هذا الحديث لو عقلوا؟! أما سمعوا قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [سورة آية: ٣٦] فدل على أن موسى ﵇ كان يقول: إلهي في السماء، وفرعون يظنه كاذبا.
فإن احتج بقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٤] وبقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] ، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، زعموا أن الله في كل مكان بنفسه، وبذاته، تبارك اسمه وتعالى جده.
قيل لهم: لا خلاف بيننا وبينكم، وبين سائر الأمة أنه ليس في الأرض دون السماء بذاته، فوجب حمل هذه الآيات، على المعنى الصحيح المجمع عليه، وذلك: أنه في السماء إله معبود أهل السماء، وفي الأرض إله معبود أهل الأرض، وكذا قال أهل العلم بالتفسير، وظاهر التّنْزيل، يشهد أنه على العرش; فالاختلاف في ذلك ساقط، وأسعد الناس به من ساعده الظاهر; وأما قوله في الآية الأخرى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٤] ، فالإجماع والاتفاق قد بين أن المراد بأنه معبود أهل الأرض، فتدبر هذا فإنه قاطع.
ومن الحجة أيضا: في أنه على العرش، فوق السماوات السبع، أن الموحدين أجمعين، من العرب
стр. 1087
والعجم، إذا كربهم أمر ونزلت بهم شدة، رفعوا وجوههم إلى السماء، ونصبوا أيديهم رافعين لها، مشيرين بها إلى السماء، يستغيثون الله ربهم ﵎; هذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة، من أن يحتاج إلى أكثر من حكايته; وقد " قال ﷺ للأمة السوداء: أين الله؟ فأشارت إلى السماء، ثم قال لها: من أنا؟ قالت رسول الله، قال: فأعتقها، فإنها مؤمنة "١ فاكتفى رسول الله ﷺ منها برفعها رأسها إلى السماء.
قال: وأما احتجاجهم بقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، قال: هو على العرش، وعلمه في كل مكان، وذكر سنيد عن الضحاك في هذه الآية، قال: هو على العرش، وعلمه معهم أينما كانوا; قال: وبلغني عن سفيان الثوري مثله; وقال عبد الله بن مسعود: "ما بين السماء والأرض، مسيرة خمسمائة عام، وما بين كل سماء إلى أخرى مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء السابعة إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين الكرسي إلى الماء، مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله ﵎ على العرش، يعلم أعمالكم" وقد ذكر هذا الكلام، أو قريبا منه، في كتاب الاستذكار.
وقال أبو عمر أيضا: أجمع علماء الصحابة والتابعين، الذين حمل عنهم التأويل، قالوا في تأويل قوله تعالى:
﴿مَا
стр. 1088
يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] هو على العرش، وعلمه في كل مكان; وما خالفهم في ذلك أحد يحتج بقوله، وقال أيضا: أهل السنة مجمعون، على الإقرار بالصفات، الواردة في الكتاب والسنة، وحملها على الحقيقة، لا على المجاز، إلا أنهم لم يكيفوا شيئا من ذلك.
وأما الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، فكلهم ينكرها، ولا يحمل منها شيئا على الحقيقة; ويزعمون: أن من أقر بها مشبه; وهم عند من أقر بها نافون للمعبود; قال الحافظ الذهبي: صدق والله، فإن من تأول سائر الصفات، وحمل ما ورد منها على مجاز الكلام، أداه ذلك السلب إلى تعطيل الرب، وأن يشابه المعدوم ولقد كان أبو عمر بن عبد البر، من بحور العلم، ومن أئمة الأثر، قل أن ترى العيون مثله; واشتهر فضله في الأقطار، مات سنة ثلاث وستين وأربعمائة، عن ست وسبعين سنة.
ذكر قول الإمام أبي القاسم عبد الله بن خلف المقري الأندلسي:
قال في شرح الملخص - لما ذكر حديث النّزول -: وفي هذا الحديث دليل على أنه تعالى في السماء على العرش فوق سبع سماوات من غير مماسة١ ولا تكييف كما قال أهل العلم، ودليل قولهم قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾
стр. 1089
[سورة الأعراف آية: ٥٤] ،
وقوله: ﴿لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ﴾ [سورة المعارج آية: ٢-٣] والعروج هو الصعود; قال مالك بن أنس: الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو من علمه مكان; يريد بقوله: في السماء أي: على السماء - إلى أن قال -: وكل ما قدمت دليل واضح في إبطال قول من قال بالمجاز في الاستواء; وأن الاستواء بمعنى الاستيلاء; لأن الاستيلاء في اللغة بعد المغالبة، والله لا يغالبه أحد; ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته، حتى تتفق الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك; وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه، ما لم يمنع ادعاء ذلك ما يجب التسليم له; ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبادات، وجل الله أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها، مما يصح معناه عند السامعين; والاستواء معلوم في اللغة، وهو العلو والارتفاع، والتمكن في الشيء.
فإن احتج أحد عليه وقال: لو كان كذلك لأشبه المخلوقات، لأن ما أحاطت به الأمكنة، واحتوت فهو مخلوق; قيل: لا يلزم ذلك، لأنه تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ، ولأنه لا يقاس بخلقه، كان قبل الأمكنة; وقد صح في العقول وثبت بالدلائل أنه كان في الأزل، لا في مكان، وليس بمعدوم، فكيف يقاس على شيء من خلقه؟ ! أو يجري
стр. 1090
بينه وبينهم تمثيل، أو تشبيه؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
فإن قال قائل: وصفنا ربنا بأنه كان في الأزل لا في مكان، ثم خلق الله الأماكن، فصار في مكان; وفي ذلك إقرار منا بالتغيير والانتقال، إذا زال عن صفته في الأزل، صار في مكان دون مكان، قيل له: وكذلك زعمت أنت أنه كان لا في مكان، ثم صار في كل مكان، فقد تغير عندك معبودك، وانتقل من لا مكان إلى كل مكان، فإن قال: إنه في الأزل في كل مكان كما هو الآن; فقد أوجد الأشياء والأماكن معه في أزليته، وهذا فاسد.
