد الإفادة، فإذا كان السؤال ليس كذلك فلا يجوز الإجابة عليه.

стр. 130

الفرق بين السنة الخلْقية والخُلُقية السؤال ما هي السنة الخلْقية؟ وهل يلزمنا التأسي بالنبي فيها؟ الجواب لا؛ لأن السنة الخلْقية تتمثل في صفاته ﷺ ، كونه طويلاً، وكونه كذا وكذا، أما الخُلُقية فهي الصفات التي تخصه، وينبغي للإنسان أن يتشبه به فيها، والشيء الذي يلزم الناس معرفته هو ما يلزمهم العمل به.

стр. 131

تفسير قوله تعالى: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) السؤال ما هو المراد بقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ [الحشر:٢] ؟ وهل يحمل على الفعل الحقيقي أم يؤول بإتيان أمره وقضائه؟ الجواب هذا ظاهر من سياق الآية، ولو فسر بأنه حقيقي لصار باطلاً، فإن هذه السورة تسمى سورة بني النضير، وهم اليهود الذين أنزل الله جل وعلا في قلوبهم الرعب، وقال فيهم جل وعلا: ﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾ [الحشر:٢] ، فأتاهم أمره بجند من ملائكته، ورسوله ومن معه من عباد الله، هذا ظاهر الآية، ومثلها قوله جل وعلا: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ﴾ [النحل:٢٦] ؛ لأن الله لا يأتي من سيسان الحيطان ومن قواعد الأرض، وهذا هو ما يجب أن يفهم، وهو يدلنا على أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ لفظاً معيناً على نسق واحد في جميع موارده، بل يجب عليه أن يتعرف على مراد المتكلم من قرائن الأحوال والسياق.

стр. 132

رؤية الله في المنام السؤال هل يمكن رؤية الله في المنام، نرجو بيان ذلك؟ الجواب نعم يمكن رؤية الله في المنام، ولكن يجب أن يعلم أن الذي يراه النائم في منامه ليس هو الله وإنما هو مثال يمثل له على حسب ما في قلبه من الإيمان، فإذا كان إيمانه صحيحاً وحسناً يرى صورة تناسب إيمانه، وإن كان ضعيفاً رأى ما يناسب إيمانه؛ ولهذا لما كان الرسول ﷺ أحسن الخلق إيماناً قال: (رأيت ربي في أحسن صورة) ، يعني: في النوم، والذي رآه صلوات الله وسلامه عليه هو مثال لله جل وعلا حسب ما عنده من الإيمان، وكذلك الحال مع كل نائم. أما الله جل وعلا فهو لا يرى في الدنيا، كما أن رؤيته في الآخرة لا يصاحبها إحاطة به، وإنما يرى المؤمنون وجهه جل وعلا، ولهذا قال: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام:١٠٣] ؛ لأن الإدراك: هو الإحاطة إحاطة بالشيء كما بين القرآن ذلك، فإنه جل وعلا قال في قصة موسى مع فرعون: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:٦١-٦٢] ، فبين أن كل جمع كان يرى الجمع الآخر، ومع ذلك نفى موسى ﵇ الإدراك وقال: كلا، فالإدراك غير الرؤية.

стр. 133

الفرق بين التفويض المحمود والتفويض المذموم السؤال ما الفرق بين التفويض المحمود والتفويض المذموم، حيث إن هناك من يستدل بقول الإمام مالك في تفسيره للاستواء، ويقول: هذا هو التفويض؟ فهل هذا صحيح بارك الله فيكم? الجواب التفويض المحمود هو تفويض حقيقة الشيء، أما المعنى فلا يجوز تفويضه، والمطلوب من المسلم في ذلك الفهم والإيمان والعمل، والله جل وعلا يقول: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء:٨٢] ، وهذا ذم للذين لا يعرفون معاني القرآن، والله لا يخاطبنا بشيء لا يفهم، ولكن الشيء الذي لا يدرك ولا يمكن للعقل استيعابه وإدراكه؛ ومعرفته فهذا الذي يفوض، ومنه حقائق صفات الله جل وعلا، أما المعاني والتي منها كونه ينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي إلى الأرض فهذا نعرفه، أما كيفية النزول فهو مما لا يدرك ولا يعرف؛ لأن الكيفية يلزم لها أمران: الأمر الأول: أن تشاهد الشيء حتى تعرف كيفيته، والمشاهدة هنا ممتنعة، فلا أحد يشاهد الله ولا يراه. الأمر الثاني: أن يكون لهذا المكيف شيء مثله، والله لا مثيل له تعالى وتقدس. فانتفت الكيفية بهذين الأمرين قطعاً، فالتفويض الجائز: أن يفوض الإنسان حقيقة الشيء إلى الله جل وعلا ويؤمن بالشيء الذي يدركه ويعلمه ويعرفه.

