ويستحيل أن نخرج المحال، لأن المحال خارج بإحالة، وإخراج الخارج محال.
٩٤ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من الفريقين من تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار ".
قلت: هذا أيضاً لا وجه له " لأن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره، وتعميرهم في الدنيا بعد مصيرهم إلى الجنة والنار قد مضى وانعدم، والمعدوم خارج، وإخراج الخارج محال؛ لأن الاستثناء إنما وقع بعد الخلود، والخلود إنما يكون بعد الدخول وحينئذ يستحيل استثناء كونهم في الدنيا.
٩٥ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من احتباس الفريقين في البرزخ ما بين الموت والبعث ".
قلت: جوابه ما ذكرنا أن ذلك يكون معدوماً بعد الدخول واستثناء المعدوم محال والله أعلم.
٩٦ - قال: " (إلا) هنا بمعنى (سِوَى) كما يقال: ما معنا رجل إلا زيد والمعنى: سوى ما شاء ربك من الخلود ".
قلت: لا يصح هذا النظير؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات (ومن الإثبات
стр. 107
نفي، فقوله: ما معنا رجل إلا زيد استثناء) من النفي فيكون إثباتاً لزيد، فيكون صحيحاً أما ما ربنا استثناء من الإثبات، فيكون منفياً، فيكون نظيره: معنا القوم إلا زيداً، فيكون نفياً لزيد كذلك. ههنا ينبغي أن يكون نفياً للخلود، ولأنه لو كان بمعنى (سوى) يصير تقديره لهم فيها الخلود سوى الخلود، ولا يقال: لزيد هذا الغلام سوى هذا الغلام.
٩٧ - قال: " استثنى الإخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها، كما تقول في الكلام: (أردت أن أفعل كذا إلا أن أشاء غيره)، وأنت مقيم على ذلك الفعل، فالمعنى: أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكن لا يشاء ".
قلت: هذا أيضاً لا وجه له؛ لأنه استثنى من الخلود ما شاء من نفي الخلود، وأثبت مشيئته بلفظ الماضي، ولا كذلك في صور النظير؛ لأن مشيئة العباد يجوز أن توجد ويجوز أن لا توجد، خصوصاً إذا ذكرت بلفظ المستقبل، وعلى تقدير الوجود يكون مجازاً من حيث أنه غير مستقل بنفسه، قال الله تعالى: (وَمَا تَشَاَءُونَ إِلا أن يَشَاءَ اللهُ)؛ ولأن الخُلفَ في كلام العباد جائز، ولا كذلك في كلام الله إذ لا يجوز الخلف فيه، وإنه تعالى أثبت المشيئة مشيئة الإخراج
стр. 108
بلفظ الاستثناء من الخلود فيكون الإخراج مراد، ومشيئته أزلية قديمة، فيكون الإخراج ثابتاً لا محالة فينتفي الخلود لا محالة.
٩٨ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من مقدار موقفهم على رؤوس قبورهم وللمحاسبة ".
قلت: قد ذكرنا أن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره، وإنه استثناء من الخلود والخلود يكون بعد الدخول، وموقفهم على رؤوس قبورهم بعد الدخول مضى وانعدم، ولا يصح استثناء المعدوم؛ لأن المعدوم خارج من الوجود، وإخراج الخارج محال والله أعلم.
٩٩ - قال: " وقع الاستثناء على الزيادة، في النعيم والعذاب، أي: إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم أو العذاب ".
قلت: هذا أيضاً لا وجه له؛ لأنه يكون استثناء الأكثر من الأقل، واستثناء الأكثر من الأقل والكل من الكل باطل.
١٠٠ - قال: " معناه: وقد شاء ربك خلود هؤلاء وهؤلاء، و (إلا) بمعنى
الواو سائغ في اللغة قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾
стр. 109
أي ولا الذين ظلموا.
قلت: (إلا) بمعنى الواو غير مسموع ولا مذكور في قواعد اللغة، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بمعنى: ولا الذين ظلموا قول واحد من المفسرين وعلى تقدير الصحة، لا يصلح نظيراً؛ لأنه لو جُعل إلا لمعنى: ولا ههنا لكان تقديره: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ولا ما شاء ربك) وهو محال، قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بمعنى: ولا الذين ظلموا. هو رواية عن أبي عبيدة وحده.
