فصل:
[الشيخ محمد وأتباعه يصفون الله بما وصف به نفسه]
قد بينا فيما تقدم عقيدة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الفردوس يوم المآب، وبينا عقيدته هو وأتباعه، عقيدة السلف الماضين، من الصحابة والتابعين، وسائر أئمة الدين، الذين رفع الله منارهم في العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين.
فشيخنا ﵀ وأتباعه يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، ولا يتجاوزون القرآن والحديث، لأنهم متبعون لا مبتدعون، ولا يكيفون ولا يشبهون ولا يعطلون، بل يثبتون جميع ما نطق به الكتاب من الصفات، وما وردت به السنة مما رواه الثقات، يعتقدون أنها صفات حقيقة منَزّهة عن التشبيه والتعطيل، كما أنه سبحانه له ذات حقيقة، منَزّهة عن التشبيه والتعطيل؛ فالقول عندهم في الصفات، كالقول في الذات; فكما أن ذاته ذات حقيقة لا تشبه الذوات، فصفاته صفات حقيقة لا تشبه الصفات; وهذا هو اعتقاد سلف الأمة وأئمة الدين; وهو مخالف لاعتقاد المشبهين، واعتقاد المعطلين، فهو كالخارج: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَناً خَالِصاً سَائِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ [سورة النحل آية: ٦٦] ، فهو وسط بين طرفين، وهدى بين ضلالتين، وحق بين باطلين.
стр. 1052
فلما قررنا عقيدتنا، في أول الجواب، وأوردنا على ذلك الأدلة، من الكتاب والسنة، أتبعنا ذلك بفصل ذكرنا فيه بعض ما ورد، عن الصحابة، والتابعين وتابعيهم، يؤيد ما ذكرناه، ويحقق ما قلناه، لأنهم مصابيح الدين، وقدوة العالمين; وهم أهل اللغة الفصحاء، واللسان العربي; فإن الصحابة ﵃ قد شاهدوا نزول القرآن، ونقلوه إلينا وفسروه; فهم قد تلقوا ذلك عن نبيهم ﷺ وتلقاه عنهم التابعون; فتعلموا من الصحابة ألفاظ القرآن ومعانيه; فنقلوا عنهم تأويله كما نقلوا تنْزيله; ونقلوا الأحاديث الواردة في الصفات، ولم يتأولوها كما تأولها النفاة، بل أثبتوها صفات حقيقة لرب العالمين، منَزّهة عن تعطيل المعطلين، وتشبيه المشبهين; فإن الصحابة ﵃ أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا; وهم سادات الأمة، وكاشفو الغمة; فالمسلمون بهديهم يهتدون، وعلى منهاجهم يسلكون.
[فصل ما قاله العلماء في علو الله سبحانه واستوائه]
ثم إنا لما نقلنا كلام الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، أتبعناه بفصل ذكرنا فيه كلام الأئمة الأربعة، أئمة المذاهب المتبعة، ليتبين صحة ما قلناه، وما إليهم نسبناه، ويعلم من كان قصده الحق أن الأئمة على عقيدة واحدة مجمعون، وللسلف الصالح متبعون.
стр. 1053
فلما تبين ما قلناه، واتضح ما قررناه: أحببت أن أختم هذا الجواب بفصل أذكر فيه بعض ما قاله العلماء بعدهم، ليعلم الواقف على هذا الجواب أن هذا الاعتقاد الذي ذكرناه، هو اعتقاد أهل السنة والجماعة قاطبة، متقدميهم ومتأخريهم، لأن إجماعهم حجة قاطعة، لا تجوز مخالفته، فكيف وقد شهدت له النصوص القرآنية والسنة النبوية؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] .
فصل: قال الإمام حافظ الشرق، وشيخ الإسلام: عثمان بن سعيد الدارمي، في كتاب النقض على بشر المريسي، قال الذهبي: وهو مجلد سمعناه من أبي حفص القواس قال فيه: وقد اتفقت الكلمة من المسلمين، على أن الله فوق عرشه فوق سماواته، لا ينْزل قبل يوم القيامة إلى الأرض، ولم يشُكّوا أنه ينْزل يوم القيامة، ليفصل بين عباده ويحاسبهم، وتشقق السماوات لنُزوله، فلما لم يشك المسلمون أن الله لا ينْزل إلى الأرض قبل يوم القيامة لشيء من أمور الدنيا، علموا يقينا أن ما يأتي الناس من العقوبات، إنما هو أمره وعذابه، كقوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [سورة النحل آية: ٢٦] وإنما هو: أمره وعذابه، انتهى من هذا الكتاب.
стр. 1054
قال وقد ذكر الحلول وحكى هذا المذهب، إنزاه لله من السوء عن مذهب من يقول به هو بكماله وجماله، وعظمته وبهائه، فوق عرشه، فوق سماواته، فوق جميع الخلائق، في أعلى مكان وأظهر مكان، حيث لا خلق هناك ولا إنس، ولا جان، أي الحزبين أعلم بالله؟ وأشد تعظيما وإجلالا له؟ وقال في هذا الكتاب: علمه بهم محيط، وبصره فيهم نافذ، وهو بكماله فوق عرشه، ومع بعد المسافة بينه وبين الأرض، يعلم ما في الأرض.
وقال في موضع آخر: والقرآن كلام الله، وصفة من صفاته خرج منه كما شاء أن يخرج، والله بكلامه، وعلمه، وقدرته، وسلطانه، وجميع صفاته غير مخلوق; وهو بكماله على عرشه. وقال في موضع آخر، وقد ذكر حديث البراء بن عازب الطويل، في شأن الروح، وقبضها، وفيه: "فتصعد روحه، حتى تنتهي إلى السماء السابعة" وذكر الحديث، ثم قال: وفي قوله: ﴿لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٤٠] دلالة ظاهرة أن الله فوق السماء، لأنه لو لم يكن فوق السماء، لما عرج بالأرواح والأعمال، ولما أغلقت أبواب السماء عن قوم، وفتحت لآخرين. وقال في موضع آخر: ولكنا نقول: رب عظيم، وملك كبير، نور السماوات والأرض، وإله السماوات والأرض، على عرش مخلوق عظيم، فوق السماء السابعة، دون ما سواها من الأماكن; من لم يعرفه بذلك، كان كافرا به وبعرشه.
