فكيف كان يمشي خلفه، ويركب في أثره، وهو حين دخل المدينة على حين غفلة كان كبيراً عارفاً بالحق والباطل بدليل قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾ الآية.
١٦١ - وقال قولاً آخر: " أن موسى عَلا فرعونَ بالعصا في صغره. قال فرعون: هذا عدو فأراد قتله. فقالت امرأته: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ فترك قتله وأمر بإخراجه من مدينته فلم يدخل المدينة إلا بعد أن كبر ونسوا [ ... ] ".
قلت: فهذا أيضاً لا وجه له لأنه لو أُخرج في صغره ما كان له شيعة يجتمعون إليه ويستمعون منه ويقتدون به في مَصْرَ فرعونَ حتى يعرفوه ويستغيثوه فيما ذكر، ولأنه لو أمر بإخراجه في صغره لما قال: ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾.
١٦٢ - قال فيه: " كان لا يدخل قرية إلا خائفاً مستخفياً فدخلها ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
стр. 177
قلت: فلم يذكر سبب الدخول، وإنما ذكر خوفه، وذلك معلوم والله أعلم.
١٦٣ - قال في قوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾: " إنما شدد فرقاً بينها وبين النون التي تسقط للإضافة لأن: ﴿ذان﴾ لا تضاف ".
قلت: تضاف سواء كانت مشدَداً أو مضعفاً بدليل أن الكاف في محل الخفض بإضافة ﴿ذان﴾ إليها في قوله: ﴿فَذَانِك﴾.
* * *
سورة العنكبوت
١٦٤ - قال في قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾: " نزلت في سعد بن أبي وقاص، واسم أبي وقاص مالك بن وهبان، وذلك أنه لما
стр. 178
أسلم قالت له أمه حمنة بنت أبي سفيان: يا سعد بلغني أنك صَبوتَ الحديث إلى آخره ".
قلت: هو سعد بن مالك بن وُهَيْب بن عبد مناف بن زهرة، واسم أمه خولة، لحديث الوصية بالثلث (والثلث كثير، لكن البائس سعد بن خولة).
стр. 179
١٦٥ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾: " عن كثير بن مُرَّة قال: سمعت أبا الدرداء يقول: " ألا أخبركم بخير أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في درجاتكم وخير لكم من أن تغزوا عَدُوكَم فيضرب رقابكم وتضربون رقابهم، وخير من إعطاء الدنانير والدراهم؟ قالوا: وما هو يا أبا الدرداء؟ قال: ذكر الله ".
قلت: ما هو من كلام أبي الدرداء بل هو حديث صحيح عن النبي ﷺ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي علي الضرير عن أنس بن عياض عن
стр. 180
عبد الله بن سعيد عن زياد بن أبي زياد عن أبي بَحْرِية عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إعطاء الذهب والورق وأنْ تلقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟) قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: (ذكر الله). صحيح أخرجه الحاكم في المستدرك.
стр. 181
١٦٦ - قال في قوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾: " بل هو يعني محمداً ﷺ ، والعلم بأنه أمي ﴿بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ﴾ أهل الكتاب ودليل هذا التأويل قراءة ابن مسعود وابن السُمَيْفِع ﴿بَلْ هُي آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾.
قلت: ما في قراءتهما دليل على هذا التأويل.
стр. 182
سورة الروم
١٦٧ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾: " الفائدة في تكرار ﴿قَبْلِ﴾ ههنا، أن الأولى للإنزال، والثانية: للمطر. وقيل: على التأكيد ".
قلت: أما الأول فلا وجه له؛ لأن إنزال المطر، والمطر واحد من حيث أنهما ينلازمان فكأنه قال: من قبل المطر من قبل المطر، أو من قبل إنزال المطر عليهم من قبل إنزال المطر، وإنزال المطر لا يكون قبل المطر، أو من قبل إنزال المطر، من قبل إنزال المطر، لأن إنزال المطر بلا مطر محال فلا يكون في التكرار فائدة.
وأما الثاني فلا وجه له أيضاً: لأن التأكيد إنما يكون إذا كان فيه زيادة فائدة إما من الوضوح، أو من الكثرة، أو نحو ذلك.