١٠١ - قال: " معناه كما شاء ربك، كقوله: ﴿إِلا مَا قَد سَلَف﴾، أي: كما قد سلف ".
стр. 110
قلت: ذاك قول أبي زكريا العنبري وحده، أن: ﴿إِلا مَا قَد سَلَف﴾، بمعنى: كما قد سلف لا قول الكل، والحاصل أن القول بزوال النعيم والعذاب قول، الجهمية، والقول بزوال العذاب قول الجاحظ والجهمية وجماعة من المتكلمين، واحتجوا بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وبقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾؛ ولأن
стр. 111
الخُلْف في الوعيد جائز؛ بل هو لازم؛ ولأن العذاب المؤبد المخلد لكفر أيام معدودات لا يليق بالحكيم الكريم الرحيم، والعقوبة على ذنب لم يوجد غير جائز؛ بل العدل يقتضي أن يكون العذاب المؤبد في مقابلة وجود الكفر المؤبد حقيقة قال الله تعالى: ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ والمماثلة منتفية، والله أعلم بالصواب.
والمفسرون لم يزيدوا على هذه الأقوال، وهي كلها ضعيفة، والأشبه أن يكون هذا استثناء غير واقع؛ بل عادة العرب أن يستثنوا في الكلام تأدباً ولم
стр. 112
يقصدوا به حقيقة الإخراج. والله أعلم.
* * *
سورة يوسف
١٠٢ - قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾: " هذه اللام في اليمين، وفي كل ما يُضارع القول كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ وقوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ دخلت (اللام) و (ما) لأنهما في
стр. 113
معنى القول واليمين ".
قلت: أما قوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ معناه: أيقنوا أنه ليس لهم مفر وملجأ، هو ما النفي لا تَعَلُقَ له بقوله: ﴿لَيَسْجُنُنَّهُ﴾ وقوله: " دخلت (اللام) و (ما) لأنهما في معنى القول واليمين ". قلت: دخول (ما) في قوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ﴾ ليس لمعنى القول، ولا لمعنى اليمين؛ لأن الظن ليس بمعنى القول ولا اليمين، و (ما) لا تختص بالقول؛ بل تدخل (ما) في غير موضع القول واليمين، ولا يشبه النظيرُ النظيرَ.
١٠٣ - قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: " هذا خبر من يوسف عما لم يكن في رؤيا الملك ولكنه من علم الغيب ".
стр. 114
قلت: بل كان في رؤيا الملك؛ لأن رؤيا الملك: ﴿سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ وهي السنون المُخْصبة التي تكون أولاً، ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ وهي السنون الُمجْدِبة التي تأتي بعدها. فقوله: ﴿سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ يدل على أن السنين المجدبة لا تزيد على السبع؛ إذ لو زادت وما كان يعرف مدتها لقال: (يأكلهن بقر عجاف) ولم يذكر العدد، فلما ذكر العدد عُلِمَ أن السنين المجدبة لا تزيد عن السبع، وتنتهي بانتهاء سبع سنين، وإذا انتهى القَحْط لا بد أن يكون بعده الخَصْب ضرورة وهو العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون، وليس المراد من قوله: ﴿عَام فِيهِ يُغَاثُ الناسُ﴾ عاماً واحداً لا غيره لأنه نكرة موصوفة بل المراد زمان الخصب.
١٠٤ - قال في قوله: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ﴾: " لو خَرَجَ يوسف من قبل أن يعلم الملك شأنه ما زالت في نفس العزيز منه حاجة يقول هو الذي راود امرأتي ".
стр. 115
قلت: لم يكن في نفسه شيء لو خرج لوجهين:
أحدهما: أنه تيقن براءته بشهادة شاهد من أهلها.
الثاني: أن الرائي الداعي ليوسف هو الملك كما ذكر في أول القصة، وزوج المرأة هو قطفير خازنه والله أعلم.
