← Тафсир

Тафсир · id 30518

مباحث التفسير لابن المظفر الرازي

أبو الفضائل ابن المظفر الرازي

Полный текст (272 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: " إنها نزلت في المطعمين يوم بدر وهم أبو جهل وعتبة وشيبة والنضر وأمية وحكيم بن حزام ".

стр. 72

قلت: وهذا تناقض، لأن القول الأول يدل على أن حكيم بن حزام يوم بدر كان مسلماً والثاني يدل على أنه كان كافراً يوم بدر. والصحيح أن حكيم بن حزام يوم بدر كان مع المشركين وإنما أسلم يوم فتح مكة. * * * سورة التوبة ٦٦ - قال في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ قال: " أُتى النبي ﷺ بأسير يقال له: أبو ثمامة وهو سيد اليمامة. فقال النبي ﷺ : (يا أبا ثمامة أيما

стр. 73

أحب إليك أعتقك أم أفاديك أم أقتلك أم تسلم؟) فقال: إن تعتق تعتق عظيماً، وإن تفاد تفاد عظيماً، وأَمَّا أَنْ أُسْلم فوالله لا أسلم أبداً. قال: (فإني أعتقك). قال: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ". قلت: على غير هذا الوجه مَرْوي وهو حديث صحيح رواه البخاري عن عبدالله، ومسلم عن قتيبة كلاهما عن ليث عن سعيد عن أبي هريرة قال: بعث النبي ﷺ خيلاً قِبَل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة

стр. 74

ابن أثال فربطوه في سارية من سواري المسجد، فخرج إليه النبي ﷺ فقال: (ما عندك يا ثمامة) فقال: " عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تُنْعِم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسأل منه ما شئت ". حتى كان الغد ثم قال له: (ما عندك يا ثمامة) فقال: إن تنعم تنعم على شاكر، فأطلقه حتى كان بعد الغد، فقال: (ما عندك يا ثمامة) قال: عندي ما قلت لك، قال: (أطلقوا ثمامة) فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد: فقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله " الحديث. ٦٧ - قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾: " لا يتوارث مسلم ومشرك إلا صاحب جزية مقر بالخراج.

стр. 75

قلت: صاحب الجزية المقر بالخراج لا يَرِث المسلم، ولا يرثه المسلم بالاتفاق. ٦٨ - قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: " ابن السبيل هو الحاج المنقطع عند فقهاء العراق ". قلت: بل عند فقهاء العراق " ابن السبيل من كان له مال في وطنه وهو في مكان لا شيء له فيه " سواء كان من الحاج أو غيرهم، فأمَّا قوله تعالى: ﴿وَفي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فهو عند محمد بن الحسن المنقطع الحاج، وعند أبي حنيفة

стр. 76

وأبي يوسف منقطع الغزاة. ٦٩ - قال: " أخذ بظاهر قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ . قلت: لو أخذنا بظاهره لكان معناه أباني هذا المسجد خير أما باني ذاك المسجد؛ لأنه ذكره بلفظ (مَنْ)، و (مَنْ) للعقلاء، ونعلم أن تفضيل الباني على الباني ليس بمراد، بل تفضيل المسجد على المسجد هو المراد. فيكون (من) ههنا بمعنى (ما) وقد يقام إحداهما مقام الأخرى قال الله تعالى: ﴿وَالسماءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ أي ومن بناها، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ﴾ أي ما يمشي، والدليل على أنه بمعنى (ما) قراءة نافع،

стр. 77

وأهل الشام ﴿أَفَمَنْ أُسِّسَ بُنْيَانُهُ﴾ بضم الهمزة والنون، فيكون تقديره (فما أُسس بنيانه على التقوى خير أم ما أُسس بناينه على شفير جهنم) ومن قرأ (أَسس) يكون معناه والله أعلم (أفما أَسس بنيانه المؤسَس على التقوى خير أم ما أَسس على الشفا)، أو نقول معناه (فمن أَسس بنيان دينه على التقوى خير أم من أَسسه على قاعدة ضعيفة وحالِ الباطل). ٧٠ - قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾: " أنها نزلت في أبي طالب، وأنه لما حضرته الوفاة دخل عليه