وهذا التكرار لا يفيد فائدة ما، فلا يكون تأكيداً.
والأشبه أن يكون الثاني كناية عن السحاب في قوله: ﴿فَتُثيرُ سَحَابًا﴾ فيكون التقدير: وما كانوا من قبل إنزال المطر عليهم من قبل السحاب إلا مُبلِسين على البلد، أو يكون الثاني كناية عن العشب والكلأ أي قبل المطر قبل العشب كناية عن غير مذكور.
стр. 183
ويجوز أن يكون تكرار ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ تأكيداً لبعد عهدهم بالمطر، كما يقال: فعلت ذلك قبلَ قبلَ كذا. والله أعلم.
* * *
سورة لقمان
١٦٨ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾: " هذه الآية تقتضي أن كلامه غير مخلوق؛ لأن ما لا نهاية له ولمَا يتعلق به من معناه فهو غير مخلوق ".
قلت: هذه لا تقتضي أن كلامه غير مخلوق، لأن نعيم الجنة لا نهاية له وما يتعلق به من معناه لا نهاية له، ومع هذا مخلوق. وليس حدُّ القِدم ما لا انتهاء
стр. 184
به، وإنما حده ما لا ابتداء به.
١٦٩ - قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾: " أي موفٍ بما عاهد علي الله في البحر.
وقيل: مؤمن، وقيل: مقتصد في القول مضمر للكفر. وقيل: مقتصد في القول من الكفار، لأن بعضهم أشد قولاً وأعلى في الافتراء من بعض. وقيل على صلاح من الأمر.
стр. 185
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر لا يتم التفسير ولا يكمل الكلام؛ لأنه تعالى يذكر هذه الآية في ذكر نعمه على عباده، وكفرانهم، نظيرها قوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. فلا يستقيم ههنا أن نقول معناه: فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد، أي فمنهم مُوفٍ أو مؤمن أو مصلح، لأنه يخالف أمثالها ونظائرها، ويخالف مفهوم الخطاب، ولا يتم أيضاً أن نقول: فمنهم مقتصد أي مضمر للكفر، وأمثال ذلك؛ لأن في نظائرها لم يذكر بحرف ﴿من﴾، وههنا قد ذكره بحرف ﴿من﴾ وهو للتبعيض فلا يجوز ذكر البعض والإعراض عن البعض، لأنه يكون تقديره: فلما نجاهم إلى البر فمنهم كافر فتحمله على الإضمار والاختصار، كأنه تعالى قال: فلما نجاهم إلى البر فمنهم شاكر ومنهم جاحد كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكٌمُ الْحَرَّ﴾ وأشباه ذلك والله أعلم.
غاية ما في الباب أنه ترك ذكر الفريق الآخر لدلالة الكلام عليه فينبغي للمفسر أن لا يخل بهذا التنبيه لئلا يُنسب إلى التقصير.
* * *
سورة الأحزاب
١٧٠ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾: ﴿تُظَاهِرُونَ﴾ " بضم التاء وتخفِيف الظاء
стр. 186
وكسر الهاء قراءة عاصم، والحسن، قال أبو عمرو: وهذا منكر؛ لأن المظاهَرَة من التعاون ".
قلت: ليس بمنكر بل هو صحيح؛ لأنه في السَبْع؛ ولأنه لو قال: ظاهَر من امرأته يكون صحيحاً، يقال: ظاهَر من امرأته يظاهر منها مظاهرة وظهاراً لغةٌ صحيحة مستعملة، ولا يصح عن أبي عمرو أنه أنكره، ولا يُظن بمثله ذلك. والدليل على أنه يصح معنى الظِهار أنه عداه بـ (مِن) وظاهر إذا عُدِّي
стр. 187
بمِن لا يكون إلا بمعنى الظهار، وإنما يكون بمعنى التعاون كما ذكر إذا عُدَّي بغير (من)، كما يقال: ظاهَرَهُ.
