← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

عباس، في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] الآية قال:?"لما أوحى الله تعالى ذكره إلى محمد ﷺ ودعا الرسول من الملائكة، فبعث بالوحي، سمعت الملائكة صوت الجبار يتكلم بالوحي، فلما كشف عن قلوبهم، سألوا عما قال الله، فقالوا: الحق، وعلموا أن الله لا يقول إلا حقا، وأنه منجز ما وعد، قال ابن عباس: وصوت الوحي، كصوت الحديد على الصفا، فلما سمعوه خروا سجدا، فلما رفعوا رؤوسهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] ". وقال الحافظ أبو نصر السجزي، في رسالته المعروفة إلى أهل زبيد في الواجب من القول في القرآن: اعلموا، أرشدنا الله وإياكم، أنه لم يكن خلاف بين الخلق على اختلاف نحلهم، من أول الزمان إلى الوقت الذي ظهر فيه ابن كلاب، والقلانسي، والأشعري، وأقرانهم، الذين تظاهروا بالرد على المعتزلة، وهم معهم بل أحسن حالا منهم في الباطن من أن الكلام لا يكون إلا حرفا وصوتا ذا تأليف واتساق وإن اختلفت به اللغات. وعبر عن هذا المعنى الأوائل، الذين تكلموا في العقليات، وقالوا: الكلام حروف متسقة، وأصوات مقطعة; وقالت - يعني علماء العربية-: الكلام، اسم، وفعل، وحرف جاء لمعنى; فالاسم، مثل: زيد وعمرو; والفعل، مثل: جاء، وذهب؛ والحرف: الذي يجيء لمعنى، مثل: هل، وبل، وقد، وما شاكل ذلك; فالإجماع منعقد بين

стр. 1122

العقلاء، على كون الكلام حرفا وصوتا. فلما نبغ ابن كلاب وأضرابه، وحاولوا الرد على المعتزلة من طريق مجرد العقل، وهم لا يجيزون أصول أهل السنة، ولا ما كان السلف عليه، ولا يحتجون بالأخبار الواردة في ذلك زعما منهم أنها أخبار أحاد، وهي لا توجب علما، وألزمتهم المعتزلة الاتفاق على أن الاتفاق حاصل على أن الكلام: حرف وصوت، ويدخله التعاقب والتأليف، وذلك لا يوجد في الشاهد إلا بحركة وسكون، ولا بد له من أن يكون ذا أجزاء وأبعاض; وما كان بهذه المثابة، لا يجوز أن يكون من صفات الله تعالى، لأن ذات الحق لا توصف بالاجتماع والافتراق، والكل والبعض، والحركة والسكون، وحكم الصفة الذاتية حكم الذات; قالوا: فعلم بهذه الجملة أن الكلام المضاف إلى الله تعالى، خلق له، أحدثه وأضافه إلى نفسه، كما تقول: خلق الله، وعبد الله، وفعل الله. قال: فضاق بابن كلاب وأضرابه النفس عند هذا الإلزام، لقلة معرفتهم بالسنن، وتركهم قبولها، وتسليمهم العنان إلى مجرد العقل، فالتزموا ما قالته المعتزلة، وركبوا مكابرة العيان، وخرقوا الإجماع المنعقد بين الكافة، المسلم والكافر; وقالوا للمعتزلة: الذي ذكرتموه ليس بحقيقة، وإنما سمي ذلك كلاما على المجاز، لكونه حكاية وعبارة عنه، وحقيقة الكلام: معنى قائم بذات المتكلم; فمنهم من اقتصر

стр. 1123

على هذا القول، ومنهم من احترز عما علم دخوله على هذا الحد، فزاد فيه: تنافي السكوت والخرس، والآفات المانعة من الكلام; ثم خرجوا من هذا إلى أن إثبات الحرف والصوت في كلام الله تجسيم، وإثبات اللغة فيه تشبيه. وتعلقوا بشبه، منها قول الأخطل: إن البيان من الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا فغيروه وقالوا: إن الكلام من الفؤاد، وزعموا أن لهم حجة على مقالتهم، في قول الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٨] ، وفي قول الله ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ﴾ [سورة يوسف آية: ٧٧] ، واحتجوا بقول العرب: أرى في نفسك كلاما، وفي وجهك كلاما; فألجأهم الضيق مما دخل عليهم في مقالتهم إلى أن قالوا: الأخرس متكلم، وكذلك الساكت، والنائم; ولهم في حال الخرس، والسكوت، والنوم، كلام هم متكلمون به، ثم أفصحوا بأن الخرس والسكوت والآفات المانعة من النطق ليست بأضداد الكلام; وهذه مقالة تبين فضيحة قائلها في ظاهرها، من غير رد عليه; ومن علم منه خرق إجماع الكافة، ومخالفة كل عقلي وسمعي قبله، لم يناظر، بل يجاب ويقمع. وقال أيضا أبو نصر: خاطبني بعض الأشعرية يوما في هذا الفصل، فقال: التجزؤ على القديم غير جائز، فقلت له: أتقر بأن الله أسمع موسى كلامه، على الحقيقة بلا

стр. 1124

ترجمان؟ فقال: نعم، وهم يطلقون ذلك، ويموهون على من لا يخبر مذهبهم، وحقيقة سماع كلام الله من ذاته، على أصل الأشعري محال، لأن سماع الخلق على ما جبلوا عليه من البينة، وأجروا عليه من العادة، لا يكون البتة، إلا لما هو صوت، أو في معنى الصوت; وإذا لم يكن كذلك، كان الواصل إلى معرفة من العلم والفهم، وهما يقومان في وقت مقام السماع، لحصول العلم بهما، كما يحصل بالسماع، وربما سمي ذلك سماعا على التجوز، لقربه من معناه; فأما حقيقة السماع لما يخالف الصوت، فلا يتأتى للخلق في العرف الجاري. قال: فقلت لمخاطبي الأشعري: قد علمنا جميعا أن حقيقة السماع لكلام الله منه، على أصلكم، محال، وليس هاهنا من تتقيه وتخشى تشنيعه، وإنما مذهبك أن الله يفهم من شاء كلامه، بلطيفة منه، حتى يصير عالما متيقنا بأن الذي فهمه كلام الله; والذي أريد: أن ألزمك، وارد على الفهم وروده على السماع، فدع التمويه، ودع المصانعة; ما تقول في موسى ﵇، حيث كلمه الله، أفهم كلام الله مطلقا؟ أم مقيدا؟ فتلكأ قليلا، ثم قال: ما تريد بهذا؟ فقلت: دع إرادتي، وأجب بما عندك، فأبى، وقال: ما تريد بهذا؟ فقلت أريد: أنك إن قلت، إنه ﵇ فهم كلام الله مطلقا، اقتضى أن لا يكون لله كلام، من الأزل إلى