стр. 1055
قال: وقد اتفقت كلمة المسلمين والكافرين، على أن الله في السماء، وعرفوه بذلك، إلا المريسي وأصحابه، حتى الصبيان، الذين لم يبلغوا الحنث; وساق حديث حصين: " كم تعبد؟ قال: ستة في الأرض، وواحدا في السماء فقال النبي ﷺ : من الذي تعده لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء "١ وقال أيضا في قول رسول الله ﷺ للجارية: " أين الله؟ " فيه تكذيب لمن يقول: هو في كل مكان، وإن الله لا يوصف بـ (أين) بل يستحيل أن يقال: أين هو؟ والله فوق سماواته، بائن من خلقه; فمن لم يعرفه بذلك، لم يعرف إلهه الذي يعبده; هذا كله كلام عثمان بن سعيد في كتابه المذكور; وهو قال فيه أبو الفضل القراب: ما رأيت مثل عثمان بن سعيد، ولا رأى عثمان مثل نفسه; أخذ الأدب عن ابن الأعرابي، والفقه عن البويطي، والحديث عن يحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأثنى عليه أهل العلم.
وقال الإمام الحافظ أبو عيسى الترمذي في جامعه، لما روى حديث أبي هريرة، وهو حديث منكر، قاله الذهبي: " لو أدلى أحدكم بحبل، لهبط على الله "٢ قال معناه: لهبط على علم الله، قال: وعلم الله، وقدرته، وسلطانه، في كل مكان، وهو على العرش، كما وصف نفسه في كتابه، وقال في حديث أبي هريرة: " إن الله يقبل الصدقة، ويأخذها بيمينه "٣ قال غير واحد من أهل العلم في هذا الحديث وما
стр. 1056
يشبهه من الصفات، ونزول الرب ﵎، إلى سماء الدنيا، قالوا: ثبتت الروايات في هذا، ونؤمن به، ولا نتوهم، ولا نقول كيف; هكذا روي عن مالك، وابن عيينة، وابن المبارك; قالوا في هذه الأحاديث: أمروها بلا كيف; وهكذا قول أهل العلم، من أهل السنة والجماعة.
وأما الجهمية فأنكرت هذه الروايات; وقالوا: هذا تشبيه، وفسروها على غير ما فسرها أهل العلم; وقالوا: إن الله لم يخلق آدم بيده، وإن معنى اليد ههنا النعمة; وقال إسحاق بن راهويه: إنما يكون التشبيه، إذا قال: يد كيدي، أو مثل يدي، أو سمع كسمعي، فهذا التشبيه; وأما إذا قال كما قال الله: يد، وسمع، وبصر، ولا يقول: كيف; ولا يقول: مثل سمع، وكسمع، فهذا لا يكون تشبيها; قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] هذا كله كلام الترمذي.
وقال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، في كتاب صريح السنة: وحسب امرئ أن يعلم أن ربه هو الذي على العرش استوى، فمن تجاوز إلى غير ذلك فقد خاب وخسر. وقال في تفسيره الكبير في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] قال: علا وارتفع; وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] عن الربيع بن أنس، أنه يعني: ارتفع; وقال في قوله
стр. 1057
عز وجل
﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً سورة آية: ٣٦-٣٧] يقول: وإني لأظن موسى كاذبا فيما يقول، ويدعي أن له ربا في السماء، أرسله إلينا; وتفسيره هذا مشحون بأقوال السلف على الإثبات.
وقال في كتاب التبصير في معالم الدين: القول فيما أدرك علمه من الصفات خبرا، وذلك نحو إخباره أنه سميع بصير، وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] ، وأن له وجها بقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٧] ، وأن له قدما بقول النبي ﷺ " حتى يضع رب العزة فيها قدمه "١، وأنه يضحك بقوله: "لقي الله وهو يضحك إليه "، وأنه يهبط إلى سماء الدنيا، بخبر النبي ﷺ بذلك، وأن له أصبعا بقوله ﷺ : " ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن "٢ فإن هذه المعاني، التي وصفت ونظائرها، مما وصف الله به نفسه ورسوله، مما لا يثبت حقيقة علمه بالفكر والروية، لا نكفر بالجهل بها أحدا إلا بعد انتهائها. ذكر هذا الكلام عنه أبو يعلى في كتاب: إبطال التأويل. ومن أراد معرفة أقوال السلف التي حكاها عنهم في تفسيره فليطالع كلامه عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٣] ، وقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ [سورة الشورى آية: ٥] .
стр. 1058
وقال إمام الأئمة أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة: من لم يقر بأن الله على عرشه استوى، فوق سبع سماوات، بائن من خلقه، فهو كافر يستتاب؛ فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وألقي على مزبلة، لئلا يتأذى بريحه أهل القبلة وأهل الذمة.
ذكر قول إمام الشافعية في وقته: أبو العباس بن سريج ﵁: ذكر أبو القاسم سعد بن علي بن محمد الزنجاني، في جوابات المسائل التي سئل عنها بمكة، فقال: الحمد لله أولا وآخرا، وظاهرا وباطنا، وعلى كل حال، وصلى الله على محمد المصطفى، وعلى الأخيار الطيبين من الأصحاب والآل. سألت - أيدك الله بتوفيقه - بيان ما صح لدي من مذهب السلف، وصالحي الخلف، في الصفات الواردة في الكتاب، والسنة؟ فاستخرت الله، وأجبت عنه بجواب بعض الأئمة الفقهاء، وهو: أبو العباس بن سريج، ﵀، وقد سئل مثل هذا السؤال.
فقال: أقول وبالله التوفيق: حرام على العقول أن تمثل الله، وعلى الأوهام أن تحده، وعلى الظنون أن تقع، وعلى الضمائر أن تعمق، وعلى النفوس أن تفكر، وعلى الأفكار أن تحيط، وعلى الألباب أن تصف، إلا بما وصف به نفسه في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ . وقد صح وتقرر واتضح عند جميع أهل الديانة، والسنة والجماعة، من السلف الماضين، والصحابة والتابعين، من الأئمة المهديين الراشدين، المشهورين إلى زماننا هذا، أن جميع الآي
стр. 1059
الواردة عن الله في ذاته وصفاته، والأخبار الصادقة الصادرة عن رسول الله ﷺ في صفاته، التي صححها أهل النقل: يجب على المرء المسلم، الإيمان بكل واحد منه كما ورد، وتسليم أمره إلى الله كما أمر، وذلك مثل قوله سبحانه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٠] ، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وقوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٧] .
