فالأشبه أن نقول: الكناية في قوله ﴿مَحْيَاهُمْ﴾ إلى المؤمنين والكافرين، وكذلك ﴿مَمَاتُهُمْ﴾، وذلك داخل في الاستفهام، وهو بمعنى النفي.
وقوله: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ متصل بالكل وتقديره: أحَسِبَ الكافرون أن نجعلهم كالمؤمنين وأن يكون محيا المؤمنين والكافرين سواء، وممات المؤمنين والكافرين سواء، بئس ما يَقضُون. لا نجعل محيا المؤمنين والكافرين سواء، لأن هؤلاء من أهل الجنة، وهؤلاء من أهل النار. ولا نجعل ممات المؤمنين والكافرين سواء؛ لأن هولاء في الجنة، وهؤلاء في النار.
والدليل على هذا القول قراءة أهل الكوفة ﴿سواءً﴾ بالنصب. والله أعلم.
١٩٦ - قال في قوله: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾: " إنها كائنة ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: لا يقال ما نعلم إلا علماً وما نحب إلا حباً. فما وجه الكلام؟ وما وجه النصب؟.
فالجواب: أنّ قوله (إن) بمعنى (ما) في النفي والاستثناء، من النفي إثبات،
стр. 212
ومن الإثبات نفي، وهذا استثناء النفي، فيكون إثباتاً للظن، فكأنه قال: نظن ظناً. فيكون نصباً على المصدر. والله أعلم.
١٩٧ - قال في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: " قراءة العامة بكسر الباء في ثلاثتها على النعت، وقرأ ابن محيصن رفعاً على معنى هو ربُّ ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: لأي معنى عطف ﴿وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ ولم يعطف ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
كيف ما ذكر الكل بغير حرف عطف؟ أو ما ذكر الكل بحرف عطف؟
فالجواب: أن ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ﴾ صفة لله ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ صفة لـ ﴿رَبِّ الْأَرْضِ﴾
стр. 213
فهو صفة وموصوف، وصفة وموصوف والواو في قوله ﴿وَرَبِّ الْأَرْضِ﴾ واو عطف، والعطف دليل التغاير بين الرب والرب، وإنما هو بين السماوات والأرض، ولم يذكر الواو في ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ لأنه لا تغاير. والله أعلم.
* * *
سورة الأحقاف
١٩٨ - قال في قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾: " حمله ستة أشهر، ورضاعهُ أربعة وعشرون شهراً ".
قلت: ليس هذا بتفسير واضح. وإنما الواضح حمله ستة أشهر، وفطامه أربعة وعشرون شهراً، لأن الفصال هو الفطام لا الرضاع.
ولو فسرنا على ما هو الواضح يلزم أن تكون مدة الفطام داخلة في الثلاثين، كما أن مدة الحمل داخلة في الثلاثين، والفطام إنما يكون في ساعةٍ وامتداده لا نهاية له فقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فالحمل زمانه داخل في حد
стр. 214
الثلاثين، والفصال ليس بداخل في حد الثلاثين، وإنما هو خارج من حد الثلاثين؛ لأن بالفصال تنتهي الثلاثون، فكأنه قال: من ابتداء حمله إلى وقت فصاله ثلاثون.
وتحقيقه حمله والزمان الذي يُؤدي إلى الفصال وهو الرضاع ثلاثون. فيكون إطلاق اسم الشيء الذي يَؤول إليه على الآيل كقوله [ ... ]، وكقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي يؤل إليه والله أعلم.
وبهذه الآية يتبين أن أقل مدة الحمل ستة أشهر لأن مدة الرضاع عُلمت من قولهِ: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وهما أربعة وعشرون فلا يبقى إلا ستة أشهر والله أعلم.
стр. 215
١٩٩ - قال في قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾: (١) " اختلفوا في دينهم فصاروا فرقاً ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: ﴿تَقَطعُوا﴾ فعل لازم فكيف أوقعه على أمرهم حتى نصبه؟ والجواب: أنه نصب بنزع الخافض أي: في أمرهم.