١٠٥ - قال في قوله: ﴿آوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ﴾: " سُئل فلان: كيف أخفاه حين أخذ الصواع وقد كان أخبره أنه أخوه؟ فقال: إنه لم يعترف له بالنسبة، ولكنه قال له إني أنا أخوك مكان أخيك وبدله، ولم يقل: أنا يوسف ".
стр. 116
قلت: لا حاجة إلى هذا التكلف، بل يجوز أن يكون أظهر له الأمر دون سائر الإخوة فيكون أخوه عارفاً دونهم، بدليل قوله في أول القصة: " فبكى يوسف وقام إليه وعانقه، و ﴿قَال﴾ له: ﴿إِنَي أنَا أخُوكَ﴾، ومثل هذا لا يجري بين الأجنبيين، فحينئذ يكون وقت إخفاء الصواع هما عالمين بالحال دون باقي الإخوة ولا تناقض.
١٠٦ - قال في قوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾: " لم يُرِدْ بالسجود وضع الجباه على الأرض؛ لأن ذلك لا يجوز إلا لله، وإنما هو الانحناء ".
قلت: السجود في اللغة إنما هو وضع الجبهة على الأرض، والانحناء لا
стр. 117
يكون سجوداً أو لعله كان ذلك جائز في الشريعة الأولى بطريق التحية لا بطريق العبادة كما ورد في قصة آدم ثم نسخ.
١٠٧ - قال فيها ﴿وَخَرُّوا﴾: " أي مَرُّوا ولم يرد به السقوط على الأرض نظيره قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا﴾ أي لم يمروا ".
стр. 118
قلت: الخرور إذا كان مقروناً بذكر السجود لا يكون إلا وضع الجبهة على الأرض بخلاف قوله: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا﴾ لأنه غير مقرون بذكر السجود.
١٠٨ - قال فيها: " خروا لله سجداً " والهاء في (له) كناية عن الله ".
قلت: هذا لا وجه له لوجوه:
أحدها: أنه يكون كناية عن غير مذكور وهو خلاف الأصل.
الثاني: أن يوسف قال في الأول: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ ولم يقل: (رأيتهم لله ساجدين).
الثالث: أنه قال في الآخر: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وإنما يكون تأويله أن لو كان السجود له لا لغيره.
стр. 119
١٠٩ - قال في قوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾: " أن يوسف تمنى الموت ".
قلت: لا يلزم أن يكون هذا بطريق التمني للموت، بل يجوز أن يكون معناه: إذا توفيتني توفني مسلماً، سأل الله أن يكون موته على الإسلام يوم يتوفاه، كما قال: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ والدليل على أنه لم يكن متمنياً للموت أن هذا الكلام متصل بقوله: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ وكان ذلك عند اجتماعه بيعقوب وعاش بعد قوله: ﴿تَوَفَّنِي﴾ نيفاً وثلاثين سنة؛ لأنه مات بعد أبيه يعقوب بخمسين سنة، ويعقوب عاش بمصر نيفاً وعشرين سنة فلا يجوز أن يتمنى الموت في ذلك الوقت لوجهين:
أحدهما: أن دعاءه يكون حينئذ غير مستجاب إلى ثلاثين سنة وذلك لا يلائم أدعية الأنبياء.
стр. 120
الثاني: أن يوسف ويعقوب كان كل واحد منهما يَحِنُّ إلى صاحبه أربعين سنة في أشد حزن وأصعبه، فلما اجتمعا يتمنى الموت، ويتمنى أن يعود حزن يعقوب أشد مما كان! هذا بعيد. مع أن الأنبياء كان بقاؤهم خيراً لهم خاصة، وللناس عامة، ولهذا لم يتمنّ نبي الموت؛ بل كانوا يحبون الحياة لازدياد الخيرات، والإكثار من الطاعات، كما نقل في قصة موسى وإبراهيم عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿تَوَفَّنِي مُسلَمًا﴾ كما جاء في الدعاء المأثور: (توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين). ولا يجوز أن يكون ذلك تمنياً للموت؛ لأنه منهي عنه لقوله:
стр. 121
(لا يتمنين أحدكم الموت) كذا ههنا.