١٧١ - قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾: " إذا خير الرجلُ امرأتَه واختارتْ زوجَها فلا شيء، وإن اختارت نفسها فواحدة وهو أحق بها وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه، وقال: إن اختارت زوجها فواحدة، وإن اختارت نفسها فثلاث، وهو قول مالك. وقال الشافعي: إن نوى الطلاق في التخيُّرِ كان طلاقاً وإلا فلا ".
قلت: في هذه المسألة مذهب الشافعي مثل مذهب أبي حنيفة وأصحابه، غير أن عند أبي حنيفة وأصحابه طلقة بائنة، وعند الشافعي رجعية. والله أعلم.
стр. 188
١٧٢ - قال قوله: (هذا جبل يحبنا ونحبه): " يعني أحداً المراد أهله ".
قلت: لا حاجة إلى هذا الإضمار، فإنه لا يمتنع أن أُحداً كان يُحِبُه، كما أن السارية الحنانة حنَتْ إليه، وسمع مَن في المسجد حنينها، وتسبيح الحصى في يده إلى غير ذلك، ولأن أُحُداً ليس له أهل حتى يكون مضمراً، ولا ساكن،
стр. 189
وإن أريد بأهله المدنيون والأنصار فهم أهل المدينة لا أهل أحُدٍ والله أعلم.
* * *
سورة فاطر
١٧٣ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾: " يعني العالم والجاهل، ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ يعني الكفر والإيمان ".
قلت: ليس هذا تفسير واضح، وإنما الواضح أن تقول ولا الكفر ولا الإيمان، ولو قلنا كذلك لا يستقيم أيضاً؛ لأن الاستواء إنما يكون بين شيئين كما يقال: لا يستوي زيد وعمرو، فأمَّا أن يقال: لا يستوي زيد لا يكون المراد نفي المساواة بينه وبين شيء آخر. فإذا قلت: لا يستوي زيدٌ، وأنت تريد نفي المساواة بينه وبين آخر فلا بد أن تقول: وعمرو. فإذا قلت: ولا عمرو. فقد نفيت المساواة بين عمرو وحده من غير ذكر آخر فلا يتم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ وقال ههنا: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾
стр. 190
فوجه ذلك والله أعلم أن تجعل (لا) صلَةً في قوله: ﴿وَلَا النورُ﴾ وفي قوله: ﴿وَلَا الحَرُورُ﴾ ﴿وَلَا الأموَاتُ﴾ فيكون تقديره: ولا الظلمات والنور، ولا الظل والحرور، وما يستوي الأحياء والأموات كقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي يرجعون، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ ألَّا تَسجُدَ﴾ أي تَسْجد، وقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ أي ليعلم وأمثالها. وهذا بخلاف قوله ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ولم يقل: ومن أنفق من بعد الفتح؛ لأن هناك أظهر ما أضمره بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا﴾ وليس كذلك ههنا والله أعلم.
стр. 191
ويشبه أن تكون ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ لتأكيد نفي المساواة كأنه قال: لا تستوي الظلمات وضدها، ولا النور وضده، كما يقال: ليس عمرو مثل زيد، ولا زيد مثل عمرو وليس في نفي التشبيه نفي كل واحد منهما والله أعلم.
* * *
سورة الصافات
١٧٤ - قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾: " أي أنبتنا له، وقيل: عنده، كقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي عندي.
قلت: (عليه) بمعنى (له) ما جاء في اللغة الصحيحة، لأنهما متضادان، يقال: هذا الأمر عليه، أي: يضره، وهو له، أي: ينفعه؛ ولأن (على) للتعلي، واللام للملك والاختصاص، وكذلك (عليه) بمعنى عنده غير مسموع، لأن (على) للوجوب، و (عند) تختص بما في ملكه، أو مُكنَتِه، حتى لو قال: لفلان عليَّ كذا يكون إقراراً بالدين، ولو قال: له عندي كذا يكون إقراراً بالوديعة. فقد اختلفا لُغةً وشرعاً وكذا نقول في قوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ أي يجب
стр. 192
لهم علي المطالبة بذنب فلا حاجة إلى إقامة أحد الحروف مقام الآخر من غير ضرورة، فنقول في قوله: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً﴾ أنه من صلة التضمين، لأن معظم المقصود من إنبات الشجرة تظليله، فكأن معنى التظليل في ضمن الإنبات فعُدي الإنبات تعدية التظليل، كأنه قال: وأنبتنا مُظَلِلةَ عليه فيكون (على) صلة للتظليل الذي هو في ضمن الإنبات مثل قوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ لأن في المخالفة الإعراض فعُدِّي تعديتين ونحوها كثير. والله أعلم.
