← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 3052

شرح مقدمة التفسير لصالح آل الشيخ

صالح آل الشيخ

Полный текст (197 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أقوى مرجع له النقل، اللغة مرجع نعم، والنقل نقل الصحابة أو نقل التابعين الذين هم أول الناس لمعرفة اللغة لأجل عدم فشو اللحن بينهم، وقبل فشو اللحن هذا هو المعتمد. هنا في هذه التفاسير ما الراجح؟ مثل ما مرّ معنا من خلافهم في القرية هل هي أنطاكية أو غيرها؟ هل المرسلون ممن أرسلهم المسيح أو أرسلهم الله جل وعلا؟ هذا خلاف بين السلف في التفسير، هذا الخلاف هو الذي نتكلم عليه، لأنه يرجع إلى دلالة اللفظ دلالة الألفاظ القرآن. أما آيات الأحكام لاشك أن استنباط الأحكام من الآيات أو استنباط العقائد من آيات العقائد هذا إما أن يؤخذ بظاهرها يعني بدون ضميمة أدلة أخرى من السنة، أو أن تكون محتاجة في بيانها لأدلة من السنة وهذا لابد فيه من رعاية قواعد الأسانيد في العقيدة والأحكام. نعم. س٣/ هو يسأل عن التفسير والمغازي والملاحم؟ ج/ التفسير معروف. المغازي ما حصل من غزوات للنبي ﵊ وللصحابة من الفتوح أو غيرها. والملاحم ما يكون في آخر الزمان أو ما يكون في الأزمة المتوالية من حصول المقاتل العظيمة، هذه جاءت بها أحاديث كثيرة لكن أكثرها ليس لها أصول؛ يعني فيها تسمّح في النقل. نكتفي بهذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد. (( (( ( أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 107

الدرس الثامن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] وَلِهَذَا إنَّمَا يَقَعُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي بَعْضِ مَا جَرَى فِي الْقِصَّةِ مِثْلِ حَدِيثِ اشْتِرَاءِ النَّبِيِّ ﷺ الْبَعِيرَ مِنْ جَابِرٍ؛ فَإِنَّ مَنْ تَأَمَّلَ طُرُقَهُ عَلِمَ قَطْعًا أَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانُوا قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ. وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ مَا فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِمَّا يُقْطَعُ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ؛ لِأَنَّ غَالِبَهُ مِنْ هَذَا النَّحْوِ; وَلِأَنَّهُ قَدْ تَلَقَّاهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْأُمَّةُ لَا تَجْتَمِعُ عَلَى خَطَأٍ؛ فَلَوْ كَانَ الْحَدِيثُ كَذِبًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ وَالْأُمَّةُ مُصَدِّقَةٌ لَهُ قَابِلَةٌ لَهُ لَكَانُوا قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَصْدِيقِ مَا هُوَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كَذِبٌ، وَهَذَا إجْمَاعٌ عَلَى الخطأ، وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ بِدُونِ الْإِجْمَاعِ نُجَوِّزُ الْخَطَأَ أَوْ الْكَذِبَ عَلَى الْخَبَرِ فَهُوَ كَتَجْوِيزِنَا قَبْلَ أَنْ نَعْلَمَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْعِلْمِ الَّذِي ثَبَتَ بِظَاهِرٍ أَوْ قِيَاسٍ ظَنِّيٍّ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ فِي الْبَاطِنِ; بِخِلَافِ مَا اعْتَقَدْنَاهُ، فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى الْحُكْمِ جَزَمْنَا بِأَنَّ الْحُكْمَ ثَابِتٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا.

стр. 108

وَلِهَذَا كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ إذَا تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ تَصْدِيقًا لَهُ أَوْ عَمَلًا بِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ. وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُونَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَد إلَّا فِرْقَةً قَلِيلَةً مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ اتَّبَعُوا فِي ذَلِكَ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ؛ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ يُوَافِقُونَ الْفُقَهَاءَ وَأَهْلَ الْحَدِيثِ وَالسَّلَفَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَشْعَرِيَّةِ كَأَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ فُورَك. وَأَمَّا ابْنُ الباقلاني فَهُوَ الَّذِي أَنْكَرَ ذَلِكَ وَتَبِعَهُ مِثْلُ أَبِي الْمَعَالِي وَأَبِي حَامِدٍ وَابْنِ عَقِيلٍ وَابْنِ الْجَوْزِيِّ وَابْنِ الْخَطِيبِ (١) والآمدي وَنَحْوِ هَؤُلَاءِ. وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَأَبُو الطَّيِّبِ وَأَبُو إسْحَاقَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَمْسُ الدِّينِ السَّرَخْسِيُّ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى وَأَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْحَسَنِ بْنُ الزاغوني وَأَمْثَالُهُمْ مِنْ الْحَنْبَلِيَّةِ.

стр. 109

وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَصْدِيقِ الْخَبَرِ مُوجِبًا لِلْقَطْعِ بِهِ فَالِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ، كَمَا أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى الْأَحْكَامِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِبَاحَةِ. والْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّ تَعَدُّدَ الطُّرُقِ مَعَ عَدَمِ التَّشَاعُرِ (١) أَوْ الِاتِّفَاقِ فِي الْعَادَةِ يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ الْمَنْقُولِ؛ لَكِنَّ هَذَا يُنْتَفَعُ بِهِ كَثِيرًا فِي عِلْمِ أَحْوَالِ النَّاقِلِينَ. وَفِي مِثْلِ هَذَا يُنْتَفَعُ بِرِوَايَةِ الْمَجْهُولِ وَالسَّيِّئِ الْحِفْظِ وَبِالْحَدِيثِ الْمُرْسَلِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَكْتُبُونَ مِثْلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَيَقُولُونَ: إنَّهُ يَصْلُحُ لِلشَّوَاهِدِ وَالِاعْتِبَارِ مَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ. قَالَ أَحْمَد: قَدْ أَكْتُبُ حَدِيثَ الرَّجُلِ لِأَعْتَبِرَهُ. وَمَثَّلَ هَذَا بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ (٢)

стр. 110

قَاضِي مِصْرَ؛ فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ حَدِيثًا وَمِنْ خِيَارِ النَّاسِ؛ لَكِنْ بِسَبَبِ احْتِرَاقِ كُتُبِهِ وَقَعَ فِي حَدِيثِهِ الْمُتَأَخِّرِ غَلَطٌ فَصَارَ يَعْتَبِرُ بِذَلِكَ وَيَسْتَشْهِدُ بِهِ وَكَثِيرًا مَا يَقْتَرِنُ هُوَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَاللَّيْثُ حُجَّةٌ ثَبَتٌ إمَامٌ. وَكَمَا أَنَّهُمْ يَسْتَشْهِدُونَ وَيَعْتَبِرُونَ بِحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ سُوءُ حِفْظٍ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا يُضَعِّفُون مِنْ حَدِيثِ الثِّقَةِ الصَّدُوقِ الضَّابِطِ أَشْيَاءَ تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ غَلِطَ فِيهَا بِأُمُورِ يَسْتَدِلُّونَ بِهَا وَيُسَمُّونَ هَذَا عِلْمَ عِلَلِ الْحَدِيثِ؛ وَهُوَ مِنْ أَشْرَفِ عُلُومِهِمْ بِحَيْثُ يَكُونُ الْحَدِيثُ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ ضَابِطٌ وَغَلِطَ فِيهِ وَغَلَطُهُ فِيهِ عُرِفَ. إمَّا بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَمَا عَرَفُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ. [الشرح] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: هذا الكلام يعني به المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أن الإجماع معتبر في التفسير، وكما أن الإجماع حجة في الفقه فهو حجة في التفسير؛ لأن الإجماع لا يقع في هذه الأمة وتكون الأمة غالطة فيما أجمعت عليه؛ لأن هذه الأمة عصمت أن تجتمع على ضلالة، فكان ما اجتمعت عليه حجة بيقين، قال: من حيث الأصل فإن الإجماع يكون إما على الخبر؛ يعني على حكم الخبر، وإما أن يكون على نسبة الخبر. فمثلا يكون الإجماع على حكم الخبر مثل الإجماع على حكم أن الصلاة مثلا يُبطلها الأكل والشرب، فإن الأكل والشرب ما جاء فيه دليل خاص في إبطال الصلاة ولكن هذا بالإجماع عرف هذا الحكم بالإجماع، والأمة أجمعت على هذا فصار هذا حقا لا محيد عنه.

стр. 111

القسم الثاني أن تجتمع على الخبر؛ يعني أن تجمع على صحته، وهذا الإجماع إما أن يكون بالنقل الخبر بتواتر، وإما أن يكون بتلقي الخبر بالقبول، مثل ما تلقت الأمة أحاديث الصحيحين بالقبول، فإن أحاديث الصحيحين تلقتها الأمة بالقبول، وتلقي الأمة لأحاديث الصحيحين بالقبول أفادنا الإجماع على أن ما في الصحيحين من حيث الجملة ومن حيث العموم من حيث الجنس منسوب إلى رسول الله ﷺ ، وكما قال طائفة من العلماء: لو حلف رجل أن ما في الصحيحين صحيح النسبة إلى رسول الله ﷺ قد قاله رسول الله ﷺ فكان بارا صادقا ولم يحنث. وهذا المقصود به عامة ما في الصحيحين ما أنهم تنازعوا في بعض الألفاظ في الصحيحين. يعني الإجماع هنا جاء على اعتبار ما في الصحيحين من الأحاديث عن رسول الله ﷺ بتلقي الأمة لهذه الأحاديث بالقبول، فهذه الأحاديث تلقّتها الأمة بالقبول فكان إجماعا على صحة هذين الكتابين. ولهذا نقول: أجمعت الأمة على أنه ليس أصح بعد كتاب الله جل وعلا من صحيح البخاري ثم صحيح مسلم، وذلك لأن ما فيهما صحيح النسبة إلى رسول الله ﷺ . إذا تبين ذلك فإنه كذلك أحاديث التفسير وآثار التفسير فإن نقْلها قد يكون الإجماع عليه منعقد على حكم الخبر: يعني على ما في الخبر على مضمونه على أن الآية تفسر بكذا. وإما أن يكون على تلقي تلك الأخبار بالقبول.