١١٠ - قال في قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾:
" أَخبر بأَمْرَ الأُمم المكذبة (١) من قبلهم فيعتبروا، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ يقول: هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا، وطاعتنا أن ننجيهم من العذاب إذا نزل، وما في الدار الآخرة لهم خير، فترك ما ذكرنا اكتفاء لدلالة الكلام عليه، وأضيفت الدار إلى الآخرة لاختلاف لفظيهما ".
стр. 122
قلت: قوله: " هذا فعلنا في الدنيا بأهل ولايتنا ". لا وجه له، لأنه لم يَجْرِ ذكرُ شيء يكون هذا إشارة إليه من الإنجاء، وإنما المذكور عاقبة أمر المكذبين وهو الإهلاك لا الإنجاء، ثم قال: " ما في الدار الآخرة لهم خير " كنى بقوله (لهم) عن أهل ولايتنا وطاعتنا وهم غير مذكورين في القرآن، وترك ذكر المذكورين في القرآن وهو قوله: ﴿للذِين اتقَوا﴾ وأضمر (ما) ولا حاجة إليه، لأنه لو قيل: (الآخرة خير للمتقين) كان كلاماً تاماً من غير إضمار نحو قوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ونحوه كثير. فنظم التفسير أن يقال: تم الكلام عند قوله: ﴿مِن قَبلِهِم﴾. ثم ابتدأ فقال: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.
* * *
سورة الرعد
١١١ - قال في قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾: " عاقبة الدار الآخرة ".
стр. 123
قلت: العقبى قد تكون بمعنى العاقبة، وقد تكون بمعنى الظفر، والغنيمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ يعني فكان الظفر والغنيمة لكم من العقبى، وهي الظفر والغنيمة: ﴿فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ﴾، يعني من الغنيمة. والأشبه أن العقبى في قوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ بمعنى الظفر والغنيمة؛ لأنه لو كان بمعنى العاقبة، فالعاقبة تنطلق على الجنة والنار، ولكل واحد من الكافر والمؤمن عاقبة لا شك وهو معلوم في الدنيا لهم، ويحتمل أن يكون الكل مراد؛ لأن الله تعالى صرّح في آية أخرى بلفظ (العاقبة) بقوله: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ تَكُونُ لَهُ عَاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾، وقال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾
стр. 124
﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، وإنْ كان حقيقة العاقبة والآخرة تطلق على الجنة والنار جميعاً من حيث اللغة، ولكنه إذا أُطلق صار المراد الجنة بقرائن إطلاقات القرآن، ويحتمل أن يكون المراد العاقبة المحمودة للمتقين. ويحتمل أنه إنما عُرف ذلك واستُفيد من حرف اللام في قوله: ﴿لِمَن عُقبَى اَلدارِ﴾ وقوله: ﴿مَن تكُونُ لَهُ عاقبَةُ اَلدَّارِ﴾ وغيرها من الآيات؛ لأن اللام لعود المنفعة وعلى المضرة، كما يقال: له وعليّ، قال ﷺ : (كلام ابن آدم كله عليه لا له) أي
стр. 125
يضره ولا ينفعه. فتكون العاقبة النافعة هي الجنة، والضارة هي النار.
١١٢ - قال: " عن عكرمة أرسل إليّ عمر بن عبد العزيز أني نذرت أن أقطع يد غلام أو أحبسه حيناً فما عندك فيه؟ فقلت له: لا تقطع يده، واحبسه سَنَةً ".
قلت: بل لا يجوز القطع ولا الحبس سَنَةً بالنذر.
стр. 126
سورة إبراهيم
١١٣ - قال في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾: " أي من زوال عن الدنيا أي لا تبعثون ".
قلت: الزوال بمعنى البعث ما جاء في اللغة، وأيضاً فإنهم ما كانوا يزعمون أنهم لا يزولون عن الدنيا؛ لأن الزوال عن الدنيا إنما يكون بالموت، وهم كانوا يُقرون بالموت متفقين عليه، متيقنين منه من غير شك فيه، فلا يكن تفسيره على هذا الوجه، لأنه يكون معناه: ألم تحلفوا في الدنيا أنكم لا تموتون؟ وما كانوا يحلفون هكذا، وما كانوا ينكرون الموت، وإنما كانوا ينكرون البعث والنشور.
