١٢٨ - قال: قوله (معه) بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ وقوله: ﴿ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا﴾ وغيرها.
قلت: لفظ (عند) إذا كان مقروناً بالمكان لا يفهم منه إلا المكان كقولك: زيد في الدار عند عمرو، بخلاف قوله: زيد مصيبٌ عند عمر، والفرق بينهما واضح.
* * *
سورة الكهف
١٢٩ - قال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾: " يعني بندوسيس وهو أمير المدينة ".
стр. 142
قلت: بل ليعلم الناس كلهم.
١٣٠ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾: " يعني سنتنا في هلاكهم، أو يأتيهم العذاب عياناً وقُبُلاً أصنافاً ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا الكلام يكون معناه: ما يمنعهم من الإيمان والاستغفار بعد مجيء القرآن إلا إتيان العذاب والهلاك، ولا عن أن يكون إتيان العذاب والهلاك مانعاً من الإيمان؛ لأن المانع من الأمر الوجودي لا بد أن يكون موجوداً، وإتيان العذاب لم يكن موجودا في حال كفرهم، إذ لو وُجد لهلكوا، وما كانوا بعد الهلاك مكلفين بالإيمان، ولأن المانع من الإيمان إما تقصيرهم في النظر، أو خذلان الله إياهم، وعلى تقدير مجيء العذاب والهلاك إن آمنوا فلا يكون مجيء العذاب مانعاً، وإن لم يؤمنوا لا يكون امتناعهم من الإيمان لإتيان العذاب والهلاك؛ بل لأمر من خارج وهو ما ذكرنا، وكيف يكون إتيان العذاب والهلاك مانعاً لهم من الإيمان، فإن الإيمان
стр. 143
ربما يوجد بعد إتيان العذاب فينفع كقوم يونس، وربما لا ينفع إيمان اليأس كفرعون وغيره، فلا بد من التحقيق. فتحقيقه: أنه وعيد وتهديد لهم بالعذاب كأنه قال: إنهم لا يؤمنون إلى أن يأتيهم العذاب فحينئذ يؤمنون ولا ينفعهم إيمانهم نظيره ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ كما تقول في الشاهد لعدوك: ما تريد إلا أن أقتلك، ولا شك أنه لا يريد ذلك، كأنه قال: إنما يمتنعون من الإيمان لأعذبهم. والله أعلم.
* * *
سورة مريم
١٣١ - قال في قوله تعالى: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾: " أي مؤمناً مطيعاً قال: لأن التقي ذو نُهية. وقيل: كان تقي رجلاً من أمثل الناس ".
стр. 144
قلت: لو اقتصرنا على ما فسّر يلزم أن تكون مريم -يعني أشرف الناس- استعاذت بالله من الرجل المتقي الصالح وإنما يُستعاذ من الشر لا من الخير، فلا يجوز أن تستعيذ مريم من المتقي، وإنما يصلح أن تستعيذ من العاصي، كما أمرنا بالاستعاذة من الشيطان، ولا يجوز أن نقول: نعوذ بالله من الأخيار.
فتحقيقه: أن في الآية إضماراً واختصاراً تقديره: إني أعوذ بالرحمن منك. ثم قالت: إن كنت تقياً أي فلا تقربني أو نحو ذلك.
١٣٢ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾: " الدليل على أن الكل يدخلون ثم ينجو المؤمنون قوله ﷺ : (إني لأرجو أن لا يدخل النار إن شاء الله أحد شهد بدراً والحديبية) ".
стр. 145
قلت: هذا ليس بدليل على أن الكل يدخلون بل هو دليل على أن الكل لا يدخلون وإنما يدخل البعض، وقال تمام الحديث: " أليس قد قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ قال: ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ". قلت: والنجاة أيضاً دليل الدخول. والله أعلم.
стр. 146
١٣٣ - قال: " هل أتاك أنك وارد النار؟ قال: نعم. قال: فهل أتاك أنك خارج منها؟ قال: لا. قال: ففيم الضحك؟ ".