فإن قال: فهل يجوز عندك أن ينتقل من لا مكان في الأزل إلى مكان؟ ! قيل له: أما الانتقال وتغير الحال، فلا سبيل إلى إطلاق ذلك عليه، لأن كونه في الأزل لا يوجب مكانا، وكذلك نقلته لا توجب مكانا، وليس هو في ذلك كالخلق، ولكنا نقول: استوى من لا مكان، ولا نقول انتقل، وإن كان المعنى في ذلك واحد، كما نقول: له عرش، ولا نقول له سرير; ونقول: هو الحليم، ولا نقول هو العاقل; ونقول: خليل إبراهيم، ولا نقول صديق إبراهيم; لأنا لا نسميه، ولا نصفه، ولا نطلق عليه إلا ما سمى به نفسه، ولا ندفع ما وصف به نفسه، لأنه دفع للقرآن.
стр. 1091
ذكر قول الحافظ: أبي بكر الخطيب رحمه الله تعالى
قال: أما الكلام في الصفات، فمذهب السلف: إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، والكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله; فإذا كان إثبات رب العالمين معلوما، فإنما هو إثبات وجود، لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف; فإذا قلنا: يد، وسمع، وبصر، فإنما هو إثبات صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول إن معنى اليد: القدرة، ولا أن معنى، السمع، والبصر: العلم; ولا نقول: إنها جوارح وأدوات للفعل، ولا تشبه بالأيدي، والأسماع، والأبصار التي هي جوارح، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ٤] . انتهى.
قال الحافظ الذهبي: المراد بظاهرها أي: لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة، غير ما وضعت له; كما قال مالك وغيره: الاستواء معلوم; وكذلك القول في السمع، والبصر، والكلام، والإرادة، والوجه، ونحو ذلك، هذه الأشياء معلومة فلا تحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في
стр. 1092
جميعها مجهول عندنا; قال: والمتأخرون من أهل النظر قالوا مقالة مولدة، ما علمت أحدا سبقهم إليها; قالوا: هذه الصفات تمر كما جاءت ولا تؤول، مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد.
فتفرع من هذا أن الظاهر يعنى به أمران: أحدهما: أنه لا تأويل غير دلالة الخطاب، كما قال السلف: الاستواء معلوم; وكما قال سفيان، وغيره: قراءتها تفسيرها، يعني أنها بينة معروفة، واضحة في اللغة، لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا مذهب السلف، مع اتفاقهم أنها لا تشبه صفات البشر بوجه، إذ الباري لا مثل له في ذاته ولا في صفاته. الثاني: أن ظاهرها هو الذي يتشكل في الخيال من الصفة، كما يتشكل في الذهن من وصف البشر، فهذا غير مراد; فإن الله فرد صمد ليس له نظير، وإن تعددت صفاته فإنها حق، ولكنها ما لها مثل ولا نظير، فمن الذي عاينه ونعته لنا؟
والله إنا لعاجزون، كالون، حائرون، باهتون، في حد الروح التي فينا، وكيف تعرج كل ليلة، إذا توفاها باريها، وكيف يرسلها، وكيف تنتقل بعد الموت؟ وكيف حياة الشهيد المرزوق عند ربه بعد قتله؟ وكيف حياة النبيين الآن؟ وكيف شاهد النبي ﷺ أخاه موسى يصلي في قبره؟ ثم رآه في السماء السادسة، وحاوره، وأشار إليه بمراجعة رب العالمين، وطلب التخفيف منه؟ وكيف ناظر موسى أباه آدم؟ وحجه آدم بالقدر
стр. 1093
السابق؟ وبأن اللوم بعد التوبة وقبولها لا فائدة فيه؟
وكذلك نعجز عن وصف هيئاتنا في الجنة، ووصف الحور العين، فكيف بنا إذا انتقلنا إلى الملائكة وذواتهم، وكيفيتها، وأن بعضهم يمكنه أن يلتقم الدنيا في لقمة، مع رونقهم، وحسنهم، وصفاء جوهرهم النوراني؟ فالله أعلى وأعظم; وله المثل الأعلى، والكمال المطلق، ولا مثل له، وأصلا: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٢] . انتهى كلام الذهبي; توفي الخطيب سنة ثلاث وستين وأربعمائة، ولم يكن ببغداد مثله في معرفة هذا الشأن.
ذكر قول الإمام عالم المشرق أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الشافعي.
قال في كتاب الرسالة النظامية: اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر، فرأى بعضهم: تأويلها والتزام ذلك في آي الكتاب، وما يصح من السنن; وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب ، والذي نرتضيه دينا، وندين الله به عقيدة: اتباع سلف الأمة، والدليل القاطع السمعي في ذلك، وأن إجماع الأمة حجة متبعة، فلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغا أو محتوما، لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.
وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن
стр. 1094
التأويل، كان ذلك هو الوجه المتبع، فلتجر آية الاستواء، وآية المجيء، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] على ذلك.
قال الإمام أبو الفتح محمد بن علي: دخلنا على الإمام أبي المعالي الجويني نعوده في مرض موته، فقال لنا: اشهدوا علي أني قد رجعت عن كل مقالة قلتها أخالف فيها ما قال السلف الصالح، وإني أموت على ما تموت عليه عجائز نيسابور; توفي إمام الحرمين سنة ثمان وسبعين وأربعمائة، وله ستون سنة، وكان من بحور العلم في الأصول والفروع، يتوقد ذكاء.
ذكر قول الإمام الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الإصبهاني مصنف كتاب: الترغيب والترهيب:
قال في كتاب الحجة: قال علماء السنة: إن الله على عرشه، بائن من خلقه وقالت المعتزلة: هو بذاته في كل مكان. قال: وروي عن ابن عباس، في تفسير قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] قال: هو على عرشه، وعلمه في كل مكان، ثم ساق الآثار; قال: وزعم هؤلاء، أن معنى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] أي ملكه، وأنه لا اختصاص له بالعرش أكثر مما له بالأمكنة، وهذا إلغاء لتخصيص العرش وتشريفه.
стр. 1095
قال أهل السنة: استوى على العرش، بعد خلق السماوات والأرض، على ما ورد به النص، وليس معناه: المماسة، بل هو مستو على عرشه بلا كيف، كما أخبر عن نفسه; قال: وزعم هؤلاء، أنه لا يجوز الإشارة إلى الله بالرؤوس، والأصابع، فإن ذلك يوجب التحديد؛ وأجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن، فزعم هؤلاء، أن ذلك بمعنى: علو الغلبة، لا علو الذات; وعند المسلمين إن لله علو الغلبة، والعلو من سائر وجوه العلو; لأن العلو صفة مدح، فثبت أن لله تعالى علو الذات، وعلو الصفات، وعلو القهر والغلبة.