стр. 1125

الأبد، إلا وقد فهمه موسى; وهذا يؤول إلى الكفر; فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ولو جاز ذلك لصار من فهم كلام الله عالما بالغيب، وبما يقول الله تعالى; وقد نفى الله تعالى ذلك بما أخبر به عن عيسى ﵇، أنه يقول: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] . وإذا لم يجز إطلاقه، وألجئت إلى أن تقول: أفهمه الله ما شاء من كلامه، دخلت في التبعيض الذي هربت منه، وكفرت من قال به، ويكون مخالفك أسعد منك، لأنه قال بما اقتضاه النص الوارد من قبل الله، ومن قبل رسول الله; وأنت أبيت ألا تقبل ذلك، وادعيت أن الواجب المصير إلى حكم العقل في هذا الباب، وقد ردك العقلاء إلى موافقة النص خاسرا، فقال: هذا يحتاج إلى تأمل، وقطع الكلام. وقال الشيخ أبو الحسن محمد بن عبد الملك الكرجي الشافعي، في كتابه الذي سماه: الفصول في الأصول عن الأئمة الفحول، وذكر اثني عشر إماما: الشافعي، ومالكا، والثوري، وأحمد، وابن عيينة، وابن المبارك والأوزاعي والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه والبخاري، وأبا زرعة، وأبا حاتم، ثم قال فيه: سمعت الإمام أبا منصور محمد بن أحمد يقول: سمعت الشيخ أبا حامد الإسفرائيني يقول: مذهبي، ومذهب الشافعي، وفقهاء

стр. 1126

الأمصار: أن القرآن كلام الله، غير مخلوق ومن قال: مخلوق، فهو كافر. والقرآن حمله جبرائيل مسموعا من الله تعالى، والنبي ﷺ سمعه من جبرائيل، والصحابة سمعوه من رسول الله ﷺ ، وهو الذي نتلوه نحن بألسنتنا، وفيما بين الدفتين وفي صدورنا، مسموعا، ومكتوبا، ومحفوظا، ومنقوشا، وكل حرف منه، كالألف، والباء، كله كلام الله غير مخلوق؛ ومن قال: مخلوق، فهو كافر، عليه لعائن الله والملائكة، والناس أجمعين. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: وأبو إسحاق الشيرازي، وغير واحد، بينوا مخالفة الشافعي، وغيره من الأئمة، لقول ابن كلاب والأشعري، في مسألة الكلام، التي امتاز بها ابن كلاب والأشعري عن غيرهما، وإلا فسائر المسائل ليس لابن كلاب والأشعري بها اختصاص، بل ما قالاه قاله غيرهما، إما من أهل السنة وإما من غيرهم، بخلاف ما قاله ابن كلاب، في مسألة الكلام، واتبعه عليه الأشعري، فإنه لم يسبق ابن كلاب إلى ذلك أحد، ولا وافقه عليه أحد من رؤوس الطوائف. وأصله في ذلك هي: مسألة الصفات الاختيارية، ونحوها من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته، هل تقوم بذاته؟ أم لا؟ وكان السلف والأئمة يثبتون ما يقوم بذاته من الصفات والأفعال مطلقا; والجهمية من المعتزلة وغيرهم

стр. 1127

تنكر ذلك مطلقا، فوافق ابن كلاب السلف والأئمة في إثبات الصفات، ووافق الجهمية في نفي قيام الأفعال به، وما يتعلق بمشيئته وقدرته؛ ولهذا وغيره تكلم الناس فيمن اتبعه، كالقلانسي، والأشعري، ونحوهما، بأن في أقوالهم: بقايا من الاعتزال، وهذه البقايا، أصلها هو الاستدلال على حدوث العالم بطريقة الحركات، فإن هذا الأصل هو الذي أوقع المعتزلة في نفي الصفات والأفعال. وقد ذكر الأشعري في رسالته، إلى أهل الثغر، بباب الأبواب: إنه طريق مبتدع في دين الرسول، محرم عندهم، وكذلك غير الأشعري، كالخطابي، وأمثاله، يذكرون ذلك، لكن مع هذا وافق ابن كلاب، لأنه يرى بطلان هذه الطريقة عقلا، وإن لم يقل أن الدين محتاج إليها، فلما رأى من رأى صحتها، لزمه إما قول ابن كلاب أو ما يضاهيه؛ ومنشأ اضطراب الفريقين اشتراكها في أنه: لا يقوم به ما يكون بإرادته وقدرته; فلزم هؤلاء إذا جعلوه يتكلم بقدرته واختياره، أن يكون كلامه مخلوقا منفصلا عنه; ولزم هؤلاء إذا جعلوه غير مخلوق أن لا يكون قادرا على الكلام، ولا يتكلم بمشيئته وقدرته، ولا يتكلم بما يشاء. والمقصود هنا أن عبد الله بن سعيد بن كلاب وأتباعه، لما وافقوا سلف الأمة وسائر العقلاء، في أن كلام المتكلم لا بد أن يقوم به، فما لا يكون إلا بائنا عنه لا يكون كلامه، كما قال الأئمة كلام الله من الله، ليس ببائن

стр. 1128

عنه; وقالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق، منه بدا وإليه يعود; فقالوا: منه بدا، ردا على الجهمية الذين يقولون: بدا من غيره، ومقصودهم أنه هو المتكلم به، كما قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة الزمر آية: ١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [سورة السجدة آية: ١٣] ، وأمثال ذلك. ثم إنهم مع موافقتهم للسلف والأئمة والجمهور على هذا، اعتقدوا هذا الأصل; وهو أنه لا يقوم به ما يكون مقدورا له، متعلقاً بمشيئته، بناء على هذا الأصل، الذي وافقوا فيه المعتزلة; فاحتاجوا حينئذ إلى أن يثبتوا ما لا يكون مقدورا مرادا; قالوا: والحروف المنظومة والأصوات لا تكون إلا مقدورة مرادة، فأثبتوا معنى واحدا، لم يمكنهم إثبات معان متعددة، خوفا من إثبات ما لا نهاية له; فاحتاجوا أن يقولوا معنى واحدا، فقالوا القول الذي لزمته تلك اللوازم التي عظم فيها نكير جمهور المسلمين، بل جمهور العقلاء عليهم. وأنكر الناس عليهم أمورا: إثبات معنى واحد، هو الأمر والخبر; وجعل القرآن العزيز ليس من كلام الله الذي تكلم به، وأن الكلام المنَزّل ليس هو كلام الله، وأن التوراة، والإنجيل، والقرآن، إنما تختلف عباراتها; فإذا عبروا عن التوراة بالعربية كان هو القرآن، وأن الله لا يقدر أن يتكلم،