стр. 112

وهذا مهم فإن في أحاديث التفسير أخبار نُوزع في صحتها من حيث الإسناد؛ لكن تلقاها علماء التفسير بالقبول، وتلقاها العلماء بالقبول من دون قدح فيها، فهذا يُكسب تلك الأخبار قوة لأنّ تتابعت لأن الأمة تتابعت على الثناء على تلك الأخبار، نعم تلك الأخبار ليس ثم حصرت لها في كتاب كما حصرت في الأحاديث غير البخاري ومسلم وتلقتها الأمة بالقبول؛ لكن من حيث الأصل هذا يعتبر، فإذا كان الحديث مشتهرا بين أهل التفسير بلا نكير فيكون هذا في القوة من جنس الأحاديث التي تلقيت بالقبول. هذا من حيث التأصيل، ويريد بذلك ما هو أخف من هذا، وهو الإجماع معتبرا في نقل التفسير، الإجماع معتبر في الحجة في التفسير والإجماع على نوعين: الإجماع إما أن يكون على ألفاظ التفسير. وإما أن يكون على المعنى. فمثلا يُجمع الصحابة أو يجمع المفسرون على أن تفسير الصراط هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه، هذا إجماع، أجمعوا على هذا اللفظ. كما قال ابن جرير أجمع أهل التأويل على أن الصراط هو الطريق المستقيم الذي لا عوج فيه هذا إجماع لفظي. وهناك قسم ثانٍ من الإجماع هو: الجماع على المعنى فتكون عباراتهم مختلفة لكن المعنى واحد، وهذا يدخل فيه عند شيخ الإسلام وعند جماعة، يدخل فيه اختلاف التنوع؛ لأن اختلاف التنوع اختلاف في الألفاظ مع الاشتراك في المعنى العام: إما من جهة أن تفسير بعض أفراد العام. وإما أن يكون أحد معنيي اللفظ المشترك. وإما أن يكون تفسير في بعض الحالات. أو نحو ذلك مما مر معنا من أحوال وأنواع اختلاف التنوع بين السلف.

стр. 113

يعني أنّ اختلاف التنوع هذا عند شيخ الإسلام وعند جماعة يعني الإجماع على أصل المعنى، مثل ما ذكر في حديث جابر في أول الكلام، الاختلاف في حديث جابر في إشتراء النبي ﷺ لجمله وبيعه الجمل على جابر وقع الاختلاف في القصة على ألفاظ كثيرة، بعضها يثبت وبعضها غير ثابت لكن الإجماع منعقد على ثبوت أصل القصة. هكذا في روايات التفسير فإن الروايات في التفسير قد يكون الإجماع مأخوذا من اختلاف الألفاظ؛ لكن لأنّ الأصل واحد مثل ما مرّ معنا في تفسير قوله تعالى مثلا الذي مر معنا أو نأتي بمثال آخر - لأني نسيت الأمثلة التي مثلتُ بها- مثلا في قوله تعالى في سورة النحل ﷺ ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ [النحل: ٦٢] ، ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ ، هنا إذا قال قائل ﴿مَا يَكْرَهُونَ﴾ هو البنات لله جل وعلا، هذا مصيبة لأنهم يكرهون البنات. إذا قال قائل الذي يكرهونه هو الزوجة لأن طائفة من النصارى تكره الزوجة للقساوسة وللرهبان وللكبار وينزهونهم عن هذا الأذى ومع ذلك يجعلون لله جل وعلا ما يكرهونه لكبارهم ولمعظميهم، كان هذا تفسيرا صحيحا، وكما قيل يكرهون ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ يعني ما يكرهونه لرسلهم، يجعلون لله ما يكرهونه لأنفسهم يكرهون لأنفسهم أن تهان رسلهم وأن تذل رسلهم، ومع ذلك جعلوا لله ما كرهوه لأنفسهم من إهانة رسل الله وإذلال رسل الله. هذه كلها تفاسير منقولة لكن كل هذه اختلاف التنوع مثلما مثلنا؛ لأنها داخلة في عموم قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ .

стр. 114

فهذا الاختلاف لا يعني أنه لن يقع الإجماع على التفسير، هو اختلاف في الأفراد؛ لكن الأصل المجمع عليه الذي نستطيع أن نقول أنهم أجمعوا عليه هو ما دلّ عليه ظاهر الآية وهو أن المشركين نسبوا لله جل وعلا أشياء يكرهونها لأنفسهم ويُنكرون نسبتها لهم ولا يرضون بنسبتها إليهم، مثل أن تنسب البنات لهم، مثل أن تهان الرسل، مثل أن لا تحترم كتبهم إلى آخر هذه الأمثلة. هناك مثل المشترك في لفظ قسورة ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٥١] مرت معنا أن القسورة، إما أن تكون الأسد -السبع-، وإما أن تكون القوس الذي يرمى به، وهذا الاختلاف في المشترك لا يعني لا ينفي أصل المعنى يعني أن الأصل ﴿فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ﴾ أي فرت مما يخاف منه؛ يعني أن هذا إجماع معنوي، إجماع على المعنى، وهذا مثل له شيخ الإسلام في هذه الاختلافات الطويلة التي ذكرها من أن الاختلاف في الأحاديث وتلقي الأمة لها بالقبول -يعني في أصلها- لأن هذا يمكن أن يكون أيضا في التفسير يعني تلقى لأصل تلك الأخبار وإن لم تكن أسانيدها قوية؛ بل يعتبر بها ويستشهد مثل أحاديث ابن لهيعة وأشباهه، فإن أحاديثهم تؤخذ للاستشهاد؛ لكن قد يتلقى خبره عند أهل التفسير بالقبول فيكون جاريا مجرى الإجماع بين المفسرين على ذلك. وهذا يعني أن الإجماع مهم في علم التفسير، فمن أصول التفسير رعاية الإجماع، كيف السبيل إلى معرفة الإجماع في هذين الطريقين؟ إما أن يكون إجماع على اللفظ وهذا أعلاه؛ لكن هذا نادر. وإما أن يكون وهو الأكثر الإجماع على المعنى، إما على المعنى العام بذكر بعض أفراده أو على المعنى الأصلي من جهة المشترك أو على المعنى العام عند ذكر بعض الأحوال. وهذا تقدم لنا في أول الرسالة. الإجماع الاتفاق على اللفظ الاتفاق على اللفظ أو الاتفاق على أصل المعنى؛ يعني تنظر نص على الإجماع؛ قال ابن جرير: أجمع أهل التأويل على كذا. خلاص هذا إجماع نقل الإجماع.

стр. 115

قال ابن كثير: أجمع المفسرون من السلف على كذا. هذا إجماع لا يجوز مخالفته إلا لعالم يقول: [أصدع] والإجماع غير صحيح. هذا بحث آخر؛ يعني ينازع في الإجماع؛ لكن إجماعهم حجة. وإما أن يكون الإجماع فُهِم من المعنى يعني لاتفاقهم على أصل المعنى، لم يتفقوا على اللفظ مثال ما ذكرت لكم في الصراط ونحوه، وإنما اتفقوا على أصل المعنى، وهذا هو الأكثر؛ لكن هذا فيه بحث هل يعد إجماعا أم أنه عدم خلاف تضاد. شيخ الإسلام يعده إجماع بالمعنى إجماع المعنى يأتي إن شاء الله مزيد تفصيل. [المتن] كَمَا عَرَفُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ. وَأَنَّهُ صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ، وَجَعَلُوا رِوَايَةَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِتَزَوُّجِهَا حَرَامًا، وَلِكَوْنِهِ لَمْ يُصَلِّ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ. وَكَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ، وَعَلِمُوا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ، مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ. وَعَلِمُوا أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَهُوَ آمِنٌ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَنَّ قَوْلَ عُثْمَانَ لِعَلِيّ: كُنَّا يَوْمَئِذٍ خَائِفِينَ. مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ. وَأَنَّ مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ النَّارَ لَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يُنْشِئَ اللَّهُ لَهَا خَلْقًا آخَرَ. مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْغَلَطُ. وَهَذَا كَثِيرٌ. وَالنَّاسُ فِي هَذَا الْبَابِ طَرَفَانِ: طَرَفٌ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ هُوَ بَعِيدٌ عَنْ مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ، لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ فَيَشُكُّ فِي صِحَّةِ أَحَادِيثَ أَوْ فِي الْقَطْعِ بِهَا مَعَ كَوْنِهَا مَعْلُومَةً مَقْطُوعًا بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ.