* * *
سورة ص
١٧٥ - قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾: " أي لأَمْرٌ يُرادُ بنَا ".
قلت: الكفار لم يكونوا يُقِرُّون أنهم يُراد بهم أَمْرُ خَيْر. والأمر يَحْتَمِلُ الخيرَ والشرَّ، فالأشبه أن المعنى أن هذا الشيء يُريدونه لأنفسهم، ويقولون برأيهم والله أعلم.
стр. 193
١٧٦ - قال في قوله تعالى: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾: " يعني حب الخيل عن الصلاة ".
قلت: لم يَذكرْ تحقيقَهُ؛ لأن فيه موضعين للبحث:
أحدهما: ﴿أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ ولا يقال: أحببت حُبَّ زيد، والمرادُ أحببتُ زيداً، وههنا المراد أحببتُ الخيرَ، فما وجه ذكر الحُبّ؟
الثاني: قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ ولا يقال أحببتُ كذا عن كذا، فتحقيقه: أن هذا من صلة التضمين كما ذكرنا قبلُ؛ لأن في حب الشيء الاشتغال به، والاشتغال يُعدَّي بعن، فلما كان الاشتغال في ضِمْنِ الأحْبَابِ عُدِّيَ تعديته، كأنه قال: اشتغلت بحبِّ الخير عن ذكر ربي، أو آثرت حُبَّ الخير مشتغلاً عن ذكر ربي، ولهذا ذكر المصدر مع الفعل، أو تكون (عن) بمعنى (على).
١٧٧ - قال في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾: " قُرئ مضافاً وبالتنوين ".
стр. 194
قلت: لم يذكر تفسيرَه، فنقول: أخلصناهم أي اخترناهم، واصطفيناهم كقوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾، ﴿بِخَالِصَةٍ﴾ أي بعبادة خالصة يعني إنما اخترناهم بسبب أنهم كانوا يُخلصون العبادة. قوله: ﴿ذِكْرَى الدَّارِ﴾ بدل من الخالصة، وهو في محل الخفض على البدل يعني يُذكِرّون بالدار الآخرة، وُيزهِدُون في الدنيا، فسِّرَ الخالصة بذكرى الدار، يعني كان عبادتهم الخالصة أنهم يَذْكرون الدّار الآخرة بقلوبهم، ويخافونها، والفرْق بين الذكر والذكرى أن الذكر باللسان والذكرى بالقلب، والاتعاظ به والدار المطلقة هي الدار الآخرة والله أعلم.
١٧٨ - قال في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: " عن الحُسين ابن الفَضْل هذه الآية ناسخة لقوله: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.
стр. 195
قلت: لا يجوز أن تكون ناسخة لها لوجوه:
الأول: أن النسخ يَجْري في الأحكام، وليس هذا من الأحكام؛ لأن محبة أقرباء النبي ﷺ ليس من باب الأحكام فلا تتعلق بالنسخ.
والثاني: أن المفهوم من قوله: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ هو الجُعْل والمال كما صَرَّحَ في موضع آخر ﴿وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا﴾ فيكون قوله: ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ﴾ استثناء منقطعاً، وإذا كان المراد من الأجر المالُ لا يتناول
стр. 196
مودة القرب فلا يكون منسوخاً.
الثالث: أن مودة أقرباء النبي ﷺ لا يجوز أن تكون منسوخة بل هي واجبة فريضة على المسلمين إلى يوم القيامة، لما ورد فيها من الأخبار.
* * *
سورة الزمر
١٧٩ - قال في قوله تعالى: " ﴿لَوْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾: كما زعموا ﴿لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ ".