стр. 1129

ولا يتكلم بمشيئته واختياره; وتكليمه لمن كلم من خلقه، كموسى وآدم، ليس إلا خلق إدراك ذلك المعنى لهم؛ فالتكلم هو خلق الإدراك فقط. ثم منهم من يقول: السمع يتعلق بذلك المعنى وبكل موجود، فكل موجود يمكن أن يرى ويسمع، كما يقوله أبو الحسن. ومنهم من يقول: بل كلام الله لا يسمع بحال، لا منه ولا من غيره إذ هو معنى، والمعنى يفهم ولا يسمع، كما يقوله أبو بكر ونحوه. ومنهم من يقول: إنه يسمع ذلك المعنى من القارئ، مع صوته المسموع منه، كما يقول ذلك طائفة أخرى. وجمهور العقلاء يقولون: إن هذه الأقوال معلومة الفساد بالضرورة، وإنما ألجأ إليها القائلين بها ما تقدم من الأصول التي استلزمت هذه المحاذير; وإذا انتفى اللازم، انتفى الملزوم. وكذلك من قال: لا يتكلم إلا بأصوات قديمة أزلية ليست متعاقبة، وهو لا يقدر على التكلم بها، ولا له في ذلك مشيئة ولا فعل، من أهل الحديث والفقهاء، وأهل الكلام، المنتسبين إلى السنة; فجمهور العقلاء يقولون: إن قول هؤلاء معلوم الفساد بالضرورة; وإنما ألجأهم إلى ذلك اعتقادهم أن الكلام لا يتعلق بمشيئة المتكلم وقدرته، مع علمهم بأن الكلام يتضمن حروفا منظومة، وصوتا مسموعا من المتكلم; وأما من قال: إن الصوت المسموع من القارئ

стр. 1130

قديم، أو سمع منه صوت قديم، أو محدث، فهذا أظهر فسادا من أن يحتاج إلى الكلام عليه; وكلام السلف والأئمة والعلماء في هذا الأصل كثير منتشر، ليس هذا موضع استقصائه. وأما دلالة الكتاب والسنة على هذا الأصل، فأكثر من أن تحصر; وقد ذكر منها الإمام أحمد وغيره من العلماء في الرد على الجهمية ما جمعوه، كما ذكر الخلال في كتاب السنة قال: أخبرنا المروذي قال: هذا ما احتج به أبو عبد الله على الجهمية من القرآن، وكتبه بخطه، وكتبته من كتابه، فذكر المروذي آيات كثيرة دون ما ذكر الخضر بن أحمد عن عبد الله بن أحمد، وقال فيه: سمعت أبا عبد الله يقول: في القرآن عليهم من الحجج في غير موضع، يعني الجهمية. قال الخلال: وأنبأنا الخضر بن أحمد بن المثنى الكندي، سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت هذا الكتاب بخط أبي، فيما احتج به على الجهمية، وقد ألف الآيات إلى الآيات في السور، فذكر آيات كثيرة تدل على هذا الأصل، مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] ، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾

стр. 1131

سورة البقرة آية: ١١٧] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٩] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧٧] . وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧٣] ، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٣] ، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [سورة هود آية: ١١٠] ، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٩] ، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [سورة هود آية: ١١٩] ، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ٣] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٩] . وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه آية: ١١-١٤] إلى قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾

стр. 1132

[سورة طه آية: ٤٦] . ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [سورة طه آية: ٣٩] ، ﴿وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكَانَ لِزَاماً وَأَجَلٌ مُسَمّىً﴾ [سورة طه آية: ١٢٩] ، ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ [سورة آية: ٨٣-٨٤] . وقوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧-٨٨-٨٩-٩٠] ، وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٩] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] ، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس آية: ٨٢] . وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧١-١٧٣] ، وقوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٧] ، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي

стр. 1133

يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة غافر آية: ٦٨] ، ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ﴾ [سورة الشورى آية: ١٤] ، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى آية: ٥١] ، وقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [سورة الزخرف آية: ٥٥] ، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾ [سورة المجادلة آية: ١] . قال شيخ الإسلام: وفي القرآن مواضع كثيرة تدل على هذا الأصل، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٩] ، وقوله تعالى: ﴿أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٩] ، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ١١] ، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٠] ، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٨] ، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٣] ، وقوله تعالى:

стр. 1134

﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ [سورة الفجر آية: ٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٤] ، وقوله: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٥] ، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة يونس آية: ١٤] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، في غير موضع من القرآن. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة النحل آية: ٤٠] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٦] ، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] ، وقوله تعالى: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [سورة الرحمن آية: ٢٩] ، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [سورة القصص آية: ٦٢] ، ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ١٠] ، ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٢] ، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ١٥] ، وقوله: ﴿سَلامٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [سورة يس آية: ٥٨] ، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [سورة الزمر آية: ٢٣] ، ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الجاثية آية: ٦] ، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾

стр. 1135

[سورة النساء آية: ٨٧] . وأمثال ذلك كثير في كتاب الله تعالى بل يدخل في ذلك: عامة ما أخبر الله به من أفعاله، لا سيما المرتبة، كقوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [سورة الضحى آية: ٥] ، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [سورة الليل آية: ٧] ، وقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل آية: ١٠] ، وقوله: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ [سورة الغاشية آية: ٢٥-٢٦] ، وقوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة آية: ١٧] ، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [سورة الانشقاق آية: ٨] ، ﴿فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً﴾ [سورة الطلاق آية: ٨] ، وقوله: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً﴾ [سورة عبس آية: ٢٥-٢٦] ، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [سورة الروم آية: ٢٧] ، وقوله: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ [سورة المرسلات آية: ١٦-١٧] ، ونحو ذلك؛ لكن الاستدلال بمثل هذا مبني على أن الفعل ليس هو المفعول، والخلق ليس هو المخلوق، وهو قول جمهور الناس على اختلاف أصنافهم; وقد قرر هذا في غير هذا الموضع. ثم هؤلاء على قولين: منهم من يقول: إن الفعل قديم، لازم للذات، لا يتعلق بمشيئته وقدرته. ومنهم من يقول: يتعلق بمشيئته، وقدرته، وإن قيل إن نوعه متقدم،