وفي منعهم الإشارة إلى الله تعالى من جهة الفوق، خلاف لسائر الملل لأن جماهير المسلمين وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله من جهة الفوق في الدعاء والسؤال واتفاقهم بأجمعهم على ذلك حجة وقد أخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [سورة آية: ٣٦-٣٧] فكان فرعون قد فهم عن موسى أنه يثبت إلها فوق السماء، حتى رام بصرحه أن يطلع إليه; واتهم موسى بالكذب في ذلك; والجهمية لا تعلم أن الله فوقها بوجود ذاته، فهم أعجز فهما من فرعون، بل وأضل; وقد صح عن النبي ﷺ أنه حكم بإيمان الجارية حين قالت: إن الله في السماء، وحكم الجهمي بكفر من يقول ذلك. انتهى كلام أبي
стр. 1096
القاسم ﵀، توفي سنة خمس وثلاثين وخمسمائة.
ذكر كلام الإمام العالم العلامة أبي عبد الله القرطبي، صاحب التفسير الكبير.
قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] : هذه مسألة: قد بينا فيها كلام العلماء في كتاب الأسني في شرح الأسماء الحسنى، وذكرنا فيها أربعة عشر قولا ... إلى أن قال: وقد كان السلف الأول ﵃ لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك، بل نطقوا هم والكافة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله، ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على العرش حقيقة، وخص عرشه بذلك لأنه أعظم المخلوقات، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم - يعني في اللغة - والكيف مجهول، والسؤال عن ذلك بدعة.
قال الحافظ الذهبي: وقال القرطبي أيضا في الاستواء: الأكثر من المتقدمين، والمتأخرين المتكلمين يقولون: إذا وجب تنْزيه الباري ﷻ عن الجهة والتحيز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة أنه متى اختص بجهة، أن يكون في مكان وحيز، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للتحيز والتغير والحدوث; هذا قول المتكلمين.
ثم قال الذهبي: قلت: نعم، هذا ما اعتمده نفاة
стр. 1097
الرب ، أعرضوا عن الكتاب والسنة وأقوال السلف، وفطر الخلائق; وإنما يلزم ما ذكروه في حق الأجسام، والله تعالى لا مثل له، ولازم صرائح النصوص حق، ولكنا لا نطلق عبارة إلا بأثر.
ثم نقول: لا نسلم أن كون الباري على عرشه فوق السماوات يلزم منه أنه في حيز وجهة، إذ ما دون العرش يقال فيه حيز وجهات، وما فوقه فليس هو كذلك، والله فوق عرشه كما أجمع عليه الصدر الأول، ونقله عنهم الأئمة، وقالوا ذلك رادين على الجهمية القائلين بأنه في كل مكان، محتجين بقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٤] ؛ فهذان القولان هما اللذان كانا في زمن التابعين وتابعيهم.
فأما القول الثالث المتولد بآخره بأنه تعالى ليس في الأمكنة، ولا خارجا عنها، ولا فوق عرشه، ولا هو متصل بالخلق، ولا بمنفصل عنهم، ولا ذاته المقدسة متميزة، ولا بائنةعن مخلوقاته، ولا في الجهات، ولا خارجا عن الجهات، ولا، ولا، فهذا شيء لا يعقل ولا يفهم، مع ما فيه من مخالفات الآيات والأخبار؛ ففر بدينك، وإياك وآراء المتكلمين؛ وآمن بالله وما جاء عن الله على مراد الله، وفوض أمرك إلى الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. انتهى كلام الذهبي.
стр. 1098
ذكر قول الإمام محيي السنة: أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي، صاحب معالم التنْزيل، قال عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] : قال الكلبي ومقاتل: استقر; وقال أبو عبيدة: صعد; وأولت المعتزلة الاستواء بالاستيلاء; وأما أهل السنة فيقولون: الاستواء على العرش صفة الله بلا كيف يجب الإيمان به، وقال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] : قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف: ارتفع إلى السماء وقال في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٠] : الأولى في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها، ويكل علمها إلى الله ويعتقد أن الله منَزّه عن سمات الحدوث؛ على ذلك مضت أئمة السلف وعلماء السنة. وقال في قوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] : بالعلم. كان محيي السنة من كبار أئمة مذهب الشافعي، زاهدا ورعا، توفي سنة عشر وخمسمائة، وقد قارب الثمانين.
قال الحافظ الذهبي - لما ذكر قول الكلبي، ومقاتل المتقدم -: لا يعجبني قوله: استقر; بل أقول كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم. انتهى كلامه ﵀. وهذا الذي
стр. 1099
حكاه البغوي عن الكلبي ومقاتل، ذكره ابن جرير، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] قال: ارتفع وعلا، وقال الشيخ أبو العباس بن تيمية ﵀: وقد علم أن بين مسمى الاستواء، والاستقرار، والقعود، فروقا معروفة.
ذكر قول الإمام، العالم العلامة، الحافظ عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير: قال في تفسيره في سورة الأعراف: وأما قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، فللناس في ذلك المقام مقالات كثيرة جدا، ليس هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين، قديما وحديثا، وهو: إمرارها كما جاءت، من غير تكييف، ولا تشبيه، ولا تعطيل; والظاهر المتبادر إلى أذهان المشبهين منفي عن الله، فإن الله لا يشبهه شيء من خلقه; و ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] .
بل الأمر كما قال الأئمة، منهم نعيم بن حماد الخزاعي، شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيها; فمن أثبت لله تعالى ما وردت به الآيات الصريحة والأخبار الصحيحة، على الوجه الذي يليق بجلال الله تعالى، ونفى عن الله النقائص، فقد سلك سبيل الهدى. انتهى كلام الحافظ ابن كثير، وفيما نقلناه من كلام الأئمة خير كثير. ولو تتبعنا كلام العلماء في
стр. 1100
هذا الباب، لحصل منه مجلد كبير.