стр. 134

دراسة العقيدة سبب زيادة الإيمان ومعرفة الرحمن السؤال هناك من يقول: إن دراسة العقيدة ليست ضرورية في ازدياد الإيمان ومعرفة الله ، فما حكم ذلك؟ الجواب نسأل الله العافية! إن هذا الكلام يدل على أن قائله ما عرف الحقيقة؛ لأن الإنسان لن يؤمن إلا بالعقيدة، ولن يزداد إيماناً إلا بالعقيدة، ولن يعرف ربه إلا بالعقيدة، فالله جل وعلا بعدما أخبرنا أن له الأسماء الحسنى أمرنا أن ندعوه بها، ولا يمكن للإنسان أن يعرف ربه جل وعلا إلا بصفاته، والمؤمنون تتفاوت درجاتهم ويتفاوت إيمانهم في هذا المعنى، فالجاهل الذي يقول: لا معنى لدراسة العقيدة؛ ما عرف الحقيقة من وجوده في الواقع، فيجب عليه أن يجتهد في تعلم ما يتعلق بأسماء الله وأوصافه وأفعاله التي يفعلها؛ لأن الله جل وعلا لا يعرف على الحقيقة إلا بهذه الطريقة، ولا تكون هذه الطريق إلا من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فقط، أما مجرد معرفة الآثار التي تكون للصفات فهذا يشترك فيه البهائم والكفار والمؤمنون، مثل: الرزق والرحمة وما أشبه ذلك، فإنها من آثار صفات الله، ويستدل بها أيضاً على ثبوت الصفات، ولكن هذه لا تكفي، فيتعين أن يعرف الإنسان ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله من كتاب الله جل وعلا وسنة رسوله ﷺ ؛ ولهذا فإن العلماء يسمون التفقه في الصفات وفي الأسماء الفقه الأكبر، ويقابله الفقه الأصغر الذي هو في أفعال الخلق، وهي الأحكام التي يجب عليهم أن يفعلوها، فيفرقون بين هذا وهذا.

стр. 135

شرح العقيدة الواسطية [٩] من أصول أهل السنة والجماعة إثبات صفات الله تعالى، ومن ذلك صفة الضحك والعجب والقدم لله ، كما أخبر عن نفسه، وأخبر عنه رسوله ﷺ ، إثباتاً يليق بجلاله، دون إعمال للعقول في كيفية صفاته؛ لأن ذلك يؤدي إلى الانحراف والخروج عن المنهج الحق.

стр. 136

قواعد مهمة في أسماء الله وصفاته يقول المصنف رحمه الله تعالى: [وقوله ﷺ : (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب) حديث حسن، وقوله ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية: عليها قدمه- فينزوي بعضها إلى بعض، فتقول: قط قط) متفق عليه، وقوله ﷺ : (يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) ، وقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ] .

стр. 137

صفات الله توقيفية لا تثبت إلا بالكتاب والسنة لما ذكر الشيخ ﵀ الأسماء والصفات من القرآن على شبه قواعد وكليات، أراد أن يذكر شيئاً من ذلك من أحاديث رسول الله ﷺ ، ومعلوم أن أهل العلم متفقون على أن سنة الرسول ﷺ أصل يثبت به كل ما يثبت بالقرآن من عقائد وأحكام وغيرها، وقد حذر الرسول ﷺ أن يقول الرجل: ما جاء في كتاب الله آمنا به وأخذنا به، وما لا فلا، وأخبر أنه أوتي الكتاب ومثله معه، وأخبر أن ما يبلغه من سنته مثل ما جاء به كتاب الله جل وعلا، كلاهما أتى به جبريل ﷺ إلى محمد ﷺ ؛ لإبلاغ الناس، فالذي يرد السنة يكون ممن آمن ببعض وكفر ببعض، وهؤلاء يقول الله جل وعلا فيهم: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء:١٥١] والناس تجاه السنة ثلاثة أقسام: قسم ردوها، فهؤلاء الكلام معهم مفروغ منه؛ لأن من فعل ذلك عرف. وقسم تأولوها تأويلات تخرجها إلى التحريف والإلحاد، وليس تأويل القابل لها، المؤمن بها، وهؤلاء يلتحقون بالقسم الأول، وقد يكونون أشر من القسم الأول؛ لأنه قد يخفى أمرهم على بعض الناس، فيكون ضررهم أعظم. قسم ثالث: هم الذين قبلوها قبول انقياد واستسلام، وتصديق وإيمان، وهؤلاء هم الذين انتفعوا بها، فانتفعوا بما جاء به الرسول ﷺ حقاً، والقسمان الأولان لا يخرجان من الدين الإسلامي، ولا يقال: إنهما كفار خرجوا من الدين الإسلامي، ولكنهم من أهل الوعيد، الذين توعدهم الله جل وعلا، فإن شاء أمضى وعيده، وإن شاء فعل ما يشاء؛ لأن العباد كلهم عباده، يتصرف فيهم كيف يشاء جل وعلا وسبق أن ذكر المؤلف حديث النزول، وقد أوجد حوله كثير من الناس إشكالات كثيرة، والسبب في الإشكالات عدم الإيمان به على الوجه المطلوب؛ لأنه صفة من صفات الله، إن كان فعلاً فهو من صفات الأفعال التي تتعلق بمشيئته.