قلت: ما زاد على هذا التفسير، وحينئذ تقوى حجة الكفار؛ لأنهم يقولون هل هذا إلا عين مقالتنا فإنا نقول: قد أراد الله أن يتخذ ولداً وقد اصطفى مما يخلق ولداً وهم الملائكة، أو عزيراً، أو عيسى. فجوابه: أنّ اتخاذ الولد غير الولادة التي هي الجزئية والبعضية التي كانوا يدعونها بقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾
стр. 197
والله تعالى نفى الولادة واتخاذ الولد جميعاً عن نفسه. أما نفي الولادة بقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾ وأما اتخاذ الولد بقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ وقال: لو أرَدْتُ أنْ أتخذَ ولداً بأن أسميه ولدي من غير التجزي والوالد لاتخذتُ ذلك من الملائكة الذين اصطفيتُهُم وخلقتهم كما يَزْعُمون، ولكني ما فَعلْتُ ذلك، ولا أَفْعَله قطّ، وهو قوله بعدَهُ: (سُبْحَانَهُ هُوَ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) أي هو مُنَزُّه عن الولادة واتخاذ الولد، وواحد لا مِثْلَ له.
١٨٠ - قال في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾: " كرر الاستفهام كما كرر (أنكم) في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾.
قلت: أما التكرار في قوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ﴾ الآية، إنما أعاد، لأنه طال الكلام، مثل قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآية، وأما قوله: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ﴾
стр. 198
فليس من نظائره بل هو من نظائر قوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللهُ﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ﴾ وقوله: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾. وأجْزِيةُ ذلك محذوفة تقديره: (أفمن هو قائم كمن ليس بقائم) و (أمن هو قانت كمن ليس بقانت) (أفمن شرح كمن لم يشرح) (أفمن حق عليه كمن لم يحق عليه) والله أعلم.
١٨١ - قال في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾: " أبو جهل وذووه من الكفار أولئك في ضلال مبين ".
قلت: لم يَزد على هذا في التفسير، ولو اقتصرنا عليه لكان لقائل أن يقول: كيف يقسو القلب من ذكر الله؟ وإنما هو يلين ويطمئن، قال الله: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ فنقول هذا أيضاً من صلة التضمين، لأن في القساوة البُعدُ من الله ومن ذكره. والبُعْد يُعَدَّى بـ (مَنْ) فلما كان البُعد في ضمْن
стр. 199
القساوة عُدِّي تعديته، كأنه قال: فويل للبعيدة قلوبهم من ذكر الله. وقيل: من ذكر الله أي من أجل ذكره، أي إذا ذكر اللهُ عندهم اشمأزوا وازدادت قلوبهم قساوة، وقُرئ: ﴿عن ذكر الله﴾ أي غَلُظَ عن قبول الذكر. والله أعلم.
١٨٢ - قال في قوله تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ﴾: " أي بنجاتهم من العذاب بأعمالهم الحسنة "
قلت: لا يتضح المعنى إن اقتصرنا على هذا القدر؛ لأنه لا يقال نجاه بمنجاته، وإنما يقال: نجاه من كذا، أو سبب كذا، أو إلى كذا فإيضاحه: ينجي الله الذين اتقوا بأعمالهم الحسنة التي هي سبب فوزهم، والمفازة
стр. 200
سبب الفوز كما أن المبْخَلة بسبب البُخْل. والفوز النجاة، والفوز الظَفْرُ.
* * *
سورة غافر
١٨٣ - قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ﴾: " أرجلهم في الأرض السفلى ورؤوسهم قد خرقت العرش، وهم خشوع ". ثم قال: " بين الملائكة وبين العرش سبعون حجاباً من نور ".
قلت: وهذا يُشْبه التناقض وهو مُستبعدٌ. والله أعلم.
١٨٤ - قال في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾: " هو السائل وهو المجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا حيٌّ مجيبه، فيجيب نفسه، فيقول ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ ".