ونظائرها مما نطق به القرآن، كالفوقية، والنفس، واليدين، والسمع، والبصر، والكلام، والعين، والنظر، والإرادة، والرضى، والغضب، والمحبة، والكراهة، والعناية، والقرب، والبعد، والسخط، والاستحياء، والدنو كقاب قوسين أو أدنى، وصعود الكلام الطيب إليه، وعروج الملائكة والروح إليه، ونزول القرآن منه، وندائه الأنبياء، وقوله للملائكة، وقبضه، وبسطه، وعلمه، ووحدانيته، وقدرته، ومشيئته، وصمدانيته، وفردانيته، وأوليته، وآخريته، وظاهريته، وباطنيته، وحياته، وبقائه، وأزليته، ونوره، وتجليه، والوجه، وخلق آدم بيده، ونحو قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] وسماعه من غيره، وسماع غيره منه، وغير ذلك من صفاته المذكورة في كتابه المنزل.
стр. 1060
وجميع ما لفظ به المصطفى من صفاته، كغرس جنة الفردوس بيده، وشجرة طوبى بيده، وخط التوراة بيده، والضحك، والتعجب، ووضعه القدم، وذكر الأصابع، والنّزول كل ليلة إلى سماء الدنيا، وكغيرته، وفرحه بتوبة العبد، وأنه ليس بأعور، وأنه يعرض عما يكره ولا ينظر إليه، وأن كلتا يديه يمين، وحديث القبضتين، وله كل يوم كذا وكذا نظرة في اللوح المحفوظ، وأنه يوم القيامة يحثو ثلاث حثيات من حثياته، فيدخلهم الجنة.
وحديث القبضة، التي يخرج بها من النار قوما لم يعملوا خيرا قط، وحديث: " إن الله خلق آدم على صورته "١، وفي لفظ: " على صورة الرحمن "، وإثبات الكلام بالحرف والصوت، وكلامه للملائكة، ولآدم ولموسى ومحمد، وللشهداء وللمؤمنين عند الحساب وفي الجنة، ونزول القرآن إلى سماء الدنيا، وكون القرآن في المصاحف، وما أذن الله لشيء إذنه لنبي يتغنى بالقرآن، وصعود الأقوال والأعمال والأرواح إليه، وحديث معراج الرسول ﷺ ببدنه ونفسه، وغير هذا مما صح عنه ﷺ من الأخبار المتشابهة، الواردة في صفات الله سبحانه ما بلغنا وما لم يبلغنا، مما صح عنه، اعتقادنا فيه وفي الآي المتشابه في القرآن: أن نقبلها ولا نردها، ولا نتأولها بتأويل المخالفين، ولا نحملها على تشبيه المشبهين، ولا نزيد عليها، ولا ننقص منها، ولا نفسرها، ولا نكيفها، ولا نشير إليها بخواطر القلوب، بل
стр. 1061
نطلق ما أطلقه الله، ونفسر ما فسره النبي ﷺ وأصحابه، والتابعون، والأئمة المرضيون، من السلف، المعروفين بالدين والأمانة.
ونجمع على ما أجمعوا عليه، ونمسك عما أمسكوا عنه، ونسلم الخبر لظاهره، والآية لظاهرها، لا نقول بتأويل المعتزلة، والأشعرية، والجهمية، والملحدة، والمجسمة، والمشبهة، والكرامية، والمكيفة; بل نقبلها بلا تأويل، ونؤمن بها بلا تمثيل، ونقول: الإيمان بها واجب، والقول سنة، وابتغاء تأويله بدعة; هذا آخر كلام أبي العباس بن سريج، الذي حكاه أبو القاسم الزنجاني في أجوبته.
стр. 1062
ذكر قول الإمام الطحاوي، إمام الحنفية في وقته، في الحديث، والفقه، ومعرفة أقوال السلف
قال في عقيدته المعروفة عند الحنفية: ذكر بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة، على مذهب فقهاء الملة: أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، ﵃.
نقول في توحيد الله، معتقدين بتوفيق الله: أن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ما زال بصفاته قديما قبل خلقه، وأن القرآن كلام الله، منه بدأ، بلا كيفية قولا، وأنزله على نبيه وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا، وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة، ليس بمخلوق، فمن سمعه، وزعم أنه كلام البشر، فقد كفر; والرؤية لأهل الجنة حق، بغير إحاطة ولا كيفية، وكل ما جاء في ذلك من الصحيح عن رسول الله ﷺ فهو كما قال، ومعناه على ما أراد، لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا يثبت قدم الإسلام، إلا على ظهر التسليم والاستسلام، فمن رام ما حضر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه خالص التوحيد، وصحيح الإيمان; ومن لم يتوق النفي والتشبيه، زل ولم يصب التنْزيه ... إلى أن قال: والعرش، والكرسي، حق، كما بين في كتابه، وهو مستغن عن العرش، وما دونه، محيط بكل شيء وفوقه، وذكر سائر الاعتقاد.
стр. 1063
ذكر قول الإمام، أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، إمام الطائفة الكلابية، وكان من أعظم الناس إثباتا للصفات، والفوقية، وعلو الله على عرشه، منكرا لقول الجهمية؛ وهو أول من عرف عنه إنكار قيام الأفعال الاختيارية بذات الرب، وأن القرآن معنى قائم بالذات، وهو أربع معان; ونصر طريقته أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وخالفه في بعض الأشياء، ولكنه على طريقه في إثبات الصفات، والفوقية، وعلو الله على عرشه كما سيأتي حكاية كلامه بألفاظه إن شاء الله تعالى.
حكى ابن فورك في كتابه المجرد، فيما جمعه من كلام ابن كلاب، أنه قال: وأخرج من النظر والخبر، قول من قال: لا هو في العالم، ولا خارجا منه; فنفاه نفيا مستويا، لأنه لو قيل له صفه بالعدم، لما قدر أن يقول أكثر من هذا; ورد أخبار الله أيضا، وقال في ذلك ما لا يجوز في نص ولا معقول، ثم قال: ورسول الله ﷺ وهو صفوة الله من خلقه، وخيرته من بريته، أعلمهم بالأين واستصوب قول القائل: إنه في السماء، وشهد له بالإيمان عند ذلك، وجهم بن صفوان وأصحابه لا يجيزون: الأين ويحيلون القول به.
قال: ولو كان خطأ، لكان رسول الله ﷺ أحق بالإنكار له، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك، فتوهمي أنه محدود، وأنه في مكان دون مكان، ولكن قولي إنه في كل
стр. 1064
مكان، لأنه هو الصواب، دون ما قلت. كلا! فلقد أجازه رسول الله ﷺ مع علمه بما فيه، وأنه من الإيمان، بل الأمر الذي يجب به الإيمان لقائله ومن أجله شهد لها بالإيمان حين قالته، وكيف يكون الحق في خلاف ذلك؟ ! والكتاب ناطق بذلك، وشاهد له.