قلت: نعم أتانا الخروج بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي آمنوا.
* * *
سورة طه
١٣٤ - قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: " أي أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهرها لكم؟ (ثم سأل): كيف يُخفي مِنْ نفسه وهو خَلَقَ الإخفاء؟ (وأجاب): أن الله تعالى كلَّم العرب بكلامهم الذي يعرفونه، ألا ترى أن الرجل يعذل أخاه فيقول له: أذعت سري. فيقول مجيباً له: والله لقد كتمت سرك من نفسي فكيف أذعته؟! ".
стр. 147
قلت: العرب لا يعرفون هذا الكلام، ولا يقولونه، ولا العجم، ولو قال أحدٌ هذا الكلام يكون كاذباً حالفاً باليمين الفاجرة وحاشا كلام الله عن مثل ذلك. ولكن الجواب: أن ﴿أكاد﴾ إذا كان مقروناً بالنفي يكون إثباتاً، وإذا كان مقروناً بالإثبات يكون نفياً قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ ولا شك أنهم فعلوه، وقال تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ وما انفطرت من قولهم ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ كذلك ههنا (كاد) في موضع الإثبات فيكون نفياً للإخفاء من نفسه وهو للمبالغة في الإخفاء، والأشبه أن يكون ﴿أكاد﴾ بمعنى أريد أي: أريد إخفاءها من الناس.
стр. 148
١٣٦ - قال في قوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾: " كان في لسانه رُتَّةٌ لوضع الجمرة عليه ".
قلت: الرتة لا تحصل من الجمرة، وذلك القَدْرُ من الاحتراق لا يُخِل بالكلام، وإنما طلب زيادة الفصاحة في تبليغ الرسالة. والله أعلم.
стр. 149
١٣٧ - قال في قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾: " سأل كيف؟ قال: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ وعلمه سابق في فرعون أنه لا يتذكر ولا يخشى. [ومجازه] لكي يتذكر متذكر ويخشى خاش إذا رأى لُطفي به ".
قلت: المقصود [ ... ] (١) المأمور بتليين القول له فرعون فكيف يكون المراد غيره في التذكير؟ وهل يصح أن يفهم من قوله: أكرم زيداً لعله يكرمك. أكرم زيداً لعل عمر يكرمك؟!.
١٣٨ - قال أيضاً فيه: " تذكر فرعون وخشي حيث لم ينفعه التذكرة والخشية وذلك حين قال: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾.
стр. 150
قلت: هذا أيضاً لا وجه له؛ لأن ذلك تذكر منه غير نافع ولا مقبول، وهل يجوز أن يقول لعله يتذكر وتذكره لا ينفعه ولا أقبله؟ ووجود ذلك التذكر وعدمه سواء. فيكون تقديره قولا له قولاً ليناً لعله لا يؤمن، وهذا لا يليق بكلام واحد من الناس فكيف يليق بكلام الله تعالى؟!
ولكن الجواب أن (لعل) من كلمات الترجي وهو في حق الله تعالى واجب؛ لأن الترجي يكون بين الخوف والطمع وذلك لا يجوز على الله تعالى، وههنا لا يمكن حمله على الوجوب لأن فرعون لم يؤمن، ولا على الترجي لما ذكرنا، إلا أن المانع من الترجي ههنا إذا كان الترجي منسوباً إلى الله تعالى، أما إذا كان الترجي بالنسبة إلى غير الله فلا يكون هذا الترجي بالنسبة إلى موسى وهارون
стр. 151
فتكون (لعل) للترجي أو لترجية الغير. فكأن الله تعالى يأمرهما بالترجي فيقول: قولا له قولاً ليناً وكونا على رجاء من إسلامه، وطمع في إيمانه لئلا تفتروا في الدعوة.
١٣٩ - قال في قوله تعالى: " ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ إنما قال هذا فرعون لموسى حين قال موسى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾
стр. 152
قَالَ ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ " قال: " رد موسى علم ذلك إلى الله لأنه لم يعلم ذلك ".