стр. 116

وَطَرَفٌ مِمَّنْ يَدَّعِي اتِّبَاعَ الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ بِهِ، كُلَّمَا وَجَدَ لَفْظًا فِي حَدِيثٍ قَدْ رَوَاهُ ثِقَةٌ أَوْ رَأَى حَدِيثًا بِإِسْنَادِ ظَاهِرُهُ الصِّحَّةُ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ مِنْ جِنْسِ مَا جَزَمَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِصِحَّتِهِ حَتَّى إذَا عَارَضَ الصَّحِيحَ الْمَعْرُوفَ أَخَذَ يَتَكَلَّفُ لَهُ التَّأْوِيلَاتِ الْبَارِدَةَ أَوْ يَجْعَلُهُ دَلِيلًا لَهُ فِي مَسَائِلِ الْعِلْمِ مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ يَعْرِفُونَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا غَلَطٌ. وَكَمَا أَنَّ عَلَى الْحَدِيثِ أَدِلَّةً يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ صِدْقٌ وَقَدْ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَعَلَيْهِ أَدِلَّةٌ يُعْلَمُ بِهَا أَنَّهُ كَذِبٌ وَيُقْطَعُ بِذَلِكَ؛ مِثْلُ مَا يُقْطَعُ بِكَذِبِ مَا يَرْوِيهِ الْوَضَّاعُونَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْغُلُوِّ فِي الْفَضَائِلِ: مِثْلِ حَدِيثِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ وَأَمْثَالِهِ مِمَّا فِيهِ أَنَّه مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ كَذَا وَكَذَا نَبِيًّا. وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ هَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ قِطْعَةٌ كَبِيرَةٌ مِثْلُ الْحَدِيثِ الَّذِي يَرْوِيهِ الثَّعْلَبِيُّ وَالْوَاحِدِيُّ والزَّمَخْشَرِي فِي فَضَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ سُورَةً سُورَةً فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. والثَّعْلَبِيُّ هُوَ فِي نَفْسِهِ كَانَ فِيهِ خَيْرٌ وَدِينٌ وَكَانَ حَاطِبَ لَيْلٍ يَنْقُلُ مَا وُجِدَ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَمَوْضُوعٍ. والْوَاحِدِيُّ صَاحِبُهُ كَانَ أَبْصَرَ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ ; لَكِنْ هُوَ أَبْعَدُ عَنْ السَّلَامَةِ وَاتِّبَاعِ السَّلَفِ. والبغوي تَفْسِيرُهُ مُخْتَصَرٌ مِنْ الثَّعْلَبِيِّ لَكِنَّهُ صَانَ تَفْسِيرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ وَالْآرَاءِ الْمُبْتَدَعَةِ.

стр. 117

وَالْمَوْضُوعَاتُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ كَثِيرَةٌ مِثْلُ الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ الصَّرِيحَةِ فِي الْجَهْرِ بِالْبَسْمَلَةِ. وَحَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ فِي تَصَدُّقِهِ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَمِثْلُ مَا رُوِيَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ، أَنَّهُ عَلِيٌّ ﴿وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٢] ، أُذُنُك يَا عَلِيٌّ. [الشرح] وهنا كله الاستطراد عما تقدم يريد أن يقول: إن أهل الحديث أهل علم ومعرفة بفنهم، وإنهم يثبتون في الأحاديث التي اشتهر نقلها وفاضت الأمة واستفاضت على أنها غلط مقطوع به، ويثبتون في أحاديث أخر لم تستفض عند الأمة على أنها صحيح مقطوع به يعني بصحته، وهذا ليس بابه الشهرة من عدمها؛ ولكن بابه المعرفة قد يكون الأحاديث، قد تكون الأحاديث معللة بأنواع العلة التي يعرفها أهل الحديث أما من جهة جهالة الراوي؛ جهالة حاله وإما من جهة جهالة عينه وإما لمخالفة الحديث، أو نحو ذلك من العلل التي يعل بها أهل الحديث؛ لكن قد يكون مع هذا الاختلاف عندهم إشعار بثبوت أصل ذلك البحث، ففرق بين الشيء الذي وقع فيه اختلاف في ألفاظه، وبين ما هو كذب في أصله. إذا تبين هذا فينظّر هذا على أخبار التفسير، فإنّ في أخبار التفسير ما هو مقطوع بكذبه وإن كان مشهورا، مثل الأحاديث الطويلة المروية في فضل سور القرآن التي ذكرها الثعلبي وذكرها صاحبه الواحدي وذكرها الزمخشري، والزمخشري لا يروي رواية إنما يذكرها ذكره؛ لكن الثعلبي والواحدي يذكرونها في تفاسيرهم بأسانيدهم، ولو كان هذا ذكره الثعلبي، والثعلبي اعتمد عليه كثير من المفسرين مثل البغوي وجماعة والخازن وكثير لكن مع ذلك أهل الحديث يعلمون أن تلك الأحاديث ولو كانت مشتهرة في كتب التفاسير أنها مكذوبة على رسول الله ﷺ فلا تقوم الحجة بها.

стр. 118

هناك قسم آخر من الأحاديث يكون موجودا في كتب التفسير ويعلها أهل الحديث بعلل لكن الإعلال لا يعني الوضع والكذب؛ بل قد يكون الإعلال لطريق بلفظ، وقد يكون اتهام الراوي بجهالة أو بسوء حفظ ونحو ذلك؛ لكن يكون معتبرا به في الشواهد، فيكون الأصل الذي دل عليه هذا الحديث الذي تكلموا عليه وأعلّوه مع غيره يكون الأصل الذي فيهما يثبته أهل الحديث؛ يعني أهل الحديث من المفسرين الذين ذكروا الأحاديث بالأسانيد. وهذا لاشك أنه موجود كثير وهو الأكثر في أحاديث المفسرين فإنك إذا نظرت في أسانيد عند ابن جرير وعند عبد الرزاق وهو أقل من ابن كثير وعند عبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وأشباههم وعند ابن أبي حاتم وأشباه هؤلاء وجدت أن الأسانيد يقلّ فيها الإسناد السالم من العلة عن طريقة أهل الحديث الإسناد السالم من الإعلال من الجرح من الضعف يقلّ جدا بل أكثر أسانيد المفسّرين فيها نوع ضعف إما لجهالة وإما لسوء حفظ وإما لانقطاع أو نحو ذلك، وهذا مشهور؛ لكن هذا لا يعني أن لا تكون صحيحة عند أهل التفسير لأن أهل التفسير من أهل الحديث الذين نقلوا التفسير تلقوا أخبارا كثيرة بالقبول، فإذا تلقوها بالقبول كان ذلك حجة في أنهم عرفوا أن أصلها صحيح.

стр. 119

ولهذا لا يقال في أسانيد تفسير ما يقال في أسانيد الحديث؛ أسانيد الحديث تختلف لأن فيها تفسير، أما أسانيد التفسير خصصوا فيها أهل العلم، لذلك تجد ابن أبي حاتم مثلا مع أنه صنف كتاب العلل وأعل أحاديث في الأحكام بعلل قد لا تكون قادحة عند غيره، ذكر فيه علل باب مختص لأحاديث أُعلّت في التفسير وفي فضائل السور وفي فضائل القرآن ونحو ذلك، وأعلّها بعلل دون العلل التي تكون في ذلك، يعني ما شدد فيها شدته في ذلك، كذلك كتب تفسيره المشهور تفسير ابن أبي حاتم وشرط في أوله أنه لا يحتج إلا بما هو صحيح عند أهل الحديث، أو بما هو ليس فيه ضعف أو جرح أو نحو ذلك، وفي أحاديث تفسيره -تفسير ابن أبي حاتم- أشياء كثيرة ينازع فيها على طريقة أهل الحديث. شيخ الإسلام يريد بهذا أن يذكر لك أن التفسير التسمّح فيه كثير من حيث الأسانيد، وهذا التسمّح من جهة أن يعني سببه من جهة أن التفسير إنما ينقله من لم يعتنِ به، الأحكام الحلال والحرام اعتنى به العلماء وأهل الحديث وحفظوها وأدوها، وأما التفسير لم تكن العناية به مثل العناية بالحلال والحرام، ولهذا تجد أن في الأسانيد فيها مطاعن كثيرة؛ لكن روايتها واستفاضتها ينبئ عن أن أصلها مقبول عند أهل العلم بالتفسير، فنأخذ منها ما اشتركت فيه، وأما تفردت به الرواية مما يخالف قواعد الشرع أو أصول الاعتقاد، أو يخالف ما نقله الآخرون فإنّ هذا لا يؤخذ به، ولو كان في إسناده نوع جرح يتسمح به بغيرها.

стр. 120

مثلا في حديث الكرسي ابن عباس ذكر ابن جرير عنه في التفسير آية الكرسي ذكر عنه روايتين: رواية أن الكرسي موضع القدمين، والرواية أن كرسي الرحمن علمه. وتلك الرواية رواية أن الكرسي موضع القدمين إسنادها صحيح لا مطعن فيه، والرواية الثانية بعض أهل العلم صححها وبعضهم طعن فيها، والصواب أنها مقدوح فيها؛ لأن فيها راو تفرد أو راو ليس بجيد الحفظ وخالف الرواية الثانية، فلابد أن تكون الرواية هذه والرواية هذه هاتان الروايتان متغايرتان لا يمكن أن يصحح الجميع؛ لأن هذه عن ابن عباس الكرسي العلم وتلك عن ابن عباس الكرسي موضع القدمين، فلابد أن تكون إحداهما صحيحة والأخرى باطلة، فلا تسمح بالرواية المخالفة، بخلاف الروايات التي يكون بعضها يعضد بعضا، بعضها جارٍ في بعض، إما الأولى عامة والثانية أخص منها، وإما الأولى فيها إطلاق والثانية فيها تقييد أو نحو ذلك هذا يتسمح فيه؛ لأنّ مثله كثير ولا يعد من التضاد والتضارب بين الروايات. إذن فنخلص من هذا إلى أن أسانيد التفسير الغالب عليها أن يكون فيها مقال. هذا واحد. الثاني أن أسانيد التفسير ينظر فيها إلى قبول العلماء أو ردهم لها، فإن قبلها علماء الشأن علماء الحديث أخذ بها، وإن ردوها لعلة تفسيرية أو علة مخالفة أو نحو ذلك فترد. الثالث أنه يُنظر فيها إلى اتفاقها، فتعضد الرواية الأخرى فيما اشتركت فيه ولو كان نوع اشتراك؛ يعني اشتراك في أصل المعنى، اشتراك في المعنى العام، اشتراك في الدلالة على حال واحدة ونحو ذلك. وهذا إنما يظهر لكم بالتطبيق، إذا طبقت هذا يعني نظرت في التفاسير، أنظر تفسير الطبري مثلا يلحق به الروايات التي فيه خاصة مع تعليق الشيخ أحمد شاكر والأستاذ محمود شاكر تجد أنه كثيرا يطعن في الأسانيد لكنها حجة احتج بها ابن جرير واحتج بها ابن أبي حاتم كيف يكون هذا على هذا النمط الذي ذكره شيخ الإسلام ﵀. أولا أسانيد التفسير الغالب عليها أن فيها مقالا، هذا واحد.