فتحقيقه أن يقال: أو لم تكونوا أقسمتم منِ قبل أنكم لا تزولون عن قبوركم إلى المحشر بالبعث. ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ ثم ابتدأ وقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ﴾ أي لا تزولون عن الآخرة إلى الدنيا كما تسألون، ويكون المحلوف عليه مضمر، أو يكون إشارة إلى قوله: ﴿وَأقْسَمُوا
стр. 127
بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.
١١٤ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾: " عن الحسن: " في القرآن خمسٌ (إن) بمعنى (ما) قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾، وقوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، وقوله: ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾.
стр. 128
قلت: (إن) بمعنى (ما) في القرآن أكثر من هذا بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا﴾ وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾، وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ وغيرها.
وأما قوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ ليس شيء من ذلك بمعنى (ما) وإن كان ورد فيه قول ضعيف بعيد.
* * *
سورة الحجر
١١٥ - قال في قوله تعالى في الحجر: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾: " يعني: وفرغنا إلى لوط من ذلك الأمر ".
стр. 129
قلت: بل معناه ههنا: أخبرناه بذلك مثل قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي أخبرناهم [ ....... ] (١) بمعنى: الفراغ، وقوله: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾، ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾، ﴿فَلَما قَضَى﴾ والقضاء في القرآن على عشرة أوجه بمعنى: الإيصاء، والإخبار، والفراغ، والفعل، والنزول، والوجوب، والكتابة، والإتمام، والفصل، والخلق.
وكيف يكون ههنا بمعنى فرغنا وهو كان قبل الفراغ من هلاكهم؟ لأنه
قال: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ بمعنى أخبرناه بذلك.
стр. 130
١١٦ - قال في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾: " أي: أو لم ننهك أن تُضيف أحداً من العالمين ".
قلت: لو فسرناه على هذا الوجه يلزم منه التناقض؛ لأنه قال أولاً: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ فكيف ينهونه عن شيء يستبشرون به، والأشبه أن يكون المراد من ﴿الْعَالَمِينَ﴾ أنفسهم، يعني: أو لم ننهك عنا وأن تحكم علينا وتمنعناه.
١١٧ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾: " بطرق واضح ".
قلت: الأشبه أن يكون بطريق مستقيم يسلكه الناس، يقال: أقام واستقام إذا ثبت.
стр. 131
سورة النحل
١١٨ - قال في قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾: " محلِّ (ما) رفع بالابتداء ".
قلت: هو رفع بخبر حذف الصفة، كقولك: لزيد درهم، أو محله نصب لوقوع ﴿يَجْعَلُونَ﴾ عليه وهو الأظهر.
стр. 132
١١٩ - قال في قوله تعالى: ﴿مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: " الأصل في الأمهات أُمَّات فزِيدت الهاء فيه للتأكيد كما زادوها في (اَهْرَقْتُ الماء) ".
قلت: أي تأكيد يحصل من الهاء؛ بل إنما دخلت الهاء في الجمع لأن أماً كان لب الأصل أُمَّهَة فحُذِفتْ تخفيفاً ثم عاد في الجمع كما قلنا في شفاه ومياه وأفواه.
١٢٠ - قال في قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾: قال: " ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ كلام تام ثم ابتدأ وقال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾؛ لأن الله جعل لعباده السمع والأبصار والأفئدة قبل إخراجهم ".