وقد غرس في بنية الفطرة، ومعارف الآدميين من ذلك، ما لا شيء أبين منه، ولا أوكد، لأنك لا تسأل أحدا من الناس، عربيا ولا عجميا، ولا مؤمنا ولا كافرا، فتقول أين ربك؟ إلا قال: في السماء، أفصح، أو أومى بيده، أو أشار بطرفه، إن كان لا يفصح، ولا يشير إلى غير ذلك; ولا رأينا أحدا إذا عن له الدعاء، إلا رافعا يده إلى السماء، ولا وجدنا أحدا غير الجهمية يُسأل عن ربه فيقول: في كل مكان، كما يقولون، وهم يدعون أنهم أفضل الناس، فتاهت العقول، وسقطت الأخبار، واهتدى جهم، وخمسون رجلا معه، نعوذ بالله من مضلات الفتن، انتهى كلامه.
ذكر قول الإمام أبي الحسن الأشعري، صاحب التصانيف، إمام الطائفة الأشعرية: قال في كتابه الذي سماه اختلاف المصلين، ومقالات الإسلاميين لذكر فرق الخوارج، والروافض، والجهمية، وغيرهم ... إلى أن قال: ذكر مقالة أهل السنة، وأصحاب الحديث، جملة قولهم: الإقرار بالله وملائكته، وكتبه ورسله وبما جاء عن الله
стр. 1065
وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ لا يردون من ذلك شيئا، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] ، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج.
وأقروا أن لله علما، ولم ينفوا ذلك عن الله، كما نفته المعتزلة، ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق؛ ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن رسول الله ﷺ " أن الله ينْزل إلى سماء الدنيا، فيقول: هل من مستغفر "١ كما جاء الحديث; ويُقرّون أن الله يجيء يوم القيامة، كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء ... إلى أن قال: فهذا جملة ما يأمرون به، ويستعملونه، ويروونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله.
وذكر الاستواء في هذا الكتاب المذكور، في باب: هل الباري تعالى في مكان دون مكان؟ فقال: اختلفوا في ذلك على سبع عشرة مقالة، منها: قال أهل السنة، وأصحاب الحديث: إن الله ليس بجسم ولا يشبه الأشياء; وأنه على العرش استوى كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، ولا نتقدم بين يدي الله بالقول، بل نقول: استوى بلا كيف؛ وإن له يدين، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] ، وإنه يَنْزل إلى سماء
стр. 1066
الدنيا كما جاء في الحديث، ثم قال: وقالت المعتزلة: استوى على عرشه، بمعنى: استولى، وتأولوا اليد بمعنى: النعمة; وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر آية: ١٤] أي: بعلمنا.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب جمل المقالات: هذه حكاية جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة، جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من الله، وما تلقاه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا يردون شيئا من ذلك، وأن الله واحد أحد، فرد، صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأنه على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] ، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] ، وأن له عينين، بلا كيف، كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر آية: ١٤] وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٧] .
وأن القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ: من قال بالوقف أو باللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق، ويقولون: إن الله يُرى بالأبصار يوم القيامة كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون ولا يراه الكافرون لأنهم عن الله محجوبون؛ ثم ساق بقية قولهم.
وقال في هذا الكتاب: وقالت المعتزلة: إن الله استوى
стр. 1067
على عرشه بمعنى: استولى، هذا نص كلامه; وقال في هذا الكتاب أيضا: وقالت المعتزلة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] يعني: استولى. قال: وتأولت اليد بمعنى: النعمة، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر آية: ١٤] أي: بعلمنا. فالأشعري ﵀، إنما حكى تأويل الاستواء بالاستيلاء عن المعتزلة والجهمية، وصرح بخلافه، وأنه خلاف قول أهل السنة.
وقال الأشعري أيضا: في كتابه: الإبانة، في أصول الديانة في باب الاستواء: فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول: إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وقال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٥٨] ، وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [سورة آية: ٣٦-٣٧] كذب موسى، في قوله: إن الله فوق السماوات، وقال : ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] ، فالسماوات فوقها العرش.
فلما كان العرش فوق السماوات قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] لأنه مستو على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات، وليس إذا قال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] يعني: جميع السماوات;
стр. 1068
وإنما أراد العرش الذي هو أعلى السماوات; قال: ورأينا المسلمين جميعا يرفعون أيديهم إذا دعوا نحو السماء لأن الله مستو على العرش، الذي هو فوق السماوات؛ فلولا أن الله على العرش، لم يرفعوا أيديهم نحو العرش; وقد قال قائلون - من المعتزلة، والجهمية، والحرورية - إن معنى استوى: استولى، وملك، وقهر، وأنه تعالى في كل مكان، وجحدوا أن يكون على عرشه، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة.
فلو كان كما قالوا، كان لا فرق بين العرش، وبين الأرض السابعة، لأنه قادر على كل شيء، وكذا لو كان مستويا على العرش بمعنى: الاستيلاء، لجاز أن يقال: هو مستو على الأشياء كلها; ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله مستو على الأخلية، والحشوش; فبطل أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء، وذكر أدلة من الكتاب والسنة، والعقل، سوى ذلك; وكتاب الإبانة من أشهر تصانيف أبي الحسن، شهره الحافظ ابن عساكر، واعتمد عليه، ونسخه بخطه الإمام محي الدين النواوي.
فانظر - رحمك الله - إلى هذا الإمام، الذي ينتسب إليه الأشاعرة اليوم، لأنه إمام الطائفة المذكورة، كيف صرح بأن عقيدته في آيات الصفات وأحاديثها اعتقاد أهل السنة والجماعة، من الصحابة والتابعين وأئمة الدين; ولم يحك تأويل الاستواء بالاستيلاء، واليد بمعنى النعمة،
стр. 1069
والعين بمعنى العلم، إلا عن المعتزلة والجهمية; وصرح أنه خلاف قوله، لأنه خلاف قول أهل السنة والجماعة.
ثم تجد المنتسبين إلى عقيدة الأشعري قد صرحوا في عقائدهم، ومصنفاتهم، من التفاسير وشروح الحديث، بالتأويل الذي أنكره إمامهم، وبين أنه قول المعتزلة والجهمية، وينسبون هذا الاعتقاد إلى الأشعري وهو قد أنكره ورده وأخبر أنه على غير عقيدة السلف من الصحابة والتابعين والأئمة بعدهم; وأنه على عقيدة الإمام أحمد، كما سيأتي لفظه بحروفه إن شاء الله.