стр. 121

الثاني يُنظر في أسانيد التفسير إلى قبول العلماء من أهل الشأن لها وردهم لها، فإن ردوها بعلة تفسيرية فإنها ترد وإن قبلوها فيؤخذ قبولهم لها ولو كان في إسناد مطعن. الثالث أنه يُنظر في الأسانيد في الأخبار التي جاءت بالأسانيد إلى المعنى الذي اشتملت عليه دون النظر في الألفاظ فتجد الألفاظ مختلفة لكن لا تنظر إلى اختلاف الألفاظ، أنظر إلى ما اشتركت فيه من أصل المعنى، إما أن الألفاظ المختلفة أفراد للعام، وإما أن تكون نوعين أو معنيي المشترك، أو أن تكون في حالات مختلفة، مثل ما ذكرنا لكم في تفسير قوله ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَة﴾ [النحل: ٤١] ، (حسنة) هذه ما هي؟ كل واحد فسؤها بخال من الأحوال بعضهم فسرها بأنها المال، بعضهم فسرها بالإمارة بعضهم فسرها بالجاه ونحو ذلك. مثل أيضا ما اختلفوا فيه التفسير في سورة الإسراء عند قوله تعالى ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] ، هنا لفظ الأوابين اختلف فيه إلى الأقوال بعضها إسنادها جيد بعضها منقطع بعضها ضعيف بأنواع من العلل: بعضهم قال: الأوابون هم الذين يصلون الضحى. بعضهم قال: الأوابون هم الذي يرجعون إلى الله كلما عصوا. بعضهم قال: الأواب هو الذي يتبع السيئة الحسنة، إذا أساء أتبعها الحسنة. إلى غير ذلك. الذي فسر الأواب هو المصلي للضحى هذا راع شيء، كل هذه مختلفة في أصل المعنى وإن كان الاختلاف؛ لكن أصل المعنى واحد وهو أن الأبواب هو الذي ينيب إلى ربه بأنواع من الإنابة، إما بالتوبة، وإما بحسنات بعد السيئات وإما بصلاة الضحى أو نحو ذلك.

стр. 122

فهذا ولو اختلف ولو كانت الأسانيد ضعيفة في ذلك، ما ينظر فيها إلى ضعفها؛ لأن الجميع فسروه بما يدل عليه اللفظ ببعض أفراده، وليس ببعيد أن تكون هذه التفاسير منقولة عن السلف؛ لأنها من حيث المعنى صحيحة، فهذا ينظر فيه إلى أنها ما تعارضت مشتركة هذه. فإذن ما ينظر فيه إلى قوة الإسناد من ضعفه لأنها جميعا مشتركة في شيء واحد فيكون بعضها يعضد بعضا، هذه طريقة أئمة التفسير في إيرادهم للأسانيد. ومر معنا كلمة للإمام أحمد ثلاثة ليس لها أصول، وذكر منها التفسير؛ يعني ليس لها أصول مسندة يعني بعضها مرسل بعضها منقطع بعضها ضعيف؛ يعني أصولها ضعيفة فكأنه ليس لها أصول. ليس جميع أهل الحديث، أهل الحديث الذين اعتنوا بالتفسير؛ لأن أهل الحديث على قسمين: منهم من اعتنى بالتفسير. ومنهم من لم يعتنِ بالتفسير.

стр. 123

الذي لم يعتنِ بالتفسير سينظر إلى أسانيد المفسرين كأنه ينظر إلى أسانيد الحديث؛ يعني الحلال والحرام، هذا ليس كذلك؛ لأن التفسير مثل ما ذكرت لك أخص، نعم قد يكون إسناد في التفسير جاء به حديث بإثبات عقيدة، قد يكون إسناد في التفسير جاء به حديث بإثبات حكم شرعي، ليس هذا الكلام فيه، هذا الكلام عليه من جنس النظر في أسانيد الحديث؛ لأن هذا -العقيدة والحديث- كلها فيها ينبغي أن يؤخذ بالحزم؛ لكن مثل تفسير لفظ ونحو ذلك هذا ينظر فيه أهل الحديث الذين ذكروا التفسير صنفوا في التفسير مثل الإمام أحمد مثل ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن المنذر هؤلاء تجد عندهم من معرفة التفسير ما يصير حجة في نقل الأسانيد ولو كان فيها خلاف الإسناد؛ أنا ذكرت أن يكون الرد إذا رده أهل الحديث أو أهل الشأن لعلة تفسيرية هذا يؤخذ، أما إذا رده أحد من أهل الحديث لعلة حديثية، فينازع بأن صنيع أهل التفسير من أهل الحديث مقابل لإعلالهم، فمثلا هو يعل بأن الإسناد فيه فلان وفلان هذا ضعيف فلا يقبل هذه الرواية، هذا لا يؤخذ به؛ لكن من قال هذه الرواية فيها ذكر فيها تفسير اللفظ بكذا، وهذا معارض لتفسير اللفظ بكذا لأن هذا يكثر مع هذا، هذا يناقض الرواية الأخرى في التفسير، فيكون هنا الإعلال بالتفسير لا من جهة الإسناد فهذا يقبل؛ لأنه يكون من أهل الاختصاص للفن، الذي هو التفسير، قد يكون أحيانا إعلال التفسير في موضع لتفسيره في موضع أخر. (( (( ( أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 124

الدرس التاسع بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] فَصْلٌ [فِي النَّوْعُ الثَّانِي الخِلاَفُ الوَاقِعُ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ جِهَةِ الاسْتِدْلاَلِ] وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ مُسْتَنَدَيْ الِاخْتِلَافِ وَهُوَ مَا يُعْلَمُ بِالِاسْتِدْلَالِ لَا بِالنَّقْلِ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا فِيهِ الْخَطَأُ مِنْ جِهَتَيْنِ حَدَثَتَا بَعْدَ تَفْسِيرِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمْ بِإِحْسَانِ. فَإِنَّ التَّفَاسِيرَ الَّتِي يُذْكَرُ فِيهَا كَلَامُ هَؤُلَاءِ صِرْفًا لَا يَكَادُ يُوجَدُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْجِهَتَيْنِ مِثْلَ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَوَكِيعٍ وَعَبْدِ بْنِ حميد وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إبْرَاهِيمَ دُحَيم، وَمِثْلَ تَفْسِيرِ الْإِمَامِ أَحْمَد وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُويَه وبقي بْنِ مخلد وَأَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنة وَسَنِيدٍ وَابْنِ جَرِيرٍ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَاجَه، وَابْنِ مَرْدُويَه: إحْدَاهُمَا (١) : قَوْمٌ اعْتَقَدُوا مَعَانِيَ ثُمَّ أَرَادُوا حَمْلَ أَلْفَاظِ الْقُرْآنِ عَلَيْهَا.

стр. 125

والثَّانِيَةُ: قَوْمٌ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِمُجَرَّدِ مَا يُسَوِّغُ أَنْ يُرِيدَهُ بِكَلَامِهِ، (١) مَنْ كَانَ مِنَ النَّاطِقِينَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى الْمُتَكَلِّمِ بِالْقُرْآنِ وَالْمُنَزَّلِ عَلَيْهِ وَالْمُخَاطَبِ بِهِ. (٢) فالْأَوَّلُونَ رَاعَوْا الْمَعْنَى الَّذِي رَأَوْهُ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا تَسْتَحِقُّهُ أَلْفَاظُ الْقُرْآنِ مِنْ الدَّلَالَةِ وَالْبَيَانِ. والْآخَرُونَ رَاعَوْا مُجَرَّدَ اللَّفْظِ، وَمَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ عِنْدَهُمْ بِهِ الْعَرَبِيُّ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى مَا يَصْلُحُ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ وَلِسِيَاقِ الْكَلَامِ. ثُمَّ هَؤُلَاءِ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي احْتِمَالِ اللَّفْظِ لِذَلِكَ الْمَعْنَى فِي اللُّغَةِ كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الَّذِينَ قَبْلَهُمْ، كَمَا أَنَّ الْأَوَّلِينَ كَثِيرًا مَا يَغْلَطُونَ فِي صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ كَمَا يَغْلَطُ فِي ذَلِكَ الآخَرُون، وَإِنْ كَانَ نَظَرُ الْأَوَّلِينَ إلَى الْمَعْنَى أَسْبَقَ وَنَظَرُ الآخرين إلَى اللَّفْظِ أَسْبَقُ. [الشرح] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وعملا وخشية، يا أرحم الراحمين، أما بعد:

стр. 126

فهذا صلة بما سبق الكلام عليه في أصول التفسير، وكلامه فيما سمعنا متصل بتفاسير الناس بعد القرون الثلاثة المفضلة، والتفاسير المنقولة عن الصحابة وعن التابعين وعن تبع التابعين، هذه التفاسير يقلّ أو يندر فيها الغلط، وذلك لأنهم فسروا القرآن، رَعَوْا فيه المتكلم به، وهو الله ﷻ ، ورَعَوْا فيه المخاطب به وهو النبي ﷺ ، ورَعَوْا فيه المخاطَبين به أيضا وهم العرب قريش ومن حولهم في أول الأمر أو العرب بعمومهم، وأيضا رَعَوْا فيه اللفظ وراعوا فيه السياق، ولهذا تجد أن تفاسيرهم قد تبتعد في بعض الألفاظ عن المشهور في اللغة؛ لكنها توافق السياق. أما المتأخرون -يعني ما جاء بعد هذه الطبقات الثلاث- فيكثر في تفاسيرهم الغلط، وجهة الغلط إما أن تكون أن المفسر اعتقد اعتقادات باطلة، كحال أصحاب الفرق الضالة إما المجسمة كمقاتل، أو المرجئة أو المؤولة أو المنكرين للصفات كالجهمية والمعتزلة وما شابه هؤلاء، تجد أنهم فسّروا القرآن ونزّلوه على وفق ما يعتقدون، فجاء الغلط في أنهم قرروا عقيدة عندهم وجعلوا القرآن يفهم على وفق ما يعتقدونه، وهذا نوع من أنواع التفسير بالرأي المذموم، وفي الأصل التفسير بالرأي معناه التفسير بالاجتهاد والاستنباط، والتفسير بالرأي من السلف من منعه أصلا ومنهم من أجازه واجتهد في التفسير وهؤلاء هم أكثر الصحابة، وإذا جاز الاجتهاد فتفسير القرآن بالرأي، فإنما نعني بذالك أن يُفسر القرآن بالاجتهاد الصحيح وبالرأي الصحيح؛ يعني بالاستنباط الصحيح، وأما الرأي المذموم فهو استنباط أو تفسير من ردود، وذلك لعدم توفر شروط التفسير بالرأي فيه.