стр. 138

ليس كمثله شيء القاعدة التي عليها أهل السنة في هذا وغيره أن الله ليس كمثله شيء في جميع ما يتصف به، سواء صفات الذات أو صفات الأفعال، هذه واحدة، فإذا كان ليس كمثله شيء فكل الإشكالات والإيرادات التي يوردها هؤلاء تكون باطلة؛ لأنها على نزول يتصورونه من أنفسهم، كقولهم مثلاً: إن آخر الليل يختلف باختلاف الأقطار، ولو قلنا: إنه ينزل آخر الليل عند كل قوم لبقي نازلاً طوال الزمن، ولا يكون مستوياً على عرشه، ولا عال على خلقه، ومعلوم أن هذا القول من أبطل الباطل، ولهذا لجئوا إلى التأويلات الباطلة؛ لأنهم اعتقدوا أن هذا باطل عقلاً وشرعاً، وهو على التصور الذي اعتقدوه باطل عقلاً وشرعاً بلا شك، ولكن ليس نزوله كذلك، فوصف الله جل وعلا بالنزول كوصفه جل وعلا بأنه سميع، وبأنه بصير وغير ذلك؛ فنزوله لا يشبه نزول المخلوق الذي إذا كان على شيء عالٍ فنزل عنه؛ لزم أن يكون ذلك الشيء فوقه تعالى الله وتقدس. وصفات الله حقائقها لا تحتملها عقول البشر، ولهذا يكتفى بما بلغه الرسول ﷺ ويوقف عند ذلك فقط، ولا يبحث عما وراءه هذه قاعدة.

стр. 139

الإيمان بأن الله على كل شيء قدير القاعدة الثانية: أن الله على كل شيء قدير، فأي شيء أراد فعله لا يحول بينه وبين ذلك شيء؛ ولهذا لما قال أحد النفاة لـ إسحاق بن راهويه: أتقول: إن الله ينزل؟ قال: نعم، فقال: إذا نزل فهل يخلو منه العرش أو لا يخلو؟! قال: أتقول: إن الله على كل شيء قدير؟ قال: نعم، قال: إذاً: نزوله على ما يشاء حسب قدرته، وليس كما تتصور، وفي رواية أنه لما قال له: كيف تثبت ذلك؟ قال: يقول الله جل وعلا: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر:٢٢] ، فقال له أحد الحاضرين: هذا يوم القيامة، فقال: الذي يأتي يوم القيامة ما الذي يمنعه أن يأتي إذا شاء، والمقصود تقعيد هذه القاعدة: أنه على كل شيء قدير. إذاً: القادعة الأولى: أن أفعاله وصفاته ليست كأفعال الناس، وليست كصفات الناس. القاعدة الثانية: أنه على كل شيء قدير. فعلى هذا؛ فالإشكال الذي يورد على بعض الصفات إذا لم تستطع أن تستوعبه بعقلك، فعليك أن تستحضر عظمة الله جل وعلا، وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّموَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فإذا كانت الأرض والمخلوقات كلها يطويها بيده تعالى وتقدس، فكيف يتصور أن شيئاً من المخلوقات تظله أو تقله؟! فالصواب في هذا أن نزوله يليق به، وأنه ينزل وهو على عرشه بائن من خلقه، وأن نزوله يكون آخر الليل لكل قوم، وهو وإن تعدد بالنسبة لهم فهو غير متعدد بالنسبة لله جل وعلا، فنزوله كسماعه دعاء الداعين في آن واحد، لا يختلط عليه دعاء هذا بدعاء هذا، ولا يشغله دعاء هذا عن دعاء هذا، وكذلك محاسبته لخلقه يوم القيامة في آن واحد، وكل رجل يناقشه ويحاسبه على كثرتهم، من أولهم إلى آخرهم، ويرى الإنسان أنه هو وحده الذي يحاسب، والخلق كلهم يحاسبون في وقت واحد، فصفاته لا تشبه صفات الخلق، وأفعاله لا تشبه أفعال الخلق، فعلى هذا كل إيراد يورد على ذلك باطل، ولا يلتفت إليه، ونكتفي بهذا عما عساه أن يثار من إشكالات أو تساؤلات حول ذلك؛ لأن هذه القاعدة يرجع إليها في كل ما قد يثيره بعض الذين لم يثبتوا صفات الله جل وعلا على ما يليق به.