وقد أضربنا عن كلام الحنابلة صفحا، فلم ننقل منه إلا اليسير، لأنه قد اشتهر عنهم إثبات الصفات، ونفي التكييفات; فمذهبهم بين الناس مشهور، وفي كتبهم مسطور، وكلامهم في هذا الباب أشهر من أن يذكر، وأكثر من أن يسطر، ولهذا كان أهل البدع يسمونهم الحشوية، لأنهم قد أبطلوا التأويل، واتبعوا ظاهر التَنْزيل، وخالفوا أهل البدع والتأويل. وأما غيرهم من أهل المذاهب، فكثير منهم قد خالفوا طريقة السلف، وسلكوا مسلك الخلف; فلهذا نقلنا كلام أئمة الحنفية، والمالكية، والشافعية، وأئمة أهل الكلام، كابن كلاب، والأشعري، وأبي الحسن بن مهدي، والباقلاني، ليعلم الواقف على ذلك، أن هؤلاء الأئمة متبعون للسلف، يثبتون لله الصفات، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، ويعرف أن هذا الاعتقاد الذي حكيناه عن شيخنا محمد بن عبد الوهاب وأتباعه، هو الاعتقاد الحق الذي دل عليه الكتاب والسنة، وكلام الصحابة وسائر الأمة.
فنحن لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله; لا نتجاوز القرآن والحديث؛ وما تأوله السابقون الأولون تأولناه، وما أمسكوا عنه أمسكنا عنه; ونعلم أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فكما نتيقن أن الله سبحانه له ذات حقيقة، وله
стр. 1101
أفعال حقيقة، فكذلك له صفات حقيقة، وليس كمثله شيء، وكل ما أوجب نقصا أو حدوثا، فإن الله منَزّه عنه حقيقة; فإنه سبحانه مستحق للكمال الذي لا غاية فوقه، ويمتنع الحدوث لامتناع العدم عليه; فلا نمثل صفات الله بصفات الخلق، كما أنا لا نمثل ذاته بذات الخلق، ولا ننفي عنه ما وصف به نفسه، ولا نعطل أسماءه الحسنى وصفاته العلى; بخلاف ما عليه أهل التعطيل والتمثيل.
فالمعطلون لم يفهموا من صفات الله إلا ما هو اللائق بالمخلوق، فشرعوا في نفي تلك المفهومات بأنواع التأويل، فعطلوا حقائق الأسماء والصفات، وشبهوا الرب ﵎ بالجمادات العارية عن صفات الكمال ونعوت الجلال; فجمعوا بين التعطيل والتمثيل; عطلوا أولا، ومثلوا آخرا; والممثلون عطلوا حقيقة ما وصف الله به نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال; وشبهوا صفاته بصفات خلقه; فمثلوا أولا، وعطلوا آخرا.
فمن فهم من نصوص الكتاب والسنة في صفات الرب جل وعلا ما يفهمه من صفات المخلوقين، فقد ضل في عقله ودينه، وشبه الله بخلقه، تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] . ومن نفى ظاهر النصوص، وزعم أنه ليس لها في الباطن مدلول، هو صفة لله، وأن الله لا صفة له ثبوتية، أو يثبت بعض الصفات كالصفات السبع، ويؤول ما عداها، كقوله:
стр. 1102
استوى بمعنى استولى، أو بمعنى علو المكانة والقدر، وكقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [سورة المائدة آية: ٦٤] أي: نعمتاه، نعمة الدنيا، ونعمة الآخرة، ونحو ذلك مما قد عرف من مذهب المتكلمين، فهؤلاء نفاة الصفات.
ومذهبهم مأخوذ عن جهم بن صفوان؛ فإن أول من حفظ عنه إنكار الصفات هو الجعد بن درهم، وأخذها عنه الجهم بن صفوان وأظهرها، فنسبت مقالة الجهمية إليه; والجعد أخذ مقالته عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم، وأخذها طالوت عن لبيد بن الأعصم اليهودي الساحر الذي سحر النبي ﷺ . وكان انتشار مقالة الجهمية في المائة الثانية بسبب بشر بن غياث المريسي وطبقته; وكلام الأئمة، مثل مالك، وسفيان بن عيينة، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وغيرهم، في ذمه وتضليله كثير جدا.
وهذه التأويلات الموجودة اليوم بأيدي الناس، هي بعينها التأويلات التي ذكرها بشر المريسي في كتابه، وتلقاها عنه الخلف، ونصروها، وقرروها; وكثير منهم يحكي القولين، فيذكر مذهب السلف ومذهب الخلف; ثم يقول: مذهب السلف أسلم، ومذهب الخلف أعلم وأحكم، فصدق في قوله: مذهب السلف أسلم; وكذب وافترى في قوله: ومذهب الخلف أعلم وأحكم; بل مذهب السلف أسلم، وأعلم، وأحكم، كما تقدم تقريره.
стр. 1103
فنسأل الله أن يهدينا وإخواننا إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم، من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين; وأن يجنبنا طريق المنحرفين عن المنهج القويم، من المغضوب عليهم والضالين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
[جواب الشيخ عبد الرحمن بن حسن في الصفات]
سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، عما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ من صفات الكمال ونعوت الجلال، هل يقال في جميعها: صفات قائمة بالذات فقط؟ أو يقال ذلك في بعضها؟ ويقال في بعضها: صفات أفعال؟ فأجاب:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، يظهر بذكر ما كان عليه السلف الصالح، ﵃، ومتبوعيهم من أهل السنة والجماعة، وذكر اختلاف مَنْ بعد السلف في الأفعال الاختيارية، فنقول: اعلم أن السلف ﵃، من الصحابة والتابعين وأتباعهم، لا يرون توسعة الكلام في ذلك، لما قام في قلوبهم من معرفة الله بأسمائه وصفاته; ولم يكونوا يتحاشون عن إثبات ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ على ما يليق بالله سبحانه، تمسكا بالقرآن والأثر; فلا يشبهون الله بخلقه، ولا يحرفون معاني أسمائه
стр. 1104
وصفاته بلا علم.
وعلى هذا أئمة الإسلام بعدهم، كالأئمة الأربعة ومن في طبقتهم، ومن بعدهم من أئمة الحديث وغيرهم ممن سلك سبيلهم في العلم والدين، كما ينقله العلماء ﵏ ويروونه، كالأثرم صاحب الإمام أحمد، في كتاب السنة، وأبي بكر الخلال في كتاب السنة، بالسند المتصل عن الفضيل بن عياض ﵀، أنه كان يقول: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف، لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْوَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ [سورة آية: ١-٢-٣-٤] . فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه ... إلخ.