стр. 127

من ذلكم أن يفسر القرآن على وفق ما يعتقده، يأتي الجهمي مثلا يفسر أسماء الله جل وعلا التي جاءت في القرآن بأثر تلك الأسماء المنفصلة في ملكوت الله جل وعلا، يأتي المرجئ يفسر آيات الوعيد على نحو ما يعتقده، يأتي الرافضي يفسر الألفاظ التي في القرآن مثل قوله تعالى ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] ، يفسِّرون الشجرة الملعونة بأنها معاوية ﵁ وذريته، هذا كله من التفسير بالرأي المذموم؛ لأنه تفسير عن هوى اعتقد اعتقادات، ثم حمل القرآن عليها هذا من جهة العقيدة. كذلك من جهة الفقه تجد أن بعض المفسرين الذين جاؤوا بعد القرون الثلاثة ينحى في الفقه منحىً، يذهب إلى مذهب يرجح في المسألة ترجيحا، ثم هو يأتي إلى الآية فيفسر الآية التي فيها الأحكام يفسرها على ما يعتقد من المذهب الفقهي؛ يعني يفسرها على ما يذهب إليه، فيأتي بذلك يأتي في ذلك بغلط أي أنه فسر الآية لا على ما تدل عليه؛ ولكن على ما يذهب إليه هو فيكون حمل القرآن على رأيه. وهذا وأمثاله هو الذي جاء فيه قول النبي ﵊ «من تكلم في القرآن برأيه فقد تبوأ مقعده من النار» وفي لفظ آخر «من قال في القرآن فقد أخطا لو أصاب» ، وهي أحاديث أسانيدها ضعيفة لكنها بمجموعها لعلها تبلغ مرتبة الحسن. المقصود من ذلك أن هذا من قسم التفسير بالرأي المذموم.

стр. 128

إلى خلاف هذا؛ يعني من العقيدة والفقه في غير هذا، مثلا يعتقد الأصولي مسألة ويرجحها في حكم الأصولي، فإذا أتى إلى الآية التي تدل على خلاف ما يقول حمل الآية على ما يرجحه ويراه، وهذا كثير في تفاسير المتأخرين، ولهذا صنف أصحاب المذاهب العقدية كل مذهب صنّف في تفسير القرآن مصنفا ينصر به مذهبه، فصنف المجسمة تصنيفا، وصنف المعتزلة في تفسير القرآن، وصنف الماتريدية تصنيف الماتريدي موجود، وصنف الأشاعرة كذلك وصنف المرجئة وهكذا في أصناف شتى. كذلك في المذاهب الفقهية تجد أحكام القرآن للبيهقي مثلا، أحكام القرآن للجصاص الحنفي، أحكام القرآن لابن العربي المالكي، أحكام القرآن لابن [عاد] الحنبلي مثلا إلى آخره، وهذا يدخل المفسر إلى الغلط وذلك أنه يحمل القرآن على ما يميل إليه ويعتقده ويذهب إليه، لاشك انه إذا كان المفسر على هذه الحال فإن قوله لا يقبل؛ لأن القرآن يجب أن يُفهم مع التجرد عن تلك الأمور السابقة للاستدلال بالقرآن، نعم إذا المرء اعتقد العقيدة الصحيحة المبنية على الدلائل من الكتاب والسنة فان اعتقاده على العقيدة الصحيحة المبنية للدلائل يعينه على فهم القرآن فهما صحيحا، وهذا هو الذي كان عليه اجتهاد الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يجتهدون ويفسرون ويكون اجتهادهم واجتهاد التابعين -أعني غالب التابعين- يكون اجتهادهم صوابا؛ وذلك لأنهم فهموا القرآن بمجموعه واستدلوا بأدلتهم باستدلالات صواب في نفسها ولهذا يفهمون ويفسرون بعض الآيات التي تشكل بما فهموه وعلموه من الآيات الأخرى هذا يختلف عن التفسير بالرأي المذموم. هذا صنف من الناس.

стр. 129

والطريقة الأخرى والجهة الأخرى التي دخل الغلط إلى كثير من المفسرين من جهتها أنهم فسّروا القرآن بمجرد احتمال اللفظ في اللغة، وتفسير القرآن بمجرد احتمال اللفظ لمعانٍ، هذا ليس في مراعاة الحال، وقد ذكرنا أنّ من مميزات تفسير الصحابة أنهم رعوا حال المخاطب به ورعوا في تفاسيرهم أسباب النزول ورعوا في تفاسيرهم ما يعلمون من السنة، ورعوا في تفاسيرهم اللغة. فإذن هم حين يفسرون لا يفسرون بمجرد اللفظ؛ بدلالة اللفظ؛ بل يفسرون بدلالة اللفظ مع العلم الذي معهم وفيما ذكرت ولهذا تجد أن تفاسيرهم في الغالب لا يكون فيه اختلاف أعني اختلاف تضاد؛ بل هي متفقة لأنهم راعوا ذلك الأصل. أما كثير من المتأخرين فوسّعوا الأمر ففسروا بمجرد احتمال اللفظ في اللغة، واحتمال اللفظ في اللغة الذي جاء في القرآن قد يكون له عدة معاني في اللغة؛ لكن لا يصلح في التفسير إلا واحدا منها، وذلك إما مراعاة لمعنى اللفظ في القرآن، القرآن العظيم ترد فيه بعض الألفاظ في أكثر القرآن أو في كله على معنى واحد، وهذا يكون باستقراء، فتحمل الآية التي فيها اللفظ يحمل على معهود القرآن لا يحمل على احتمالات بعيدة. لهذا صنف العلماء في ذلك مصنفات بعيدة من الوجوه والنظائر لبيان هذا الأصل فمثلا الخير في القرآن يقول العلماء الأصل فيه أنه المال ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ [العاديات: ٨] ؛ يعني لحب المال. قال ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] ؛ يعني طريقا لتحصيل المال، وهكذا فإذا إذا أتى في آية استعمال لفظ الخير فأول ما يتبادر للذهن أن المراد بالخير المال، فإذا لم بناسب للسياق صرف إلى معنى آخر هذا يسمّى المعهود؛ معهود استعمال القرآن.

стр. 130

مثال آخر في الزينة، الزينة في القرآن أخص من الزينة في لغة العرب، لغة العرب فيها أن الزينة: كل ما يتزين به، وقد يكون من الذات، وقد لا يكون من الذات. يعني إذا تزيّن المرء بالأخلاق سمي متزينا، لكن في القرآن الزينة أطلقت واستعملت في أحد المعنيين دون الآخر ألا وهو الزينة الخارجة عن الذات التي جلبت لها الزينة، لهذا قال جل وعلا ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] ؛ لأن ما على الأرض زينة لها، فإذن الزينة ليست من ذات الأرض وإنما هي مجلوبة إلى الأرض، ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] ، الزينة خارجة عن ذات ابن آدم فهي شيء مجلوب ليتزين به. ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ [الصافات: ٦] ، زينها جل وعلا بزينة هذه الزينة من ذاتها أو خارجة عنها؟ قال ﴿زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ﴾ ، فالكواكب هي خارجة عن ذات السماء وهي في السماء فجعلها الله جل وعلا زينة..

стр. 131

فإذا أتت آية مشكلة مثل آية النور في قوله تعالى ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] ؛ يأتي لفظ الزينة هنا، فيُحمل هل يحمل على كل المعهود في اللغة أو يحمل على المعهود في القرآن؟ لاشك أنّ الأولى -كما قال شيخ الإسلام في تفصيله أن يراعى حال معهود المتكلم به والمخاطب والمخاطبين والحال، فهنا في أحد هذه فالقرآن فيه أن الزينة خارجة عن الذات، شيء مجلوب إلى الذات، إذا أتى واحد وقال ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن ما ظهر من الزينة هو الوجه، هذا فسر الزينة بأنه شيء في الذات، وهذا معناه أنه فسرها بشيء غير معهود في استعمال القرآن للفظ الزينة، لهذا كان الصحيح التفسير المشهور عن الصحابة كابن عباس وابن مسعود وغيرهما أنّ الزينة -التفسير المشهور عن ابن عباس وهو مروي عن ابن مسعود وجماعة- أن الزينة هي القرط مثلا الكحل اللباس ونحو ذلك، ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ فإذن لا تبدي الزينة؛ لكن ما ظهر منها، ما ظهر من الزينة، ما ظهر من الشيء المجلوب للتزين به فلا حرج على المرأة في ذلك. فإذن لا تفسر الزينة بأنها الوجه لماذا؟ لأن تفسير الزينة بأنها الزوجة تفسير للزينة بشيء في الذات، وهذا مخالف لما هو معهود من معنى الزينة في القرآن، وهذا له أمثلة كثيرة نكتفي بما مر. والمقصود بهذا أن معرفة استعمال القرآن للألفاظ التي لها في العربية معاني كثيرة هذا من أعظم العلم بالتفسير، وهذا لا يؤتاه إلا الحافظ للقرآن المتدبر له الذي يعلم تفاسير السلف؛ لأنك تأتي للكلمة ويُشكل تفسيرها فيوردها المفسر على نظائر هذا اللفظ في القرآن، ثم بعد ذلك يظهر له تفسير بعد ذلك وهذه كانت طريقة الصحابة رضوان الله عليهم فيما اجتهدوا في ذلك.