стр. 201
قلت: هذا التأويل غير مطابق لما قَبْلَ الآيةِ وما بعدَها؛ لأن ما قبلها ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْ﴾ وما بعدها ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، ولا شك بأن الجزاء يكون بعدَ البعث، ولما ذكر عن ابن مسعود أنه قال: " يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد فأول ما يتكلم به أن ينادي منادٍ (لمن الملك اليوم؟). ولأنَّا أجمعنا على أن سكان الجنة من الحور لا يموتون والذين استثنوا من الصعق وهم الشهداء بقوله: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللهُ﴾
стр. 202
لا يموتون فكيف يكون هذا القول حين لا حي يجيبه، والأحياء حينئذ أكثر منهم اليوم على أن كلامه تعالى مع نفسه غير مُنكَر، ولا ينكر كلامَه إلا مبتدع ضال والله أعلم.
١٨٥ - قال في قوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥) النَّارُ﴾: " قال النار رفع على البدل من سوء ".
قلت: فيه نظر لأن البدل ما يجوز أن يُقام مقام الُمبْدَل، وههنا لا يجوز أن يُقال: نزل بآل فرعون النار؛ لأنه لا يُقال نزل به النار، وإنما يقال نزل به العذابُ ودخل. فالأشبه أن تكون النارُ تفسيرًا لسوء العذاب، أو هو خبر مبتدأ محذوف، كأنه سُئل: ما سوء العذاب؟ فقيل: هو النار، أو يكون رفعاً على الابتداء، و ﴿يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ خبرَه. والله أعلم.
* * *
سورة فصلت
١٨٦ - قال في قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾:
стр. 203
" قال أبو بكر: والله لا أفرقُ بين شيء جمع الله بينه ".
قلت: لم يقل أبو بكر هذا، وإنما قال: " والله لأُقاتِلن من فرّق بين الصلاة والزكاة، والله لو يمنعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم ". وكيف يقول أبو بكر ﵁: " والله لا أفرق بين شيء جمع الله بينه؟ " وهو لفظ غير مستقيم؛ لأن التفريق إنما يكون بين الشيئين، وكذلك الجمع يكون بين الشيئين.
١٨٧ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ﴾: " أي تستخفون في قول أكثر العلماء ".
стр. 204
قلت: لا يتضح التفسير بهذا القدر، فإيضاحه أن قولَه: ﴿أن يَشهَدَ﴾ بمعنى الشهادة؛ لأن (أن) مع الفعل في معنى المصدر، ويكون (من) مضمراً تقديرُهُ: وما كنتم تستخفون من شهادة الأعضاء عليكم وإنما كنتم تستخفون في الدنيا من شهادة الناس عليكم. ومعناه: وما كنتم تستترون خيفة أن تشهد عليكم جوارحكم لإنكاركم البعث، ولكن لظنكم بأن الله لا يعلم. والله أعلم.
١٨٨ - قال في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾: " كان النبي ﷺ يدخل على يسار وكان يهودياً أعجمياً، فقال المشركون، إنما يعلمه يسار. فأنزل الله هذه الآية ".
قلت: دخوله على يسار سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ في النحل. أما هذه الآية فلا تُطابق هذا السبب؛ لأن الله تعالى أخبر عنهم لو سمعوا القرآن أعجمياً لقالوا: أكتاب أعجمي ورسول عربي؟ ولم يجعل اللهُ القرآنَ أعجمياً. فلم يقولوا ذلك.
стр. 205
١٨٩ - قال في قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾: " (ما) ههنا حرف وليس باسم فلذلك لم يعمل فيه الظن وجعل الفعل ملغياً ".
قلت: يجوز أن يعمل الفعل في الحرف نحو قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾ (أن) حرف وقد عَمِلَ الخوف فيه، وهو في محل النصب بوقوع الخوف عليه ونحوها كثير، وليس الظن ههنا ملغياً بل هو واقع على الجملة وهي: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ﴾ في [ ... ] في موضع النصب بوقوع الظن عليه.
* * *
سورة الشورى
١٩٠ - قال في قوله تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا﴾: " بلا ذكور،
стр. 206
﴿وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ فلا يكون له إناث ".