стр. 133
قلت: لا شك بأن الله تعالى عدَّد هذه النعم في هذه الآيات للامتنان، وأن له على عباده المنة بإعطاء هذه النعم، فلو قدّرنا قوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ كلاماً تاماً لم يكن فيه ذكر نعمةٍ، ولو جعلناه متصلاً بقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ﴾ كان فيه ذكر النعم فكان أولى بالامتنان، والواو كما يكون للترتيب يكون للجمع المطلق. ولو قلنا بأن: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ مرتب على الإخراج من بطون الأمهات لا يَبْعُد؛ لأن حقيقة السمع ما يسمع به، والبصر ما يبصر به حقيقة، والفؤاد ما يُعلم به، وهذه المعاني لم تكن موجودة قبل الإخراج، فكأنه جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة بعد الإخراج. وفي الآية إشارة إلى ما قلت؛ لأنه قال ﴿لَا تَعلَمُون شَيئًا﴾ ثم ذكر إعطاء الأفئدة التي هي آلة للعلم بعد ذلك، فكأنه قال: (أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تسمعون ولا تبصرون ولا تعلمون فجعل لكم سمعاً تسمعون به وأبصاراً تبصرون بها وأفئدة تعلمون)؛ لأنه لما جاز أن لا يعلم شيئاً مع وجود الفؤاد قبل الإخراج جاز أن لا يَسمَع ولا يبصر مع وجود آلة السمع والبصر، ولهذا إذا أتلف واحدٌ بصرَ الطفل يجب عليه في الشرع حُكُومة العَدْل، وكذا سائر حواسه
стр. 134
بخلاف الكبير؛ لأنه يحتمل أنه لا يبصر به، وإنما يعرف ذلك في حالة الكبر، والدليل على ما قلنا أن من قوله ﴿وَاَللَّهُ أخْرَجَكُم﴾ إلى قوله: ﴿تَشْكُرُونَ﴾ في آية واحدة، والأصل أن تكون الآية الواحدة بطريق الاتصال لا التفرق والله أعلم.
١٢١ - قال في قوله: ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ﴾: " أي لئلا تكون أمة أكثر أمن أمة.
قلت: لا يستقيم هذا المعنى؛ لأنهما كانوا ينقضون الأَيمان لئلا تكون أمة أكثر من أمة ونقض اليمين لا يكون سبباً لكثرة أمة؛ بل كثرة أمة دون أمة سبب النقص، فالمعنى أن تكون أمة، أي لأن تكون أمة أكثر من أمة.
стр. 135
١٢٢ - قال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: " أجمع الفقهاء على أن المُكْرَه على الكفر، وعلى شتم الرسول، والأصحاب، وترك الصلاة، وقذف المحصنة، وما أشبهها من ترك الطاعات وارتكاب المنهيات بوعيد مُتْلِف، أو ضرب شديد، له أن يفعل ما يُكْرَه عليه، وإن أبى ذلك حتى يعطب فهو الأفضل ".
قلت: ما أجمع الفقهاء على هذا، فإن عند أبي حنيفة وأصحابه إذا أكره على أكل الميتة، وشرب الخمر لم تحل له، إلا أن يكره بما يخاف منه على نفسه، أو على عضو منه، فإذا خاف ذلك وسعه أن يقدم عليه، ولا يسعه أن يصبر على ما أوعده به، فإن صبر حتى أوقعوا به ولم يأكل فهو آثم.
стр. 136
١٢٣ - قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾: " وذلك حين تنازعوا في مدة لبثهم في الكهف فبعثناهم لنعلم أيهم أصوب وأحفظ لما لبثوا ".
قلت: يلزم من هذا أن يكون تنازعهم في لبثهم قبل البعث من النوم هو محال.
стр. 137
١٢٤ - وقال في أول القصة: " سدوا باب الكهف ". وقال بعد " ينالهم برد الريح ونسيمها وهم في متسع لا تدخل الشمس عليهم " وهو تناقض. والله أعلم.
* * *
سورة الإسراء
١٢٥ - قال في قوله تعالى: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾: قال: " بعث الله إبليس، فأخذ من أديم الأرض فخلق منه آدم؟ لذلك قال: ﴿قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾.
стр. 138
قلت: صح أن الله تعالى إنما بعث جبريل ليأخذ من أديم الأرض فأقسمت عليه فلم يفعل، ثم ميكائيل كذلك، ثم عزرائيل فأخذه. وإنما قال إبليس ذلك لأنه كان يراه والله أعلم.
١٢٦ - قال في قوله تعالى: ﴿فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾: " عن مجاهد: النافلة للنبي ﷺ خاصة لأنه غُفر له، والناسُ يصلون لذنوبهم سوى المكتوبة فليست للناس نوافل ".