стр. 132

أحيانا وفسروا الآية بخلاف حال المخاطبين، تفسر الآية باحتمال لغوي لكن هذا الاحتمال ليس بوارد على حال المخاطبين، مثلا في قوله تعالى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩] فيأتي من يأتي من المفسرين بالرأي فيجعلون سؤالهم عن الآلهة سؤالا فلكيا معقدا، وهم إنما سألوا عن الهلال علم يبدوا في أول الشهر صغيرا ثم يكبر ثم يكبر، وكان سؤالا بسيطا؛ لأن هذه هي حال العرب لم يكن عندهم علم الفلك العلم المعقد، إنما سأله عن أمر ظاهر بيّن، فتفسير سؤالهم بأنه سؤال عن أمر فلكي معقد، هذا لم يرعَ فيه حال أولئك، وإنما فُسِّر بغرائب الأهلة ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ﴾ فيأتي المفسر مثل الرازي وغيره يأتون ينطلقون في الأحوال الفلكية في ذلك. هذا ليس من المعهود ولا من المعروف في حال الذين سألوا ولا حال العرب الذين نزل القرآن ليخاطبهم أول الأمر. إذن فهنا حصل الغلط من هذه الجهة. وهاتان الجهتان لاشك أن الغلط واقع فيهما وكلا الجهتين من التفسير بالرأي؛ لكن الأولى من التفسير بالرأي المذموم الذي توعد فاعله، والثانية من التفسير بالرأي الذي أخطأ من ذهب إليه، فيكون الضابط في التفسير بالرأي أنه فيما اتبع هواه في التفسير صار ذلك من التفسير بالرأي المذموم المردود الذي جاء الوعيد على من قال به، أما التفسير بالرأي الذي يخطئ فيه صاحبه هو ما لم يرعى فيه ما ذكره شيخ الإسلام هنا، وإنما وجهه على أحد الاحتمالات العربية وأخطأ فيما وجه إليه الكلام.

стр. 133

لاشك أن هذا الكلام من شيخ الإسلام تفصيل نفيس، وهو يدل على سعة الإطلاع على كلام المفسرين واختلافهم وآرائهم المباينة لآراء السلف، فلهذا قال: إن التفاسير التي تُذكر فيها أقوال الصحابة والتابعين وتبع التابعين لا تجد فيها مثل هذه الآراء. ذكر لك جملة من التفاسير، وهذه التفاسير منها ما هو مطبوع منها ما هو مخطوط ومنها ما هو مفقود أصلا كتفسير الإمام أحمد رحمه الله تعالى. نعم [المتن] وَالْأَوَّلُونَ صِنْفَانِ: تَارَةً يَسْلُبُونَ لَفْظَ الْقُرْآنِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ وَأُرِيدَ بِهِ. وَتَارَةً يَحْمِلُونَهُ عَلَى مَا لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يُرَدْ بِهِ. وَفِي كَلَا الْأَمْرَيْنِ قَدْ يَكُونُ مَا قَصَدُوا نَفْيَهُ أَوْ إثْبَاتَهُ مِنْ الْمَعْنَى بَاطِلًا فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ. وَقَدْ يَكُونُ حَقًّا فَيَكُونُ خَطَؤُهُمْ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي الْمَدْلُولِ. وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ وَقَعَ فِي تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ وَقَعَ أَيْضًا فِي تَفْسِيرِ الْحَدِيثِ. فَاَلَّذِينَ أَخْطَئُوا فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ - مِثْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ - اعْتَقَدُوا مَذْهَبًا يُخَالِفُ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْأُمَّةُ الْوَسَطُ الَّذِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ عَلَى ضَلَالَةٍ كَسَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا وَعَمَدُوا إلَى الْقُرْآنِ فَتَأَوَّلُوهُ عَلَى آرَائِهِمْ. تَارَةً يَسْتَدِلُّونَ بِآيَاتِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ وَلَا دَلَالَةَ فِيهَا. وَتَارَةً يَتَأَوَّلُونَ مَا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُمْ بِمَا يُحَرِّفُونَ بِهِ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ فِرَقُ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ والجهمية وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ.

стр. 134

وَهَذَا كَالْمُعْتَزِلَةِ مَثَلًا فَإِنَّهُمْ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ كَلَامًا وَجِدَالًا، وَقَدْ صَنَّفُوا تَفَاسِيرَ عَلَى أُصُولِ مَذْهَبِهِمْ؛ مِثْلِ تَفْسِيرِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كيسان الْأَصَمِّ شَيْخِ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عُلَيَّةَ الَّذِي كَانَ يُنَاظِرُ الشَّافِعِيَّ. وَمِثْلِ كِتَابِ أَبِي عَلِيٍّ الجبائي. وَالتَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ لِلْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ أَحْمَد الهمداني. والجَامِعُ لِعِلْمِ القُرْآنِ لِعَلِيِّ بْنِ عِيسَى الرُّمَّانِيِّ. وَالْكَشَّافِ لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِي؛ فَهَؤُلَاءِ وَأَمْثَالُهُمْ اعْتَقَدُوا مَذَاهِبَ الْمُعْتَزِلَةِ. وَأُصُولُ الْمُعْتَزِلَةِ خَمْسَةٌ يُسَمُّونَهَا هُمْ: التَّوْحِيدُ وَالْعَدْلُ وَالْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ وَإِنْفَاذُ الْوَعِيدِ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ. وتَوْحِيدُهُمْ هُوَ تَوْحِيدُ الجهمية الَّذِي مَضْمُونُهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ وَعَنْ قَالُوا: إنَّ اللَّهَ لَا يُرَى، وَإِنَّ الْقُرْآنَ مَخْلُوقٌ، وَإِنَّهُ لَيْسَ فَوْقَ الْعَالَمِ، وَإِنَّهُ لَا يَقُومُ بِهِ عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ، وَلَا حَيَاةٌ، وَلَا سَمْعٌ، وَلَا بَصَرٌ، وَلَا كَلَامٌ وَلَا مَشِيئَةٌ وَلَا صِفَةٌ مِنْ الصِّفَاتِ. وَأَمَّا عَدْلُهُمْ فَمِنْ مَضْمُونِهِ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ جَمِيعَ الْكَائِنَاتِ وَلَا خَلَقَهَا كُلَّهَا وَلَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهَا كُلِّهَا؛ بَلْ عِنْدَهُمْ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَمْ يَخْلُقْهَا اللَّهُ، لَا خَيْرَهَا وَلَا شَرَّهَا، وَلَمْ يُرِدْ إلَّا مَا أَمَرَ بِهِ شَرْعًا وَمَا سِوَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِغَيْرِ مَشِيئَة.

стр. 135

وَقَدْ وَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مُتَأَخِّرُو الشِّيعَةِ كَالْمُفِيدِ وَأَبِي جَعْفَرٍ الطوسي وَأَمْثَالِهِمَا، وَلِأَبِي جَعْفَرٍ هَذَا تَفْسِيرٌ عَلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ؛ لَكِنْ يُضَمُّ إلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْإِمَامِيَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرِيَّةَ؛ فَإِنَّ الْمُعْتَزِلَةَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَقُولُ بِذَلِكَ وَلَا مَنْ يُنْكِرُ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ. وَمِنْ أُصُولِ الْمُعْتَزِلَةِ مَعَ الْخَوَارِجِ إنْفَاذُ الْوَعِيدِ فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ فِي أَهْلِ الْكَبَائِرِ شَفَاعَةً وَلَا يُخْرِجُ مِنْهُمْ أَحَدًا مِنْ النَّارِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ طَوَائِفُ مِنْ الْمُرْجِئَةِ والكَرَّامِيَّة والكُلاَّبِيَّة وَأَتْبَاعِهِمْ؛ فَأَحْسَنُوا تَارَةً وَأَسَاءُوا أُخْرَى حَتَّى صَارُوا فِي طَرَفَيْ نَقِيضٍ كَمَا قَدْ بُسِطَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَالْمَقْصُودُ أَنَّ مِثْلَ هَؤُلَاءِ اعْتَقَدُوا رَأْيًا ثُمَّ حَمَلُوا أَلْفَاظَ الْقُرْآنِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُمْ سَلَفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ وَلَا مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ لَا فِي رَأْيِهِمْ وَلَا فِي تَفْسِيرِهِمْ. وَمَا مِنْ تَفْسِيرٍ مِنْ تَفَاسِيرِهِمْ الْبَاطِلَةِ إلَّا وَبُطْلَانُهُ يَظْهَرُ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ وَذَلِكَ مِنْ جِهَتَيْنِ: تَارَةً مِنَ الْعِلْمِ بِفَسَادِ قَوْلِهِمْ. وَتَارَةً مِنَ الْعِلْمِ بِفَسَادِ مَا فَسَّرُوا بِهِ الْقُرْآنَ، إمَّا دَلِيلًا عَلَى قَوْلِهِمْ، أَوْ جَوَابًا عَلَى الْمُعَارِضِ لَهُمْ.