وأعجب من هذا: أنهم يذكرون في مصنفاتهم أن عقيدة السلف أسلم، وعقيدة الخلف أعلم وأحكم! فسبحان مقلب القلوب كيف يشاء، كيف يجتمع في قلب من له عقل ومعرفة، أن الصحابة أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما، وأنهم الذين شاهدوا التَنْزيل وعلموا التأويل، وأنهم أهل اللغة الفصحاء، واللسان العربي الذي نزل القرآن بلغتهم وأنهم الراسخون في العلم حقا، وأنهم متفقون على عقيدة واحدة، لم يختلف في ذلك اثنان.
ثم التابعون بعدهم سلكوا سبيلهم، واتبعوا طريقهم، ثم الأئمة الأربعة وغيرهم مثل الأوزاعي، والسفيانين، وابن المبارك، وإسحاق، وغيرهم من أئمة الدين الذين رفع الله قدرهم بين العالمين، وجعل لهم لسان صدق في الآخرين، كل هؤلاء على عقيدة واحدة مجمعون، ولكتاب
стр. 1070
ربهم وسنة نبيهم متبعون.
ثم بعد معرفته لهذا وإقراره، يقوم في قلبه أن عقيدة الخلف أعلم وأحكم من طريقة السلف؟ ! فسبحان من يحول بين المرء وقلبه، فيهدي من يشاء بفضله ويضل من يشاء بعدله ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٣] .
وكيف يكون الخالفون أعلم من السابقين؟ ! بل من زعم هذا فهو لم يعرف قدر السلف; بل ولا عرف الله ورسوله والمؤمنين، حقيقة المعرفة المطلوبة; فإن هؤلاء الذين يفضلون طريقة الخلف، إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث، من غير فقه لذلك، بمنْزِلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٨] ، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المصروفة عن حقائقها، بأنواع الاحتمالات، وغرائب اللغات; فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة، كما قدمناه; وقد كذبوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين الجهل بطريقة السلف، وبين الجهل والضلال بتصويب طريقة الخلف. وكيف يكون الخلف أعلم بالله وأسمائه وصفاته، وأحكم في باب ذاته وآياته، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، من أهل العلم والإيمان، الذين هم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى؟! فنسأل الله أن لا
стр. 1071
يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا ولإخواننا المسلمين من لدنه رحمة، إنه هو الوهاب. وإنما ذكرنا هذا في أثناء كلام أبي الحسن الأشعري لأن أهل التأويل اليوم الذين أخذوا بطريقة الخلف، ينتسبون إلى عقيدة الأشاعرة، فيظن من لا علم عنده، أن هذا التأويل طريقة أبي الحسن الأشعري، وهو ﵁ قد صرح بأنه على طريقة السلف، وأنكر على من تأول النصوص، كما هو مذهب الخلف; وذكر أن التأويل مذهب المعتزلة والجهمية.
قال الإمام الذهبي في كتاب العلو: قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت أبا علي الدقاق يقول: سمعت زاهر بن أحمد الفقيه يقول: مات الأشعري ﵀، ورأسه في حجري، فكان يقول شيئا في حال نزعه: لعن الله المعتزلة، موهوا ومخرقوا.
وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر، في كتاب تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري: فإذا كان أبو الحسن ﵀ كما ذكر عنه من حسن الاعتقاد، مستصوب المذهب عند أهل المعرفة والانتقاد، موافقه في أكثر ما يذهب إليه أكابر العباد، ولا يقدح في مذهبه غير أهل الجهل والعناد، فلا بد أن يحكى عنه معتقده على وجهه بالأمانة، ليعلم حاله في صحة عقيدته في الديانة.
فاسمع ما ذكره في كتابه الإبانة، فإنه قال: الحمد لله
стр. 1072
الواحد العزيز، الماجد المتفرد بالتوحيد، المتمجد بالتمجيد، الذي لا تبلغه صفات العبيد، وليس له مثل ولا نديد، وساق خطبة رد فيها على المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، وبين فيها مخالفة المعتزلة لكتاب الله وسنة رسوله، وإجماع الصحابة ... إلى أن قال: فإن قال قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة، والقدرية، والجهمية، والحرورية، والرافضة، والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون، وديانتكم التي بها تدينون؟
قيل له: قولنا الذي به نقول، وديانتنا التي بها ندين: التمسك بكتاب الله، وسنة نبيه صلى لله عليه وسلم، وما روي عن الصحابة، والتابعين، وأئمة الحديث; ونحن بذلك معتصمون، وبما كان عليه أحمد بن حنبل، نضر الله وجهه، قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون، لأنه الإمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان الله به الحق عند ظهور الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين; فرحمة الله عليه من إمام مقدم، وكبير مفهم، وعلى جميع أئمة المسلمين.
وجملة قولنا: أنا نقر بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ ، لا نرد من ذلك شيئا، وأن الله إله واحد أحد، فرد صمد، لا إله غيره، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله; وأن الجنة حق، والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها،
стр. 1073
وأن الله يبعث من في القبور; وأن الله تعالى مستو على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وأن له وجها كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْأِكْرَامِ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٧] ، وأن له يدين كما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] ، وأن له عينين بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [سورة القمر آية: ١٤] ، وأن من زعم أن اسم الله غيره كان ضالا، وأن لله علما كما قال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٦] .
ونثبت لله قدرة، ونثبت له السمع، والبصر، ولا ننفي ذلك كما نفته المعتزلة، والخوارج، والجهمية; ونقول: إن كلام الله غير مخلوق، وأنه لا يكون شيء في الأرض، من خير، أو شر إلا ما شاء الله، وأن أعمال العباد مخلوقة لله، مقدرة له، كما قال: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٩٦] وأن الخير والشر بقضاء الله وقدره ونقول: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأن من قال بخلق القرآن كان كافرا؛ وندين أن الله يرى بالأبصار يوم القيامة، كما يرى القمر ليلة البدر، يراه المؤمنون كما جاءت به الروايات عن رسول الله ﷺ ، ونقول: إن الكافرين - إذا رآه المؤمنون - هم عنه محجوبون، كما قال الله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين آية: ١٥] .
ونقول: إن الإسلام أوسع من الإيمان، وليس كل إسلام إيمانا، وندين أن الله تعالى مقلب القلوب، وأن القلوب
стр. 1074
بين أصبعين من أصابعه، وأنه يضع السماوات على أصبع، والأرضين على أصبع كما جاءت الرواية عن رسول الله ﷺ ، وأن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص; ونصدق جميع الروايات التي رواها أهل النقل، من النّزول إلى سماء الدنيا، وأن الرب يقول: " هل من سائل؟ هل من مستغفر؟ "١، وسائر ما نقلوه وأثبتوه، خلافا لما قاله أهل الزيغ والتضليل; ولا نبتدع في دين الله بدعة لم يأذن الله بها، ولا نقول على الله ما لا نعلم.