قلت: قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ ما قاله موسى وإنما قاله مؤمن آل فرعون، ولو لم يكن موسى عالماً بذلك فكيف كان يخوفهم بشيء لم يعلمه. فمن لم يكن عالماً أن زيداً أصابه خير أم شر، كيف يقول لعمر أحذرك ما نزل بزيد؟ ولكن يحتمل أنه سأله عن كيفية أحوالهم في القيامة فقال: لا علم لي بذلك إنما يعلمه الله والله أعلم.
١٤٠ - قال في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾: " عن علي بن أبي طالب: أن المؤمن إذا قبض الملك روحه انتهى به إلى السماء وقال: يا رب عبدك فلان قبضناه فيقول: ارجعوا فإني وَعدته ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.
стр. 153
قلت: لعل هذا النقل غير صحيح عنه؛ لأن روح المؤمن إذا انتهى بها إلى السماء لا يقال له: ارجعوا لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ قال: (إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل صالحاً قالوا اخرجي أيتها النفس المطمئنة. حتى يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها، فيقولون: من هذا؟ قالوا: فلان، فيقال مرحباً بالنفس الطيبة ادخلي حميدة، حتى يَنتهي إلى السماء السابعة ... ) الحديث. ولأن الروح غير مخلوقة من التراب فكيف يقول وَعَدْتهُ: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ وإنما الجسد هو المخلوق من التراب، وذلك لا يُنتهَى به إلى السماء بل يكون مدفوناً في التراب؛ ولأن الروح لا ترَدُّ إلى القبر؛ لأنه لو رُد إلى القبر
стр. 154
لكان الميت حياً في القبر وهو محال (١)؛ بل يُصْعَد به إلى السماء السابعة إن كان مؤمناً، أو تحت الأرضين إن كان كافراً.
١٤١ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾: " لا تَنْظُرْ إلى ما أعطيناهم أصنافاً من نعيم الدنيا ".
قلت: إنما يكون هذا تفسيره لو قيل أزواجاً منهم أصنافاً من الكفرة، أو هو حال من الضمير، والفعل واقع على ﴿مِنهُم﴾ فيكون المُمَتَّعُ به أصنافاً أن لو
стр. 155
قال الله: ﴿إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا﴾. ولم يقل هكذا، وإنما قال: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ و (من) ههنا للتبعيض، فيكون تقديره: ولا تمدنَّ عينيك إلى ما أعطيناه بعضهم أصنافاً. فيكون أزواجاً بدلاً من ضمير الهاء في ﴿أعطيناه﴾ لأن محل (به) في قوله: ﴿مَتَّعْنَا بِهِ﴾ نصبٌ؛ لأن ﴿مَتَّعْنَا بِهِ﴾ بمعنى أعطيناه والله أعلم.
١٤٢ - قال في قوله: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى﴾: " من الضلالة أنحن أم أنتم؟ ".
قلت: لو أجريناه هكذا على ظاهره ولم نَفْرُقْ بين (مَنْ) و (مَنْ) لا يستقيم؛ لأنه يكون تقديره: فستعلمون المحقين والمحقين؛ لأن أصحاب الصراط السوي أي المستقيم، والذين اهتدوا واحدٌ. ولا يقال: ستعلم مَنْ صديقك ومَنْ صديقك. وإنما يقال: ستعلم مَن صديقك ومَن عدوك. فلا بد من أن يجعل (مَن) الأولى استفهاماً، و (مَن) الثانية خبراً، فيكون المعنى فستعلمون من
стр. 156
أصحاب الصراط المستقيم؟ والذي اهتدى؟ فيكون تأكيداً لا تكراراً، كما يقال: ستعلم من صديقك والذي ينصحك، فيكون صحيحاً؛ لأن الثاني حينئذ يكون بياناً للأول، وتأكيداً لوصفه لا تكراراً. ولو أجريناه على ظاهره وسوينا بين (مَنْ) و (مَنْ) يكون تكرار غير مفيد، والله أعلم.