* * *
سورة القتال وهي سورة محمد ﷺ
٢٠٠ - قال في قوله: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾: " فلعلكم إن أعرضتم عن القرآن، وفارقتم أحكامه ﴿أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ﴾ بالمعصية والبغي ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: كيف دخلت (هل) وهي من حروف الاستفهام على (عسى) وهي من أفعال الترجي، وهو مفسر
стр. 216
بلعلَّ؟ وهل يقال: هل لعلك تزورني؟! ثم كيف قال: إن أعرضتم أن تفسدوا؟ وهل يقال: إن زرتني أن أكرِمَك؟.
والجواب: أن (هل) من حروف الاستفهام، ولكنه ههنا استفهام التقرير؛ لأنه من الله تعالى. و (عسى) و (لعل) من الله تعالى واجبان، وأما إن أعرضتم أن تفسدوا ففي الإضمار يعني: إن أعرضتم يكون حالكم أن تفسدوا وإن وليتم أمر الناس يكون حالكم أن تقطعوا أرحامكم.
ويجوز أن يكون على التقديم والتأخير تقديره: فهل عسيتم أن تفسدوا في الأرض إن توليتم ويجوز أن يقال: عسى أن تسَرني إن زرتني.
وإذا كانت (هل) استفهام تقرير ههنا، و (عسى) من الله واجباً يكون المعنى والله أعلم: إنكم إن توليتم عن القرآن والعمل به تفسدوا في الأرض، أو إنكم إن وليتم أمر الناس تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم.
* * *
سورة الفتح
٢٠١ - قال في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾: الآية. " عن الحسن: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر الصديق، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر، ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عثمان بن عفان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ علي بن أبي طالب، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾
стр. 217
طلحةُ والزُبَيْرُ وعبدُ الرحمن بن عوف وسعدُ وسعيدٌ وأبو عبيدةَ ".
قلت: في هذا القول نظر، وذلك لأن قوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ مبتدأ وخبر وتم الكلام. ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ في محل الرفع بالابتداء، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ رفعٌ لخبر الابتداء، والمبتدأ وخبره ينبغي أن يكونا شيئاً واحداً، نحو قولنا: زيدٌ منطلق.
стр. 218
فهما شخص واحد حتى لو كانا شيئين اثنين لا يصحُّ. فلو قلنا: زيد عمرو، أو بكر خالدٌ. لا يصح لأنهما شيئان، فعلى هذا لو قلنا: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أبو بكر، ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عمر، لا يصح لأنهما شخصان يستحيل أن يكونا شخصاً واحداً، لأنه يستحيل أن يكون زيدٌ عمراً فيصير التقدير: أبو بكر عمر. وهو محال؛ ولأن وصف الواحد بصفة الجمع خلاف الأصل، وإن كان جائزاً، ولأن مفهوم الخطاب تمثيل النبي ﷺ وأصحابه في قلتهم وضعفهم ابتداءً، وكثرتهم وقوتهم انتهاءً [ ... ] يَبْدو قليلاً قليلاً، ثم ينمو ويكثر ويقوى، والكثرة والقوة لا تحصل بالواحد ولا بالعشرة؛ وإنما تحصل بالجمع الكثير والجم الغفير، كما كان الصحابة عشرين ألفاً. فحَمْلُهُ على عامة الصحابة أولى لفظاً ومعنى، وهو أقرب إلى الإنصاف، وترك التعصب والاعتساف. ولا فيه من إعطاء كل واحدٍ من الصحابة حظه من هذه الفضيلة دون الحرمان. فإن كلهم كانوا أعلام الإسلام، وإيمان الإيمان ﵃ أجمعين.
٢٠٢ - وفي هذه الآية روى حديثاً مُنكراً " عن ابن عباس عن النبي ﷺ :
стр. 219
(يكون في آخر الزمان قوم ينبزون الرافضة يَرفُضُون الإسلام فاقتلوهم فإنهم مشركون).