وقال أبو عثمان الصابوني، الملقب شيخ الإسلام، في رسالته المشهورة في السنة: ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا، من غير تشبيه له بنُزول المخلوقين، ولا تمثيل، ولا تكييف; بل: يثبتون له ما أثبته رسوله ﷺ وينتهون فيه إليه; وروى بإسناده عن إسحاق بن إبراهيم، قال: قال لي الأمير عبد الله بن طاهر: يا أبا يعقوب، هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ : "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا "١ كيف ينزل؟ قال: قلت: أعز الله الأمير، لا يقال لأمر الرب: كيف؟ إنما ينْزل بلا كيف. وبإسناده عن عبد الله بن المبارك، أنه سأله سائل عن النّزول ليلة النصف من شعبان؟ فقال
стр. 1105
عبد الله: يا ضعيف! ليلة النصف! يَنْزل في كل ليلة، فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن، كيف يَنْزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: يَنْزل كيف شاء.
وقال أبو عثمان الصابوني: فلما صح خبر النّزول، عن رسول الله ﷺ أقر به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النّزول، على ما قاله رسول الله ﷺ ولم يعتقدوا تشبيها له بنُزول خلقه، وعلموا، وعرفوا، وتحققوا، واعتقدوا: أن صفات الرب ﵎ لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما تقوله المشبهة والمعطلة، علوا كبيرا، ولعنهم لعنا كبيرا; فقلت: قد صنف الناس من أهل الحديث أتباع السلف في هذا المعنى مصنفات كثيرة، كالإمام أحمد، وبعض أصحابه، وعثمان بن سعيد الدارمي، وإمام الأئمة محمد بن خزيمة، وأبي بكر الأثرم، واللالكائي، وأبي عثمان الصابوني، وغيرهم من أئمة الإسلام، وردوا على معتزلة الجهمية ونحوهم ما نفوه من قيام الأفعال الاختيارية بالله تعالى.
قال شيخ الإسلام، في كتاب العقل والنقل: أهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله من الصفات والأفعال التي تتعلق بمشيئته وقدرته؛ والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا; وأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها، ووافقه على هذا أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن
стр. 1106
الأشعري، وغيرهما. وأهل السنة والجماعة على إثبات النوعين; وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم، كحرب الكرماني، وعثمان بن سعيد، وغيرهما.
ولما كان الإثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث، كالبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهم من العلماء الذين أدركهم محمد بن إسحاق بن خزيمة، كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته من أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة حلول الحوادث; ويقولون: إن الله منَزّه عن الأعراض، والأبعاض، والحوادث، والحدود; ومقصودهم نفي الصفات، ونفي الأفعال، ونفي مباينته للخلق، وعلوه على العرش.
وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات، أهل السنة، بالعبارات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب; فإنهم إذا قالوا: إن الله مُنَزه عن الأعراض، لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر، لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منَزّه عن الاستحالة والفساد كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام; ولا ريب أن الله مُنَزّه عن ذلك، ولكن مقصودهم أنه ليس له علم، ولا قدرة، ولا حياة، ولا كلام قائم به، ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضا.
стр. 1107
وكذلك إذا قالوا: إن الله مُنَزّه عن الحدود، والأحياز، والجهات، أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات، ولا تحويه المصنوعات، وهذا المعنى صحيح; ومقصودهم أنه ليس مباينا للخلق، ولا منفصلا عنه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، وأن محمدا لم يعرج به إليه، ولم يَنْزل منه شيء، ولا يصعد إليه شيء، ولا يتقرب إليه بشيء، ولا ترفع الأيدي إليه في الدعاء ولا غيره، ونحو ذلك من معاني الجهمية.
وإذا قالوا: إنه ليس بجسم، أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات، ولا مثل أبدان الخلق; وهذا المعنى صحيح; ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى، ولا يتكلم بنفسه، ولا يقوم به صفة، ولا هو مباين للخلق، وأمثال ذلك; وإذا قالوا: لا تحله الحوادث، أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلا للتغيرات والاستحالات، ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين، فتحيلهم وتفسدهم، وهذا معنى صحيح؛ ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه، ولا له كلام، ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه لا يقدر على استواء، أو نزول، أو إتيان، أو مجيء، وأن المخلوقات التي خلقها، لم يكن منه عند خلقها فعل أصلا; بل عين المخلوقات هي الفعل، ليس هناك فعل
стр. 1108
ومفعول، وخلق ومخلوق، بل المخلوق عين الخلق، والمفعول عين الفعل، ونحو ذلك، وابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا، وخالفوهم في إثبات الصفات; وكان ابن كلاب، والحارث المحاسبي، وأبو العباس القلانسي، وغيرهم يثبتون مباينة الخالق للمخلوق، وعلوه بنفسه فوق المخلوقات.
والأشعري وأئمة أصحابه، كأبي الحسن الطبري، وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي، والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن، كالاستواء، والوجه، واليدين، وإبطال تأويلها، ليس لهم في ذلك قولان أصلا; ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين أصلا، بل جميع من يحكي المقالات من أتباعه وغيرهم، يذكر أن ذلك قوله.
وأما مسألة: قيام الصفات الاختيارية، فإن ابن كلاب، والأشعري، وغيرهما ينفونها، وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم، بما هو معروف في كتب أهل العلم، ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم، وشاع النّزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم.
وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته: القاضي أبو يعلى، وأتباعه كابن
стр. 1109
عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، وأمثالهم، وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذا تارة، وهذا تارة; وممن يخالفهم في ذلك: أبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز، وأبو عبد الله بن بطة، وأبو عبد الله بن مندة، وأبو نصر السجزي، ويحيى بن عمار السجستاني، وأبو إسماعيل الأنصاري، وأبو عمر بن عبد البر، وأمثالهم; وقد ذكر أبو عبد الله الرازي عن بعض المتفلسفة أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف، وإن أنكروه، وقرر ذلك.