* * *
سورة الأنبياء
١٤٣ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنهُم﴾: " أي من الملائكة " ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي من دون الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ قال: عني بهذه الآية. إبليس حيث ادعى الشركة لأنه لم يقل أحد من الملائكة: (إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ).
стр. 157
قلت: وإبليس أيضاً لم يقل: (إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ) بل كان مقراً بالعبودية بدليل قوله: ﴿رَب فَأنظِرني﴾ ﴿خَلَقتَنِى﴾ ﴿رَب بِمَا أغْوَيتَني﴾ وقوله: ﴿إِلا عِبَادَك﴾. وإنما كان منه التكبر عن السجود لآدم، وليس يلزم أن يكون قولهم: (إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ) واقعاً بل هو تهديد لمن يقول ذلك، وتكذيب للذين عبدوهم والله أعلم.
١٤٤ - قال في قوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾: " أي أفهم الخالدون، كقول الشاعر:
فَقُلْتُ وَأَنْكَرْتُ الوُجوه هُمُ هُمُ ".
стр. 158
قلت: ليس هو من باب الإضمار، بل هو من باب التقديم والتأخير؛ لأن ألف الاستفهام موجود في الآية إلا أنه مقدَّمٌ في موضع لا يحتاج فيه إلى الاستفهام فيكون مؤخراً إلى موضع الحاجة، فيكون التقدير: فإن مت أفهم الخالدون؟ بخلاف البيت فإن ألف الاستفهام غير موجود رَفَوْنِي فقالوا: يا خُويلد لم ترع. قلت: والذي [ ... ] لأننا لو قلنا بأن ألف الاستفهام مضمر في قوله ﴿فَهُم﴾ يجتمع في الكلام استفهامان، فيكون تقديره: أفإن مت أفهم الخالدون. ولا يجوز ذلك؛ لأن في الاستفهام معنى الجحد، والجحد ينبغي أن يكون داخلاً في قولَه: ﴿فَهُم﴾ لأن خلودهم هو المنفي، ولا يجوز أن يكون داخلاً في قوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾ لأن موته ليس بمنفي، ويجوز أن يكون الألف داخلاً على المجموع وهو موته وخلودهم، فيكون المجموع منفياً فلا يحتاج إلى الإضمار والتأخير. والله أعلم.
١٤٥ - قال في قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾: " فيه اختصار يعني: لَمَّا أقاموا على كفرهم ".
стр. 159
قلت: لو اقتصرنا على هذا لا يكون الكلام تماماً؛ لأن حينئذ لا يكون مفعولُ (يَعلَم) مذكوراً ولا بد له من مفعول. وقوله: ﴿لَا يَكُفُّونَ﴾ لا يصلح مفعولاً له لأنه مظروف حينَ، فنقول تقديره: لو يعلم الذين كفروا عجزهم حين يكون كذا لآمنوا.
١٤٦ - قال في قوله: ﴿وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾: منسوخ بقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ ".
قلت: لا يجوز أن يكون منسوخاً بها؛ لأن قوله: ﴿وَاَقتَرَبَ﴾ عطف على ﴿حَتَّىَ إِذَا فُتِحَت يَأجُوجُ﴾ فلا يُوجب العلمَ بالاقتراب الآن، أو جزاء ﴿إذا فُتِحَت﴾، فلا يصلح ناسخاً بل هو منسوخ بقوله: ﴿اَقتَرَبَ لِلنَّاسِ﴾.
стр. 160
سورة النور
١٤٧ - قال في قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾: " النور المحسوس الذي هو ضد الظلمة لا يخلو من شعاع أو ارتفاع وسطوع ولموع، وهذه كلها منفية عن الله تعالى لأنها من أمارات الحدث. ولا يجوز أن يقال لله: يا نور، إلا أن يُضم إليه شيء آخر ".