والدليل على أن هذا الحديث غير ثابت الكتاب والسنة وإجماع الأمة:
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ يعني: فإن تابوا من الشرك ولا شك بأن الروافض ليسوا مشركين، وأنهم يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة.
стр. 220
وأما السنة فقوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم) وقوله: ﴿لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى معان ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير حق).
وأما إجماع الأمة: فإن الأمة أجمعت على أن من قتل واحداً منهم عمداً من غير قتل أو فساد في الأرض إنه يجب عليه القصاص.
والحديث الذي يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة لا يجوز أن يكون صحيحاً؛ لأن التناقض في الأحكام غير جائز عند أهل الإسلام. والله أعلم.
стр. 221
٢٠٣ - وكذا الحديث الذي ذكره بعده وهو " حديث علي: (فإن أدركتهم فاقتلهم) ". غير ثابت بدليل أن علياً أدركهم وما قتلهم إلا الغلاة الذين قالوا: إن علياً إلهٌ. فقتلهم وقتل الناكثين والقاسطين، والمارقين، كما ورد في الحديث الصحيح: (إنك قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين). قاتل الله
стр. 222
الخوارج والروافض وجميع أعداء الله. ولا يجوز التكفير ولا استباحة الدماء بأخبار الآحاد والله أعلم.
* * *
سوره الذاريات
٢٠٤ - قال في قوله تعالى: ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾: " لم يقل (هذه)؟ لأن الفتنة ههنا بمعنى العذاب ".
قلت: ويجوز أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿فِتْنَتَكُمْ﴾ ثم قال: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ﴾.
٢٠٥ - قال في قوله تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾: " قال: تمام الكلام عند قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾ أي كانوا قليلاً من الناس. ثم ابتدأ فقال: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾
стр. 223
أي: لا ينامون بالليل ".
قلت: هو وجه ضعيف خطأ لوجوه:
أحدها: أن الله تعالى يذكر صفاتهم الموجبة لهم دخول الجنة، فلو كان تمام الكلام عند قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾ لم تكن القلة من الصفات الموجبة.
والثاني: أنه يكون قوله: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ ابتداء كلام، فيكون نفياً لهجوعهم في الحال لا في الزمان الماضي، فيكون نفياً لهجوعهم حال دخول الجنة من الليل وهو محال.
الثالث: أنه لو كان كما قال لقال: (بالليل) ولم يقل: ﴿مِنَ اللَّيْلِ﴾، لأنه يقال فلان [ ... ] ينام بالليل، ولا يقال من الليل، إلا أن يقال ما ينام من الليل إلا قليلاً، فدلّ أنه متصل بالأول.
الرابع: أن [ ... ] ما بعدها فيما قبلها. تقول: زيداً لم أضرب. ولا تقول: زيداً ما ضربت.
٢٠٦ - قال فيها أيضاً: جعله بعضهم بمعنى: الذي، ومعناه: كانوا قليلاً من الليل الذي يهجعون، أي كانوا قليلاً من الليل هجوعهم ".
стр. 224
قلت: هذا الوجه أيضاً ضعيف؛ لأنه لو كان كما يقول لقال: كان قليلاً من الليل ما يهجعون. ولم يقل: كانوا، لأن على القول الذي يقول: يكون كانوا فعل الهجوع، لا الفعل الهاجعين، والهجوع مصدر، ولفظه واحد أن فيكون فعله كان، لا كانوا. فكان ينبغي أن يقول: كان قليلاً من الليل هجوعهم أي: كان هجوعهم من الليل قليلاً.
٢٠٧ - قال فيها أيضاً: " (ما) صلة أي كانوا قليلاً من الليل يهجعون ".
قلت: هذا أيضاً غير واضح، لأن خبر كان غير ظاهر، ولا يجوز أن يكون قليلاً خبر كانوا، لأن القلة صفة الهجوع أو صفة زمان الهجوع لا صفتهم اللهم إلا أن يقول: قليلاً نصب على الظرف يعني ينامون زماناً قليلاً من الليل.