قلت: لو اقتصرنا عليه كان لقائل أن يقول: لِمَ نكر الإناث وعرف الذكور؟ فالجواب عنه من ثلاثة أوجه:
الأول: أنه إنما عرَّف الذكور لموافقة رؤس الآيات وهي ﴿الذكُور﴾ و ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
الثاني: أن في التعريف تعظيماً وهو أولى بالذكور.
الثالث: الألف واللام توجب استغراق الجنس فتوجب الكثرة، وكثرة الذكور نعمة فتلائم الهبة، وكثرة الإناث ليست بنعمة فلا تلائم الهبة.
* * *
سورة الزخرف
١٩١ - قال في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي وصفناه "، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ﴾ " ويستحيل أن يكون بمعنى الخلق "، ثم
стр. 207
قال بعده في قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ﴾ " عن ابن عباس: أول ما خلق الله القلم، فأمره أن يكتب ما يريد أن يخلق في الكتاب عنده ".
قلت: فقد نقض الكلام الأول؛ لأن القلم إذا كان أول الخلق ولم يكن معه شيء من الخلق فكيف كان يكتُبُ على العدم؟ اللهم إلا أن يُريد أن يكتب المخلوق بالكلام القديم وخلق القلم ثم خلق اللوح ثم كتب ولكنه غير مذكور. والله أعلم.
стр. 208
١٩٢ - قال في قوله تعالى: " ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ﴾ أي بريء ".
قلت: الأشبه أن يكون على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كقوله: [ ... ] [ ... ] ولا يقال معناه: إنه عامل فيكون المعنى إنني ذو براءة، والبراءة والبراء واحد والله أعلم.
١٩٣ - قال في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾: " يعني هذه الكلمة وهذه المقالة وهي قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾. وقيل: كلمة التوحيد ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: مَنِ الجاعلُ؟ إنْ قلتَ: الجاعل إبراهيمُ فكيف ينتظم جعلُ إبراهيمَ كلمة التوحيد باقية في عقبه لعَلّ عقبه يرجعون عن الكفر. وكيف يَقدِرُ إبراهيم أن يجعل ذلك، وأن
стр. 209
يجعلهم موحدين. وعلى تقدير أن تكون كلمة التوحيد باقية في عقبه كيف يستقيم ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾؟ وكيف يستقيم (جعلهم مسلمين) (لعلهم يسلمون). وإن قلت: الجاعلُ هو الله فكيف جعلَ اللهُ كلمةَ الوحيد باقيةً في عقبه وأكثرهم كافرون؟ ثم كيف يستقيم جعلهم موحدين ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ عن الكفر، وقد رجعوا.
والجواب أن الأشبه أن يكون الجاعل إبراهيم لأنه هو المذكور، ووجهه أن إبراهيم تبرأ من عبادة الأصنام وأوصى بذلك عَقِبَهُ بقوله في البقرة: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ﴾ وجعل الوصية بهذه الكلمة باقية في عقبه لعلهم يَقبَلون وصيَتَه ويرجعون عن الكفر، وليس يلزم من جعل الكلمة والوصية باقية في عقبه أن يجعلهم موحدين كلهم، بل المراد في عَقِبه من يُوحد ويدعوا إلى التوحيد [ ... ] العقب.
* * *
سورة الجاثية
١٩٤ - قال في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ " نزلت في عمر حين قال فنحاص اليهودي: أحتاج ربُّ محمد.
стр. 210
فهمَّ عمرُ بقتله فنزلت هذه الآية ".
قلت: فنحاص اليهودي كان بالمدينة وهذه السورة مكيَّةُ.
١٩٥ - قال في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ﴾: " معناه المؤمن في الدنيا والآخرة مؤمن، والكافر في الدنيا والآخرة كافر ".
قلت: لو كان المعنى كما قال لكان الكناية في قوله: ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ إلى المؤمنين، وكذلك في ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ ولكان الكناية في ﴿وَمَمَاتُهُمْ﴾ إلى الكافرين وكذلك في ﴿مَحْيَاهُمْ﴾. ولو كان كذلك كان هذا إخباراً من الله تعالى ولم يكن داخلاً في الاستفهام. فيكون قوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ كلاماً منقطعاً عن الأول.