стр. 78

النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال ﷺ : (أي عم إنك أعظم الناس عليَّ حقاً، وأحسنهم عندي يداً، فقل كلمة تجب لك بها شفاعتي لا إله إلا الله). فقال أبو جهل: أترغب عن ملة عبد المطلب، ففال: أنا على ملة عبد المطلب، فقال ﷺ : (لأستغفرن لك ما لم أُنه). فنزل قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية ". قلت: هذا بعيد لأن السورة من آخر ما نزل من القرآن، ومات أبو طالب في عنفوان الإسلام بمكة، فكيف يكون سبب نزول هذه الآية استغفاره له؟

стр. 79

والذي نُقل عنه أنه قال بل على ملة عبد المطلب ليس فيه ما يَدُلُ على كفره؛ لأن عبد المطلب مات في الفترة، ولم تبلغه الدعوة، ولم يَكفر بالنبي ﷺ ، بل نُقل عنه ما يدل على إيمانه وهو حبه للنبي ﷺ وتربيته له، وقوله: إن لهذا البيت رباً ينصره لأبرهة، ودعاؤه وإجابة الله دعاءه في وجدان النبي ﷺ حين فقده، وفي الاستسقاء وغيرها، فما نقل منه شيء يدل على الكفر بالله

стр. 80

ولا بالنبي ﷺ ، فلا يكون عبد المطلب من أهل النار بالكتاب والسنة، أما الكتاب قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ أما السنة فقد جاء في الحديث: (ثلاثة يأتون يوم القيامة بحجة وعذرٍ منهم رجل مات في الفترة). أما ما ذكر من حديث عليٍّ أنه قال: (إن عمَّك الضال قد مات)

стр. 81

فقال: (اذهب فواره فواراه، فدعا لعلي). ليس فيه أيضاً ما يدل على كفره، لأن الضال قد يطلق على غير الكافر قال الله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾، ولا يجوز الكفر على الأنبياء في حال من الأحوال، وقول إخوة

стр. 82

يوسف: ﴿إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾، وقوله لحاطب بن أبي بلتعة: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ بل دُعاء النبي ﷺ لعلي عقيب دفنه أبا طالب يدل على إسلامه؛ لأن بدفن المسلم يستوجب الدعاء لا بدفن الكافر، وعدم شهود النبي ﷺ دفنه لا يدل على كفره؛ لأن حينئذ لم يكن صلاة الجنازة مشروعة بعد، وأما ما رُوي من شِعْره فذاك أيضاً لا يدل على كفره وهو قوله: والله لَنْ يَصلُوا إلَيكَ بجَمْعِهمْ ... حَتَى أُوَسَّدَ فِي التُرَابِ دَفِيْناً فاصْدَعْ بأمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ... وَابْشِرْ وَقَرّ بذَلِكَ مِنْكَ عُيُوناً وَلَقدْ دَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنكَ نَاصحِي ... وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِيْناً وَعَرَضْتَ دِيناً لا مَحالَةَ أَنه ... مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ البَرَّيةِ دِيْناً لولا الملاَمَةِ أَو حِذاري سَبَّة ... لَوَجَدتَنِي سَمْحاً بذَلِكَ مُبيْناً أما الأبيات الأربعة فكلها تدل على إسلامه حيث صرّح فيها بتصديقه، ومدحه، ونصرته، وأما البيت الأخير فلا يدل على كفره؛ لأنه قال:

стр. 83

(لوجدتني سمحاً بذاك مبيناً) والمبين المظهر، ويجوز أن يكون قد تكلم بكلمة الإسلام سراً ولم يظهرها بدليل ما نُقل عن ابن عباس أنه قال: " أسرَّ أبو طالب بكلمة الشهادة "، وكذلك قوله: (إن أبا طالب لفي ضحضاح من النار) لا يدل على كفره؛ لأن المؤمن قد يكون في أكثر من الضحضاح لتقصير صدر منه، ثم يخرج من النار ويدخل الجنة لإيمانه، على أن هذا الحديث