стр. 140

إثبات صفة الضحك والفرح لله على ما يليق به ثم بعد ذلك ثنى المؤلف بذكر صفتي الضحك والفرح، وكلاهما صفة كمال، والله جل وعلا له الكمال، والقاعدة واحدة لا تختلف، فإن فرح الله جل وعلا ليس فرح خفة وسرور وطرب، أو فرح أشر وبطر كما يكون من المخلوق تعالى الله وتقدس! ففرحه في أسبابه ونتائجه مخالف لفرح المخلوق تماماً، فهو ناشئ عن رحمته، وعن غناه وكرمه جل وعلا كسائر صفاته، وإذا قال الرسول ﷺ قولاً وجب علينا قبوله. وهنا قاعدة أخرى بالنسبة لما قاله الرسول ﷺ ، وهي أنه يجب على كل مسلم أن يعلم علماً يقينياً أن رسول الله ﷺ أعرف الخلق بالله جل وعلا، وأتقاهم لله تعالى، وأنه أقدر الخلق على البيان والإيضاح، وأنه أنصح الخلق للخلق صلوات الله وسلامه عليه، فإذا قال قولاً وجب قبوله بلا تردد، ولا يلتفت إلى قول المؤولين الذين يظنون به الظنون السيئة، شعروا أو لم يشعروا، حيث ظنوا أن ظاهر قوله يدل على التجسيم والتشبيه، صلوات الله وسلامه عليه، وهذا الظن أيضاً ظنوه في رب العالمين، فإذا تحلى الإنسان بهذا، وعلم ذلك علماً يقينياً؛ علم أنه حق، فإن فهم ما قاله الرسول ﷺ أو ما قاله ربه فليحمد الله، فإنها نعمة أنعم الله جل وعلا بها عليه فلابد أن يشكرها، وإن لم يتبين له ذلك فعليه أن يتهم رأيه وفهمه، ولا يتهم ربه، ولا يتهم رسوله صلوات الله وسلامه عليه، وهذه القاعدة في كل ما جاء عن رسول الله ﷺ ، وعن رب العالمين جل وعلا. ثم إن التكلف، وبحث الأمور، وطلب غرائب اللغة، حتى يحمل عليها كلام سيد الخلق الذي أعطي البيان والإيضاح والنصح؛ ليس من مقتضى شهادة أن محمداً رسول الله، بل هو يخدش في معنى الشهادة، فعلى الإنسان إذا كان بهذه المثابة أن يصحح شهادة أن محمداً رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، فعلى هذا أقول: إذا أخبر الرسول ﷺ بخبر ولو لم يكن موجوداً في القرآن فإنه يجب علينا قبوله، ويجب تنزيه الرسول ﷺ عن الظن السيء، ويجب أن نعلم أنه من الوحي الذي أوحاه الله إليه، فنؤمن به كما آمنا بقول ربنا جل وعلا، وقد مثل الرسول ﷺ فرح رب العالمين لنا تقريباً لأفهامنا بأقصى ما يمكن تصوره من الفرح، فقال: (لله أشد فرحاً بتوبة عبده من أحدكم ضلت راحلته في أرض مهلكة، عليها طعامه وشرابه، فيئس من وجودها، فأتى حيث فقدها ووضع رأسه ينتظر الموت، فبينما هو كذلك إذا راحلته واقفة على رأسه، فأخذ بخطامها، وقال: اللهم أنت عبدي وأنا ربك؛ أخطأ من شدة الفرح) . هذا الحديث صح عن رسول الله ﷺ من عدة طرق، ورواه ما يقرب من ثمانية عشر صحابياً، فهذا فرح ليس لأنه جل وعلا محتاج إلى توبة عبده أو طاعته؛ كلا، هو الغني بذاته عن كل ما سواه، ولكن هذا من كرمه وجوده ورحمته جل وعلا، ورحمته وسعت كل شيء، فهو يفرح بتوبة عبده التائب، وهو الغني تعالى وتقدس، فيجب أن يثبت ذلك كما أثبته الرسول ﷺ . وكذلك الضحك، فقد صحت فيه أحاديث كثيرة ومتعددة، فهي صفة فعل كالفرح والنزول، وكل هذه صفات أفعال تتعلق بمشيئته، إذا شاء أن يفعلها فعلها، وهذه هي التي تسمى: الصفات الخبرية، ومعروف أن الأشاعرة الذين هم أقرب الطوائف إلى أهل السنة يؤولون هذه؛ لأنهم لا يجرءون على رد الأحاديث الصحيحة الثابتة، ويجعلون التأويل عندهم واجباً متعيناً لابد منه؛ لأن الظاهر عندهم غير مراد، بل هو باطل، والسبب في هذا أنهم اعتقدوا أن ظاهرها ما يعرفونه من أنفسهم تعالى الله وتقدس. وضحكه جل وعلا صفة كمال، وله الكمال المطلق غير أنه جل وعلا لا يشاركه المخلوق في صفاته، وإن حصل الاشتراك في المسمى، بل وقد يكون في المعنى، ولابد أن يكون الاشتراك في الاسم والمعنى، ولكن إذا أضيف هذا الفعل أو هذه الصفة زال الاشتراك نهائياً، فيصبح ما يخص المخلوق لا يشاركه الرب جل وعلا فيه، وما يخص الرب جل وعلا لا يشاركه المخلوق فيه، ولولا هذا الاشتراك في الاسم والمعنى لم يفهم الخطاب، وهذا شيء لابد منه غير أنه عند الإضافة والتخصيص يزول الاشتراك نهائياً.