قلت: إيش تعني بقولك: " أنها من أمارات الحدث " تعني به أنه دليل الحدوث إن عنيت به هذا فليس كذلك؛ لأن دليل الحدوث هو التغيّر، والفناء، والزوال، وما يكون من صفات النقص لا ما ذكرت. وإن عنيت
стр. 161
به أن بعض الحادثات يُوصَف بهذه الصفات فهو باطل بالسمع، والبصر، والحياة، فإن بعض الحادثات يوصف بها، ثم الله تعالى يُوصَفُ بها وما لزم من ذلك الحدوث، والدليل على أن الله تعالى يجوز أن يوصف بالنور الكتاب والسنة: أما الكتاب: قوله تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ ولو كان المرادُ نوراً يخلقه الله تعالى فيضاف إليه، فالشمس والقمر أيضاً أنوار مخلوقة له، والأرض أيضاً في الدنيا مشرقة بنوره على هذا التفسير، فلا يكون لتخصيص يوم القيامة بهذا الوصف فائدة ومزيَّة على الدنيا، وكذلك قوله تعالى: ﴿اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ لأنه مضاف فيكون مقيداً، والمطلق داخل في المقيد، فيكون نور السماوات نوراً.
أما الحديث: فقد جاء في الحديث: (أسألك بنور وجهك الكريم) وجاء: (يا نور)،
стр. 162
وفي الأسماء التسعة والتسعين: النور الهادي. والله أعلم.
стр. 163
سورة الفرقان
١٤٨ - قال في قوله تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾: " لأن البهائم تهتدي لمراعيها ومشارِبها، وتنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها ".
قلت: ليس ترجيح البهائم عليهم من هذا الوجه؛ لأن الكفّار أيضاً كانوا يهتدون لمراعيهم ومشاربهم، وينقادون لمن يطعمهم من الناس. ولكن الترجيح من حيث أن البهائم والحيوانات تعرف خالقها ورازقها. فقد يُروى أن البقر لم ترفع رأسها إلى السماء منذ عُبِدَ العِجْلُ حياءً من الله، وجاء البعير إلى رسول الله ﷺ يشكو
стр. 164
إليه صاحبها. وشهد الضب على رسالته، ونحو ذلك.
١٤٩ - قال في قوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾: " الظل يَتْبَعُ الشمسَ في طُولِه وقِصَرِه، كما يُتْبَعُ السائرُ الدليلَ، فإذا ارتفعت الشمسُ قَصُرَ الظّل، وإن انْحَطتْ طال ".
стр. 165
قلت: فهذا لا يكون اتباعاً؛ بل يكون مخالفة. وإنما كان متابعاً لها أن الشمس لو ارتفعت طال الظل، وإذا انحطت قصُر الظلُ.
١٥٠ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾: " ولقَسَمْنَا الرُسل بينهم كما قَسَمْنَا المطر، فحينئذ نُخَفف عليك أعباءَ النبوةِ، ولكنا حَملْنَاكَ ثِقلَ نَذَارةِ جَميع القُرى لتستوجبْ بصبرك عليه ما أعتدنا لك من الكرامة ".
قلت: والأشبه أن يكون المعنى: لو شئنا لجعلنا في كل قرية رسولاً فيُشَارِكونَك حينئذ في شَرَف الرِسالةِ، ولكنا رَفَعْنَا شَأنك فجعلنا رسالةَ الناسِ كافة ونبوةَ الخلق عامة إليك، لا يشارِكُكَ في هذا الشَرفِ أحدٌ في الدنيا في زمانك، ولا بعدك إلى يوم القيامة فاشكر لهذه النعمة ولا تطع الكافرين وجاهدهم به جهاداً كبيراً.
١٥١ - قال في قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾: " ستراً ممنوعاً
стр. 166
يمنعُهُما فلا يَبْغِيَان ".