стр. 136

وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَكُونُ حَسَنَ الْعِبَارَةِ فَصِيحًا وَيَدُسُّ الْبِدَعَ فِي كَلَامِهِ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ كَصَاحِبِ الْكَشَّافِ وَنَحْوِهِ، حَتَّى إنَّهُ يُرُوجُ عَلَى خَلْقٍ كَثِيرٍ مِمَّنْ لَا يَعْتَقِدُ الْبَاطِلَ مِنْ تَفَاسِيرِهِمْ الْبَاطِلَةِ مَا شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ رَأَيْت مِنْ الْعُلَمَاءِ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَذْكُرُ فِي كِتَابِهِ وَكَلَامِهِ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ مَا يُوَافِقُ أُصُولَهُمْ الَّتِي يَعْلَمُ أَوْ يَعْتَقِدُ فَسَادَهَا وَلَا يَهْتَدِي لِذَلِكَ. ثُمَّ إنَّهُ لِسَبَبِ تَطَرُّفِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ دَخَلَتْ الرَّافِضَةُ الْإِمَامِيَّةُ ثُمَّ الْفَلَاسِفَةُ ثُمَّ الْقَرَامِطَةُ وَغَيْرُهُمْ فِيمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرِ فِي الْفَلَاسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِأَنْوَاعِ لَا يَقْضِي مِنْهَا الْعَالِمُ عَجَبَهُ. فَتَفْسِيرُ الرَّافِضَةِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] هُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ. [الشرح] نكتفي لهذا القدر. * * * أعدّ هذه المادّة: سالم الجزائري

стр. 137

الدرس العاشر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [المتن] ثُمَّ إنَّهُ لِسَبَبِ تَطَرُّفِ هَؤُلَاءِ وَضَلَالِهِمْ دَخَلَتْ الرَّافِضَةُ الْإِمَامِيَّةُ ثُمَّ الْفَلَاسِفَةُ ثُمَّ الْقَرَامِطَةُ وَغَيْرُهُمْ فِيمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرِ فِي الْفَلَاسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالرَّافِضَةِ، فَإِنَّهُمْ فَسَّرُوا الْقُرْآنَ بِأَنْوَاعِ لَا يَقْضِي الْعَالِمُ مِنْهَا عَجَبَهُ. فَتَفْسِيرُ الرَّافِضَةِ كَقَوْلِهِمْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] ، هُمَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ و ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ، أَيْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ فِي الْخِلَافَةِ. و ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، هِيَ عَائِشَةُ. و ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٢] ، طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ. و ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ [الفرقان: ٥٣] ، عَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ. و ﴿اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ، الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ. و ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢] ، فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. و ﴿عَمَّ يَتَسَاءلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبإ: ١-٢] عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. و ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] ، هُوَ عَلِيٌّ، وَيَذْكُرُونَ الْحَدِيثَ الْمَوْضُوعَ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَهُوَ تَصَدُّقُهُ بِخَاتَمِهِ فِي الصَّلَاةِ.

стр. 138

وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧] ، نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ لَمَّا أُصِيبَ بِحَمْزَةِ. وَمِمَّا يُقَارِبُ هَذَا مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ مَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِين بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧] ، أَنَّ الصَّابِرِينَ رَسُولُ اللَّهِ وَالصَّادِقِينَ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَانِتِينَ عُمَرُ وَالْمُنْفِقِينَ عُثْمَانُ وَالْمُسْتَغْفِرِين عَلِيٌّ. وَفِي مِثْلِ قَوْلِهِ: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أَبُو بَكْرٍ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ عُمَرُ ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ عُثْمَانُ ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ [الفتح: ٢٩] عَلِيٌّ. وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: ﴿وَالتِّينِ﴾ أَبُو بَكْرٍ ﴿وَالزَّيْتُونَ﴾ عُمَرُ ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ عُثْمَانُ ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١-٣] عَلِيٌّ. وَأَمْثَالُ هَذِهِ الْخُرَافَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ: تَارَةً تَفْسِيرَ اللَّفْظِ بِمَا لَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِحَالِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الَّتي لَا تَدُلُّ عَلَى هَؤُلَاءِ الْأَشْخَاصِ. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا﴾ كُلُّ ذَلِكَ نَعْتٌ لِلَّذِينَ مَعَهُ وَهِيَ الَّتِي يُسَمِّيهَا النُّحَاةُ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ. والْمَقْصُودُ هُنَا: أَنَّهَا كُلَّهَا صِفَاتٌ لِمَوْصُوفِ وَاحِدٍ وَهُمْ الَّذِينَ مَعَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا مُرَادًا بِهِ شَخْصٌ وَاحِدٌ!

стр. 139

وَتَتَضَمَّنُ تَارَةً جَعْلَ اللَّفْظِ الْمُطْلَقِ الْعَامِّ مُنْحَصِرًا فِي شَخْصٍ وَاحِدٍ كَقَوْلِهِ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ أُرِيدَ بِهَا عَلِيٌّ وَحْدَهُ. وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ [الزمر: ٣٣] ، أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ. وَقَوْلِهِ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] ، أُرِيدَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَحْدَهُ. وَنَحْوِ ذَلِكَ. وتَفْسِيرُ ابْنِ عَطِيَّةَ وَأَمْثَالِهِ أَتْبَعُ لِلسُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَأَسْلَمُ مِنَ الْبِدْعَةِ مِنْ تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِي، وَلَوْ ذُكِرَ كَلَامُ السَّلَفِ الْمَوْجُودُ فِي التَّفَاسِيرِ الْمَأْثُورَةِ عَنْهُمْ عَلَى وَجْهِهِ لَكَانَ أَحْسَنَ وَأَجْمَلَ فَإِنَّهُ كَثِيرًا مَا يَنْقُلُ مِنْ تَفْسِيرِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطبري وَهُوَ مِنْ أَجَلِّ التَّفَاسِيرِ وَأَعْظَمِهَا قَدْرًا، ثُمَّ إنَّهُ يَدَعُ مَا نَقَلَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ السَّلَفِ لَا يَحْكِيهِ بِحَالِ، وَيَذْكُرُ مَا يَزْعُمُ أَنَّهُ قَوْلُ الْمُحَقِّقِينَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِمْ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ الَّذِينَ قَرَّرُوا أُصُولَهُمْ بِطُرُقِ مِنْ جِنْسِ مَا قَرَّرَتْ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ أُصُولَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إلَى السُّنَّةِ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ؛ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ وَيَعْرِفَ أَنَّ هَذَا مِنْ جُمْلَةِ التَّفْسِيرِ عَلَى الْمَذْهَبِ.

стр. 140

فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَالْأَئِمَّةَ إذَا كَانَ لَهُمْ فِي تَفْسِير الْآيَةِ قَوْلٌ وَجَاءَ قَوْمٌ فَسَّرُوا الْآيَةَ بِقَوْلِ آخَرَ لِأَجْلِ مَذْهَبٍ اعْتَقَدُوهُ، وَذَلِكَ الْمَذْهَبُ لَيْسَ مِنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ، صَارُوا مُشَارِكِينَ لِلْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ فِي مِثْلِ هَذَا. وَفِي الْجُمْلَةِ مَنْ عَدَلَ عَنْ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَتَفْسِيرِهِمْ إلَى مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ كَانَ مُخْطِئًا فِي ذَلِكَ بَلْ مُبْتَدِعًا وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا مَغْفُورًا لَهُ خَطَؤُهُ. فَالْمَقْصُودُ بَيَانُ طُرُقِ الْعِلْمِ وَأَدِلَّتِهِ وَطُرُقِ الصَّوَابِ. وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ الْقُرْآنَ قَرَأَهُ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ وَأَنَّهُمْ كَانُوا أَعْلَمَ بِتَفْسِيرِهِ وَمَعَانِيهِ. كَمَا أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِالْحَقِّ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ ﷺ . فَمَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ وَفَسَّرَ الْقُرْآنَ بِخِلَافِ تَفْسِيرِهِمْ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ جَمِيعًا. وَمَعْلُومٌ أَنَّ كُلَّ مَنْ خَالَفَ قَوْلَهُمْ لَهُ شُبْهَةٌ يَذْكُرُهَا إمَّا عَقْلِيَّةٌ وَإِمَّا سَمْعِيَّةٌ. كَمَا هُوَ مَبْسُوطٌ فِي مَوْضِعِهِ. والْمَقْصُودُ هُنَا: التَّنْبِيهُ عَلَى مَثَارِ الِاخْتِلَافِ فِي التَّفْسِيرِ، وَأَنَّ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِهِ الْبِدَعَ الْبَاطِلَةَ الَّتِي دَعَتْ أَهْلَهَا إلَى أَنْ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَفَسَّرُوا كَلَامَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ بِغَيْرِ مَا أُرِيدَ بِهِ وَتَأَوَّلُوهُ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ. فَمِنْ أُصُولِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ:

стр. 141

أَنْ يَعْلَمَ الْإِنْسَانُ الْقَوْلَ الَّذِي خَالَفُوهُ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ. وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ تَفْسِيرَ السَّلَفِ يُخَالِفُ تَفْسِيرَهُمْ. وَأَنْ يَعْرِفَ أَنَّ تَفْسِيرَهُمْ مُحْدَثٌ مُبْتَدَعٌ. ثُمَّ أَنْ يَعْرِفَ بِالطُّرُقِ الْمُفَصَّلَةِ فَسَادَ تَفْسِيرِهِمْ بِمَا نَصَبَهُ اللَّهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَيَانِ الْحَقِّ. وَكَذَلِكَ وَقَعَ مِنْ الَّذِينَ صَنَّفُوا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَتَفْسِيرِهِ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ جِنْسِ مَا وَقَعَ فِيمَا صَنَّفُوهُ مِنْ شَرْحِ الْقُرْآنِ وَتَفْسِيرِهِ. [الشرح] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد: فهذا السياق الطويل من شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أراد به أن يمثل على نوع من أنواع التفسير بالرأي المذموم، وبيان بطلان ذلك من طريق مجمل وكذلك الإشارة إلى أنه يبطل بالطريق المفصل. هذا التفسير بالرأي المذموم -هو كما ذكرت لكم- هو أن يفسره بما يعتقده من خالف نهج الصحابة والتابعين ونهج سلف هذه الأمة، مثل تفاسير الرافضة فيما ذكر من أنواع التفسير الذي نقله شيخ الإسلام ﵀ عن تفاسيرهم، ولاشك أن هذه التفاسير التي فسروها باطلة لأوجه: أولا لأن اللفظ لا يحتمل ذلك، فكونهم يفسرون آية ما بأنها (علي) ، واللفظ لا يدل عليه، مثل ما ذكروا، نعم مثل ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] ، وتفسيرهم للجبت والطاغوت بأنهما أبا بكر وعمر ونحو ذلك. هذه التفاسير لا يدل عليها اللفظ، كونهم فسروا لفظا معروفا معناه في اللغة بأن المراد به معين من الصحابة، هذا باطل من أوجه كما ذكرت، الأول أن هذا لا يدل عليه معنى اللفظ في اللغة. يقولون: إن هذا تأويل.