стр. 1136

فهؤلاء يحتجون بما هو الظاهر المفهوم من النصوص، وإذا تأول من ينازعهم أن المتجدد إنما هو المفعول المخلوق فقط، من غير تجدد فعل، كان هذا بمنْزلة من يتأول نصوص الإرادة، والحب، والبغض، والسخط، على أن التجدد ليس أيضا إلا للمخلوقات التي تراد، وتحب، وتسخط; وكذلك نصوص القول، والكلام، والحديث، ونحو ذلك، على أن المتجدد ليس إلا إدراك الخلق، والإتيان، والمجيء، وليس إلا مخلوقا من المخلوقات; فهذه التأويلات كلها من نمط واحد، ولا نزاع بين الناس أنها خلاف المفهوم الظاهر الذي دل عليه القرآن والحديث. ثم ملاحدة الباطنية يقولون: إن الرسل أرادوا إفهام الناس ما يتخيلونه، وإن لم يكن مطابقا للخارج، ويجعلون ذلك بمنْزلة ما يراه النائم، فتفسير القرآن عندهم يشبه تعبير الرؤيا التي لا يفهم تعبيرها من ظاهرها، كرؤيا يوسف، والملك، بخلاف الرؤيا التي يكون ظاهرها مطابقا لباطنها; وأما المسلمون من أهل الكلام، فهم وإن كانوا يكفرون من يقول بهذا، فإما أن يتأولوا تأويلات يعلم بالضرورة أن الرسول لم يردها، وإما أن يقولوا لا ندري ما أراد; فهم إما في جهل بسيط، أو مركب; ومدار هؤلاء كلهم، على أن العقل عارض ما دلت عليه النصوص; وقد بين أهل الإثبات: أن العقل مطابق موافق لما جاءت به النصوص، لا معارضا له، لكن المقصود هنا أن نبين أن القرآن

стр. 1137

والسنة فيهما من الدلالة على هذا الأصل ما لا يكاد يحصر. فمن له فهم في كتاب الله يستدل بما ذكر من النصوص على ما ترك، ومن عرف حقيقة قول النفاة، علم أن القرآن مناقض لذلك، مناقضة لا حيلة لهم فيها، وأن القرآن يثبت ما يقدر الله عليه ويشاؤه من أفعاله التي ليست هي نفس المخلوقات، وغير أفعاله; ولولا ما وقع في كلام الناس من الالتباس والإجمال، لما كان يحتاج أن يقال: الأفعال ليست هي نفس المخلوقات، فإن المعقول عند جميع الناس أن الفعل المتعدي إلى مفعول ليس هو نفس المفعول; لكن النفاة عندهم: إن المخلوقات هي نفس فعل الله، ليس له فعل عندهم إلا نفس المخلوقات; فلهذا احتيج إلى البيان. ومما يدل على هذا الأصل ما علق بشرط، كقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٢-٣] ، وقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] ، وقوله: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٩] ، وقوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ [سورة الطلاق آية: ١] ، وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [سورة الكهف آية: ٢٣-٢٤] ، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ

стр. 1138

وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ [سورة محمد آية: ٢٨] . وبالجملة: فهذا في كتاب الله أكثر من أن يحصر; وكذلك الأحاديث الصحيحة المتلقاة بالقبول، كقوله ﷺ فيما يرويه عن ربه: " ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه" ١، وقوله: "أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ "٢، وقوله في حديث الشفاعة: " إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله "٣، وقوله: " إذا تكلم الله بالوحي، سمع أهل السماوات كجر السلسلة على الصفا "٤، وقوله: " إن الله يحدث من أمره ما شاء، وإن مما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة "٥. وقوله في حديث التجلي: " فيقولون هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا جاء ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون "٦، وقوله: " لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته بأرض دوية مهلكة، عليها طعامه وشرابه، فطلبها فلم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، فلما استيقظ إذا هو بدابته عليها طعامه وشرابه، فالله أشد فرحا بتوبة عبده من هذا براحلته "٧، وهذا الحديث: مستفيض عن النبي ﷺ في الصحيحين من غير وجه، من حديث ابن مسعود وأبي هريرة; وقوله: " يضحك الله لرجلين يقتل أحدهما صاحبه، كلاهما يدخل الجنة "، وفي حديث: آخِر من يدخل الجنة، قال: " فيضحك الله منه "، وقوله: " ما منكم من أحد إلا

стр. 1139

سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب، ولا ترجمان "١. وفي حديث: " قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين،. فإذا قال: العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] ، قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٣] ، قال: أثنى علي عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، قال: مجدني عبدي "، وقوله ﷺ : " يقول الله تعالى: من تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا" ٢، وقوله ﷺ "ينْزل الله تعالى إلى سماء الدنيا شطر الليل، أو ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فاغفر له؟ "٣، وقوله ﷺ في حديث الأنصاري الذي أضاف رجلا وآثره على نفسه وأهله، فلما أصبح الرجل، وغدا على رسول الله ﷺ فقال: " لقد ضحك الله الليلة، أو عجب من فعالكما "٤، وأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [سورة الحشر آية: ٩] . وهذه الأحاديث كلها في الصحيحين. وفي السنن: من حديث علي عن النبي ﷺ حديث الركوب على الدابة، قال: " فقلت؟ يا رسول الله، من أي شيء تضحك؟ قال: ربك يضحك إلى عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: علم عبدي أنه لا يغفر الذنوب غيري "، وفي لفظ: " إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: رب اغفر لي ذنوبي، يعلم أنه لا