ثم هذه الجملة تكون في محل النصب بخبر كان، فهذا إيضاحه. وكذلك على القول الذي جعل (ما) بمعنى الذي يكون تحقيق قوله: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ يكون ضمير الواو في: ﴿كَانُوا﴾ اسماً لكان، والجملة التي بعدها خبر فكأنه قال: كانوا بهذه الصفة. أي كانوا قليلَ الهجوع بالليل، والجملة في ذلك أن (ما) زائدة، والمعنى: كانوا يهجعون في طائفة قليلة من الليل إن جَعَلْتَ ﴿قَلِيلًا﴾ ظرفاً ولك [ ... ] أي كانوا يهجعون هجوعاً قليلاً.
أو يكون (ما) مصدرية أي: كانوا هجوعهم قليلاً من الليل، أو موصولة بمعنى الذي وهو في محل الرفع، لأنه فاعلُ قليلاً أي كانوا يَقِّلُ الذي يهجعون
стр. 225
من الليل. والله أعلم.
٢٠٨ - قال في قوله: ﴿فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾: " (أو) بمعنى الواو، كقوله: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾. قال: " لأنهم قالوها جميعاً. نُقل عن أبي عبيدة ".
قلت: لا حاجة إلى أن نجعل (أو) بمعنى الواو، بل لا وجه له؛ لأنهم نسبوه إلى السحر والجنون في مقامين، لا في مقام واحد؛ لأن قولهم هذا ساحر أو مجنون. يكون معناه: إنه إنما يُظهِرُ هذه الأشياء لسحره، أو هو إنما يدعي النبوة لجنونه؛ لأنهم إنما أرادوا أن ينسبوه إلى البطلان، والموجب للبطلان إما السحر، أو الجنون. فلو قلنا: بأنّ (أو) بمعنى الواو كان معناه هذا ساحر ومجنون فيكون كلاماً متنافياً؛ لأن فرعون كان يَعلم أن السحر لا يجتمع مع الجنون؛ لأن السحر يحتاج إلى عقل. فأمَّا المجنون لم يكن قادراً على السحر فكيف ينسبه إليهما جميعاً في حالة واحدة، بخلاف قوله: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ لأن
стр. 226
الإثم والكفر اجتمعا في الوليد بن المغيرة، فلذلك قلنا بأن (أو) بمعنى الواو لأن الواو للجمع، ولأنه إنما جُعِلَ (أو) بمعنى الواو في قوله: ﴿آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ وفي قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ لأن (أو) للشك، والشك لا يجوز على الله تعالى، ويجوز على فرعون فظهر الفرق من هذا الوجه والله أعلم.
стр. 227
سورة النجم
٢٠٩ - قال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾: " دنا الرب من محمد "، ثم قال: " دنو الله بالرتبة والمنزلة وإجابة الدعوة وإعطاء المُنيَة لا بالمكان والمسافة ".
قلت: فإذاً لا فرق بين المعراج والأرض، وبين محمد وغيره من الناس، فلا معنى لقوله: ﴿ثُمَّ دَنَا﴾ وقد كان حاصلاً قبله على ما قال.
стр. 228
٢١٠ - قال في قوله تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾: " أي ما كَذبَ فؤادُ محمد الذي رأى بل صدق، ومجازه: ما كذب الفؤاد فيما رأى ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر لا يتضح المعنى، فنقول: تحقيقه أن حقيقة الكذب والصدق إنما يكون باللسان، ثم إذا أضيف إلى شيء آخر يُرادُ به المعنى الذي يختص به، وحقيقته كما يقال: صبح صادق، وصبح كاذب، وشهوة صادقة وكاذبة، ومحبة صادقة وكاذبة. فها هنا نفى الكذب عن الفؤاد فيثبت ضده وهو الصدق، وصدق الفؤاد علمه ويقينه، وهو المعنى الذي يختص بالفؤاد وحقيقته فكأنه قال: علم محمد ما رآه وتيقنه ولم يشك في شيء من ذلك. والله أعلم.