قلت: إذا كان يمنعهما فيكون مانعاً لا ممنوعاً؛ إلا أن الحِجْر أصله المنع، ومنه قوله: ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي عَقْل لأن العقل مانعٌ، وقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي حراماً محرماً؛ لأن الحرام ممنوعٌ، وحجر القميص لأنه يمنع ويستر، وحَجَرَ القاضي عليه. فكأنّ الحاجز بين البحرين حجراً محجوراً بمعنى الحاجز كقوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ أي ساتراً وهو ممنوع من أعين الناس وقدرتهم.
стр. 167
١٥٢ - قال في قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾: أصلها من البَرْدِ؛ لأن العَرَبَ تتأذى بالحر، وتَسْتَرْوِح إلى البرد ".
قلت: كل الناس يتأذون من الحر والبرد جميعاً، ولكن أصله أن دمعة الحُزنِ حارَّة، ودمعة السرور باردة، ومنه المثل (أحرُّ مِنْ دَمْع المِقْلاةِ) وهي التي لا يَعيش لها ولدٌ. فقولهم (أقرَّ اللهُ عينَه) أي سَرَّهُ اللهُ حتى يَدمَعَ بارداً، أو ضده (أسخنَ اللهُ عينَهُ) من السخنة وهي الحرارةُ، وقيل: القُرةُ من القَرَارِ.
١٥٣ - قال في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾: " أخبرَ اللهُ أنه لا حاجة له بهم إذ لم يَخْلُقْهُم مؤمنين ولو كان له بهم حاجَة لحبَّبَ إليهم الإيمان
стр. 168
كما حبب إلى المومن ".
قلت: ولا حاجة لله بأحد من خلقه سواء خلقهم مؤمنين أو كافرين والله غني عن العالمين.
* * *
سورة الشعراء
١٥٤ - قال في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ﴾: قال فلان: خرجتُ من بَلْخَ في طلب إبراهيم بن أدهم، فرأيته بحمص في أَتُّون يستجمر بها فكنت معه. فقال: لعل نفسك تنازعك إلى شيء من الطعام؟ فقلت: نعم. فأخذ تراباً ورماداً فخلطهما وأكلهما ".
стр. 169
قلت: لعل هذا لا يصح عنه من وجوه:
أحدُها: أن إبراهيم إنما كان يُسَجِّر الأتُّون؛ ليستعين بأجرته على قوتٍ فإذا كان يأكل التراب فأي حاجة إلى إيقاد الأتُّون. فإن التراب موجود في جميع المواضع من غير إيقاد.
والثاني: أن إبراهيم كيف لم يحصل له من أجرة الإيقاد ما يشتري قوتاً.
الثالث: أن التراب أو الرماد لا يُشبع بل يمرض، فالصبر على الجوع كان أوْلَى من الصبر على الجوع والمرض بالاختيار.
الرابع: أن أكل التراب والرماد إضرار بالنفس؛ لأنه يُوَلِّد الأمراض، وليس للعبد ذلك؛ لأنه يؤدي إلى إلقاء النفس للتهلكة، والنفس ملكٌ لله تعالى، والتصرف في ملك الغير بما لا يَحل ظلم.
الخامس: يؤدي إلى العجز عن عبادة الله تعالى، وذلك غير جائز.
والسادس: أنه خلاف أفعال النبي ﷺ والصحابة بل كانوا يَصبرُون.
والسابع: أنه إظهار الجلادة، والقوة، والتصبر على الشدة بدليل أنهم قد نقلوه وكتبوه في الكتب فلو كتمها كان أجمل وأحسن.
والثامن: أن فِعْلَه لا يناسبُ سؤاله؛ لأنه يسأل صاحبه عن حاجته إلى الطعام ثم أكل هو التراب وذلك لا يُشبعه فكيف يُشبع صاحبه؟ فهذا كله دليل على أن النقل غيرُ صحيح.
стр. 170
١٥٥ - وكذا نَقَل " أن سفيان الثوري مكث بمكة دَهْراً يَسْتَفُّ من السبت كفاً من الرمل ".
قلت: سفيان كان فقيهاً ذا مال، والفقه والمال يمنعان عن ذلك وحاشاهم أن يخالفوا سيرة النبي ﷺ ، أو يفعلوا فعلاً مشتملاً على المضرة خالياً عن المنفعة مخالفاً للشريعة والله الموفق.