وكلام السلف والأئمة ومن نقل مذهبهم في هذا الأصل كثير، يوجد في كتب التفسير والأصول; قال إسحاق بن راهويه: حدثنا بشر بن عمر، سمعت غير واحد من المفسرين يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] أي: ارتفع; وقال البخاري في صحيحه: قال أبو العالية: استوى إلى السماء: ارتفع; قال: وقال مجاهد: استوى: علا على العرش; قال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: قال ابن عباس، وأكثر مفسري السلف: "اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ارتفع إلى السماء"، وكذلك قال الخليل بن أحمد; وروى البيهقي في كتاب الصفات: قال الفراء: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أي: صعد، قاله ابن عباس، وهو كقولك للرجل: كان قاعدا، فاستوى قائما; وروى الشافعي في مسنده عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال عن يوم الجمعة: " وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش ".
стр. 1110
والتفاسير المأثورة، عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، مثل تفسير محمد بن جرير الطبري، وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم، وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم، وتفسير ابن المنذر، وتفسير أبي بكر عبد العزيز، وتفسير أبي بكر بن مردويه; وما قبل هؤلاء من التفاسير، مثل تفسير أحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم، وبقي بن مخلد، وغيرهم، ومن قبلهم، مثل تفسير عبد بن حميد، وتفسير عبد الرزاق، وتفسير سنيد، ووكيع بن الجراح، فيها من هذا الباب والموافق لقول المثبتين ما لا يكاد يحصى; وكذلك الكتب المصنفة في السنة، التي فيها آثار النبي ﷺ والصحابة، والتابعين.
وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني، في مسائله المعروفة، التي نقلها عن أحمد وإسحاق، وغيرهما، وذكر معهما من الآثار عن النبي ﷺ والصحابة، وغيرهم، ما ذكر، وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات، قال في آخره في الجامع، باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها; وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق، والحجاز، والشام، وغيرهم عليها؛ فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع، خارج من الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل الحق; وهو مذهب
стр. 1111
أحمد، وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم، ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم.
وذكر الكلام في الإيمان، والقدر، والوعيد، والإمامة، وما أخبر به الرسول ﷺ من أشراط الساعة، وأمر البرزخ، والقيامة، وغير ذلك - إلى أن قال -: وهو سبحانه بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه، وله حد، والله أعلم بحده; والله على عرشه عز ذكره، وتعالى جده، ولا إله غيره؛ والله تعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا يغفل، يتكلم، ويتحرك، ويسمع، ويبصر، وينظر، ويقبض، ويبسط، ويفرح، ويحب، ويكره، ويبغض، ويرضى، ويسخط ويغضب، ويرحم ويعفو، ويغفر ويعطي، ويمنع وينْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ... إلى أن قال: ولم يزل الله متكلما عالما ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١٤] .
قال البخاري: وقال الفضيل بن عياض: "إذا قال لك الجهمي: أنا كافر برب يزول عن مكانه فقل: أنا أومن برب يفعل ما يشاء" قال البخاري: وحديث يزيد بن
стр. 1112
هارون عن الجهمية، فقال: من زعم أن ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] على خلاف ما تقرر في قلوب العامة، فهو جهمي.
وقال أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات، لما ذكر مقالة أهل السنة وأهل الحديث، فقال: ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ : " إن الله ينْزل إلى سماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر ... "١ كما جاء الحديث عن النبي ﷺ ، ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين، وأن لا يحدثوا في دينهم ما لم يأذن به الله; ويقرون أن الله يجيء يوم القيامة كما قال: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] وأن الله يقرب من خلقه كيف يشاء كما قال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] قال الأشعري: وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول، وإليه نذهب.
وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة: أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله أحمد بن حنبل قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم ؟ ويكلمونه؟ ويكلمهم؟ قال: نعم ينظر إليهم وينظرون إليه، ويكلمهم ويكلمونه، كيف شاء وإذا شاء. قال: وأخبرني عبد الله بن حنبل، أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء، وكما شاء، بلا
стр. 1113
حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده حاد; فصفات الله له ومنه; وهو كما وصف نفسه، لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية، وهو يدرك الأبصار; وهو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب ولا يدركه وصف واصف; وهو كما وصف نفسه، وليس من الله شيء محدود، ولا يبلغ علم قدرته أحد، غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته، وسلطانه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] . وكان الله قبل أن يكون شيء، والله هو الأول، وهو الآخر، ولا يبلغ أحد حد صفاته.
قال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم، قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى أن الله ﵎: " ينْزل إلى السماء الدنيا "١، " وأن الله يضع قدمه " ٢، أو ما أشبه هذه الأحاديث، فقال أبو عبد الله: نؤمن بها، ونصدق بها، ولا كيف، ولا معنى، أي: لا نكيفها، ولا نحرفها بالتأويل، فنقول معناها كذا، ولا نرد منها شيئا، ونعلم أن ما جاء به الرسول حق، إذا كان بأسانيد صحاح، ولا نرد على الله قوله، ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه، بلا حد ولا غاية ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] .
وقال حنبل في موضع آخر، عن أحمد قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] في ذاته، كما وصف به نفسه، قد أجمل ﵎ بالصفة لنفسه، فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء، فنتعبد الله بصفاته، غير محدودة، ولا معلومة، إلا بما وصف
стр. 1114
به نفسه; قال: فهو سميع بصير، بلا حد ولا تقدير، ولا يبلغ الواصفون صفته، وصفاته منه وله، ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه، ولا نتعدى ذلك، ولا تبلغه صفة الواصفين; نؤمن بالقرآن كله، محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته، لشناعة شنعت; وما وصف به نفسه، من كلام، ونزول، وخلوة بعبده يوم القيامة، ووضع كنفه عليه، هذا كله يدل على أن الله ﵎ يرى في الآخرة، والتحديد في هذا كله بدعة. والتسليم لله بأمره، بغير صفة ولا حد، إلا ما وصف به نفسه، سميع، بصير، لم يزل متكلما، عليما، غفورا، عالم الغيب والشهادة، علام الغيوب; فهذه صفات، وصف بها نفسه، لا تدفع ولا ترد.