٢١١ - قال: " رأى عمر وكأنه دخل الجنة وفيها قِبَابٌ لذي الكلاع، وقد قُتل مع معاوية، قال: فأعتق ذو الكلاع اثني عشر ألف
стр. 229
بيت ".
قلت: كيف أعتق وإنه كان مقتولاً؟.
٢١٢ - قال في قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى﴾: " تشك وتجادل ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: لا يُقال تماري به.
стр. 230
وإنما يقال: تماري فيه. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِم﴾. وإنما يقال: كذب به. فالجواب: أنه يجوز أن تكون (الباء) بمعنى (في) وحروف الصفات قد يقوم بعضها مقام البعض، ويجوز أن يكون مفعوله مضمراً، ويكون الباء للسببية تقديره: بسبب [ ... ] تجادل في الدين والنبي والقرآن، نعني لا ينبغي أن تجادل أو تشك مع هذه النعم في الدين كما يقال: بأي إحساني إليك جفوتني. والله أعلم.
ويجوز أن يكون ﴿تَتَمَارَى﴾ ههنا بمعنى تكذب كقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قال الله تعالى: ﴿فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ﴾ يعني: فكذبوا بإنذار لوط شكًّا منهم وهو تفاعل من المزيد.
* * *
سورة الواقعة
٢١٣ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾: " وما نحن بعاجزين عن إهلاككم وإبدالكم بأمثالكم ".
стр. 231
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول فما وجه قوله: ﴿عَلىَ﴾ إن كان من صلة السبق فالسبق يُعدَّى بـ (إلى) لا بـ (على). وإن كان من صلة العجز، فالعجز يعدّى بـ (عن)، وكذلك قوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ وليس الأمثال يُبْدلون، وإنما يُبَدِّل هؤلاء بالأمثال.
فالجواب: أن قوله: ﴿عَلَى﴾ من صلة المعنى؛ لأن المفهوم من قوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ﴾ نحن قادرون والقدرة يُعدّى بعلى، وقوله: ﴿نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾ أي نُبدلكم بأمثالكم، كأنه قال: نخلق أمثالكم بدلاً منكم والله أعلم.
٢١٤ - قال في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ﴾، ﴿فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ﴾: " أجيب بجواب واحد وهو قوله: ﴿تَرْجِعُونَهَا﴾ ومثله قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾.
قلت: قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، ليس مما أجيب بجواب واحد ولكن جوابه مضمر تقديره: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فاتبعوه. لأنه
стр. 232
لا يستقيم أن يقال: فإما يأتينكم مني هدى فلا خوف عليهم؛ لأن الخوف لا يَنْتَفي بإتيان الهدى وهو الرسول والقرآن بدليل قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾؛ لأن القرآن قد أتى الكفار [ ... ].
* * *
سورة الحديد
٢١٥ - قال في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً﴾: " فيه دلالة واضحة على تفضيل أبي بكر ".
قلت: لا نشك في فضل أبي بكر، إلا أن الاستدلال بهذه الآية فيه نظر؛ لأن أبا بكر ﵁ كما أسلم وأنفق قبل الفتح وقاتل، فغيره من العشرة أنفقوا وقاتلوا، لأن فتح مكة متأخر، ولا نظن بالمهاجرين والأنصار أنهم ما أنفقوا قبل ذلك وما قاتلوا في تلك المدة المديدة. وحديث أوليته في الإسلام معارض بحديث: (أولكم وروداً علي الحوض أولكم إسلاماً علي بن أبي طالب) (١).
стр. 233
وأما حديث عمرو بن عبسة أنه رُبعُ الإسلام فغير صحيح؛ لأن الناس وإن اختلفوا في سبق إسلام أبي بكر وعلي أيهما كان أسبق؟ لم يختلفوا في أن
стр. 234
إسلام علي كان سابقاً على إسلام عمر بن عبسة وكذا إظهار الإسلام.
٢١٦ - قال: " أبينا هو أول من قاتل على الإسلام بسيفه ".