стр. 1140

يغفر الذنوب غيره"١، وفي حديث أبي رزين، عن النبي ﷺ قال: "ضحك ربنا من قنوط عباده، وقرب غيره، ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك، يعلم أن فرجكم قريب فقال له أبو رزين، أو يضحك الرب؟ قال: نعم. فقال: لن نعدم من رب يضحك، خيرا "٢. وفي الصحيحين وغيرهما في حديث التجلي الطويل المشهور، الذي روي عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، فهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وفي مسلم من حديث جابر، ورواه أحمد من حديث ابن مسعود، وغيره، قال في حديث أبي هريرة، قال: " أولست قد أعطيت العهود والمواثيق، أن لا تسأل غير الذي أعطيت؟ فيقول: يا رب لا تجعلني أشقى خلقك، فيضحك الله ﵎ منه، ثم يأذن له في دخول الجنة ". وفي صحيح مسلم، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ قال: " فيقول الله يا ابن آدم، أترضى إن أعطيتك الدنيا، ومثلها معها؟ فيقول: أي رب أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ وضحك رسول الله ﷺ فقال: ألا تسألوني مم ضحكت؟ فقالوا: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: من ضحك رب العالمين، حين قال: أتستهزئ بي وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ بك، ولكني على ما أشاء قادر "٣ وفي الصحيحين، عن النبي ﷺ قال: " يضحك الله إلى

стр. 1141

رجلين، يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخل الجنة، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: يقتل هذا فيلج الجنة، ثم يتوب الله على الآخر، فيهديه الله إلى الإسلام، ثم يجاهد في سبيل الله فيستشهد ". وفي الصحيح أيضا عنه ﷺ قال: " عجب الله من قوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل "١، وفي حديث معروف: " لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه، ويسبغه، ثم يأتي إلى المسجد لا يريد إلا الصلاة، إلا تبشبش الله له، كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته "٢، وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: " الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فناظر كيف تعملون "٣، وفي لفظ: "مستخلفكم فيها، لينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء "٤، وفي الصحيح أيضا عنه ﷺ أنه قال: "إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "٥. وفي الصحيحين: عن أبي واقد الليثي، " أن رسول الله ﷺ كان قاعدا في أصحابه، إذ جاء ثلاثة نفر، فأما رجل فوجد فرجة في الحلقة فجلس; وأما رجل فجلس، يعني خلفهم; وأما رجل فانطلق، فقال النبي ﷺ :. ألا أخبركم عن هؤلاء النفر؟ أما الرجل الذي جلس في الحلقة، فرجل آوى إلى الله، فآواه الله; وأما الرجل الذي جلس خلف الحلقة، فاستحيا، فاستحيا الله منه; وأما الرجل الذي انطلق، فأعرض، فأعرض الله عنه " وعن سلمان الفارسي موقوفا،

стр. 1142

ومرفوعا، قال: " إن الله يستحي أن يبسط العبد يديه إليه، يسأله فيهما خيرا، فيردهما صفرا خائبتين "١. وفي الصحيحين عنه ﷺ فيما يروي عن ربه ﵎: " لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشي; ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه; وما ترددت عن شيء أنا فاعله، ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره إساءته، ولا بد له منه ". وفي الصحيح عن عبادة، عن النبي ﷺ قال: " من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه. فقالت عائشة: إنا نكره الموت، قال: ليس بذاك، ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته، وإذا بشر بذلك أحب لقاء الله، وأحب الله لقاءه، إن الكافر إذا حضره الموت بشر بعذاب الله وسخطه، وكره لقاء الله، وكره الله لقاءه "٢. وفي الصحيحين: عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ قال: " الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله "٣ وفي الصحيحين: عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ قال: " إن الله ﵎ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة; فيقولون: لبيك وسعديك; فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا

стр. 1143

نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك; فيقول أنا أعطيكم أفضل من ذلك; قالوا: يا ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا "١، وفي الصحيحين عن أنس قال: " نزل علينا، ثم كان من المنسوخ: أبلغوا قومنا، أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا، وأرضانا" ٢ وفي حديث عمر بن مالك الرواسي، قال: " أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله، إن الرب ليرضى فيرضي، فارض عني، فرضي عني ". وفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " من حلف على يمين صبر، ليقتطع بها مال امرء مسلم - وهو فيها فاجر -، لقي الله وهو عليه غضبان "٣ وفي الصحيحين: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله ﷺ وهو حينئذ يشير إلى رباعيته، وقال: اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله ﷺ في سبيل الله "٤. وفي صحيح مسلم: عن حذيفة بن أسيد، عن النبي ﷺ قال: " إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث الله ملكا فصورها، وخلق الله سمعها، وبصرها، وجلدها، ولحمها، وعظامها، ثم قال: يا رب، ذكر أو أنثى؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك. ثم يقول: يا رب أجله؟ فيقول ربك ما شاء، ويكتب الملك; فيقول: يا رب رزقه؟ فيقضي ربك ما شاء، ويكتب الملك، ثم يخرج الملك الصحيفة في يده،

стр. 1144

ولا يزيد على ما أمر، ولا ينقص "١. وفي الصحيح عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: " أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "٢. وفي حديث آخر: " أعوذ بكلمات الله التامة، من غضبه، وعقابه، وشر عباده "٣، وفي الصحيحين: عن أنس في حديث الشفاعة، عن النبي ﷺ قال: "فإذا رأيت ربي وقعت له ساجدا، فيدعني ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول لي: يا محمد، ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفع تشفع. وذكر مثل هذه ثلاث مرات "٤. وفي الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم - وهو أعلم بهم -: كيف تركتم عبادي؟ قالوا: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون "٥. وفي الصحيحين أيضا: عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن لله ملائكة، فضلا عن كتّاب الناس، سياحين في الأرض، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيخرجون حتى يحفوا بهم إلى السماء الدنيا، قال: فيقول الله أي شيء تركتم عبادي يصنعون؟ قال، فيقولون: تركناهم يحمدونك،

стр. 1145

ويسبحونك، ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوني؟ قال: فيقولون: لو رأوك لكانوا أشد تمجيدا وأشد ذكرا، قال: فيقول: فأي شيء يطلبون؟ قالوا: يطلبون الجنة، قال: فيقول: هل رأوها؟ قال: فيقولون: لا، قال: فيقول: كيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا، وأشد لها طلبا; قال: فيقول: من أي شيء يتعوذون؟ قال: فيقولون: يتعوذون من النار; قال: فيقول: وهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا; قال: فيقول: فكيف لو رأوها؟ قال: فيقولون: لو رأوها كانوا أشد منها تعوذا، وأشد منها هربا; قال: فيقول: إني أشهدكم أني قد غفرت لهم; قال: فيقولون: إن فيهم فلانا الخطاء، لم يردهم، إنما جاء لحاجة، قال: فيقول: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم ". وفي الصحيحين: عن أنس عن النبي ﷺ قال: " إن الله إذا أحب عبدا نادى جبرائيل: إني قد أحببت فلانا فأحبه، قال: فيحبه جبرائيل. ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض "١ وقال في البغض مثل ذلك; وفي الصحيحين: عنه عن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن

стр. 1146

اقترب إلي شبرا اقتربت إليه ذراعا، وإن اقترب إلي ذراعا اقتربت إليه باعا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة "١. وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة، وأبي سعيد، أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال: " ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله، إلا حفت بهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، وذكرهم الله فيمن عنده "٢. وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ " أن رجلا أصاب ذنبا، فقال: رب إني أصبت ذنبا، فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي; ثم مكث ما شاء الله. ثم أذنب ذنبا آخر، فقال: أي رب، إني قد أذنبت ذنبا، فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي، فليفعل ما يشاء "٣ وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " يقبض الله الأرض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ "٤. وفي الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه وينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، وينظر أمامه، فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يتقي النار ولو بشق تمرة، فليفعل، فإن لم يجد، فبكلمة طيبة "٥. وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة ﵁ عن

стр. 1147

النبي ﷺ في حديث الرؤية، قال فيه: " فيلقى العبد فيقول: أي فلان، ألم أكرمك، وأسودك، وأزوجك، وأسخر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس، وتربع؟ فيقول: بلى يا رب; قال: فيقول: أفظننت أنك ملاقي؟ فيقول: لا، فيقول: إني أنساك كما نسيتني; ثم يلقى الثاني فيقول: أي فلان، فذكر مثل ما قال الأول. وبلغ الثالث، فيقول: آمنت بك، وبكتابك، وبرسولك، وصليت، وصمت، وتصدقت، ويثني بخير ما استطاع، قال: فيقول: فهاهنا إذن. قال: ثم يقال: ألا نبعث شاهدا عليك؟ ففكر في نفسه، من الذي يشهد عليه؟ فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي، فتنطق فخذه، ولحمه، وعظامه، بعمله، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق " فذكر الحديث. وفي صحيح مسلم، عن أنس ﵁ قال: " كنا مع رسول الله ﷺ فضحك، فقال: هل تدرون مم أضحك؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: من مخاطبة العبد ربه، يقول: يا رب ألم تجرني من الظلم؟ قال: فيقول: بلى، قال: فيقول: فإني لا أجيز على نفسي إلا شاهدا مني، قال: فيقول: فكفى بنفسك عليك شهيدا، والكرام الكاتبين عليك شهودا، قال: فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي، فتنطق بأعماله. قال: ثم يخلي بينه وبين الكلام، قال: فيقول: بعدا لكن، وسحقا، فعنكن كنت أناضل "١، وفي الصحيحين، عن أنس: أن النبي ﷺ قال:

стр. 1148

" يقول الله لأهون أهل النار عذابا يوم القيامة: لو كان لك ما على الأرض من شيء، أكنت تفتدي به؟ فيقول: نعم، فيقول له: قد أردت منك ما هو أهون من هذا، وأنت في صلب آدم: أن لا تشرك بي، فأبيت إلا أن تشرك بي "١. وفي الصحيحين، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قال: " يدنو أحدكم من ربه، حتى يضع كنفه عليه، فيقول: عملت كذا وكذا، فيقول: نعم يا رب، فيقرره، ثم يقول: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، قال: ثم يعطى كتاب حسناته، وهو قوله: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ وأما الكفار والمنافقون فينادون: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ". وفي صحيح مسلم وغيره، عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: " يقول الله يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، فيقول: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: فيقول: أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ قال: فيقول: يا ابن آدم، استسقيتك فلم تسقني، فيقول: أي رب، كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ فيقول ﵎: أما علمت أن عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه؟ أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي، قال: ويقول: يا ابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني، فيقول: أي رب، وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: فيقول: أما علمت أن

стр. 1149

عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه؟ أما إنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي "١. وفي الصحيحين، عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله تعالى يقول: يا أهل الجنة، فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أعطيكم أفضل من ذلك، فيقولون: يا ربنا، وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا "٢، وهذا فيه ذكر المخاطبة، وذكر الرضوان جميعا; وفي الصحيحين: عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: " آخر أهل الجنة دخولا الجنة، وآخر أهل النار خروجا من النار: رجل يخرج حبوا، فيقول له ربه: ادخل الجنة; فيقول: إن الجنة ملأى; فيقول له ذلك ثلاث مرات، كل ذلك يعيد: الجنة ملأى; فيقول: إن لك مثل الدنيا عشر مرات "٣. وفي الصحيحين: عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله، ولا ينظر إليهم يوم القيامة، ولهم عذاب أليم: رجل حلف على يمين على مال امرئ مسلم، فاقتطعه، ورجل حلف على يمين بعد العصر أنه أعطي بسلعته أكثر مما أعطي وهو كاذب; ورجل منع فضل ماء؛ يقول الله: اليوم أمنعك من فضلي، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك "٤ وفي صحيح مسلم: عن أبي ذر، عن

стр. 1150

النبي ﷺ قال: "ث لاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم "١ قال: فقرأها رسول الله ﷺ فقال أبو ذر: خابوا وخسروا، من هم يا رسول الله؟ قال: " المسبل، والمنان، والمنفق سلعته بالحلف الكاذبة "٢، وهذان الحديثان: فيهما نفي التكليم والنظر عن بعض الناس، كما في القرآن مثل ذلك؛ وأما نفي التكليم وحده، ففي غير حديث، وهذا الباب فيه: أحاديث كثيرة جدا يتعذر استقصاؤها، ولكن نبهنا ببعضه على نوعه. والأحاديث جاءت في هذا الباب، كما جاءت الآيات، مع زيادة تفسير في الحديث، كما أن أحاديث الأحكام، تجيء موافقة لكتاب الله، مع تفسيرها لمجمله، ومع ما فيها من الزيادة التي لا تعارض القرآن، فإن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، وأمر أزواج نبيه أن يذكرن ما يتلى في بيوتهن من آيات الله والحكمة، وامتن على المؤمنين بأن ﴿بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٤] وقال النبي ﷺ : " ألا وإني أوتيت الكتاب، ومثله معه " ٣: وفي رواية: "ألا وإنه مثل القرآن أو أكثر ". فالحكمة التي أنزل الله عليه مع القرآن، وعلمها لأمته تتناول ما تكلم به في الدين من غير القرآن، من أنواع