стр. 84

وأمثاله من أخبار الآحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم، وإنما توجب العمل، والذي نحن فيه من باب العلم، فلا تكون هذه الأخبار فيه حجة. على أنها معارَضَةُ بحديث جبربل لمحمد: (أن الله حرم على النار حِجْراً أكفلك وبطناً حملك وثدياً أرضعك) (١) (٢). والدليل على إسلام أبي طالب أنه ثبت بطريق التواتر أنه كان يحب النبي ﷺ وينصره ويوقره، ويكفُّ عنه أذى المشركين وهذا كله دلائل الإسلام، لأن الكافر لا يحب النبي ولا ينصره، بل يبغضه ويخذله، ولا يُحْمَلُ ذلك على القرابة، فإن أبا لهب كان عمه وكان مُظهراً للبغض والعداوة، فإن من كان

стр. 85

كافراً فدينه وطبعه يحملانه على عداوة المسلمين فعلاً وقولاً. والثاني: أنه ثبت أيضاً بالنقل المتواتر أن النبي ﷺ كان يحبه ويصاحبه، والنبي ﷺ لا يحب الكافر شرعاً وطبعاً، مع أنه مأمور بمجانبة الكافر، ومعاداة المشركين الفجار قال الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وقال: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ ولا يُحمل ذلك على القرابة فإن أبا لهب كان أيضاً عمه وما كان يحبه. كيف وقد نفى الله تعالى المحبة من المسلم للكافر مع وجود القرابة القريبة بقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية.

стр. 86

الثالث: أنه ثبت بالنقل عن الرواة والثقات: أن النبي ﷺ كان يدعوا له، ويشكره ولا يليق بحال النبوة الثناء على المشركين، والدعاء لهم بما يُدْعى به للمسلمين المؤمنين، من ذلك ما رُوي في حديث الاستسقاء أنه قال: (لله در أبي طالب لو كان حياً لقرت عيناه) ثم قال: (أيكم ينشدنا شعره) فأنشده عليُ ابن أبي طالب: وأبيَض يُسْتَسْقى الغَمام بوَجْهِهِ ... ثِمَال اليَتَامَى عِصْمَة لِلأَرَامِلِ يَلوذ بِهِ الهَلاكُ مِنْ آل هَاشِم ... فَهمْ عِنْدَهُ فِي نِعْمَةٍ وَفَوَاضلِ كذبْتُمْ وَبَيْتُ الله نُبَزى مُحَمَّداً ... وَلَمَّا نُقاتِل دُوْنَهُ وَنَنَاضلِ ومن ذلك ما روى محمد بن كعب أن النبي ﷺ دخل على أبي طالب في

стр. 87

مرضه فجلس إليه فقال: (يا عم جُزيت عني خيراً كفلتني صغيراً وحضنتني كبيراً فجزيت عني خيراً) وفي حديث سعيد بن المسيب قال له: (يا عم إنك أعظم الناس عليَّ حقًّا وأحسنهم عندي يداً، ولأنت أعظم عليَّ حقاً من والدي) ولو لم يكن أبو طالب أهلاً للإسلام لما وفقه الله تعالى لمثل تلك الصنائع المعروفة إذ لا يليق بحكمة الحكيم أن يُجري تلك الأمور على يد المشرك، أو لا يرزق الإسلام من كان على مثل تلك الأفعال والأقوال، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ والله لا يخلف الميعاد. وأما ما نقلوه في التفاسير أنه نزلت فيه آيات مثل قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ فكل ذلك ورد بطريق

стр. 88

الآحاد عن بعض المفسرين وقد ذكرنا أن أخبار الآحاد لا توجب العلم ولا تعارِض ما ذكرنا من الأخبار المتواترة (١)، والدلائل القطعية من النقلية والعقلية. كيف وإن النبي ﷺ كان يدعوا للأجانب بالهداية والتوفيق؟ فلا يُظن به وهو أوصل الناس للأرحام، وأحرصهم على الإسلام أنه لم يكن يدعوا لأبي طالب مع ما له من الأيادي، ودفع العوادي من الأعادي، ولا يستجيب الله تعالى دعاءه فيه ولا يحقق ما يأمله ويرتجيه والله واسع حكيم.