قلت: هذا أيضاً فيه نظر؛ لأن القتال بالسيف لم يكن بمكة مأذوناً فيه، فأوَّل قتالٍ كان للمسلمين مع الكفار كان يوم بدر بالمدينة، ويوم بدر قد شهده أبو بكر وعمر وعلي وثلائمائة من المهاجرين والأنصار.
٢١٧ - " وحديث: (خَل العباءة) الذي يرويه
стр. 235
ابنُ عمر " ففيه أيضاً نظر؛ لأن أبا بكر ﵁ كان يوم خروج النبي ﷺ من مكة يملك ناقتين وقطيعاً من الغنم، فكيف لم يبق معه إلا العباءة المخلولة.
стр. 236
٢١٨ - " وأما حديث علي: (لا أوتى برجل فضلني عليه إلا جلدتُه) " أيضاً فيه نظر؛ لأن علياً فضل نفسه بحديث مناشدته يوم الشورى وفي خطبة السقيفة فكيف كان يجلد من يقول مثل قوله (١).
стр. 237
٢١٩ - قال: " في بيت عمرو بن كلثوم (وانظرنا نخبرك اليقينا) يعني انتظرنا ".
قلت: بل معناه أمهلنا بدليل أول البيت (أبا هند فلا تعجل علينا).
٢٢٠ - قال في قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ﴾: " يعني: أو مغفرة
стр. 238
قلت: لا حاجة إلى إضمار الألف بل المعنى عذاب شديد للكفار، ومغفرة للمؤمنين. والله أعلم.
* * *
سورة المجادلة
٢٢١ - قال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ﴾: " لو نصَبْتَ على أنها فعلٌ كان صواباً ".
قلت: لا وجه للنصب؛ لأن النجوى في محل الخفض بحرف الجر، و ﴿ثَلَاثَةٍ﴾ خفض بالإضافة.
стр. 239
سورة الممتحنة
٢٢٢ - قال في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾: " في الكلام تقديم وتأخير ونظم الآية: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق إن كنتم خرجتم جهاداً) ".
قلت: لا حاجة إلى التقديم والتأخير بل هو مُنتظم مستقيم؛ لأن قوله: ﴿تُلْقُونَ﴾ حال أي لا تتخذوا مُلقين إليهم. وقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ﴾ حال أيضاً أي كفروا مخرجين ﴿أَنْ تُؤْمِنُوا﴾ أي لأن آمنتم ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا﴾ أي لا تتخذوهم أولياء إن كنتم مهاجرين.
* * *
سورة الملك
٢٢٣ - قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾: " قدم الموت على الحياة لأنه إلى القهر أقرب، كما قدم البنات على البنين في قوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ). والله أعلم ".
стр. 240
قلت: وأي قهر في تقديم ذكر الموت على ذكر الحياة، وأي مشابهة بينة وبين تقديم ذكر الإناث على ذكر الذكور، وأي قهر في تقديم الإناث. ولكن الأشبه أنه إنما قدم الموت على الحياة لأنه مقدم في الوجود لقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾.
وأما تقديم الإناث على الذكور فلوجهين:
أحدهما: لموافقة رؤوس الآيات.
والثاني: أن تقديمهما كتقديم الظالم على المقتصد والسابق، كأن في ذلك جَبْراً لهما.
٢٢٤ - قال في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾: " أي من اعوجاج واختلاف ".
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: أليس في خلق الجبال، والأشجار، والأرضين، اعوجاج واختلاف وتفاوت، وكذلك في خلق الناس، وخلق القبيح، والحسن، والكفر، والإيمان؟.
فالجواب: أنه من العام الذي أريد به الخاص وهو خلق السماوات السبع لا غير.
стр. 241
٢٢٥ - قال: في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ﴾ مَنَعَةٌ لكم ﴿يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ﴾ فيدفع عنكم ما أراد بكم.
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: كيف اجتمعت أربعة أسماء من أسماء الإشارة، وهي (من) و (هذا) و (الذي) و (هو) وَلمَ دخل (أم) على (من) ولم يسبقه استفهام؟.