стр. 1151

الخبر والأمر; فخبره موافق لخبر الله، وأمره فكأنه يأمر بما في الكتاب، وبما هو تفسير ما في الكتاب، وبما لم يذكر بعينه في الكتاب; فجاءت أخباره في هذا الباب يذكر فيها أفعال الرب، كخلقه، ورزقه، وعدله، وإحسانه، وإثابته، ومعاقبته، ويذكر فيها أنواع كلامه، وتكليمه لملائكته وأنبيائه وغيرهم من عباده، ويذكر فيها ما يذكره من رضاه، وسخطه، وحبه، وبغضه، وفرحه، وضحكه، وغير ذلك من الأمور، التي تدخل في هذا الباب. وما أحسن ما قال العلامة ابن القيم في كافيته: وهو المقدم والمؤخر ذانك الـ ... صفتان للأفعال تابعتان وهما صفات الذات أيضا إذ هما ... بالذات لا بالغير قائمتان ولذاك قد غلط المقسم حين ظـ ... ـن صفاته نوعين مختلفان إن لم يرد هذا ولكن قد أرا ... د قيامها بالفعل ذي الإمكان والفعل والمفعول شيء واحد ... عند المقسم ما هما شيئان فلذاك وصف الفعل ليس لديه إلا ... نسبة عدمية ببيان فجميع أسماء الفعال لديه ليـ ... ست قط ثابتة ذوات معان موجودة لكن أمور كلها ... نسب ترى عدمية الوجدان هذا هو التعطيل للأفعال كالتـ ... عطيل للأوصاف بالميزان فالحق أن الوصف ليس بمورد التـ ... قسيم هذا مقتضى البرهان بل مورد التقسيم ما قد قام بالذا ... ت التي للواحد الرحمن فهما إذا نوعان أوصاف وأفـ ... عال فهذي قسمة التبيان فالوصف بالأفعال يستدعي قيا ... م الفعل بالموصوف بالبرهان

стр. 1152

كالوصف بالمعنى سوى الأفعال ما ... إن بين ذينك قط من فرقان ومن العجائب أنهم ردوا على ... من أثبت الأسماء دون معان قامت بمن هي وصفه هذا محا ... ل غير معقول لذي الأذهان وأتوا إلى الأوصاف باسم الفعل قا ... لوا لم تقم بالواحد الديان فانظر إليهم بطلوا الأصل الذي ... ردوا به أقوالهم بوزان إن كان هذا ممكنا فكذاك قو ... ل خصومكم أيضا فذو إمكان [جواب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن فرق الجهمية والرافضة والمعتزلة] وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، عن الجهمية، والرافضة، والمعتزلة. فأجاب: لا ريب أن هذه الفرق الثلاث، هي أصل ضلال من ضل من هذه الأمة، فأصل الرافضة خرجوا في خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فلما اطلع على سوء معتقدهم خد الأخاديد، وجعل فيها الحطب، وأضرمها بالنار، فقذفهم فيها. وهم الذين أحدثوا الشرك في صدر هذه الأمة، بنوا على القبور، وعمت بهم البلوى، ولهم قواعد سوء يطول ذكرها. وأما المعتزلة، فأولهم نفاة القدر، جحدوا أصلا من أصول الإيمان، الذي في سؤال جبريل للنبي، قال: "فأخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، والقدر خيره وشره "١. وأنكر الصحابة ﵃: ما أحدثوا من هذه البدعة، ولهم عقائد سوء، يقولون بتخليد أهل المعاصي في النار; ونفوا

стр. 1153

صفات الرب تعالى، ووافقوا الجهمية. فخرج أولهم في عصر التابعين; وأولهم الجعد بن درهم، أنكر الصفات، وزعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، أمير واسط، يوم الأضحى. وظهر بعده جهم بن صفوان الذي تنسب إليه الجهمية، وهذا المذهب الخبيث; وانتشرت مقالته في خلافة بني العباس، في خلافة المأمون بن الرشيد، فعطلوا الصفات، ونفوا الحكمة، وقالوا بالجبر. فهذه الطوائف الثلاث هم أصل الشر في هذه الأمة، وصارت فتنة الجهمية أكثر انتشارا، ودخل فيها من يدعي أنه على السنة وليس كذلك، فخالف الكتاب والسنة، وسلف الأمة وأئمتها؛ وعم ضررهم، فجحدوا الصفات، وتوحيد الإلهية، الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. فهم خصوم أهل التوحيد والسنة إلى اليوم، فإياكم أن تغتروا بمن هذه حاله، ولو كان له صورة ودعوى في العلم، ممن امتلأ قلبه من فرث التعطيل، وحال بينه وبين فهم الأدلة الصحيحة الصريحة، شبهات التأويل. قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس; فصنف المتأخرون من هؤلاء على مذهبهم الفاسد مصنفات، كالأرجوزة التي يسمونها: جوهرة

стр. 1154

التوحيد; وهي إلحاد وتعطيل، لا يجوز النظر إليها، ولهم مصنفات أخر نفوا فيها علو الرب تعالى؛ وأكثر صفات كماله نفوها، ونفوا حكمة الرب تعالى. والكتاب والسنة يرد بدعتهم، ويبطل مقالتهم; فإن الله تعالى أثبت استواءه على عرشه، في سبعة مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٥٩] ، وقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٥٠] ، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦] إلى غير ذلك من أدلة الصفات الصريحة في الكتاب والسنة، ولا تتسع هذه الرسالة لذكرها. وهذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا رب العالمين بصفات المعدوم والجماد؛ فلقد أعظموا الفرية على الله، وخالفوا أهل الحق من السلف والأئمة وأتباعهم; وخالفوا من ينتسبون إليه، فإن أبا الحسن الأشعري، صرح في كتابه الإبانة، والمقالات، بإثبات الصفات; فهذه الطائفة المنحرفة عن الحق قد تجردت شياطينهم لصد الناس عن سبيل الله، فجحدوا توحيد الله في الإلهية، وأجازوا الشرك الذي لا يغفره الله، فجوزوا أن يعبد غيره من دونه، وجحدوا توحيد صفاته بالتعطيل.