стр. 89

٧١ - قال في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾: " (ما) صلة أي عنتم، وهو دخول المشقة عليكم ". قلت: ليس (ما) صلة؛ لأنه لا يستقيم النظم وشديد عليه دخلتم في المشقة، ولكن (ما) مصدرية يعني: شديد عليه عنتكم، أي دخولكم في الحرج والمضرة. والله أعلم.

стр. 90

سورة يونس ٧٢ - قال في قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: " هنالك آمنتم ". قلت: (ثُمَّ) للتعقيب والتأخير وهي من حروف العطف. وهنالك معنى (ثَمَّ) لا معنى (ثُمَّ)، والأشبه أن يكون معناه: أبعد وقوع العذاب آمنتم به. والله أعلم. ٧٣ - قال في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾: " أخفوا ﴿النَّدَامَةَ﴾ على كفرهم ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾. قلت: هو مثل قوله في سورة سبأ ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ وذكر ثم: " أظهروا

стр. 91

﴿النَّدَامَةَ﴾ والإسرار من الأضداد يكون بمعنى الإخفاء والإظهار والله أعلم. ٧٤ - قال في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية: " قال كفار مكة: إنما يلقي هذا الوحي على لسان محمد شيطان فأنزل الله الآية ". قلت: هذا التأول لا وجه له؛ لأن الخطاب للنبي ﷺ فلو كان سبب النزول قول الكفار لقال: (وإن كنتم في شك) لأن حينئذ كان الشك منهم ولا يجوز أن

стр. 92

يكون قول الكفار سبب الشك للنبي؛ لأن الشك يكون في القلب والله تعالى عَلِم من قلبه أنه لم يكن فيه شك؛ ولأنه رُوي أنه لما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ (ولا أشك ولا أسألهم). ٧٥ - قال: " فيها وجه آخر قال: الخطاب للرسول، والمراد به غيره من الشاكين ". قلت: هذا خلاف الأصل إذ لو جاز ذلك لجاز أن ينهاه عن عبادة الأصنام ويلومه على ذلك (لم تعبد الأصنام يا محمد) وذلك خلاف المعقول والمنصوص. ٧٦ - قال: " كان الناس على عهد رسول الله ﷺ أصناف: مكذب ومصدق وشاك فخاطب الشاك ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الشاك ". قلت: الجواب ما ذكرنا أنه خلاف الأصل والدليل على أن الخطاب ليس لغيره من الشاكين أنه قال: ﴿مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ والإنزال لم يكن إِلا إلى النبي ﷺ .

стр. 93

٧٧ - قال: " إن بمعنى الجحد وتقديره فما كنت في شك، كما قال: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ ". قلت: هذا أضعف من الكل؛ لأن قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ جاء بعده (لا) تأكيد النفي فتعين للنفي كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ ولا كذلك

стр. 94

ههنا، لأن ههنا ذكر بعد إن (فسئل) وذكرم آخر الآية ﴿فَلَا تَكونَنَّ مِنَ الْمُمتَرينَ﴾ أي الشاكين. وحرف (إن) إذا جاء بعده الأمر بالفاء لا يُفهم منه إلا الشرط والجزاء كقوله: ﴿إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ﴾ خصوصاً إذا كان الأمر أمراً بالسؤال، وحرف الشرط دخل في قوله: ﴿فَإِن كُنتَ فِى شَكٍّ﴾ والسؤال يناسب الشك وكلاهما خطاب الواحد، فجَعْلُ أحدهما وحداناً والآخر جمعاً بعيد جداً. ٧٨ - قال: " علم الله أنه لم يشك ولكن أراد أن يأخذ بقوله لا أشك كقصة عيسى ".