стр. 141

إثبات صفة العجب لله جل وعلا نثبت صفة العجب لحديث: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) . والقنوط ما له موجب، وهذا حالة تعترض للناس عندما يتأخر المطر وهم محتاجون إليه؛ لأن حياتهم تتعلق به فيقنطون، والقنوط: استبعاد الشيء، وقد يكون اليأس منه، وقد اختلف العلماء أيهما أشد القنوط أم اليأس؟ وقد جاء ما يدل على أن كل واحد منهما ضلال وكفر، فمن أعظم الذنوب أن الإنسان يقنط من رحمة الله، ولكن في هذه الحالة التي أخبر بها الرسول ﷺ : (إن الله ينظر إليكم أزلين قنطين؛ فيظل يضحك) ، فهو مثل قوله: (عجب ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره) ، يعني: قرب تغييره للحال من حالة الشدة إلى حالة الخير والانفراج، بإنزال الرحمة، وهذا مدعاة للعجب؛ لأن الله جل وعلا هو رب الخلق، والرب من مقتضى ربوبيته أن يرزقهم ويعطيهم ما به قوام حياتهم، ولا يمنع خيره جل وعلا، فهو عجيب في الواقع، وقد أخبر الله جل وعلا أن مع العسر يسراً، ولكن ليس هذا فقط، بل ذلك لأنه الرب، والرب معناه: المربي لخلقه، القائم عليهم بما يصلحهم، وإن كان يملكهم ويتصرف فيهم فلابد أن يقوم عليهم بما يصلحهم، فإذاً: لابد أنه جل وعلا يغيثهم ويعطيهم ما فيه صلاحهم، ولكنه جل وعلا خبير بعباده، وقد أخبر أنه لو أعطاهم على حسب ما يريدون لتغيرت حالهم، ولكنه ينزل بقدر ما يشاء، وهو بعباده خبير بصير جل وعلا، وقد قرأ ابن مسعود: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات:١٢] ، بضم التاء، ويكون الضمير لله، ويكون هذا أيضاً موافقاً لهذا الحديث من كلام الله جل وعلا، يعني: عجبت من رد الكفار على رسول الله ﷺ ، مع ظهور آياته ووضوح صدقه، كيف يسخرون منه؟! وكيف يردون دعوته؟! فإنه عجب مع أنهم عندهم عقول وأفكار، وهم لا يمترون بذلك، ولكن التقليد والشقاوة واتباع الهوى يدعوهم إلى المخالفة والتكذيب، فعلى هذا يكون العجب صفة فعل يجب أن تثبت كما أثبتها رسول الله ﷺ . وقوله: (إنه حديث حسن) ، يعني: أن الحديث إذا كان حسناً فهو من أقسام الصحيح، فيجب أن تثبت به العقائد، خلاف ما يقوله أهل البدع من التفرقة بين الفروع والأصول، ويقولون: الفروع تثبت بأخبار الآحاد، أما الأصول فلابد أن تكون بخبر متواتر، ولا تثبت بخبر الآحاد، وهذا شيء اخترعوه من عندهم، وهو مخالف لسنة رسول الله ﷺ ، ولدعوته وإبلاغه، والأمر في هذا واضح وظاهر، ولم يزل العلماء يردون عليهم في ذلك ويستدلون بالأدلة الكثيرة. والحديث الحسن من أقسام الصحيح التي تثبت به العقائد، وإن كان حديثاً فرداً، كما تثبت به الأحكام، ولا فرق بين العقائد والأحكام في ذلك، فإذا صح عن رسول الله ﷺ حديث وجب قبوله، ووجب العمل بمقتضاه.