стр. 1155

فالأئمة من أهل السنة وأتباعهم لهم المصنفات المعروفة في الرد على هذه الطائفة الكافرة المعاندة، كشفوا فيها كل شبهة لهم، وبينوا فيها الحق الذي دل عليه كتاب الله وسنة رسوله، وما عليه سلف الأمة وأئمتها من كل إمام رواية ودراية. ومن له نهمة في طلب الأدلة على الحق، ففي كتاب الله وسنة رسوله ما يكفي ويشفي; وهما سلاح كل موحد ومثبت; لكن كتب أهل السنة، تزيد الراغب، وتعينه على الفهم; وعندكم من مصنفات شيخنا ﵀، ما يكفي مع التأمل; فيجب عليكم هجر أهل البدع، والإنكار عليهم. وأما الإفغانية الذين جاؤونا ووصلوا إلى جهتكم، فهم أهل تشديد وغلو، مع جهل كثيف، أشبهوا الخوارج الذين كفروا أصحاب رسول الله ﷺ وقد أخبر النبي ﷺ بمروقهم، وأمر أصحابه بقتلهم، ولهم عبادة وزهد; لكنهم: أخطؤوا في فهم الكتاب والسنة، واستغنوا بجهلهم عن أن يأخذوا العلم من أصحاب رسول الله ﷺ كما قال العلامة ابن القيم ﵀: ولهم نصوص قصروا في فهمها ... فأتوا من التقصير في العرفان وقد ناظر ابن عباس ﵁ أهل النهروان، فرجع بعضهم إلى الحق، واستمر بعضهم على الباطل، حتى قتلهم علي ﵁ بالنهروان; وفيهم المخدج الذي

стр. 1156

أخبر به النبي ﷺ . فإذا كانت هذه الطائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الراشدين، فلا بد أن يكون لهم أشباه في هذه الأمة، فاحذروهم; وتأمل قوله تعالى في حق سادات الأمة، أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ٧-٨] ، فليس العجب ممن هلك، كيف هلك، إنما العجب ممن نجا، كيف نجا، والله أعلم. [الجواب عن أسئلة من عمان صدرت من جهمي ضال] وله أيضا ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما. أما بعد: فقد وردت علينا أسئلة من عمان، صدرت من جهمي ضال، يستعجز بها بعض المسلمين، فينبغي أن نجيب عنها بما يفيد طالب العلم، وما لا فائدة فيه لا يحتاج إلى الاشتغال بالجواب عنه. فمما ينبغي أن نجيب عنه، قوله: إن الاسم مشتق من السمو، أو من السمة، واشتقاق الاسم من هذين، ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم، لكن يتعين أن نسأله عن كيفية هذا الاشتقاق؟ وما معنى الاشتقاق الذي يذكره

стр. 1157

العلماء؟ فنطلب منه الجواب عن هذين الأمرين؟ وإن كانا مذكورين في كتب النحاة، وغيرهم; وقد ذكرته في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. وأما سؤاله عن الفرق بين القضاء والقدر؟ فالقدر أصل من أصول الإيمان، كما في سؤال جبريل ﵇، وما أجابه به رسول الله ﷺ حين سأله، قال: " الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "، وفي الحديث الصحيح: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة"١ أي: جرى بما يكون مما يعلم الله تعالى، فإنه تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٣] . وأما القضاء: فيطلق في القرآن ويراد به إيجاد المقدر، كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [سورة فصلت آية: ١٢] ، وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سورة سبأ آية: ١٤] ؛ ويطلق ويراد به: الإخبار بما سيقع مما قدر، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [سورة الإسراء آية: ٤] أخبرهم في كتابهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين؛ ويطلق ويراد به الأمر والوصية، كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾

стр. 1158

[سورة الإسراء آية: ٢٣] ، أي: أمر ووصى؛ ويطلق ويراد به: الحكم، كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٩] ؛ ويطلق ويراد به القدر، ونحو ذلك. وأما ما زعمه من أن الأدلة الدالة على استوائه على عرشه، لا تمنع أن يكون مستويا على غيره. فالجواب، أن نقول: قد أجمع أهل السنة والجماعة، قديما وحديثا، على أنه لا يجوز أن يوصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله ﷺ ، ومن وصفه بغير ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فهو جهمي، ضال مضل، يقول على الله بلا علم; وقد ذكر سبحانه استواءه على عرشه، في سبعة مواضع من كتابه: في سورة "الأعراف"، وفي سورة "يونس"، وفي سورة "الرعد"، وفي سورة "طه"، وفي سورة "الفرقان"، وفي سورة "السجدة"، وفي سورة "الحديد". ولم يذكر تعالى أنه استوى على غير العرش، ولا ذكره رسوله ﷺ ، فعلم أنه ليس من صفاته التي يجوز أن يوصف بها; فمن أدخل في صفات الله ما لم يذكر في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، فهو جهمي، يقول على الله ما لا يعلم. وقد قال الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل

стр. 1159

آية: ٥٠] ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٥٨] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات; لا يجوز أن يوصف إلا بذلك كله، لكماله تعالى في أوصافه؛ فله الكمال المطلق، في كل صفة وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [سورة غافر آية: ١٥] ، فذكر العرش عند هذه الصفة، من أدلة فوقيته تعالى، كما هو صريح فيما تقدم من الآيات; وكقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الشورى آية: ٥] الآية. وذكر النبي ﷺ في معنى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [سورة الحديد آية: ٣] الآية: " اللهم: أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "١ فقوله: "فليس فوقك شيء" نص في أنه تعالى فوق جميع المخلوقات; وهو الذي ورد عن الصحابة، والتابعين من المفسرين وغيرهم، في معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] إن معنى استوى: استقر، وارتفع، وعلا، وكلها بمعنى واحد؛ لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق، يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل، قاتلهم الله أنى يؤفكون، والنصوص الدالة على

стр. 1160

إثبات الصفات، كثيرة جدا. وقد صنف أهل السنة من المحدثين والعلماء، مصنفات كبارا، ومن ذلك: كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد، ذكر فيه أقوال الصحابة والتابعين والأئمة; وكتاب "التوحيد" لإمام الأئمة: محمد بن خزيمة; وكتاب "السنة" للأثرم صاحب الإمام أحمد، و "كتاب" عثمان بن سعيد الدارمي، في رده على المريسي; وكتاب "السنة" للخلال، وكتاب "العلو" للذهبي; وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، ولله الحمد والمنة. ونذكر بعض الأحاديث الصريحة في المعنى، فمن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم، عن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات، صعقوا، وخروا لله سجدا. فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد. ثم يمر جبرائيل على الملائكة، كلما مر على سماء، سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق، وهو العلي الكبير; فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي، إلى حيث أمره الله ". ففي هذا الحديث التصريح بأن جبرائيل ينْزل
следующие страницы →