стр. 95

قلت: إنما يصح هذا أن لو سأله عن الشك، وهذا ليس بسؤال عن الشك، بل هو شرط وجزاء، والدليل على أنه لم يكن ليأخذه بقوله: (لا نشك) لأنه لم يذكر ذلك في القرآن كما ذكر عن قول عيسى: ﴿سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ﴾. ٧٩ - قال: " علم الله تعالى أن النبي ﷺ غير شاك فقال له: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ وهذا كما تقول لغلامك الذي لا تشك أنه غلامك: إن كنت عبدي فأطعني ". قلت: هذا أيضاً لا وجه له؛ لأن قول القائل لعبده: إن كنت عبدي فأطعني. يقوله وهو متيقن أنه عبده فيلزم أن الله تعالى يعلم أن نبيه ﷺ شاك؛ لأنه قال: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ﴾ كقولنا: إن كنت غلامي. وهذا القائل لهذا الوجه غلط من حيث أنه تُوهم أن الكلام إنما وقع في شك الله لشك النبي، فقال: إن الله لم يشك في أن النبي لم يشك، وليس الكلام في شك الله. وإنما الكلام في شك النبي ﷺ . فما استشهد به من النظير يحقق شك النبي لا أنه ينفيه؛ لأنه يلزم من ذلك علم الله بأنه شاك كصورة النظير حَذْو القُذة بالقُذة، والذي يعلمه الله تعالى يستحيل خلافه، فإذا علم الشيء موجوداً يستحيل أن يكون معدوماً، وإذا علمه معدوماً يستحيل أن يكون موجوداً، فيلزم أن يكون النبي ﷺ شاكاً. ٨٠ - قال فيه وجهاً آخر: " الشاك في الشيء يضيق به صَدْره فيُقال للضيق الصدر شاك يقول: إنْ ضِقْتَ ذرْعاً بما تُعاين مِنْ بَغْيهم وأذاهم فاصبر واسأل

стр. 96

الذين يقرؤون الكتاب يخبروك بصبر الأنبياء على الأذى ". قلت: هذا أيضاً لا وجه له لوجهين: أحدهما: أن الشاك بمعنى الضيق الصَدْر غير مسموع، ولا مذكور في الكتب. والثاني: وهو أنه يلزم من ذلك نسبة المحال إلى النبي ﷺ أنه قال: ﴿فَإِن كُنتَ﴾ نسبة للمحال إلى النبي ﷺ ؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ فيكون معناه فإن كنت ضيق الصدر من القرآن -وحاشاه من ذلك-؛ ولأنه قال في آخرها ﴿فَلَا تَكُونَن مِنَ المُمتَرينَ﴾ وهو مُفتَعِلُ من المرية وهي الشك. ٨١ - قال فيها وجهاً آخر قال: " كان جائزاً على الرسول ﷺ وسوسة الشيطان؛ لأن المجاهدة في ردها مما يُستَحقُ عليها الثواب ". قلت: هذا أيضاً لا وجه له، لأن الله تعالى أمره بالسؤال عن أهل الكتاب، وبالسؤال عن أهل الكتاب لا تزول الوسوسة ولا الشك؛ لأن أهل الكتاب إن كانوا مؤمنين به لم يكن لهم شك مما أنزل الله، فلا يجوز أن يكون النبي في شك، ومؤمنو أهل الكتاب في غير شك، فيكون غير النبي أعلى شأناً من النبي، ولو كان أهل الكتاب المسؤلون غير مؤمنين به لكانوا أكثر شكاً منه فكيف يزول الشك