стр. 142

إثبات صفة القدم لله جل وعلا قوله ﷺ : (لا تزال جهنم يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها رجله -وفي رواية:- يضع عليها قدمه؛ فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط وعزتك وجلالك) ، فهو حديث متفق عليه. أولاً: هذا يدلنا على أن قول النار فيما ذكره الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] استفهام لطلب الزيادة، وهذا الحديث يدل على ذلك. ثانياً: هذا القول يجرى على ظاهره، وأن جهنم تقول قولاً يسمع، وتتكلم، والله جل وعلا أخبر فيما أخبر عنه رسوله ﷺ أنه وعد الجنة والنار كل واحدة منهما ملؤها، فثبت في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: (تحاجت الجنة والنار -يعني: اختصمتا- فقالت الجنة: مالي يدخلني الضعفاء والمساكين؟! وقالت النار: أوثرت بالجبارين والمتكبرين! فقال الله جل وعلا للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما علي ملؤها) . فأما الجنة فإنها لا يزال فيها فضل مساكن بعد دخول أهلها فيها، فينشئ الله جل وعلا لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة، وأما النار فلا يزال يلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد؟ يعني: حتى ينتهي الخلق، ومعلوم أنها كما أخبر الله جل وعلا لا يلقى فيها إلا الجن والإنس كما قال جل وعلا: ﴿لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود:١١٩] ، وهذا قسم منه جل وعلا، فهي تطلب الزيادة حتى يضع عليها رجله، وربك ليس ظلاماً للعبيد، أما ما جاء في الصحيحين من حديث أنس: (أن الله جل وعلا ينشئ للنار خلقاً، فيسكنهم في النار، فيملأ النار بهم) ، فهذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما: حديث مقلوب، يعني: أنه جعل ما للجنة للنار، وما للنار للجنة، وقد بين ذلك البخاري، فإنه لما رواه أتبعه بالرواية الصحيحة التي تبين ذلك، والبخاري ﵀ إذا غلط الراوي لا يتركه، لابد أن يبينه، بخلاف مسلم ﵀، فإنه يذكر السند والمتن على حسب ترتيبه الذي رسمه لنفسه، وتنتهي عهدته؛ ولهذا وجد في صحيح مسلم بعض الكلمات التي فيها خطأ واضح، وقد تكون مخالفة للقرآن، وإن كان السند صحيحاً، ولكن من المعلوم قطعاً أن الراوي وإن كان ثقة ثبتاً لا كلام فيه فإنه يجوز عليه الخطأ؛ لأنه غير معصوم، مثل ذلك الحديث الذي فيه: (وخلق التربة يوم السبت) ، فهذا خطأ ظاهر؛ لأن الله جل وعلا أخبرنا أنه خلق السموات والأرض في ستة أيام وليس في سبعة أيام، وأخبرنا أن آخر الأيام التي تم الخلق فيها الجمعة، فإذا كان آخرها الجمعة فأولها الأحد، والسبت ليس فيه خلق، وهذا ثابت حتى عند أهل الكتاب ولا مرية فيه. والمقصود أن هذا الحديث لم يقله رسول الله ﷺ على هذا الوجه، وإنما هذا خطأ من الراوي، وقد بين العلماء ذلك، فالصواب أن الخلق الذي ينشؤه الله هو للجنة، كما ثبت ذلك في الروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما. وهذا الحديث حاول أهل التأويل تأويله كما فعلوا في غيره، وقد جاءوا في تأويله بشيء، يضحك العاقل، حيث لم يقبلوا أن يوصف الله جل وعلا بأن له رجلاً، وكلمة (قدمه ورجله) كلاهما سواء لا فرق بينهما، فمرة عبر الرسول ﷺ برجله، ومرة بقدمه، والمعنى واحد، ومن الاعتراضات التي اعترضوا بها أنهم قالوا: هذا الحديث مخالف للقرآن، ما وجه المخالفة؟ قالوا: إن الله أخبر أن جهنم تمتلئ بالجنة والناس، وليس بقدمه أو رجله. والجواب عن هذا: أنه ورد في الحديث أن الرسول ﷺ قال: (فينزوي بعضها إلى بعض) ، يعني: تتلاقى وتجتمع، فتمتلئ بما فيها، فتكون امتلأت من الجن والإنس، وليس بغيرهم. كذلك قالوا: إن هذا يقتضي التشبيه والتجسيم، ومعروف فيما سبق أن هذا باطل، فإذا ثبت أن الرسول ﷺ وصف ربه جل وعلا بأن له قدماً وجب إثبات ذلك. وقالوا: إن هذا فيه تشويه؛ لأنها رجل واحدة وقدم واحدة، فنقول: تعالى الله أن يكون كذلك، ولكن لا يلزم من التعبير المفرد أن يقصد ظاهر ذلك، وهذا جاء وروده كثيراً، وقد جاء عن السلف أنهم قالوا: الكرسي موضع القدمين. وقالوا: إن المقصود بالرجل جماعة من الناس الجبابرة ومن غيرهم، يجمعون ويسمون رجلاً، مثل ما يقال لجماعة الجراد: رجل جراد وهذه سخافة، وما يستحق مثل هذا أن يتكلم عليه. وقالوا: القدم: هو ما يقدمه إلى النار، وكل هذه محاولات لرد الحق، وهي في الواقع لا تضر الحق شيئاً، وإنما تضر أصحابها. والمقصود: أن نعرف شيئاً من تأويلاتهم الباطلة التي يؤولون بها أحاديث رسول الله ﷺ ، فعلى هذا يكون: أولاً: الاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق:٣٠] لطلب الزيادة، وقد اختلف المفسرون في ذلك، وهذا هو أصح القولين فيه. الثاني: أن جهنم تتكلم كلاماً حقيقياً، وقد جاء ذلك كثيراً في روايات غير ما ورد في الآية، كما في حديث المحاجة، وإذا جاء نص وجب حمله على الظاهر حتى يأتي دليل يدل على خلاف ذلك. ثم إن وضع الرب جل وعلا رجله في النار من صفات الأفعال، والله جل وعلا يفعل ما يشاء، وهو جل وعلا على كل شيء قدير، فيجب أن نؤمن بذلك على ما قاله الرسول ﷺ ، قوله: (فينزوي بعضها إلى بعض) ، الانزواء: هو الاجتماع، تجتمع وتتضايق على أهلها وتبقى مملوءة بمن ألقي فيها؛ لأن الكفرة والشياطين انتهوا عند ذلك، وهذا يدلنا على سعة النار وعظمها، ومعلوم أن أكثر الناس كفرة، نسأل الله العافية، وكذلك الجن أكثرهم كفرة، والمؤمنون منهم قلة، ومع ذلك ينتهي آخرهم وجهنم تطلب الزيادة، فهذا دليل على سعتها العظيمة، وقد جاء أن النار يلقى الحجر على شفيرها ويبقى سبعين عاماً لم يصل إلى قعرها، وهذا يدل أيضاً على أنها دركات تذهب إلى أسفل في العمق، وليست كالجنة في السعة، وعذاب أهل النار يختلف. وقوله: (فتقول: قط قط) ، هذا اسم فعل، يعني: قد امتلأت فليس فيّ اتساع لغير من وضعوا فيّ، فهذا الذي وعدها الله جل وعلا به ستتكلم به، وهذا أيضاً من الأدلة على أنها تنطق وتتكلم كلاماً حقيقياً، كما تكلمت الجنة، وإذا أراد الله جل وعلا للشيء -وإن كان ليس له عقل وليس له لسان ولا لهاة، ولا حنجرة، ولا غير ذلك- أن يتكلم تكلم، فهو إذا أراد أنطق كل شيء: ﴿قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [فصلت:٢١] ، هكذا تقول الجلود والأسماع والأبصار. كذلك جاء أنه جل وعلا يسبح له من في السموات والأرض، ولكن نحن لا نفقه تسبيحهم، والصواب أن هذا على ظاهره حقيقةً، فلا يؤول.