فالجواب: أن تقديره آالله ينصركم أم هذا الذي هو جند لكم؟ لأن (أمن) هو (أم من) فأدغم. و (من) بمعنى الذي، ولا يقال: أم الذي هذا الذي. فتكون (من) صلة. والله أعلم.
* * *
سورة (ن)
٢٢٦ - قال في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾: " معناه: ما أنت بمجنون والنعمة لربك، كقولهم سبحانك اللهم وبحمدك. أي والحمد لك ".
قلت: قوله: " ما أنت بمجنون والنعمة لربك ". ليس بنظم متناسب.
стр. 242
والأشبه أن يكون الباء في قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ باء الإلتباس كالباء في قوله: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ معناه مع الكفر. فيكون المعنى ههنا: ما أنت مع نعمة ربك عليك بمجنون.
ويجوز أن تكون الباء في قوله: ﴿بِنِعْمَةِ رَبِّكَ﴾ باء القسم كأنه يُقسم بنعمة الله أنه ليس بمجنون والله أعلم.
ويجوز أن تكون باء السببية يعني: بسبب ما أنعم الله عليك لست بمجنون والله أعلم.
* * *
سورة الحاقة
٢٢٧ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾: " قرأ ابن عامر ويعقوب بالياء، وغيرهم بالتاء.
стр. 243
قلت: لو اقتصرنا على هذا القدر كان لقائل أن يقول: فما وجه (ما) وبأي شيء نُصبَ قليلاً؟.
فالجواب: أن (ما) للمصدر وهي مع الفعل في معنى المصدر. و ﴿قَلِيلًا﴾ نصب بإضمار فعل تقديره: أرى قليلاً إيمانكم أرى قليلاً تذكركم، أي أرى إيمانكم وتذكركم قليلاً.
* * *
سورة المعارج
٢٢٨ - قال في قوله: ﴿إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى﴾: " قراءة العامة ﴿نَزَّاعَةٌ﴾ بالرفع على نعت اللظى.
قلت: ليس بنعت للظى؛ لأن لظى معرفة؛ لأنه علم، و ﴿نَزَّاعَةٌ﴾ نكرة فلا يصلح نعتاً له، ولكنها خبر مبتدأ محذوف أي: وهي نزاعة للشوى.
стр. 244
سورة المزمل
٢٢٩ - قال في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾: " سُئلت عائشة عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ما كان تَزمُّلُه ذلك؟ قالت: كان مِرْطاً طوله أربعة عشر ذراعاً نصفه عليّ وأنا نائمة، ونصفه على رسول الله ﷺ وهو يصلي ".
قلت: كيف يتصور هذا وهذه السورة مكية من أوائل ما نزل من القرآن وحينئذ لم تكن عائشة مع النبي ﷺ ؛ لأن النبي ﷺ إنما بَنَى بها بالمدينة وهي بنت تسع، ووقت نزول قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ ما كانت عائشة وُلدِتْ بعدُ.
فكيف يكون نصفه عليها وهي [ ... ]؟
стр. 245
سورة المدثر
٢٣٠ - قال في قوله تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾: " رفع على نعت ﴿سَقَرُ﴾ في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾.
قلت: بل هي رفع بخبر ابتداء مضمر، أي هي لواحة. ولا يصلح نعتاً لـ ﴿سَقَرُ﴾ لأن سقر معرفة ولواحة نكرة.
* * *
سورة القيامة
٢٣١ - قال في قوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾ " يجوز أن يكون تأنيثه للإضافة إلى النفس كما تقول: ذهَبَتْ بعضُ أصابعه ".
قلت: ما أضاف إلى النفس ولا إلى غيرها، والنفس ليس بمضاف إليها، وإنما هو جَر لدخول ﴿عَلَى﴾ عليه، والأشبه أن يكون الهاء في ﴿بَصِيرَة﴾ للمبالغة
стр. 246
كقولهم: علاّمة، وراوية، والله أعلم.