وهو على العرش بلا حد، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] كيف شاء، المشيئة إليه ، والاستطاعة له ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] وهو: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٢] ، وهو كما وصف نفسه سميع بصير، بلا حد ولا تقدير، قال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ﴾ [سورة مريم آية: ٤٢] فنثبت: أن الله سميع بصير، صفاته منه، لا نتعدى القرآن والحديث، والخبر " يضحك الله "١ ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وبتثبيت القرآن، لا يصفه الواصفون، ولا يحده أحد تعالى الله عما تقول الجهمية والمشبهة; قلت له: والمشبهة ما يقولون؟
стр. 1115
قال: من قال بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، فقد شبه الله بخلقه، وهذا كلام سوء، وهذا محدود، والكلام في هذا لا أحبه.
فقول أحمد: إنه ينظر إليهم كيف شاء، وإذا شاء، وقوله: هو على العرش كيف شاء، وكما شاء، وقوله: هو على العرش بلا حد كما قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] كيف شاء، المشيئة إليه، والاستطاعة له، ليس كمثله شيء، يبين أن نظره، وتكليمه، وعلوه على العرش، واستواءه على العرش، مما يتعلق بمشيئته، واستطاعته; وقوله: بلا حد ولا صفة يبلغها واصف، أو يحده حاد، نفى به إحاطة علم الخلق به، وأن يحدوه، أو يصفوه، على ما هو عليه، إلا بما أخبر به عن نفسه، ليبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته، كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: الحمد لله الذي هو كما وصف به نفسه، وفوق ما يصفه به خلقه; ولهذا قال أحمد: لا تدركه الأبصار بحد، ولا غاية، فنفى أن يدرك له حد أو غاية، وهذا أصح القولين، في تفسير الإدراك.
وذكر الخلال أيضا: قال المروذي: قال: وأخبرنا إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] : إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى، ويعلم كل شيء، في أسفل الأرض السابعة، وفي قعور البحار، ورؤوس الآكام، وبطون الأودية، وفي كل
стр. 1116
موضع، كما يعلم ما في السماوات السبع، وما فوق العرش، أحاط بكل شيء علما، فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات البر والبحر إلا قد عرف ذلك كله، وأحصاه، فلا يعجزه معرفة شيء، عن معرفة غيره؛ فهذا وأمثاله مما نقل عن الأئمة، كما قد بسط في غير هذا الموضع، بينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره، كما قال مالك، وربيعة، وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول; فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به، وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزيز بن عبد الله الماجشون، وغير واحد من السلف والأئمة ينفون علم الخلق بقدره، وكيفيته.
وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف، وقد ذكره ابن بطة في الإبانة، وأبو عمر الطلمنكي في كتابه في الأصول; ورواه أبو بكر الأثرم، قال: حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة، أنه قال: أما بعد، فقد فهمت ما سألت عنه، فيما تتابعت فيه الجهمية ومن خالفها، في صفة الرب العظيم، الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير، وكَلّت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول عن معرفة قدره ... إلى أن قال: فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو، وكيف يُعرَف قدر من لا يموت ولا يبلي، وكيف يكون لصفة
стр. 1117
شيء منه حد أو منتهى يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟ !
والدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته، عجزها عن تحقيق صفة أصغر خلقه ... إلى أن قال: اعرف رحمك الله غناك عن تكلف صفة ما لا يصف الرب من نفسه، بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها; إذا لم تعرف قدر ما وصف، فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بشيء من ذلك على شيء من طاعته؟ أو تَنْزجر به عن شيء من معصيته؟ وذكر كلاما طويلا - إلى أن قال: -
فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه، تعمقا وتكلفا قد: ﴿اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] ، فصار يستدل بزعمه على جحد ما وصف الرب، وسمى من نفسه، بأن قال: لا بد إن كان له كذا، من أن يكون له كذا; فعمي عن البين بالخفي، فجحد ما سمى الرب من نفسه، ووصف الرب بما لم يسم، فلم يزل يملي له الشيطان، حتى جحد قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة آية: ٢٢-٢٣] فقال: لا يراه أحد يوم القيامة; فجحد - والله - أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة، من النظر إلى وجهه ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر آية: ٥٥] قد قضى أنهم لا يموتون، فهم بالنظر إليه ينظرون; وذكر كلاما طويلا، كتب في غير هذا الموضع.
стр. 1118
وقال الخلال في السنة: أخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سمعت أبا عبد الله يقول: من زعم أن الله لم يكلم موسى فقد كفر بالله، وكذب القرآن، ورد على رسول الله ﷺ أمره، يستتاب في هذه المقالة، فإن تاب وإلا ضربت عنقه. قال: وسمعت أبا عبد الله قال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، فأثبت الكلام لموسى، كرامة منه لموسى ثم قال تعالى بعد كلامه: تكليما. قلت لأبي عبد الله: الله يكلم عبده يوم القيامة؟ قال: نعم; فمن يقضي بين الخلائق إلا الله ، يكلم عبده ويسأله، الله متكلم، لم يزل الله يأمر بما شاء ويحكم، وليس له عدل ولا مثل، كيف شاء، وإذا شاء. قال الخلال: أخبرنا محمد بن علي بن بحر، أن يعقوب بن بختان حدثهم، أن أبا عبد الله سئل: عمن زعم أن الله لم يتكلم. قال: بلى، تكلم بصوت; وهذه الأحاديث كما جاءت، نرويها، لكل حديث وجه; يريدون أن يموهوا على الناس; من زعم أن الله لم يكلم موسى، فهو كافر; حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله، يعني ابن مسعود، قال: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء، فيخرون سجدا، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قال: سكن عن قلوبهم، نادى أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا، وكذا".
стр. 1119
قال الخلال: وحدثنا أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت، فهو جهمي، عدو لله، وعدو للإسلام; فتبسم أبو عبد الله، وقال: ما أحسن ما قال! عافاه الله.
وقال عبد الله بن أحمد، سألت أبي، عن قوم يقولون: لما كلم الله موسى، لم يتكلم بصوت; فقال أبي: بل تكلم ﵎ بصوت، وهذه الأحاديث نرويها كما جاءت; وحديث ابن مسعود: إذا تكلم الله بالوحي، سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان ; قال أبي: الجهمية تنكره; قال أبي: وهؤلاء كفار، يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله لم يتكلم، فهو كافر; إنما نروي هذه الأحاديث كما جاءت.