стр. 143

إثبات النداء والصوت والكلام له سبحانه [وقوله: (يقول الله تعالى: يا آدم! فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار) ] . هذا الحديث في صحيح البخاري بهذا اللفظ، وكذلك في غيره، والمقصود به إثبات الكلام لله جل وعلا، وأن كلامه يكون بحرف وصوت، وصرح به هنا وإن كان النداء في لغة العرب لا يكون إلا بحرف وصوت؛ لأن النداء هو كلام من بعد؛ ولهذا خص العرب له حروفاً معينة، التي تقتضي مد الصوت كالياء والهمزة والواو؛ لأن مد الصوت يقتضي ذلك، وهذا أمر متفق عليه عند أهل اللغة ولا إشكال فيه، فيكون ذكر الصوت هنا من باب الإيضاح والتأكيد فقط، فينادي بصوت، وكونه ينادي آدم ﵇؛ لأن آدم هو أبو البشر، وتمام الحديث: (فيقول آدم: يا رب! وما بعث النار؟ فيقول الله جل وعلا: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين) يعني: من ذريته، فيكون واحد فقط من الألف من أهل الجنة، والباقي كلهم من أهل النار، وهذا مما يؤكد أن أكثر الناس كفار، وأن كثرتهم ليست متوازية مع أهل الجنة وأهل الخير، وإن كان أهل الجنة كثير، ولكن هؤلاء أكثر، عند ذلك قال الصحابة: وأينا ذلك الواحد؟ -يعني: اشتد هذا عليهم- فقال: (أبشروا، ما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو قال: كالشعرة السوداء في جلد الثور الأبيض) ، وفي رواية أنه قال: (فإن من يأجوج ومأجوج ألف، ومنكم واحد) ، وهذا يدلنا على أن يأجوج ومأجوج يشمل الكفرة، فهم داخلون فيهم، والخطاب للصحابة رضوان الله عليهم، ولكن المؤمنون الذين يتبعونهم تبع لهم في ذلك بلا إشكال. وقوله: (لبيك) هذه الكلمة جاءت على التثنية، ومعنى لبيك: أنا مجيب لك مرة بعد أخرى، أو أنا مقيم على طاعتك، أو أنا محب لك حباً يلازمني، عابد لك عبادة ملتزم بها. (وسعديك) يعني: إسعاداً لك بعد إسعاد، كما في التلبية. والمناسبة أن آدم هو أبو البشر فكلف أن يخرج بعث النار، والله جل وعلا إذا أمره بهذا، فإنما ذلك لأنه أبوهم، ومن وراء ذلك الأمور التي يشاؤها الله جل وعلا بتكليف ملائكته الذين يسحبونهم ويجرونهم، ويدعونهم إلى جهنم دعاً، مثل الذي يسوق الغنم بقوة، فلله ملائكة موكلون بذلك، وهذه أمور هائلة، ومن هنا يقول في هذا الموطن: (فذلك حين تذهل كل مرضعة عما أرضعت، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد) ، هذه المناظر هائلة ومخيفة جداً؛ لأن النار ليست سهلة نسأل الله السلامة! والمقصود من هذا أن الله جل وعلا يتكلم بصوت يسمع، والكلام صفة كمال، فالذي يتكلم أكمل من الذي لا يتكلم، ولكن كلام الله جل وعلا لا يشبه كلام الخلق؛ ولهذا قال في حديث أنس: (فينادي بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب) ، قال البخاري: هذا صفة كلام الله، فهو لا يشبه كلام الخلق؛ لأن كلام الخلق لا يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب، ثم إن كلامه جل وعلا لا يلزم منه اللوازم الباطلة التي سبق أن ذكرنا أنها من شبهات وتغبير أهل البدع في وجه الحق، وأنه لا يضر الحق شيئاً، وهذا فقط من باب تضافر الأدلة، وقد جاء ذلك في كتاب الله في آيات متعددة تقرب من إحدى عشرة آية، فيها ذكر النداء لله جل وعلا، وأن الله ينادي. [وقوله ﷺ : (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان) ] . هذا أيضاً من الأحاديث التي فيها إثبات الكلام لله جل وعلا، ولكن هذا الكلام عام، وهو كلام عند المحاسبة، ولهذا قال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه) يعني: عند المحاسبة، فيناقشه الحساب، ويحاسبه عن أعماله، فإذا أراد الله تعذيبه ناقشه الحساب، فمن نوقش الحساب عذب، ولهذا جاء في تمام هذا الحديث أن الرسول ﷺ قال: (اتقوا النار ولو بشق تمرة، ثم أشاح يوجهه) ، وقال: (ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم، وينظر أمامه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه، فاتقوا النار ولو بشق تمرة) ، فهذا يدل على أن هذا التكليم عند المحاسبة. أما ما جاء في بعض خلقه أنه لا يكلمهم، فيحمل نفي الكلام في ذلك على أنه كلام الرحمة والنعيم، وهذا يكون لأهل الجنة فقط، أما أهل النار فلا يكلمون، وهذا لا ينافي قوله جل وعلا لأهل النار: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون:١٠٨] ، وكذلك في غير هذه الآية، وقد أخبر جل وعلا أنه يخاطبهم ولكن خطاب تقريع وتعذيب، وهذا يكون كلام محاسبة؛ لأنه جاء عاماً، فهو دليل على أنه جل وعلا يتكلم إذا شاء وقد سبق ذلك.

стр. 144

الأسئلة

стр. 145

حال حديث إثبات صفة العجب لله السؤال يقول السائل: الحديث في العجب ضعفه بعض المحدثين؟ الجواب هذا التضعيف لا ينفي صفة العجب، فقد صححه الشيخ وقال: إنه حسن.
следующие страницы →