ونقول: إن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وأن الله يقرب من عباده كيف شاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] وكما قال: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [سورة النجم آية: ٨-٩] ... إلى أن قال: ونرى مفارقة كل داعية إلى بدعة، ومجانبة أهل الأهواء، ونحتج لما ذكرناه من قولنا، وما بقي منه، بابا بابا، وشيئا شيئا.
ثم قال ابن عساكر: فتأملوا رحمكم الله هذا الاعتقاد، ما أوضحه وأبينه، واعترفوا بفضل هذا الإمام الذي شرحه وبينه. انتهى; قال شمس الدين الذهبي ﵀: فلو انتهى أصحابنا المتكلمون، إلى مقالة أبي الحسن ولزموها، لأحسنوا، ولكنهم خاضوا كخوض حكماء الأوائل في الأشياء، ومشوا خلف المنطق، فلا حول ولا قوة إلا بالله.
ذكر قول أبي الحسن علي بن مهدي الطبراني
стр. 1075
المتكلم، تلميذ الأشعري: قال في كتاب مشكل الآيات له في باب قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] :
اعلم أن الله فوق السماء، فوق كل شيء، مستو على عرشه بمعنى أنه عال عليه، ومعنى الاستواء: الاعتلاء، كما تقول العرب: استويت على ظهر الدابة، واستويت على السطح، بمعنى علوته، واستوت الشمس على رأسي، واستوى الطير على قمة رأسي، بمعنى علا في الجو، فوجد فوق رأسي; فالقديم ﷻ ، عال على عرشه، يدلك على أنه في السماء، عال على عرشه، قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] ، وقوله: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، وزعم البلخي: أن استواء الله على العرش، هو الاستيلاء عليه مأخوذ من قول العرب: استوى بشر على العراق.... أي استولى عليها.
قال: ويدل على أن الاستواء - هاهنا - ليس بالاستيلاء، لأنه لو كان كذلك لم يكن ينبغي أن يخص العرش بالاستيلاء عليه دون سائر خلقه، إذ هو مستول على العرش وعلى الخلق، ليس للعرش مزية على ما وصفته; فبان بذلك فساد قوله; ثم يقال له أيضا: إن الاستواء ليس هو الاستيلاء الذي هو من قول العرب: استوى فلان، أي: استولى، إذا تمكن بعد أن لم يكن متمكنا، فلما كان الباري لا يوصف بالتمكن بعد أن لم يكن متمكنا، لم يصرف معنى الاستواء إلى الاستيلاء.
стр. 1076
ثم قال: فإن قيل: ما تقولون في قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] ؟ قيل له: معنى ذلك أنه فوق السماء على العرش كما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة التوبة آية: ٢] بمعنى على الأرض، وقال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه آية: ٧١] . فإن قيل: ما تقولون في قول الله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] ؟ قيل له: إن بعض القراء يجعل الوقف في (السماوات) ثم يبتدئ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] ، وكيفما كان، فلو أن قائلا قال: فلان بالشام والعراق، ملك، لدل على أن ملكه بالشام والعراق، لا أن ذاته فيهما.
ذكر قول الإمام الزاهد: أبي عبد الله بن بطة، قال في كتاب الإبانة - وهو ثلاثة مجلدات -: باب الإيمان بأن الله على عرشه، بائن من خلقه، وعلمه محيط بخلقه.
أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين، على أن الله على عرشه، فوق سماواته، بائن من خلقه; فأما قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٤] فهو كما قالت العلماء، واحتج الجهمي بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] فقال: معنا وفينا; وقد فسر العلماء أن ذلك علمه; ثم قال تعالى في آخرها: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] .
ثم إن ابن بطة سرد بأسانيده أقوال من قال إنه علمه،
стр. 1077
فذكره عن الضحاك، والثوري، ونعيم بن حماد، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه.
وكان ابن بطة، من كبار الأئمة ﵁، سمع من البغوي وطبقته، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.
ذكر قول الإمام أبي محمد بن أبي زيد القيرواني، شيخ المالكية في وقته، قال في أول رسالته المشهورة، في مذهب الإمام مالك: وأنه تعالى فوق عرشه المجيد، بذاته، وأنه في كل مكان بعلمه، قال الإمام أبو بكر محمد بن وهب المالكي، شارح رسالة ابن أبي زيد، لما ذكر قوله - وأنه فوق عرشه المجيد -: معنى (فوق) و (على) واحد عند جميع العرب; ثم ساق الآيات، والأحاديث - إلى أن قال -: وقد تأتي لفظة (في) في لغة العرب، بمعنى (فوق) ، كقوله: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ [سورة الملك آية: ١٥] ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] قال أهل التأويل، يريد فوقها; وهو قول مالك مما فهمه عن التابعين، مما فهموه عن الصحابة، مما فهموه عن النبي ﷺ أن الله في السماء، يعني فوقها; فكذلك قال الشيخ أبو محمد، إنه فوق عرشه; ثم بين أن علوه فوق عرشه، إنما هو بذاته، بائن عن جميع خلقه، بلا كيف، وهو بكل مكان بعلمه، لا بذاته، فلا تحويه الأماكن، لأنه أعظم منها، انتهى كلام الشارح.
وذكر ابن أبي زيد في كتابه المفرد في السنة تقرير
стр. 1078
العلو، واستواء الرب على العرش بذاته، وقرره أتم تقرير; وقال في مختصر المدونة: وأنه تعالى فوق عرشه بذاته، فوق سماواته دون أرضه.