стр. 142

والتأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى معنى آخر لقرينة تدل على ذلك، ويقولون صرفناه لقرينة التي دلت على ذلك، القرينة عندهم حججهم التي بين أيديهم، الحجج الباطلة التي فيها الأمر بذبح أبي بكر مثلا أو بذبح عثمان أو بذبح عمر ﵁ ونحو ذلك، أو أنّ الجبت والطاغوت اللذان أضلا الناس وهما أبو بكر وعمر. لكن التأويل عند العلماء ثلاثة أنواع؛ منه تأويل صحيح، ومنه تأويل مرجوح، ومنه تأويل باطل؛ وهو من اللعب، وذلك إذا كان التأويل لغير قرينة تدلّ عليه من اللغة أو من مقصد الشارع الصحيح. فهذه التفاسير التي فسروها إذا سموها تأويلا يقولون: خرجنا عن ظاهر اللفظ للتأويل. كما يزعمه الرافضة، الجواب عنه: أن هذا تأويل باطل ومن اللعب والتلاعب بالقرآن وبنصوص الكتاب والسنة؛ لأن هذا تأويل لم يأت عليه دليل؛ بل الأدلة تُبطل ذلك فإن فضل أبي بكر وفضل عمر وأنهما أفضل الصحابة على الإطلاق هذا جاءت به الأدلة، فكيف يصرفونه عن ظاهره إلى غيره. المقصود أن هذا وإن سَمَّوه تأويلا فإنه تأويل من نوع اللعب وهذا كفر عند كثير من العلماء. الوجه الثاني أنّ هذه التفاسير باطلة لأن معتمدها أنها الهوى فهو فسروا القرآن الذي أنزل على النبي ﷺ بما أُحْدِثَ من الاعتقادات بعد أكثر من قرن من وفاة النبي ﵊، فتلك الاعتقادات من اعتقادات الرافضة واعتقادات المعتزلة ومن شابه هؤلاء وهؤلاء، تلك الاعتقادات أُحدثت، ولم يكن شيء منها في الصحابة ولا في كبار التابعين، وإنما أحدثت بعد ذلك، فكيف يكون المراد بالقرآن الذي أنزل على النبي ﷺ ؟ يكون المراد به التأويلات والاعتقادات المحدثة بعد أكثر من قرن من نزول هذا القرآن ومن وفاة النبي ﵊.

стр. 143

الوجه الثالث من إبطال هذه التفاسير أنها تفاسير خرجت عن تفسير الصحابة والتابعين، وهذا هو الأصل العظيم الذي يريد شيخ الإسلام ﵀ تقريره، هذه التفاسير خرجت عما فسر به الصحابة والتابعون لهم فإحسان تلك الآيات، فالصحابة تفاسيرهم لتلك الآيات محفوظة، وكذلك التابعين تفاسيرهم لتلك الآيات محفوظة، فمن خرج عن تفاسيرهم وأتى بمعنىً بناقض ما قالوه فإنه مردود قطعا؛ لأن أعلم الأمة بالقرآن هم صحابة رسول الله ﷺ ، ولا يجوز أن يقال إن هناك معنًى في القرآن حُجب عن الصحابة وحُجب عن التابعين لهم بإحسان وأدركه من بعدهم، يكون المعنى من أصله حجبوا عنه، وأدركه من بعدهم هذا باطل، وذلك لأن النبي ﷺ بين أن خير الأمة قرنه ﵊ فقال «خيركم قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» والخيرية لها جهات، ومن أعظم جهات الخيرية العلم، فالعلم بالكتاب وبالسنة كان محفوظا في الصحابة رضوان الله عليهم ولم يحجب عن مجموع الصحابة علم مسألة من الكتاب والسنة، نعم قد يكون بعض الصحابة يجهل بعض معاني الكتاب والسنة؛ لكن يعلمه بعض الصحابة الآخرون، وأما بعمومهم فلا يجهل الصحابة بمجموعهم معنى آية أو معنى سنة عن النبي ﷺ . لهذا نقول: هذا الطريق مجمل طريق في بيان بطلان تلك الأقوال من أصلها. ما هذا الطريق المجمل؟ أن تلك الأقوال خرجت عن أخبار الصحابة والتابعين في تفاسيرهم، تفاسير الصحابة والتابعين محفوظة لدينا وليس فيها شيء من تلك البدع والضلالات التي يذكرها الرافضة أو يذكرها أهل الاعتزال.

стр. 144

الطريق الثاني طريق مفصل وهذا أشار إليه شيخ الإسلام، وهو أن الأقوال التي تخالف أقوال الصحابة والتابعين في التفسير، تخالفها؛ بمعنى أن أقوال الصحابة لا تدل عليها ولا تشمل ذلك التفسير المحدث، مثل تفسير آيات الصفات بالمعان المؤولة والمحرفة، ومثل تفاسير الرافضة، ومثل تفاسير الصوفية في إشارياتهم، ومثل تفاسير أهل البدع والإسماعيلية والباطنية ونحو ذلك. هذه التفاسير باطلة أيضا على التفصيل، وذلك أنه ما من قول وإلا وفي الكتاب والسنة من الدلائل ما يدلّ على بطلان ذلك القول الذي أحدثه المبتدعة وكل قول له دليل يبطله، فإذا قالوا مثلا: الجبت والطاغوت عمر وأبو بكر ﵄. أو قال المعتزلة: إن قوله ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ المراد به الإنعام، أو نفوا الحوض في السنة أو نفوا الميزان الذي جاء ذكره في القرآن وقالوا لا ميزان أو نفوا الصراط هذه كلها أقوال لأهل الاعتزال ومن شابههم، إذا أتت آية فيها ذكر الصراط فإنهم ينفون أن يكون ثَم صراط على متن جهنم، كذلك الميزان في قوله ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧] ، وفي قوله ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] ، ونحو ذلك، ينفون وجود الميزان الحسي ويقولون هذه تشبيهات. هذه أقوال، كل قول منها ثم أدلة مفصلة من الكتاب والسنة على بطلان ذلك القول بخصوصه. (١) ..في الآية وعلى بطلان نفي ما جاءت الأدلة بإثباته، فمثلا في الصفات الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات صفة الرحمة أكثر من إن تحصى، وهذا جواب مفصل؛ يعني رد مفصل على تأويلاتهم الباطلة التي هي من جنس اللعب وشر التحريف لآيات القرآن. وكذلك الذين نفوا الميزان هناك أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تمنع ذلك، وهذا هو الدليل المفصل.

стр. 145

فإذن نقول على وجه الاختصار من خالف تفاسير الصحابة والتابعين وأتى بمعنى جديد لا يشمله تفاسير الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذا قولهم مردود عليه من جهتين: الجهة الأولى مجملة، الدليل الأول مجمل؛ يعني بدليلين، الدليل الأول مجمل وذلك الدليل الأول هو أن ما خرج عن تفاسير الصحابة والتابعين فهو مردود؛ لأن العلم محفوظ فيهم، ولا يمكن أن يدّخر لمن بعدهم علم ويحجب عن الصحابة؛ لأنهم خير هذه الأمة. الثاني دليل مفصل ووجه مفصل وهو أنه ما من تفسير يخالف تفاسيرهم ويأتي بمعنى محدث إلا وثم أدلة كثيرة من الكتاب والسنة تبطل ذلك التفسير المعيَّن. نعم. [المتن] وَأَمَّا الَّذِينَ يُخْطِئُونَ فِي الدَّلِيلِ لَا فِي الْمَدْلُولِ؛ فَمِثْلُ كَثِيرٍ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَالْوُعَّاظِ وَالْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ، يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِمَعَانٍ صَحِيحَةٍ؛ لَكِنَّ الْقُرْآنَ لَا يَدُلُّ عَلَيْهَا؛ مِثْلَ كَثِيرٍ مِمَّا ذَكَرَهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السلمي فِي حَقَائِقِ التَّفْسِيرِ وَإِنْ كَانَ فِيمَا ذَكَرُوهُ مَا هُوَ مَعَانٍ بَاطِلَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ يَدْخُلُ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْخَطَأُ فِي الدَّلِيلِ وَالْمَدْلُولِ جَمِيعًا حَيْثُ يَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي قَصَدُوهُ فَاسِدًا. [الشرح] وهذا هو الذي يسمى عند الصوفية بالتفسير الإشاري، يقولون: أشارت الآية إلى كذا. فيفسرونها بما تُشير، ويجعلون ما يفهمونه من الآية بالإشارة يجعلونه تفسيرا للآية وهو مشهور باسم التفسير الإشاري. وثَم كتب كثيرة من جنس كتاب حقائق التأويل لأبي عبد الرحمن السلمي الصوفي المشهور وهو كتاب مطبوع، وكذلك كتاب التفسير تفسير القرآن المشهور لأبي بكر ابن العربي، وكذلك ما ذكره في الإشاريات الألوسي في أواخر كل مجموعة من الآيات يفسرها في كتابه روح المعاني، هذه تسمى التفاسير الإشارية، والتفاسير الإشارية على أقسام:
следующие страницы →