* * *
سورة الإنسان
٢٣٢ - قال في قوله تعالى: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا﴾: " أي أمامهم وقدامهم كقوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ ".
قلت: قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أي قدامهم؛ لأن ذلك المَلِك لم يكن خلفهم وإنما كان قدامهم، وكذلك البرزخ ليس خلفهم وإنما هو قدامهم، أما ههنا لا ضرورة أن يُفسر ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ بقدامهم؛ لأن المراد أنهم يُعْرِضُون
стр. 247
عن ذكر اليوم الثقيل كما يقال: جعله خَلْفَ ظَهْره ودُبُرَ أذنه، وإن كان ذلك بين يديه. لأنا لو فسرنا ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ ههنا بقدامهم يكون معناه يتركون اليوم الثقيل قدامهم، فلا يكون لهم في ذلك ذم؛ وإنما يكون ذماً لهم أن لو جعلوها خلف ظهورهم كقوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِم﴾ وهذا مستعمل في كلامهم أن من ترك العمل لشيء يقال: جعله خلف ظهره وتركه وراءه، وإن كان ذلك الشيء بين يديه حقيقة، ومن كان يعمل لشيء يقال: أقبلَ عليه وإن كان ذلك الشيء خلفه حقيقة. والله أعلم.
* * *
سورة المرسلات
٢٣٣ - قال في قوله: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾: " رفع عطف على قوله: ﴿يُؤذَن﴾ ".
قلت: جواب النفي بالفاء لا يكون عطفاً على النفي، بل يكون نصباً، ويشبه أنه إنما رُفِع ههنا لموافقة رؤوس الآيات.
стр. 248
سورة البروج
٢٣٤ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾: " أي: وما علموا فيهم عيباً ولا وجدوا لهم جُرماً ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ يعني (إلا) لأن، ومن أجل أن يؤمنوا بالله العزيز ".
قلت: في هذا التفسير نظر من وجهين:
أحدهما: أن قوله: ﴿مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ﴾ فسره بـ " ما علموا منهم عيباً ولا وجدوا لهم جُرماً ". والذي هو المسموع في اللغة: نقْم منه كذا. أي أنكره وعابه.
والثاني: أنه لا يقال وجدتُ له جرماً من أجل أن فعل كذا أو ما علمت فيه عيباً إلا لأنه شتمني. والأشبه أن نقم يَنقِمُ ونُقِم يَنقَمُ منه وعليه أي أنكره وعابه وكرهه.
وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أن مع الفعل في معنى المصدر، يعني ما أنكروا عليهم إلا إيمانهم بالله كقوله ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾.
стр. 249
سورة الطارق
٢٣٥ - قال في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾: " بالتشديد يعني: ما كل نفس إلا عليها، وبالتخفيف إن كل نفس لعليها حافظ ".
قلت: لو اقتصرنا عليه يُوهم أن معناه: ما كل نفس لعليها حافظ. فيكون خطأ. فلا بد أن نقول إنَّ ﴿إِنْ﴾ على قراءة التخفيف المخففة من الثقيلة، واللام جوابُه مجازه: إن كل نفس لعليها حافظ.
* * *
سورة البلد
٢٣٦ - قال في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾: " عن سفيان: كل
стр. 250
شيء قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ﴾ فإنه أخبره به، وما قال (وما يدريك) فإنه لم يخبره به ".
قلت: فقد قال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ﴾ ولم يخبره بها. وقال: ﴿وَمَا يُدرِيكَ﴾ في عبس وقد أخبره به بقوله: ﴿يَزَّكَّى﴾.
* * *
سورة التين
٢٣٧ - قال في قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّين﴾: " ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ﴾ أيها الإنسان بعد هذه الحجة والبرهان ﴿بِالدِّين﴾ والحساب والجزاء ".
قلت: لا يتضح التفسير على هذا الوجه؛ لأن الاستفهام على سبعة أوجه: استفهام استعلام ليحصل العلم للسائل نحو قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، واستفهام تقرير نحو قوله: ﴿أَلَيْسَ اللهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، واستفهام توبيخ نحو