قلت: هذا خلاف الإجماع وخلاف الحديث الصحيح، وهو: أن رجلين وقفا على رواحلهما فأمر بهما النبي ﷺ فجيء بهما ترعد فرائصهما، إلى قوله: (فصليا معه فإنها لكم نافلة). وقوله: (لا يزال يتقرب بالنوافل)
стр. 139
الحديث.
١٢٧ - قال في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾: " في الحديث: (يدْنيني فيقْعِدني معه على العرش) ثم قال بعد سواء أقعده ﷺ -
стр. 140
على الأرض أو على العرش، ثم قال: بل هو رفع لمحله وإظهار لشرفه وتفضيل له على غيره من خلقه ".
قلت: هذا تناقض ظاهر.
стр. 141
١٢٨ - قال: قوله (معه) بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ وغيرها.
قلت: لفظ (عند) إذا كان مقروناً بالمكان لا يفهم منه إلا المكان كقولك: زيد في الدار عند عمرو، بخلاف قوله: زيد مصيبٌ عند عمر، والفرق بينهما واضح.
* * *
سورة الكهف
١٢٩ - قال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: " يعني بندوسيس وهو أمير المدينة ".
стр. 142
قلت: بل ليعلم الناس كلهم.
١٣٠ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: " يعني سنتنا في هلاكهم، أو يأتيهم العذاب عياناً وقُبُلاً أصنافاً ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا الكلام يكون معناه: ما يمنعهم من الإيمان والاستغفار بعد مجيء القرآن إلا إتيان العذاب والهلاك، ولا عن أن يكون إتيان العذاب والهلاك مانعاً من الإيمان؛ لأن المانع من الأمر الوجودي لا بد أن يكون موجوداً، وإتيان العذاب لم يكن موجودا في حال كفرهم، إذ لو وُجد لهلكوا، وما كانوا بعد الهلاك مكلفين بالإيمان، ولأن المانع من الإيمان إما تقصيرهم في النظر، أو خذلان الله إياهم، وعلى تقدير مجيء العذاب والهلاك إن آمنوا فلا يكون مجيء العذاب مانعاً، وإن لم يؤمنوا لا يكون امتناعهم من الإيمان لإتيان العذاب والهلاك؛ بل لأمر من خارج وهو ما ذكرنا، وكيف يكون إتيان العذاب والهلاك مانعاً لهم من الإيمان، فإن الإيمان
стр. 143
ربما يوجد بعد إتيان العذاب فينفع كقوم يونس، وربما لا ينفع إيمان اليأس كفرعون وغيره، فلا بد من التحقيق. فتحقيقه: أنه وعيد وتهديد لهم بالعذاب كأنه قال: إنهم لا يؤمنون إلى أن يأتيهم العذاب فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم إيمانهم نظيره ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ كما تقول في الشاهد لعدوك: ما تريد إلا أن أقتلك، ولا شك أنه لا يريد ذلك، كأنه قال: إنما يمتنعون من الإيمان لأعذبهم. والله أعلم.
* * *
سورة مريم
١٣١ - قال في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: " أي مؤمناً مطيعاً قال: لأن التقي ذو نُهية. وقيل: كان تقي رجلاً من أمثل الناس ".
стр. 144
قلت: لو اقتصرنا على ما فسّر يلزم أن تكون مريم -يعني أشرف الناس- استعاذت بالله من الرجل المتقي الصالح وإنما يُستعاذ من الشر لا من الخير، فلا يجوز أن تستعيذ مريم من المتقي، وإنما يصلح أن تستعيذ من العاصي، كما أمرنا بالاستعاذة من الشيطان، ولا يجوز أن نقول: نعوذ بالله من الأخيار.
فتحقيقه: أن في الآية إضماراً واختصاراً تقديره: إني أعوذ بالرحمن منك. ثم قالت: إن كنت تقياً أي فلا تقربني أو نحو ذلك.
١٣٢ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: " الدليل على أن الكل يدخلون ثم ينجو المؤمنون قوله ﷺ : (إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية) ".
стр. 145
قلت: هذا ليس بدليل على أن الكل يدخلون بل هو دليل على أن الكل لا يدخلون وإنما يدخل البعض، وقال تمام الحديث: " أليس قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ". قلت: والنجاة أيضاً دليل الدخول. والله أعلم.