стр. 211
فالأشبه أن نقول: الكناية في قوله ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ إلى المؤمنين والكافرين، وكذلك ﴿مَمَاتُهُمْ﴾، وذلك داخل في الاستفهام، وهو بمعنى النفي.
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ متصل بالكل وتقديره: أحَسِبَ الكافرون أن نجعلهم كالمؤمنين وأن يكون محيا المؤمنين والكافرين سواء، وممات المؤمنين والكافرين سواء، بئس ما يَقضُون. لا نجعل محيا المؤمنين والكافرين سواء، لأن هؤلاء من أهل الجنة، وهؤلاء من أهل النار. ولا نجعل ممات المؤمنين والكافرين سواء؛ لأن هولاء في الجنة، وهؤلاء في النار.
والدليل على هذا القول قراءة أهل الكوفة ﴿سواءً﴾ بالنصب. والله أعلم.
١٩٦ - قال في قوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: " إنها كائنة ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: لا يقال ما نعلم إلا علماً وما نحب إلا حباً. فما وجه الكلام؟ وما وجه النصب؟.
فالجواب: أنّ قوله (إن) بمعنى (ما) في النفي والاستثناء، من النفي إثبات،
стр. 212
ومن الإثبات نفي، وهذا استثناء النفي، فيكون إثباتاً للظن، فكأنه قال: نظن ظناً. فيكون نصباً على المصدر. والله أعلم.
١٩٧ - قال في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: " قراءة العامة بكسر الباء في ثلاثتها على النعت، وقرأ ابن محيصن رفعاً على معنى هو ربُّ ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: لأي معنى عطف ﴿وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ ولم يعطف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
كيف ما ذكر الكل بغير حرف عطف؟ أو ما ذكر الكل بحرف عطف؟
فالجواب: أن ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ صفة لله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿رَبِّ الْأَرْضِ﴾
стр. 213
فهو صفة وموصوف، وصفة وموصوف والواو في قوله ﴿وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ واو عطف، والعطف دليل التغاير بين الرب والرب، وإنما هو بين السماوات والأرض، ولم يذكر الواو في ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه لا تغاير. والله أعلم.
* * *
سورة الأحقاف
١٩٨ - قال في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: " حمله ستة أشهر، ورضاعهُ أربعة وعشرون شهراً ".
قلت: ليس هذا بتفسير واضح. وإنما الواضح حمله ستة أشهر، وفطامه أربعة وعشرون شهراً، لأن الفصال هو الفطام لا الرضاع.
ولو فسرنا على ما هو الواضح يلزم أن تكون مدة الفطام داخلة في الثلاثين، كما أن مدة الحمل داخلة في الثلاثين، والفطام إنما يكون في ساعةٍ وامتداده لا نهاية له فقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فالحمل زمانه داخل في حد
стр. 214
الثلاثين، والفصال ليس بداخل في حد الثلاثين، وإنما هو خارج من حد الثلاثين؛ لأن بالفصال تنتهي الثلاثون، فكأنه قال: من ابتداء حمله إلى وقت فصاله ثلاثون.
وتحقيقه حمله والزمان الذي يُؤدي إلى الفصال وهو الرضاع ثلاثون. فيكون إطلاق اسم الشيء الذي يَؤول إليه على الآيل كقوله [ ... ]، وكقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي يؤل إليه والله أعلم.
وبهذه الآية يتبين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع عُلمت من قولهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وهما أربعة وعشرون فلا يبقى إلا ستة أشهر والله أعلم.
стр. 215
١٩٩ - قال في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: (١) " اختلفوا في دينهم فصاروا فرقاً ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: ﴿تَقَطعُوا﴾ فعل لازم فكيف أوقعه على أمرهم حتى نصبه؟ والجواب: أنه نصب بنزع الخافض أي: في أمرهم.
* * *
سورة القتال وهي سورة محمد ﷺ
٢٠٠ - قال في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: " فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن، وفارقتم أحكامه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعصية والبغي ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: كيف دخلت (هل) وهي من حروف الاستفهام على (عسى) وهي من أفعال الترجي، وهو مفسر