قال الحافظ الذهبي، لما ذكر قول ابن أبي زيد: وأنه تعالى فوق عرشه المجيد بذاته، قد تقدم مثل هذه العبارة، عن أبي جعفر بن أبي شيبة، وعثمان بن سعيد الدارمي. وكذلك أطلقها يحيى بن عمار، واعظ سجستان في رسالته، والحافظ أبو نصر السجزي في كتاب الإبانة له، فإنه قال: وأئمتنا كالثوري، ومالك، والحمادين، وابن عيينة، وابن المبارك، والفضيل، وأحمد، وإسحاق، متفقون على أن الله فوق العرش بذاته، وأن علمه بكل مكان; وكذلك أطلقها ابن عبد البر، وكذا عبارة شيخ الإسلام: أبي إسماعيل الأنصاري، فإنه قال في أخبار شتى: إن الله في السماء السابعة، على العرش بنفسه، وكذا قال أبو الحسن الكرجي، الشافعي، تلك القصيدة:
عقائدهم أن الإله بذاته على عرشه مع علمه بالغوائب
وعلى هذه القصيدة مكتوب بخط العلامة تقي الدين ابن الصلاح: هذه عقيدة أهل السنة، وأصحاب الحديث وكذا أطلق هذه اللفظة: أحمد بن ثابت الطرقي الحافظ، والشيخ عبد القادر الجيلي، والفتى عبد العزيز القحيطي وطائفة، والله تعالى خالق كل شيء، ومدبر الخلائق بذاته، لا معين
стр. 1079
ولا موازر وإنما أراد ابن أبي زيد وغيره التفرقة بين كونه معنا، وبين كونه فوق العرش، فهو معنا بالعلم، وهو على العرش، كما أعلمنا حيث يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء، كما قدمنا، وبلا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام; وكان ابن أبي زيد من العلماء العاملين بالمغرب، وكان يلقب بمالك الصغير، وكان غاية في معرفة الأصول، وقد نقموا عليه في قوله بذاته، فليته تركه، انتهى كلام الذهبي.
ذكر قول القاضي أبي بكر ابن الطيب الباقلاني، الأشعري:
قال في كتابه التمهيد في أصول الدين - وهو من أشهر كتبه -:فإن قال قائل: فهل تقولون إن الله في كل مكان؟ قلنا: معاذ الله، بل هو مستو على عرشه كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] ، ولو كان في كل مكان لكان في جوف الإنسان، وفي فمه، وفي الحشوش، والمواضع القذرة، التي يرغب عن ذكرها، تعالى الله عن ذلك.
ثم قال في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٤] ، المراد: أنه إله عند أهل السماء، وإله عند أهل الأرض، كما تقول العرب: فلان
стр. 1080
نبيل، مطاع في المصرين; أي: عند أهلهما، وليس يعنون أن ذات المذكور، بالحجاز والعراق موجودة; وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٨] يعني: بالحفظ، والنصر، والتأييد; ولم يرد أن ذاته معهم، تعالى; وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [سورة طه آية: ٤٦] محمول على هذا التأويل; وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] يعني أنه عالم بهم، وبما خفي من سرهم ونجواهم.
وهذا إنما يستعمل كما ورد به القرآن، فلذلك لا يجوز أن يقال، قياسا على هذا: إن الله بالقيروان، ومدينة السلام، ودمشق، وإنه مع الثور، والحمار، وإنه مع الفساق، ومع المصعدين إلى حلوان، قياسا على قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [سورة النحل آية: ١٢٨] فوجب: التأويل على ما وصفنا أولا، ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه، كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ... ..................
لأن الاستيلاء هو القدرة والقهر; والله تعالى لم يزل قادرا قاهرا; وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ يقتضي: استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فبطل ما قالوه.
ثم قال: باب فإن قال قائل: ففصلوا لنا صفات ذاته من صفات أفعاله، لنعرف ذلك; قيل له: صفات
стр. 1081
ذاته هي التي لم يزل، ولا يزال موصوفا بها، وهي: الحياة، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والبقاء، والوجه، واليدان، والعينان، والغضب، والرضاء; وصفات فعله، هي: الخلق، والرزق، والعدل، والإحسان، والتفضل، والإنعام، والثواب، والعقاب، والحشر، والنشر; وكل صفة كان موجودا قبل فعله لها; ثم ساق الكلام في الصفات.
وقال في كتاب الذب عن أبي الحسن الأشعري: كذلك في قولنا، في جميع المروي عن رسول الله ﷺ في صفات الله; إذ صح من إثبات اليدين، والوجه، والعينين، ونقول: إن الله يأتي يوم القيامة في ظلل من الغمام وإنه يَنْزل إلى السماء الدنيا كما في الحديث، وإنه مستو على عرشه ... إلى أن قال: وقد بينا دين الأئمة وأهل السنة أن هذه الصفات تمر كما جاءت بغير تكييف ولا تحديد ولا تجنيس، ولا تصوير، كما روي عن الزهري، عن مالك في الاستواء، فمن تجاوز هذا، فقد تعدى، وابتدع، وضل. انتهى.
قال الحافظ شمس الدين الذهبي - لما ذكر كلامه هذا - فهذا: نص هذا الإمام، وأين مثله في تبحره، وذكائه، وتبصره بالملل والنحل؟ فلقد امتلأ الوجود بقوم لا يدرون ما السلف، ولا يعرفون إلا السلب، ونفي الصفات وردها،
стр. 1082
صم، بكم، غتم، عجم، يدعون إلى العقل، ولا يكونون على النقل; فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ذكر قول الإمام أبي عمر: محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي:
قال في كتاب الأصول - وهو مجلدان -: أجمع المسلمون من أهل السنة أن الله استوى على عرشه بذاته. وقال في هذا الكتاب أيضا: أجمع أهل السنة أن الله على العرش على الحقيقة، لا على المجاز; ثم ساق بسنده عن مالك، قوله: الله في السماء، وعلمه في كل مكان; ثم قال في هذا الكتاب: وأجمع المسلمون من أهل السنه، على أن معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٤] ونحو ذلك من القرآن، أن ذلك علمه، فإن الله فوق السماوات بذاته، مستو على عرشه كيف شاء، هذا لفظه في كتابه.
فانظر إلى حكاية إجماع المسلمين من أهل السنة، على أن الله استوى على عرشه بذاته، وأطلق هذه اللفظة غير واحد من أئمة السنة، وحكاها كثير من العلماء عن الأئمة الكبار، كما تقدم عن الحافظ أبي نصر السجزي وغيره; فكيف نقموها على ابن أبي زيد وحده لما ذكرها في رسالته؟ ! كما ذكره الذهبي; وكان الطلمنكي هذا من كبار الحفاظ، وأئمة القراء بالأندلس، عاش بضعا وثمانين سنة، وتوفي سنة تسع وعشرين وأربعمائة.
стр. 1083
ذكر قول شيخ الإسلام أبي عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن النيسابوري الصابوني: قال في رسالته في السنة:
ويعتقد أصحاب الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سماواته، على عرشه، كما نطق به كتابه، وعلماء الأمة، وأعيان الأئمة من السلف، لم يختلفوا أن الله على عرشه، وعرشه فوق سماواته، وإمامنا الشافعي احتج في المبسوط، في مسألة إعتاق الرقبة المؤمنة في الكفارة بخبر معاوية بن الحكم: "فسأل رسول الله ﷺ الأمة السوداء، ليعرف أمؤمنة أم لا، فقال لها: أين ربك؟ فأشارت إلى السماء، إذ كانت أعجمية، فقال: أعتقها فإنها مؤمنة "، حكم بإيمانها لما أقرت بأن ربها في السماء، وعرفت ربها بصفة العلو والفوقية.