стр. 97

بالسؤال عن الشاك الذي هو أكثر شكاً من السائل ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾. ٨٢ - قال: " مع حرف الشرط لا يثبت الفعل ". قلت: إذا كان الكلام من الله يَثبُتُ الفعلُ على حرف الشرط لأن حرف (إن) للشك، ولا يجوز الشك على الله تعالى بدليل قوله: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقد ثبت إيمانهم. وكيف يجوز الشك على الله تعالى أو على النبي ﷺ والشك في حق واحد من المسلمين كفر؟ حتى أن من شك في وحدانية الله تعالى أو في حَقِّيَّة القرآن من أهل الإيمان يكون كمن أنكر الصلاة. والله الموفق والمستعان. فإن قيل: فما وجه الآية؟. قلت وجهها: أن الله تعالى خاطب النبي ﷺ والمراد به غيره كما ذكروا، هذا وإن كان خلاف الأصل، ولكنه سائغ في عرف العرب وغيره ولا يلزم أن يكون بطريق الاستفهام، فإن من أراد أن يوبخ شخصاً على سوء فعله يخاطب غيره بحضوره، فيكون زجراً له بطريق التعريض، وذلك إما أن يكون لحقارة

стр. 98

المُعرَّض به، أو لعظم شأنه، والشاهد لذلك قصة عيسى وغيرها والله أعلم. * * * سورة هود ٨٣ - قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾: " قرأ أهل الكوفة ﴿عَمِلَ غيرَ صَالِحٍ﴾ بكسر الميم وفتح اللام، (غيرَ) بنصب الراء على الفعل، وقرأ الباقون بفتح الميم وضم اللام وتنوينه. (غيرُ) بالرفع على سؤالك عمل غير صالح. ﴿فلا تسألن﴾ قرأ ابن كثير بتشديد النون، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد النون وكسرها ". قلت: ﴿عَمِلَ غَيْرَ صَالِحٍ﴾ قراءة الكسائي ويعقوب، وقرأ ابن كثير ﴿فلا تسألنَّ﴾ بتشديد النون وفتحه وفتح اللام، وقرأ الباقون بسكون اللام وتخفيف النون وكسرها، وأثبت الياء أبو عمرو وورش عن نافع، والباقون بالحذف.

стр. 99

٨٤ - قال في قوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾: " محل (أن) نصب بإسقاط الخافض أي بأن ﴿جَاءَ بِعِجْلٍ﴾. قلت: نصب بإسقاط الخافض أي (فما لبث في أن جاء بعجل)؛ لأنه يقال: لبث بمكان كذا، وهم يريدون أنه أقام به ولا يصح ههنا أن يكون ما أقام في الإتيان بالعجل، بل المراد أنه ما أقام في ترك الإتيان به، بل أتى به بالعجلة

стр. 100

والسرعة، يعني ما توقف في الإتيان به، فيكون (في) أصلح من (الباء) على أن اللبث لا يستعمل إلا مع (في)، قال الله: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَبِثُوا فِى كَهْفِهِم﴾ ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. ٨٥ - قال في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾: " من قولهم: ْسَجَلْتُ له سَجْلاً " إذا أعطيته، كأنهم أعطوا ذلك البلاء، واستشهد بقول

стр. 101

الفضل: مَنْ يُسَاجلْنِي يُسَاجلْ مَاجداً ... يَمْلأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكُرَبِ قلت: ليس معنى المساجلة في البيت الإعطاء، أو التعاطي؛ بل معناه المفاخرة، وأصله المفاعلة من السَّجْل وهو الدلو المملوء ثم استعمل في المفاخرة بنزع الدلو ثم في المفاخرة مطلقاً، وقوله: " سَجَلْتُ له إذا أعطيته " لا يُستعمل في الشر وإنما يستعمل في الخير إن ثبت والله أعلم. ٨٦ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: " أي

стр. 102

ما أريد أن أنهاكم عن أمر ثم أركبه ". قلت: إذا ركبه لا يكون مخالفاً لهم، وإنما يكون مخالفاً لأمر الله، وموافقاً لهم، والمخالفة لا تعدي بـ (إلى) إلا على الحذف والإضمار، فالأشبه أن يكون معناه: وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه يعني ما أريد أن أنهاكم عن معصية الله فتنتهوا عنها، ثم أرتكبها فأكون مخالفاً لكم وما أريد أن أميل إلى النهي عنه والله أعلم. ٨٧ - قال في قوله تعالى: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾: أي العون المعان، وذلك أنهم ترادفت عليه اللعنتان لعنة في الدنيا ولعنة في الآخرة ".