قلت: وهذا الصوت الذي تكلم الله به، ليس هو الصوت المسموع من العبد; بل ذلك صوته، كما هو معلوم لعامة الناس; وقد نص على ذلك الأئمة، أحمد وغيره; فالكلام المسموع منه هو كلام الله، لا كلام غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦] ، وقال النبي ﷺ : " ألا رجل يحملني إلى قومه، لأبلغ كلام ربي؟ فإن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي "١ رواه أبو داود وغيره.
وقال البخاري في كتاب خلق الأفعال: يذكر عن
стр. 1120
النبي ﷺ : " أن الله ينادي بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب "١، وليس هذا لغير الله ، قال أبو عبد الله البخاري: وفي هذا دليل على أن صوت الله لا يشبه أصوات الخلق، لأن صوت الله يسمع من بعد، كما يسمع من قرب، وأن الملائكة يصعقون من صوته، فإذاً ينادى الملائكة، ثم يصعقون قال: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] فليس لصفة الله ند ولا مثل، ولا يوجد شيء من صفاته في المخلوقين.
ثم روى بإسناده حديث عبد الله بن أنيس، الذي استشهد به في غير موضع من الصحيح، تارة يجزم به، وتارة يقول: ويذكر عن عبد الله بن أنيس قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "يحشر الله العباد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان; لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة " وذكر الحديث الذي رواه في صحيحه، عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : " يقول الله يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك; فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثا إلى النار; قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال: من كل ألف - أراه قال - تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ "٢.
وروى أبو جعفر بن جرير في تفسيره، عن ابن
стр. 1121
عباس، في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] الآية قال:?"لما أوحى الله تعالى ذكره إلى محمد ﷺ ودعا الرسول من الملائكة، فبعث بالوحي، سمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم، سألوا عما قال الله، فقالوا: الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا، وأنه منجز ما وعد، قال ابن عباس: وصوت الوحي، كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خروا سجدا، فلما رفعوا رؤوسهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] ".
وقال الحافظ أبو نصر السجزي، في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن: اعلموا، أرشدنا الله وإياكم، أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم، من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والأشعري، وأقرانهم، الذين تظاهروا بالرد على المعتزلة، وهم معهم بل أحسن حالا منهم في الباطن من أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات.
وعبر عن هذا المعنى الأوائل، الذين تكلموا في العقليات، وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة; وقالت - يعني علماء العربية-: الكلام، اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى; فالاسم، مثل: زيد وعمرو; والفعل، مثل: جاء، وذهب؛ والحرف: الذي يجيء لمعنى، مثل: هل، وبل، وقد، وما شاكل ذلك; فالإجماع منعقد بين
стр. 1122
العقلاء، على كون الكلام حرفا وصوتا.
فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يجيزون أصول أهل السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها أخبار أحاد، وهي لا توجب علما، وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام: حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض; وما كان بهذه المثابة، لا يجوز أن يكون من صفات الله تعالى، لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات; قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى، خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما تقول: خلق الله، وعبد الله، وفعل الله.
قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة، المسلم والكافر; وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة، وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز، لكونه حكاية وعبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم; فمنهم من اقتصر
стр. 1123
على هذا القول، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه: تنافي السكوت والخرس، والآفات المانعة من الكلام; ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه. وتعلقوا بشبه، منها قول الأخطل:
إن البيان من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا
فغيروه وقالوا: إن الكلام من الفؤاد، وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم، في قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٨] ، وفي قول الله ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [سورة يوسف آية: ٧٧] ، واحتجوا بقول العرب: أرى في نفسك كلاما، وفي وجهك كلاما; فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت، والنائم; ولهم في حال الخرس، والسكوت، والنوم، كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام; وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها، من غير رد عليه; ومن علم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله، لم يناظر، بل يجاب ويقمع.
وقال أيضا أبو نصر: خاطبني بعض الأشعرية يوما في هذا الفصل، فقال: التجزؤ على القديم غير جائز، فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه، على الحقيقة بلا
стр. 1124
ترجمان؟ فقال: نعم، وهم يطلقون ذلك، ويموهون على من لا يخبر مذهبهم، وحقيقة سماع كلام الله من ذاته، على أصل الأشعري محال، لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البينة، وأجروا عليه من العادة، لا يكون البتة، إلا لما هو صوت، أو في معنى الصوت; وإذا لم يكن كذلك، كان الواصل إلى معرفة من العلم والفهم، وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما، كما يحصل بالسماع، وربما سمي ذلك سماعا على التجوز، لقربه من معناه; فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت، فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري.
قال: فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعا أن حقيقة السماع لكلام الله منه، على أصلكم، محال، وليس هاهنا من تتقيه وتخشى تشنيعه، وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه، بلطيفة منه، حتى يصير عالما متيقنا بأن الذي فهمه كلام الله; والذي أريد: أن ألزمك، وارد على الفهم وروده على السماع، فدع التمويه، ودع المصانعة; ما تقول في موسى ﵇، حيث كلمه الله، أفهم كلام الله مطلقا؟ أم مقيدا؟ فتلكأ قليلا، ثم قال: ما تريد بهذا؟
فقلت: دع إرادتي، وأجب بما عندك، فأبى، وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت أريد: أنك إن قلت، إنه ﵇ فهم كلام الله مطلقا، اقتضى أن لا يكون لله كلام، من الأزل إلى
стр. 1125
الأبد، إلا وقد فهمه موسى; وهذا يؤول إلى الكفر; فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ولو جاز ذلك لصار من فهم كلام الله عالما بالغيب، وبما يقول الله تعالى; وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى ﵇، أنه يقول: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] . وإذا لم يجز إطلاقه، وألجئت إلى أن تقول: أفهمه الله ما شاء من كلامه، دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله، ومن قبل رسول الله; وأنت أبيت ألا تقبل ذلك، وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقلاء إلى موافقة النص خاسرا، فقال: هذا يحتاج إلى تأمل، وقطع الكلام.
وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي، في كتابه الذي سماه: الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، وذكر اثني عشر إماما: الشافعي، ومالكا، والثوري، وأحمد، وابن عيينة، وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه والبخاري، وأبا زرعة، وأبا حاتم، ثم قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرائيني يقول: مذهبي، ومذهب الشافعي، وفقهاء