كان الصابوني هذا: فقيها محدثا، وصوفيا واعظا، كان شيخ نيسابور في زمانه، له تصانيف حسنة، سمع من أصحاب ابن خزيمة، والسراج، وتوفي سنة تسع وأربعين وأربعمائة.
ذكر قول الإمام، العالم العلامة، حافظ المغرب، إمام السنة في زمانه، أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري الأندلسي، صاحب التمهيد والاستذكار، والتصانيف النفيسة.
قال في كتاب التمهيد في شرح الحديث الثامن لابن
стр. 1084
شهاب: حديث النّزول هذا صحيح الإسناد لا يختلف أهل الحديث في صحته وفيه دليل على أن الله في السماء، على العرش من فوق سبع سماوات كما قالت الجماعة، وهو حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله في كل مكان وليس على العرش. والدليل على صحة ما قاله أهل الحق في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] ، ومعنى: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يعني على العرش، وقد تكون (في) بمعنى (على) ، ألا ترى إلى قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة التوبة آية: ٢] أي: على الأرض، وكذلك قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه آية: ٧١] ، وهذا يعضده قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] وما كان مثله في الآيات، وهذه الآيات كلها واضحات في إبطال قول المعتزلة.
وأما دعواهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له، لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة: المغالبة، والله لا يغلبه أحد، ومن حق الكلام أن يحمل على الحقيقة، حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع، ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب، من معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند
стр. 1085
السامعين.
والاستواء معلوم في اللغة مفهوم، وهو: العلو والارتفاع على الشيء، والاستقرار، والتمكن فيه، قال أبو عبيدة في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] قال: علا، وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي: استقر، واحتج بقوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [سورة القصص آية: ١٤] أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد; قال ابن عبد البر: والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [سورة الزخرف آية: ١٣] الآية، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٢٨] ، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ﴾ [سورة هود آية: ٤٤] .
وأما من نزع منهم بحديث يرويه عبد الله بن داود الواسطي، عن إبراهيم بن عبد الصمد، عن عبد الله بن مجاهد عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] استولى على جميع بريته، فلا يخلو منه مكان.
فالجواب: أن هذا حديث منكر، ونقلته مجهولون، ضعفاء; فأما عبد الله بن داود الواسطي، وابن مجاهد، فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف; وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل
стр. 1086
هذا الحديث لو عقلوا؟! أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [سورة آية: ٣٦] فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبا.
فإن احتج بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٤] وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] ، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، زعموا أن الله في كل مكان بنفسه، وبذاته، تبارك اسمه وتعالى جده.
قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم، وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات، على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك: أنه في السماء إله معبود أهل السماء، وفي الأرض إله معبود أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر التّنْزيل، يشهد أنه على العرش; فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر; وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٤] ، فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع.
ومن الحجة أيضا: في أنه على العرش، فوق السماوات السبع، أن الموحدين أجمعين، من العرب
стр. 1087
والعجم، إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين لها، مشيرين بها إلى السماء، يستغيثون الله ربهم ﵎; هذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة، من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته; وقد " قال ﷺ للأمة السوداء: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: من أنا؟ قالت رسول الله، قال: فأعتقها، فإنها مؤمنة "١ فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفعها رأسها إلى السماء.
قال: وأما احتجاجهم بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، قال: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وذكر سنيد عن الضحاك في هذه الآية، قال: هو على العرش، وعلمه معهم أينما كانوا; قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله; وقال عبد الله بن مسعود: "ما بين السماء والأرض، مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى أخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء، مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله ﵎ على العرش، يعلم أعمالكم" وقد ذكر هذا الكلام، أو قريبا منه، في كتاب الاستذكار.
وقال أبو عمر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين، الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى:
﴿مَا
стр. 1088
يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] هو على العرش، وعلمه في كل مكان; وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، وقال أيضا: أهل السنة مجمعون، على الإقرار بالصفات، الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك.
وأما الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة; ويزعمون: أن من أقر بها مشبه; وهم عند من أقر بها نافون للمعبود; قال الحافظ الذهبي: صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم ولقد كان أبو عمر بن عبد البر، من بحور العلم، ومن أئمة الأثر، قل أن ترى العيون مثله; واشتهر فضله في الأقطار، مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن ست وسبعين سنة.
ذكر قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي:
قال في شرح الملخص - لما ذكر حديث النّزول -: وفي هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة١ ولا تكييف كما قال أهل العلم، ودليل قولهم قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
стр. 1089
[سورة الأعراف آية: ٥٤] ،
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [سورة المعارج آية: ٢-٣] والعروج هو الصعود; قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان; يريد بقوله: في السماء أي: على السماء - إلى أن قال -: وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء; وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء; لأن الاستيلاء في اللغة بعد المغالبة، والله لا يغالبه أحد; ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك; وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع ادعاء ذلك ما يجب التسليم له; ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين; والاستواء معلوم في اللغة، وهو العلو والارتفاع، والتمكن في الشيء.
فإن احتج أحد عليه وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة، واحتوت فهو مخلوق; قيل: لا يلزم ذلك، لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ، ولأنه لا يقاس بخلقه، كان قبل الأمكنة; وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل، لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ ! أو يجري
стр. 1090
بينه وبينهم تمثيل، أو تشبيه؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فإن قال قائل: وصفنا ربنا بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الله الأماكن، فصار في مكان; وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال، إذا زال عن صفته في الأزل، صار في مكان دون مكان، قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل مكان، فإن قال: إنه في الأزل في كل مكان كما هو الآن; فقد أوجد الأشياء والأماكن معه في أزليته، وهذا فاسد.
فإن قال: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟ ! قيل له: أما الانتقال وتغير الحال، فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا، وكذلك نقلته لا توجب مكانا، وليس هو في ذلك كالخلق، ولكنا نقول: استوى من لا مكان، ولا نقول انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحد، كما نقول: له عرش، ولا نقول له سرير; ونقول: هو الحليم، ولا نقول هو العاقل; ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول صديق إبراهيم; لأنا لا نسميه، ولا نصفه، ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه، ولا ندفع ما وصف به نفسه، لأنه دفع للقرآن.