стр. 103

قلت: يشبه أن يكون هذا سهواً؛ لأن هذا الكلام كلام من يظن أن الرفد من الترادف، وليس كذلك؛ لأن الترادف تفاعل من الردف، لا من الرفد، وإنما الرفد العون والعطاء، فقوله: ﴿بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ﴾ أي بئس العطاء المعطى، أو العون المعان اللعنة من سب رجلاً ثم قال: بئس المدح. ٨٨ - قال في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾: " قال ابن عباس: ﴿مَا دَامَتِ

стр. 104

السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ من ابتداء كونهما إلى وقت فنائهما ". قلت: هذا يشعر بفناء أهل النار وبفناء عذابهم. ٨٩ - قال فيه وجهاً آخر ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وهو أن يأمر النار أن تأكلهم وتفنيهم ". قلت: هذا أيضاً يشعر بفناء أهل النار، وفناء عذابهم. ٩٠ - قال: " ليأتين على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد، وذلك بعد أن يلبثوا فيها أحقاباً ". قلت: هذا أيضاً يشعر بفناء أهل النار، وفناء عذابهم. ٩١ - قال: " عن الشعبي: " جهنم أسرع الدارين عمراناً وأسرعهما خراباً ".

стр. 105

قلت: هذا أيضاً يشعر بفناء أهل النار، ففناء عذابهم. ٩٢ - قال: " أخبرنا بالذي يشاء لأهل الجنة فقال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غيرمقطوع، ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار فلم يقل عقيب الاستثناء (عذاب غير مقطوع) بل اقتصر على الاستثناء ". قلت: هذا أيضاً يشعر بفناء أهل النار، وفناء عذابهم. قال: " هو جزاؤه إلا أن يشاء ربُّك أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار، وفي وصف نار جنهم إلا ما شاء ربك فلا يُخلدهم الجنة ". قلت: كل ذلك محال، أما الأشقياء فمحال أن يتجاوز عنهم فلا يدخلهم النار؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به، وأما السعداء فمحال أن لا يُخلدهم في الجنة بعد الدخول، وقد قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ والاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره،

стр. 106

ويستحيل أن نخرج المحال، لأن المحال خارج بإحالة، وإخراج الخارج محال. ٩٤ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من الفريقين من تعميرهم في الدنيا قبل مصيرهم إلى الجنة والنار ". قلت: هذا أيضاً لا وجه له " لأن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره، وتعميرهم في الدنيا بعد مصيرهم إلى الجنة والنار قد مضى وانعدم، والمعدوم خارج، وإخراج الخارج محال؛ لأن الاستثناء إنما وقع بعد الخلود، والخلود إنما يكون بعد الدخول وحينئذ يستحيل استثناء كونهم في الدنيا. ٩٥ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من احتباس الفريقين في البرزخ ما بين الموت والبعث ". قلت: جوابه ما ذكرنا أن ذلك يكون معدوماً بعد الدخول واستثناء المعدوم محال والله أعلم. ٩٦ - قال: " (إلا) هنا بمعنى (سِوَى) كما يقال: ما معنا رجل إلا زيد والمعنى: سوى ما شاء ربك من الخلود ". قلت: لا يصح هذا النظير؛ لأن الاستثناء من النفي إثبات (ومن الإثبات

стр. 107

نفي، فقوله: ما معنا رجل إلا زيد استثناء) من النفي فيكون إثباتاً لزيد، فيكون صحيحاً أما ما ربنا استثناء من الإثبات، فيكون منفياً، فيكون نظيره: معنا القوم إلا زيداً، فيكون نفياً لزيد كذلك. ههنا ينبغي أن يكون نفياً للخلود، ولأنه لو كان بمعنى (سوى) يصير تقديره لهم فيها الخلود سوى الخلود، ولا يقال: لزيد هذا الغلام سوى هذا الغلام. ٩٧ - قال: " استثنى الإخراج وهو لا يريد أن يخرجهم منها، كما تقول في الكلام: (أردت أن أفعل كذا إلا أن أشاء غيره)، وأنت مقيم على ذلك الفعل، فالمعنى: أنه لو شاء أن يخرجهم لأخرجهم، ولكن لا يشاء ". قلت: هذا أيضاً لا وجه له؛ لأنه استثنى من الخلود ما شاء من نفي الخلود، وأثبت مشيئته بلفظ الماضي، ولا كذلك في صور النظير؛ لأن مشيئة العباد يجوز أن توجد ويجوز أن لا توجد، خصوصاً إذا ذكرت بلفظ المستقبل، وعلى تقدير الوجود يكون مجازاً من حيث أنه غير مستقل بنفسه، قال الله تعالى: (وَمَا تَشَاَءُونَ إِلا أن يَشَاءَ اللهُ)؛ ولأن الخُلفَ في كلام العباد جائز، ولا كذلك في كلام الله إذ لا يجوز الخلف فيه، وإنه تعالى أثبت المشيئة مشيئة الإخراج

стр. 108

بلفظ الاستثناء من الخلود فيكون الإخراج مراد، ومشيئته أزلية قديمة، فيكون الإخراج ثابتاً لا محالة فينتفي الخلود لا محالة. ٩٨ - قال: " ﴿إِلا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ من مقدار موقفهم على رؤوس قبورهم وللمحاسبة ". قلت: قد ذكرنا أن الاستثناء إخراج الشيء مما دخل فيه غيره، وإنه استثناء من الخلود والخلود يكون بعد الدخول، وموقفهم على رؤوس قبورهم بعد الدخول مضى وانعدم، ولا يصح استثناء المعدوم؛ لأن المعدوم خارج من الوجود، وإخراج الخارج محال والله أعلم. ٩٩ - قال: " وقع الاستثناء على الزيادة، في النعيم والعذاب، أي: إلا ما شاء ربك من زيادة النعيم أو العذاب ". قلت: هذا أيضاً لا وجه له؛ لأنه يكون استثناء الأكثر من الأقل، واستثناء الأكثر من الأقل والكل من الكل باطل. ١٠٠ - قال: " معناه: وقد شاء ربك خلود هؤلاء وهؤلاء، و (إلا) بمعنى الواو سائغ في اللغة قال الله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾

стр. 109

أي ولا الذين ظلموا. قلت: (إلا) بمعنى الواو غير مسموع ولا مذكور في قواعد اللغة، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بمعنى: ولا الذين ظلموا قول واحد من المفسرين وعلى تقدير الصحة، لا يصلح نظيراً؛ لأنه لو جُعل إلا لمعنى: ولا ههنا لكان تقديره: (خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض ولا ما شاء ربك) وهو محال، قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بمعنى: ولا الذين ظلموا. هو رواية عن أبي عبيدة وحده. ١٠١ - قال: " معناه كما شاء ربك، كقوله: ﴿إِلا مَا قَد سَلَف﴾، أي: كما قد سلف ".

стр. 110

قلت: ذاك قول أبي زكريا العنبري وحده، أن: ﴿إِلا مَا قَد سَلَف﴾، بمعنى: كما قد سلف لا قول الكل، والحاصل أن القول بزوال النعيم والعذاب قول، الجهمية، والقول بزوال العذاب قول الجاحظ والجهمية وجماعة من المتكلمين، واحتجوا بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ وبقوله: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ﴾؛ ولأن
следующие страницы →