١٥٦ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾: " أي لو نزلناه على رجل ليس بعربي اللسان فقرأه عليهم بغير لغة العرب ما كانوا به مؤمنين. وقالوا: ما نفقه قولك ".
قلت: لو فسرنا على هذا الوجه يلزم منه أمران محذوران:
أحدهما: أنه يلزم أن يكون معنى القرآن معتبراً، لا لَفْظه وصيغته، لأن
قوله: " فقرأه " كناية عن القرآن حتى لو قرأ في الصلاة بالفارسية تجوز صلاته، ولا يجوز ذلك؛ لأن العربية صفة لازمة للقرآن؛ لأن القرآن عبارة عن مجموع هذه الصيغة والنظم والمعنى. قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾.
стр. 171
والثاني: أنه يلزم منه أن يكون كل من سمعه من العرب آمن به؛ لأنه جعل علة الكفر به كونه غير عربي، فيلزم أن تكون علة الإيمان كونه عربياً فيؤمن الكل ولم يؤمنوا، فيكون لقائل أن يقول: إذا سُمع قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، ولو نزلْتَهُ على العربي فقرأه عليهم ما آمنوا أيضاً كما هو الواقع.
فتحقيقه على وجه لا يلزم منه هذه الإشكالات: أن يكون الهاء في قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ﴾ كناية عن الكتاب المطلق لا عينَ هذا القرآن كأنه قال: لو نزلنا كتاباً فارسياً على رجل فارسي ما آمن به العرب. واحتجوا بأنَّا لا نَفْهَمُهُ، فكيف لم يؤمنوا وهو كتاب عربي على رجل عربي.
وأما الثاني: قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ لم يُرِدْ به الكل، وإنما أراد به ما آمن هو لا الذين آمنوا. والله أعلم.
* * *
سورة النمل
١٥٧ - قال في قوله: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: " لم يَجزْ أن يُوصف كلامُه بأنه يَحُلُّ موضعاً، أو أنه جوهر،
стр. 172
ولا عرض، ولا حرف ولا صوت، بل هو صفة ينتفي عنه بها آفات الخرس والبكم ".
قلت: هذا تناقض؛ لأن ما لا يكون حرفاً ولا صوتاً لا يَنْتَفِي به الخرسُ؛ لأن كلام النفس حاصل لكل أخرس، ولا ينتفي الخرسُ إلا بحقيقة الحرف والصوت، ولا حد للكلام إلا الحروف المنتظمة المفيدة للمعنى.
١٥٨ - قال أيضاً في القصة هذه: " كان تحت يد بلقيس اثنا عشر ألف قَيْلٍ، تحت يد كل قَيْل مائة ألف مقاتل ".
стр. 173
قلت: يشبه أن يكون هذا من مبالغات القُصَّاص؛ لأن مُلك بلقيس ما كان أكثر من اليمن، وهذه الخلائق بحوائجهم، ومعايشهم، ومزارعهم كيف كانوا يَسعَوُن في اليمن، ثم اليمن قريب من الشام وكان دارُ مملكةِ سليمان الشام، قال الله تعالى: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ يعني الشام، ومثل سليمان في ملكه يسخر الرياح والشياطين كيف كان غير عالم بمُلك إلى هذا الحد في جواره، وهو كان مَلِكَ الدنيا كلها، وقد كانت الرياح والشياطين تخبره أخبار المشارق والمغارب من الأمور الخفية في الأماكن البعدية.
١٥٩ - قال في هذه القصة: " قالت بلقيسُ لسليمان: أخْبرني عن لون الربِّ فوثب سليمان عن سريره وَخَرَّ ساجداً وَصُعِقَ، فقامت عنه وتفرقت جنوده وذكر القصة ".
стр. 174
قلت: فكيف؟ وقد ذكر في سبب نزول: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عن أبي صالح عن ابن عباس: أن عامر بن الطفيل وأريد بن ربيعة أتيا النبي ﷺ ، فقال عامر: إلى ما تدعون يا محمد؟ فقال: إلى الله. فقال: صفه لنا أمِنْ ذهب هو أمْ مِنْ فضة أم من حديد أم من خشب؟ فنزلت هذه السورة. ولا شك أن
стр. 175
سؤالهما أفظعُ من سؤال بلقيس. ونبينا ﷺ أعظمُ شأناً من سليمان، ولم يكن منه الوثوب، والخرور، والصعق، وأمثال ذلك، وهو ﷺ أكثر الناس تعظيماً لله تعالى وأعلم الناس بالله، وأخشاهم له.
وقصة أربد صحيحة فلعل حديث بلقيس من مبالغات القصاص مما لا أصل له.
* * *
سورة القصص
١٦٠ - قال في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ المدِينَةَ﴾: " اختلف العلماء في السبب الذي من أجله دخل موسى هذه المدينة في هذا الوقت ".
قلت: ولم يَذكر السببَ؛ لأنه قال: " كان موسى حين كبر يركب مراكب فرعون، فركب فرعون يوماً وليس عنده موسى، فلما جاء قيل له: ركب فرعون. فركب في أثره.
قلت: وهذا لا وجه له، لما رَوى ابن إسحاق: " أن موسى لما كبر اشتد رأيه وعرف ما هو عليه من الحق، فخالف فرعون وقومه وعاداهم حتى أخافوه ". يدل على صحته أن الله تعالى يقول: ﴿هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِن عَدُوِّهِ﴾
стр. 176
فكيف كان يمشي خلفه، ويركب في أثره، وهو حين دخل المدينة على حين غفلة كان كبيراً عارفاً بالحق والباطل بدليل قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ الآية.
١٦١ - وقال قولاً آخر: " أن موسى عَلا فرعونَ بالعصا في صغره. قال فرعون: هذا عدو فأراد قتله. فقالت امرأته: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل المدينة إلا بعد أن كبر ونسوا [ ... ] ".
قلت: فهذا أيضاً لا وجه له لأنه لو أُخرج في صغره ما كان له شيعة يجتمعون إليه ويستمعون منه ويقتدون به في مَصْرَ فرعونَ حتى يعرفوه ويستغيثوه فيما ذكر، ولأنه لو أمر بإخراجه في صغره لما قال: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.
١٦٢ - قال فيه: " كان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً فدخلها ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
стр. 177
قلت: فلم يذكر سبب الدخول، وإنما ذكر خوفه، وذلك معلوم والله أعلم.
١٦٣ - قال في قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾: " إنما شدد فرقاً بينها وبين النون التي تسقط للإضافة لأن: ﴿ذان﴾ لا تضاف ".
قلت: تضاف سواء كانت مشدَداً أو مضعفاً بدليل أن الكاف في محل الخفض بإضافة ﴿ذان﴾ إليها في قوله: ﴿فَذَانِك﴾.
* * *
سورة العنكبوت
١٦٤ - قال في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: " نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهبان، وذلك أنه لما
стр. 178
أسلم قالت له أمه حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك صَبوتَ الحديث إلى آخره ".
قلت: هو سعد بن مالك بن وُهَيْب بن عبد مناف بن زهرة، واسم أمه خولة، لحديث الوصية بالثلث (والثلث كثير، لكن البائس سعد بن خولة).
стр. 179
١٦٥ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: " عن كثير بن مُرَّة قال: سمعت أبا الدرداء يقول: " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في درجاتكم وخير لكم من أن تغزوا عَدُوكَم فيضرب رقابكم وتضربون رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟ قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله ".
قلت: ما هو من كلام أبي الدرداء بل هو حديث صحيح عن النبي ﷺ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي علي الضرير عن أنس بن عياض عن
стр. 180
عبد الله بن سعيد عن زياد بن أبي زياد عن أبي بَحْرِية عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأنْ تلقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: (ذكر الله). صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك.