الأصول، ومع هذا يحسبون أنهم مهتدون.
وبيان ذلك: أنه ليس المراد معرفة الإله الإجمالية يعني: معرفة الإنسان، أن له خالقا، فإنها ضرورية فطرية، بل معرفة الإله: هل هذا الوصف، مختص بالله؟ لا يشركه فيه ملك مقرب، ولا نبي مرسل؟ أم جعل لغيره قسط منه؟! فأما المسلمون، أتباع الأنبياء، فإجماعهم على أنه مختص، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] .
والكافرون يزعمون أنه هو الإله الأكبر، ولكن معه آلهة أخرى تشفع عنده، والمتكلمون ممن يدعي الإسلام، لكن أضلهم الله عن معرفة الإله، فذكر عن الأشعري، ومن تبعه: أنه القادر، وأن الألوهية هي القدرة، فإذا أقررنا بذلك، فهي معنى قوله: لا إله إلا الله. ثم استحوذ عليهم الشيطان، فظنوا أن التوحيد لا يتأتى إلا بنفي الصفات، فنفوها، وسموا من أثبتها مجسما.
ورد عليهم أهل السنة بأدلة كثيرة، منها: أن التوحيد لا يتم إلا بإثبات الصفات، وأن معنى الإله: هو المعبود. فإذا كان هو سبحانه متفردا به، عن جميع المخلوقات، وكان هذا وصفا صحيحا، لم يكذب الواصف به، فهذا يدل على الصفات، فيدل على العلم العظيم، والقدرة العظيمة; وهاتان الصفتان: أصل جميع الصفات، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي
стр. 107
خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] .
فإذا كان الله قد أنكر عبادة من لا يملك لعابده نفعا ولا ضرا، فمعلوم أن هذا يستلزم العلم بحاجة العباد، ناطقها، وبهيمها ; وتستلزم القدرة على قضاء حوائجهم، ويستلزم الرحمة الكاملة، واللطف الكامل، وغير ذلك من الصفات ; فمن أنكر الصفات، فهو معطل، والمعطل شر من المشرك؛ ولهذا كان السلف، يسمون التصانيف، في إثبات الصفات: كتب التوحيد، وختم البخاري صحيحه بذلك، قال: كتاب التوحيد ; ثم ذكر الصفات، بابا، بابا.
فنكتة المسألة: أن المتكلمين يقولون: التوحيد لا يتم إلا بإنكار الصفات، فقال أهل السنة: لا يتم التوحيد إلا بإثبات الصفات، وتوحيدكم، هو التعطيل؛ ولهذا آل هذا القول ببعضهم إلى إنكار الرب ﵎، كما هو مذهب ابن عربي، وابن الفارض، وفئام من الناس، لا يحصيهم إلا الله.
فهذا بيان لقولك: هل مراده الصفات؟ أو الأفعال؟ فبين السلف: أن العبادة إذا كانت كلها لله عن جميع المخلوقات، فلا تكون إلا بإثبات الصفات، والأفعال ; فتبين أن منكر الصفات، منكر لحقيقة الألوهية، لكن لا
стр. 108
يدري ; وتبين لك أن من شهد أن لا إله إلا الله، صدقا من قلبه، لا بد أن يثبت الصفات، والأفعال، ولكن العجب العجاب: ظن إمامهم الكبير، أن الألوهية، هي القدرة، وأن معنى قولك: لا إله إلا الله، أي: لا يقدر على الخلق إلا الله!
إذا فهمت هذا تبين لك عظم قدرة الله، على إضلال من شاء، مع الذكاء، والفطنة، كأنهم لم يفهموا قصة إبليس، ولا قصة قوم نوح، وعاد، وثمود، وهلم جرا، كما قال شيخ الإسلام، في آخر الحموية: أوتوا ذكاء، وما أوتوا زكاء، وأوتوا علوما، وما أوتوا فهوما، وأوتوا سمعا، وأبصارا، وأفئدة ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٢٦] . والله أعلم.
стр. 109
(رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب في بيان الإسلام ومبانيه)
وله: ﵀، ما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وعليكم السلام، ورحمة الله، وبركاته وبعد: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٨٥] . وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . قيل: إنها آخر آية نزلت. وفسر نبي الله ﷺ الإسلام، لجبريل ﵇، وبناه أيضا على خمسة أركان، وتضمن كل ركن علما، وعملا، فرضا على كل ذكر وأنثى، لقوله: لا ينبغي لأحد يقدم على شيء، حتى يعلم حكم الله فيه. فاعلم أن أهمها، وأولاها: الشهادتان، وما تضمنتا من النفي والإثبات، من حق الله على عبيده، ومن حق الرسالة على الأمة. فإن بان لك شيء من ذلك، ما ارتعت، وعرفت ما الناس فيه من الجهل، والغفلة، والإعراض، عما خلقوا له ; وعرفت ما هم عليه من دين الجاهلية، وما معهم من الدين النبوي، وعرفت أنهم بنوا دينهم، على ألفاظ، وأفعال أدركوا عليها أسلافهم، نشأ عليها الصغير، وهرم عليها الكبير.
стр. 110
ويؤيد ذلك: أن الولد إذا بلغ عشر سنين، غسلوا له أهله ١ وعلموه ألفاظ الصلاة، وحيي على ذلك، ومات عليه، أتظن من كانت هذه حاله، هل شم لدين الإسلام الموروث عن الرسول رائحة؟ فما ظنك به إذا وضع في قبره؟ ! وأتاه الملكان، وسألاه عما عاش عليه من الدين؟ بما يجيب؟ هاه، هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته. وما ظنك إذا وقف بين يدي الله تعالى، وسأله: ماذا كنتم تعبدون؟ وبماذا أجبتم المرسلين؟ بماذا يجيب؟ رزقنا وإياك علما نبويا، وعملا خالصا في الدنيا، ويوم نلقاه آمين.
فانظر يا رجل، حالك، وحال أهل هذا الزمان؛ أخذوا دينهم عن آبائهم، ودانوا بالعرف، والعادة، وما جاز عند أهل الزمان، والمكان، دانوا به، وما لا، فلا. فأنت وذاك، وإن كانت نفسك عليك عزيزة، ولا ترضى لها بالهلاك، فالتفت لما تضمنت أركان الإسلام، من العلم والعمل، خصوصا الشهادتان، من النفي، والإثبات، وذلك ثابت من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ .
قيل: إن أول آية نزلت، قوله تعالى، بعد ﴿اقْرَأْ﴾ [سورة آية: ١] : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة آية: ١-٢] . قف عندها، ثم قف، ثم قف، ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس، من أصل الأصول ; وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ الآية
стр. 111
[سورة النحل آية: ٣٦] .
وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية [سورة آية: ٢٣] ، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٣١] ، وغير ذلك من النصوص، الدالة على حقيقة التّوحيد الذي هو مضمون ماذكرت في رسالتك أنّ محمد قرر لكم ثلاثة أصول: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، والولاء والبراء، وهذا هو حقيقة دين الإسلام.
ولكن قف عند هذه الألفاظ، واطلب ما تضمنت: من العلم، والعمل، ولا يمكن في العلم إلا أنك تقف على كل مسمى منهما مثل الطاغوت، تجد سليمان، والمويس، وعريعر، وأبا ذراع، والشيطان رئيسهم، كذلك قف عند الأرباب منهم، تجدهم العلماء، والعباد، كائنا من كان، إن أفتوك بمخالفة الدين، ولو جهلا منهم، فأطعتهم.
كذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] ، يفسرها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٢٤] . كذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ ، [الجاثية، من الآية: ٢٣] . وهذه أعم مما قبلها، وأضرها، وأكثرها وقوعا، ولكن أظنك، وكثير من أهل الزمان: ما يعرف من الآلهة المعبودة، إلا هبل، ويغوث، ويعوق، ونسرا، واللات، والعزى، ومناة ; فإن جاد فهمه، عرف أن
стр. 112
المقامات المعبودة اليوم، من البشر، والشجر، والحجر، ونحوها، مثل: شمسان، وإدريس، وأبو حديدة، ونحوهم منها.
هذا ما أثمر به الجهل، والغفلة، والإعراض عن تعلم دين الله ورسوله، ومع هذا يقول لكم شيطانكم المويس: إن بنيات حرمه، وعيالهم، يعرفون التوحيد، فضلا عن رجالهم.
وأيضا تعلم معنى لا إله إلا الله بدعة، فإن استغربت ذلك مني، فأحضر عندك جماعة، واسألهم: عما يسألون عنه في القبر، هل تراهم يعبرون عنه لفظا وتعبيرا؟ ! فكيف إذا طولبوا بالعلم والعمل؟ هذا ما أقول لك، فإن بان لك شيء ارتعت روعة صدق، على ما فاتك من العلم والعمل في دين الإسلام، أكبر من روعتك التي ذكرت في رسالتك، من تجهيلنا جماعتك ; ولكن هذا حق ١ من أعرض عما جاء به رسول الله ﷺ من دين الإسلام، فكيف بمن له قريب من أربعين سنة، يسب دين الله ورسوله، ويبغضه، ويصد عنه مهما أمكن؟!
فلما عجز عن التمرد في دينه الباطل، وقيل له: أجب عن دينك، وجادل دونه، وانقطعت حجته، أقر أن هذا الذي عليه ابن عبد الوهاب، هو دين الله ورسوله، قيل له: فالذي
стр. 113
عليه أهل حرمة؟ قال: هو دين الله ورسوله، كيف يجتمع هذا، وهذا، في قلب رجل واحد؟! فكيف بجماعات عديدة، بين الطائفتين من الاختلاف سنين عديدة، ما هو معروف؟ ! حتى إن كلا منهم: شهر السيف دون دينه، واستمر الحرب مدة طويلة، وكل منهم يدعي صحة دينه، ويطعن في دين الآخر! نعوذ بالله من سوء الفهم، وموت القلوب، أهل دينين مختلفين، وطائفتان يقتتلون، كل منهم على صحة دينه، ومع هذا يتصوران الكل دين صحيح، يدخل من دان به الجنة، سبحانك هذا بهتان عظيم، فكيف والناقد بصير؟ !
فيا رجل ألق سمعك لما فرض الله عليك، خصوصا الشهادتان وما تضمنتاه من النفي والإثبات، ولا تغتر باللفظ والفطرة، وما كان عليه أهل الزمان والمكان، فتهلك. فاعلم: أن أهم ما فرض الله على العباد: معرفة أن الله رب كل شيء ومليكه، ومدبره، بإرادته. فإذا عرفت هذا، فانظر ما حق من هذه صفاته عليك بالعبودية، بالمحبة والإجلال، والتعظيم، والخوف، والرجاء، والتأله، المتضمن: للذل والخضوع، لأمره ونهيه، وذلك قبل فرض الصلاة والزكاة. ولذلك: يعرف عباده، بتقرير ربوبيته، ليرتقوا بها إلى معرفة إلهيته، التي هي مجموع عبادته على مراده، نفيا وإثباتا، علما وعملا، جملة وتفصيلا.
стр. 114
(خمس مسائل يجب على المسلم معرفتها)
وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: الواجب عليك: أن تعرف خمس مسائل:
الأولى: أن الله لما أرسل محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق: أن أول كلمة أرسله الله بها: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، [المدثر الآيات: ١-٣] .
ومعنى قوله: ﴿فَأَنْذِرْ﴾ الإنذار عن الشرك بالله، وكانوا يجعلونه دينا، يتقربون به إلى الله تعالى، مع أنهم يفعلون من الظلم، والفواحش، ما لا يحصى، ويعلمون أنه معصية.
فمن فهم فهما جيدا أن الله أمره بالإنذار عن دينهم الذي يتقربون به إلى الله، قبل الإنذار عن الزنى، أو نكاح الأمهات والأخوات، وعرف الشرك الذي يفعلونه، رأى العجب العجاب، خصوصا إن عرف أن شركهم دون شرك كثير من الناس اليوم، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَاداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ ، [الزّمر: ٨] .
الثانية: أنه لما أنذرهم عن الشرك، أمرهم بالتوحيد، الذي هو: إخلاص الدين لله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٣] يعني: عظمه بالإخلاص، وليس المراد تكبير الأذان وغيره، فإنه لم يشرع إلا في المدينة، فإذا عرف الإنسان أن ترك الشرك لا ينفع إلا إذا لبس ثوب الإخلاص،
стр. 115
وفهم الإخلاص فهما جيدا، وعرف ما عليه كثير من الناس من ظنهم أن الإخلاص وترك دعوة الصالحين نقص لهم، كما قال النصارى: إن محمدا يشتم عيسى، لما ذكر أنه عبد الله ورسوله، ليس يعبد مع الله تعالى.
فمن فهم هذا عرف غربة الإسلام، خصوصا إن أحضر بقلبه، ما فعل الذين يدعون أنهم من العلماء، من معاداة أهل هذه المسألة، وتكفيرهم من دان بها، وجاهدهم، مع عباد قبة أبي طالب، وأمثالها، وقبة الكواز، وأمثالها، وفتواهم لهم بحل دمائنا، وأموالنا، لتركنا ما هم عليه، ويقولون: إنهم ينكرون دينكم. فلا تعرف هذه، والتي قبلها، إلا بإحضارك في ذهنك، ما علمت أنهم فعلوا مع أهل هذه المسألة، وما فعلوا مع المشركين، فحينئذ تعرف أن دين الإسلام، ليس بمجرد المعرفة، فإن إبليس وفرعون، يعرفونه، وكذلك اليهود يعرفونه كما يعرفون أبناءهم؛ وإنما الإسلام هو: العمل بذلك والحب والبغض، وترك موالاة الآباء والأبناء في هذا.
الثالثة: أن تحضر بقلبك: أن الله سبحانه لم يرسل الرسول، إلا ليصدق ويتبع، ولم يرسله ليكذب ويعصى. فإذا تأملت إقرار من يدعي أنه من العلماء بالتوحيد، وأنه دين الله ورسوله، لكن من دخل فيه فهو من الخوارج الذين تحل دماؤهم، ومن أبغضه وسبه وصد الناس عنه،
стр. 116
فهو الذي على الحق، وكذلك إقرارهم بالشرك، وقولهم ليس عندنا قبة نعبدها، بل جهادهم: الجهاد المعروف، مع أهل القباب، وأن من فارقهم، حل ماله ودمه.
فإذا عرف الإنسان هذه المسألة الثالثة كما ينبغي، وعرف أنه اجتمع في قلبه ولو يوما واحدا، أن قلبه قبل كلامهم أن التوحيد دين الله ورسوله، ولكن لا بد من بغضه وعداوته، وأن ما عليه أهل القباب هو الشرك، ولكنهم هم السواد الأعظم، وهم على الحق، ولا يقول: إنهم يفعلون، فاجتماع هذه الأضداد في القلب، مع أنها أبلغ من الجنون، فهي من أعظم قدرة الله تعالى، وهي من أعظم ما يعرفك بالله، وبنفسك، فمن عرف نفسه، وعرف ربه، تم أمره، فكيف إذا علمت أن هذين الضدين اجتمعا في قلب صالح وحيوان وأمثالهما أكثر من عشرين سنة؟.
الرابعة: أنك تعلم أن الله أنزل على رسوله ﷺ : ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، [الزمر:٦٥] . مع أنهم راودوه، على قول كلمة، أو فعل مرة واحدة، ووعدوه أن ذلك يقودهم إلى الإسلام، فقد ترى؛ بل إذا عرفت: أن أعظم أهل الإخلاص وأكثرهم حسنات، لو يقول كلمة الشرك، مع كراهيته لها، ليقود غيره بها إلى الإسلام، حبط عمله، وصار من الخاسرين.
стр. 117
فكيف بمن أظهر أنه منهم، وتكلم بمائة كلمة، لأجل تجارة، أو لأجل أنه يحج، لما منع الموحدون من الحج، كما منعوا النبي ﷺ وأصحابه، حتى فتح الله مكة. فمن فهم هذا فهما جيدا، انفتح له معرفة قدر التوحيد عند الله وقدر الشرك. ولكن إن عرفت هذه بعد أربع سنين فنعما لك، أعني المعرفة التامة، كما تعرف أن القطرة من البول تنقض الوضوء الكامل، إذا خرجت، ولو بغير اختياره.
الخامسة: أن الرسول ﷺ فرض الإيمان بما جاء به كله، لا تفريق فيه؛ فمن آمن ببعض، وكفر ببعض، فهو كافر حقا، بل لابد من الإيمان بالكتاب كله. فإذا عرفت أن من الناس من يصلي ويصوم، ويترك كثيرا من المحرمات، لكن لا يورثون المرأة، ويزعمون أن ذلك هو الذي ينبغي اتباعه، بل لو يورثها أحد عندهم، ويخلف عادتهم، أنكرت قلوبهم ذلك، أو ينكر عدة المرأة في بيت زوجها، مع علمه بقول الله تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ ، [الطلاق، من الآية: ١] ، ويزعم أن تركها في بيت زوجها لا يصلح، وأن إخراجها عنه، هو الذي ينبغي فعله، وأنكر التحية بالسلام، مع معرفة أن الله شرعه، حبا لتحية الجاهلية لما ألفها، فهذا يكفر، لأنه آمن ببعض وكفر ببعض، بخلاف من عمل المعصية، أو ترك الفرض، مثل فعل الزنى، وترك بر الوالدين، مع اعترافه أنه مخطئ، وأن أمر الله هو الصواب.
стр. 118
واعلم أني مثلت لك بهذه الثلاث، لتحذو عليها، فإن عند الناس من هذا كثير، يخالف ما حد الله في القرآن، وصار المعروف عندهم ما ألفوه عند أهليهم، ولو يفعل أحد ما ذكر الله، ويترك العادة، لأنكروا عليه، واستسفهوه، بخلاف من يفعل أو يترك، مع اعترافه بالخطأ، وإيمانه بما ذكر الله.
واعلم أن هذه المسألة الخامسة، من أشد ما على الناس خطرا في وقتنا، بسبب غربة الإسلام، والله أعلم.
стр. 119
(أربع مسائل يجب على المسلم تعلمها)
وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه: ويجب علينا تعلم أربع مسائل:
الأولى: العلم، وهو: معرفة الله ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام بالأدلة
الثانية: العمل به.
الثالثة: الدعوة إليه.
الرابعة: الصبر على الأذى فيه، والدليل قوله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ ، [العصر الآيتات: ١-٣] . قال الشافعي، رحمه الله تعالى: لو ما أنزل الله حجة على خلقه إلا هذه السورة لكفتهم. وقال البخاري، رحمه الله تعالى: باب: العلم قبل القول والعمل، والدليل قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ ، [محمد، من الآية: ١٩] ؛ فبدأ بالعلم، قبل القول والعمل.
اعلم رحمك الله أنه يجب على كل مسلم ومسلمة، تعلم هذه المسائل، والعمل بهن.
الأولى: أن الله خلقنا ورزقنا، ولم يتركنا هملا، بل أرسل إلينا رسولا، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا
стр. 120
وَبِيلاً﴾ [سورة آية: ١٥-١٦] .
الثانية: أن الله لا يرضى أن يشرك معه أحد في عبادته، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فضلا عن غيرهما، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، [الجن: ١٨] .
الثالثة: أن من أطاع الرسول، ووحد الله، لا تجوز له موالاة من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، والدليل قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ، [المجادلة: ٢٢] .
اعلم أرشدك الله لطاعته أن الحنيفية ملة إبراهيم، أن تعبد الله مخلصا له الدين؛ وبذلك أمر الله جميع الناس، وخلقهم لها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، [الذّاريات: ٥٦] . ومعنى يعبدون: يوحدون، وأعظم ما أمر الله به التوحيد، وهو إفراد الله بالعبادة، وأعظم ما نهى عنه: الشرك، وهو: دعوة غيره معه، والدليل قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ، [سورة النساء آية: ٣٦] .
стр. 121
فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة، التي يجب على الإنسان معرفتها؟ فقل: معرفة العبد ربه، ودينه، ونبيه محمدا ﷺ .
فإذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني، وربى جميع العالمين بنعمه؛ وهو معبودي، ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، [الفاتحة: ٢] . وكل ما سوى الله عالم، وأنا واحد من ذلك العالم.
وإذا قيل لك: بم عرفت ربك؟ فقل: أعرفه بآياته ومخلوقاته؛ ومن آياته الليل، والنهار، والشمس، والقمر. ومن مخلوقاته: السماوات السبع، ومن فيهن، والأرضون السبع، ومن فيهن، وما بينهما ; والدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ، [فصلت: ٣٧] ؟ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، [الأعراف: ٥٤] .
والرب، هو: المعبود، والدليل قوله تعالى:) يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ، [البقرة: ٢١] إلى قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، [البقرة، من الآية: ٢٢] . قال ابن كثير رحمه الله
стр. 122
تعالى: الخالق لهذه الأشياء، هو المستحق للعبادة.
وأنواع العبادة التي أمر الله بها مثل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، ومنه الدعاء والخوف، والرجاء، والتوكل، والرغبة، والرهبة، والخشوع، والخشية، والإنابة، والاستعانة، والاستعاذة، والاستغاثة، والذبح، والنذر، وغير ذلك من أنواع العبادة التي أمر الله بها، والدليل قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ ، [الجن: ١٨] . فمن صرف من ذلك شيئا لغير الله، فهو مشرك كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ ، [المؤمنون: ١١٧] .
وفي الحديث: " الدعاء مخ العبادة " ١، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ ، [غافر: ٦٠] .
ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [آل عمران: ١٧٥] . ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَد﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] . ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ، [سورة المائدة آية: ٢٣] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [سورة الطلاق آية: ٣] .
ودليل الرغبة والرهبة، والخشوع، قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً
стр. 123
وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ، [سورة الأنبياء آية: ٩٠] .
ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ ، [البقرة، من الآية: ١٥٠] . ودليل الإنابة قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ ، [الزّمر، من الآية: ٥٤] .
ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، [الفاتحة: ٥] ، وفي الحديث: " إذا استعنت فاستعن بالله " ١
ودليل الاستعاذة قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ ، [الفلق: ١] ، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، [الناس: ١] .
ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ ، [الأنفال، من الآية: ٩] .
ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لاَ شَرِيكَ لَهُ﴾ ، [سورة آية: ١٦٣-١٦٢] . ومن السنة قوله ﷺ " لعن الله من ذبح لغير الله " ٢ ودليل النذر قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ ، [الإنسان: ٧] .
الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله. وهو ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان. وكل مرتبة لها أركان. فأركان الإسلام: خمسة، والدليل من السنة: حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : " بني الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام من استطاع
стр. 124
إليه سبيلا " ١.
والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، [آل عمران: ٨٥] .
ودليل الشهادة قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، [آل عمران: ١٨] . ومعناها: لا معبود بحق إلا الله، وحد النفي من الإثبات: لا إله نافيا جميع ما يعبد من دون الله، إلا الله، مثبتا العبادة لله وحده، لا شريك له في عبادته، كما أنه لا شريك له في ملكه.
وتفسيرها الذي يوضحها قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ ، [الزّخرف الآيتان: ٢٦-٢٧] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئا﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٦٤] .
ودليل شهادة أن محمدا رسول الله، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ، التّوبة: ١٢٨] . ومعنى شهادة أن محمدا رسول الله: طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع.
ودليل الصلاة، والزكاة، وتفسير التوحيد، قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا
стр. 125
الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ، [البيّنة: ٥] .
ودليل الصيام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ ، [البقرة، من الآية: ١٨٣] . ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران، من الآية: ٩٧] .
المرتبة الثانية: الإيمان، وهو بضع وسبعون شعبة: أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان. وأركانه: ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره كله من الله.
والدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ ، [البقرة، من الآية: ١٧٧] . ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ، [القمر: ٤٩] .
المرتبة الثالثة: الإحسان، ركن واحد، وهو: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، [النّحل: ١٢٨] . وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة لقمان آية: ٢٢] .
стр. 126
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [سورة آية: ٢١٩-٢١٨] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [سورة يونس آية: ٦١] .
والدليل من السنة: حديث جبريل المشهور ﵇، عن عمر ﵁ قال: " بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ إذ دخل علينا رجل، شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس عند النبي ﷺ . فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، فقال: يا محمد، أخبرني عن الإسلام؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت الحرام، إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت. فعجبنا له: يسأله، ويصدقه. قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره. قال: صدقت. قال: أخبرني عن الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. قال: صدقت. قال: أخبرني عن الساعة؟ قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل. قال: أخبرني عن أماراتها؟ قال: أن تلد الأمة ربها، وأن ترى الحفاة، العراة العالة رعاء الشاء،
стр. 127
يتطاولون في البنيان فمضى فلبثنا مليا، فقال النبي ﷺ . يا عمر، أتدرون من السائل؟ قلنا: الله ورسوله أعلم؟ قال: هذا جبريل أتاكم يعلمكم أمر دينكم ".
الأصل الثالث: معرفة نبيكم محمد ﷺ ، وهو: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا. نبئ باقرأ وأرسل بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة.
بعثه الله بالنذارة عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ١-٧] . ومعنى ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ينذر عن الشرك، ويدعو إلى التوحيد. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ أي: عظمه بالتوحيد ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ أي: طهر أعمالك عن الشرك. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ الرجز: الأصنام، وهجرها تركها، والبراءة منها وأهلها. أخذ على هذا عشر سنين، يدعو إلى التوحيد. وبعد العشر، عرج به إلى السماء، وفرضت عليه الصلوات الخمس، وصلى في مكة ثلاث سنين، وبعدها أمر بالهجرة إلى
стр. 128
المدينة؛ والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهي باقية إلى أن تقوم الساعة، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ [سورة النّساء آية: ٩٧-٩٩] . وقوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ ، [العنكبوت: ٥٦] . قال البغوي رحمه الله تعالى: سبب نزول هذه الآية في المسلمين، الذين بمكة، لم يهاجروا، ناداهم الله باسم الإيمان. والدليل على الهجرة من السنة قوله ﷺ : " لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها " ١.
فلما استقر بالمدينة أمر ببقية شرائع الإسلام، مثل الزكاة، والصوم، والحج، والأذان، والجهاد، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وغير ذلك من شرائع الإسلام؛ أخذ على هذا عشر سنين. وتوفي ﷺ ودينه باق، وهذا دينه، لا خير إلا دل الأمة عليه، ولا شر إلا حذرها منه. والخير الذي دل عليه: التوحيد، وجميع ما يحبه الله ويرضاه. والشر الذي حذر عنه: الشرك بالله، وجميع ما يكرهه الله ويأباه.
بعثه الله إلى الناس كافة، وافترض الله طاعته على جميع
والدليل: على أن أولهم نوح ﵇، قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] . وكل أمة بعث الله إليها رسولا، من نوح إلى محمد، يأمرهم بعبادة الله، وينهاهم عن عبادة الطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] .
وافترض الله على جميع العباد الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله، قال ابن القيم: رحمه الله تعالى، معنى الطاغوت: ما تجاوز به العبد حده، من معبود، أو متبوع، أو مطاع.
والطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة: إبليس لعنه الله، ومن عُبد وهو راض، ومن ادعى شيئا من علم الغيب، ومن دعا الناس إلى عبادة نفسه، ومن حكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٦] ، وهذا: معنى لا إله إلا الله، وفي الحديث: " رأس الأمر: الإسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله " ١ والله أعلم،
وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
стр. 131
(الأمر بالكفر بالطاغوت والإيمان بالله)
وقال أيضا
الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أن أول ما أوجب الله تعالى على عبده الكفر بالطاغوت والإيمان بالله، والدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، [البقرة: ٢٥٦] . والطواغيت كثيرة والمتبين لنا منهم خمسة: أولهم الشيطان، وحاكم الجور، وآكل الرشوة، ومن عُبد فرضي، والعامل بغير علم.
واعلم أن التوحيد في العبادة، هو الذي خلق الله الخلق لأجله، وأنزل الكتاب لأجله، وأرسل الرسل لأجله. وهو أصل الدين، الذي لا يستقيم لأحد إسلام إلا به، ولا يغفر لمن تركه، وأشرك بالله غيره كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦] .
(أنواع التوحيد)
والتوحيد نوعان: توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية.
أما توحيد الربوبية: فهو الذي أقرت الكفار به، ولم يكونوا به مسلمين؛ وهو الإقرار بأن الله الخالق الرازق، المحيي المميت، المدبر لجميع الأمور، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ، [يونس: ٣١] .
وأما توحيد الألوهية: فهو إخلاص العبادة كلها بأنواعها
стр. 132
لله؛ فلا يدعى إلا الله، ولا يرجى إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، والدليل عليه: الآيات الكريمات، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح ذبح القربات إلا له وحده لا شريك له، والدليل على ذلك: الآيات الكريمات. وهذا: هو معنى لا إله إلا الله، فإن الإله هو المألوه، والمعبود، فمن جعل الله إلهه وحده، وعبده دون من سواه من المخلوقين، فهو المهتدي.
ومن قاسه بغيره، وعبده، وجعل له شيئا مما تقدم من أنواع العبادة، كالدعاء، والذبح، والنذر، والتوكل، والاستغاثة، والإنابة، فقد اتخذ مع الله آلهة أخرى، وأشرك مع الله إلها غيره، فصار من المشركين الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦] ) إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ) (المائدة: من الآية٧٢) . وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] .
وإن قيل لك: أي شيء أنت مخلوق له؟ فقل: للعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، [الذّاريات: ٥٦] ، أي: يوحدون، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٧-٥٨] . وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] .
وإن قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله والدليل قوله
стр. 133
تعالى:
﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ، [مريم: ٣٦] ، ودليل آخر قوله تعالى:) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ، [الشّورى: ١٠] . فإذا قيل لك: بم تعرفه أنه ربك، ومعبودك، من دون من سواه؟ فقل: بمخلوقاته، وآياته، كالسماوات والأرض، والليل والنهار، والشمس والقمر، وخلقه لي، وتصويره جسدي، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ، [الأعراف:٥٤] .
وإن قيل لك: ما دينك؟ فقل: ديني الإسلام. والإسلام، هو: الاستسلام والانقياد لله وحده، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ ، [سورة آل عمران آية: ١٩] ، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، [آل عمران:٨٥] ، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] .
وهو مبني على خمسة أركان: أولها شهادة أن لا إله
стр. 134
إلا الله، وأن محمدا ﷺ عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم شهر رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.
والدليل: على الشهادة، قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ، [آل عمران: ١٨] ، والدليل: على أن محمدا عبده ورسوله، قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ ، [الفرقان: ١] ، ودليل آخر قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ١] .
ودليل: الصلاة، والزكاة، قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ ، [البينة: ٥] . وإذا قيل لك: إن الصلاة فرض عين على كل مسلم؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٣] . ودليل أن الزكاة فرض عين على من ملك ما تجب فيه، قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ، [التّوبة: ١٠٣] .
ودليل الصوم، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ،
стр. 135
[البقرة: ١٨٣] .
والدليل على أن الصوم في شهر رمضان، قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٥] ، والدليل على أن الصوم في النهار، قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٧] .
ودليل الحج قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِين﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٧] . والاستطاعة تحصل، بثلاثة شروط: صحة البدن، وأمن الطريق، ووجود الزاد، والراحلة.
وإذا قيل لك: وما الإيمان؟ فقل: هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ إلى آخر الآية [سورة البقرة آية: ٢٨٥] .
وإذا قيل لك: وما الإحسان؟ فقل: هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك، والدليل عليه قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ ، [النّحل: ١٢٨] .
وإذا قيل لك: من نبيك؟ فقل: نبيي محمد ﷺ بن
стр. 136
عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من كنانة، وكنانة من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، وإسماعيل من نسل إبراهيم، وإبراهيم من ذرية نوح، عليهم الصلاة والسلام.
عمره: ثلاث وستون سنة، بلده: مكة، أقام فيها قبل النبوة أربعين سنة، وبعدها نبئ، وأقام في مكة بعد النبوة، ثلاث عشرة سنة، وهاجر إلى المدينة، وأقام فيها بعد الهجرة عشر سنين، وبعدها توفي في المدينة، ودفن فيها، صلوات الله وسلامه عليه نبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ ، [المدثر الآيات: ١-٣] .
وإذا قيل لك: ما الدليل على أن محمدا رسول الله ﷺ ؟ قيل: هذا القرآن، الذي عجزت جميع الخلائق أن يأتوا بسورة من مثله، فلم يستطيعوا ذلك، مع فصاحتهم، وشدة حذاقتهم، وعداوتهم له، ولمن اتبعه، والدليل عليه قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ، [البقرة: ٢٣] ، وفي الآية الأخرى، قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ ، [الإسراء: ٨٨] .
والدليل على أنه رسول الله، قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ
стр. 137
عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ ، [آل عمران: ١٤٤] .
ودليل آخر، قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾ [سورة الفتح آية: ٢٩] .
والدليل على النبوة، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ ، [الأحزاب، من الآية: ٤٠] . وهذه الآيات: تدل على أنه نبي، وأنه خاتم الأنبياء. والدليل: على أنه من البشر، قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ ، [الكهف: ١١٠] .
وأول الرسل: نوح، وآخرهم، وأفضلهم: محمد ﷺ . وما من أمة من الأمم إلا وبعث الله فيها رسولا يأمرهم بالتوحيد، وينهاهم عن الشرك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، [سورة النحل آية: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [سورة فاطر آية: ٢٤] . وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٥] ، وأعظم ما أمروا به: توحيد الله بعبادته، وحده لا شريك له، وإخلاص العبادة له. وأعظم ما نهوا عنه: الشرك في العبادة.
стр. 138
(الذي بعث الله به محمدا ﷺ من الدين، والذي عابه على قومه)
وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، ما الذي بعث الله به محمدا ﷺ من الدين؟ وما الذي عابه على قومه، وبني عمه، وأنكروه؟ وهل ينكرون الله؟ أم يعرفونه؟
فأما الذي أمرهم به، فهو: عبادة الله وحده لا شريك له، وأن لا يتخذوا مع الله إلها آخر. ونهاهم عن عبادة المخلوقين، من الملائكة، والأنبياء، والصالحين، والحجر، والشجر، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، [الأنبياء: ٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ ، [الزّخرف: ٤٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، [الذّاريات: ٥٦] .
فليعلم بذلك: أن الله ما خلق الخلق إلا ليعبدوه ويوحدوه، وأرسل الرسل إلى عباده، يأمرونهم بذلك.
وأما الذي أنكرناه عليهم، وكفرناهم به، فإنما هو: الشرك بالله، مثل أن تدعو نبيا من الأنبياء، أو ملكا من الملائكة، أو تنحر له، أو تنذر له، أو تعتكف عند قبره، أو تركع بالخضوع والسجود له، أو تطلب منه قضاء الحاجات، أو تفريج الكربات؛ فهذا شرك قريش، الذي كفرهم به رسول الله ﷺ وقاتلهم عند هذا، وإلا لم يقل أحد من
стр. 139
الكفار أن أحدا يخلق، أو يرزق، أو يدبر أمرا؛ بل كلهم يقرون أن الفاعل لذلك هو الله؛ وهم يعرفون الله بذلك، قال الله تعالى حاكيا عنهم: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] . وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، [المؤمنون:٨٤] الآيات. وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ الآية [سورة العنكبوت آية: ٦١] .
وهذا الإقرار لم يدخلهم الإسلام، ولا أوجب الكف عن قتالهم وتكفيرهم؛ إنما كفرهم بما اعتقدوا فيما ذكرنا، وإنما كانوا يعبدون الملائكة، والأنبياء، والجن، والكواكب، والتماثيل المصورة على قبورهم، ويقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ، [سورة الزمر آية: ٣] ، و ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
فبعث الله الرسل تنهى عن أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاًْ﴾ ، [الإسراء: ٥٦] إلى قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء من الآي: ٥٧] . قال طائفة من السلف.: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيرا، والملائكة، فقال الله لهم: هؤلاء عبيدي كما أنتم عبيدي، يرجون رحمتي كما ترجونها، ويخافون عذابي كما تخافونه.
стр. 140
إذا عرف المؤمن أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول الله ﷺ وكفرهم، يعرفون الله، ويخافونه، ويرجونه، وإنما دعوا هؤلاء للقرب والشفاعة، وصار هذا كفرا بالله، مع معرفتهم بما ذكرنا، فيعلم إن كان متبعا للرسول ﷺ أن الواجب عليه التبري من هذا، وإخلاص الدين لله، والكفر به وبمن عمله، والإنكار على من فعله، والبغض والعداوة له، ومجاهدته حتى يصير الدين كله لله، كما قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: ٤] .
وفي الحديث: " أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله " وفي الحديث: " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " ١. ولا تصدق في أحد إلا بما سمعت، أو نقله من لا يكذب، وانصحه إذا بلغك عنه شيء، قبل أن تنكر عليه، خصوصا ممن تعرف منه حبا للدين، موافقا عليه، مجاهدا فيه. والله الهادي، والحمد لله رب العالمين.
(رسالة موجزة في أصول الدين طلبها الأمير عبد العزيز من الشيخ ابن عبد الوهاب ليرسلها إلى النواحي)
وطلب الأمير: عبد العزيز بن محمد بن سعود، من الشيخ ﵀، أن يكتب رسالة موجزة في أصول الدين؛ فكتب هذه، وأرسلها عبد العزيز إلى جميع النواحي، وأمر الناس أن يتعلموها.
стр. 141
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
أما بعد: فاعلموا وفقكم الله لمراضيه، وجنبكم طريق معاصيه، أن من الواجب على كل مسلم ومسلمة: معرفة ثلاثة أصول، والعمل بهن.
الأصل الأول: في معرفة العبد ربه، فإذا قيل لك أيها المسلم: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني بنعمته، وخلقني من عدم إلى وجود، والدليل قوله تعالى: روَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [سورة مريم آية: ٣٦] ، وإذا قيل لك: بأي شيء عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، فأما الدليل على آياته فهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٧] . وأما الدليل على مخلوقاته فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٥٤] .
وإذا قيل لك: لأي شيء خلقك الله؟ فقل: خلقني لعبادته وطاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه. فدليل العبادة، قوله تعالى: روَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . ودليل الطاعة، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ
стр. 142
فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] .
يعني: كتاب الله، وسنة نبيه.
وإذا قيل لك: أي شيء أمرك الله به؟ وأي شيء نهاك عنه؟ فقل: أمرني بالتوحيد، ونهاني عن الشرك، ودليل الأمر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ الآية [سورة النحل آية: ٩٠] . ودليل النهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦] ، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] .
الأصل الثاني: في معرفة دين الإسلام.
فإذا قيل لك: ما دينك؟ فقل: ديني الإسلام، وهو: الاستسلام، والإذعان، والانقياد إلى طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] ، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] . وهو مبني على خمسة أركان:
الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله.
الثاني: إقام الصلاة.
الثالث: إيتاء الزكاة.
الرابع: صوم رمضان.
الخامس: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، والسبيل: الزاد والراحلة.
стр. 143
فدليل الشهادة، قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] . ودليل أن محمدا رسول الله، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٠] . ودليل الصلاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٣] . ودليل الزكاة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٣] .
ودليل الصوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٣] ، وإذا قيل لك: الصيام شهر؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٨٥] . وإذا قيل لك: الصيام في الليل أو في النهار؟ فقل: في النهار، والدليل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٧] .
ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٧] . وإذا قيل لك: ما الإيمان؟ فقل: هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره
стр. 144
وشره كله من الله، والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٥] . ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] .
وإذا قيل لك: ما الإحسان؟ فقل: هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النّحل: ١٢٨] . وإذا قيل لك: منكر البعث كافر؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التّغابن: ٧] .
الأصل الثالث: في معرفة نبينا محمد ﷺ .
فإذا قيل لك: من نبيك؟ فقل: محمد ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم؛ وهاشم من قريش؛ وقريش من كنانة؛ وكنانة من العرب؛ والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام.
وإذا قيل لك: من أول الرسل؟ فقل: أولهم نوح. وآخرهم وأفضلهم: محمد ﷺ والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء
стр. 145
آية: ١٦٣] .
وإذا قيل لك: هل بينهم رسل؟ فقل: نعم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وإذا قيل لك: نبينا محمد بشر؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية [سورة الكهف آية: ١١٠] .
وإذا قيل لك: كم عمره؟ فقل: ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا، نُبِّئ باقرأ، وأُرسل بالمدثر، وخرج على الناس فقال: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعا، فكذبوه وآذوه وطردوه وقالوا: ساحر كذاب؟ فأنزل الله عليه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] .
وبلده مكة، وولد فيها، وهاجر إلى المدينة، وبها توفي. ودفن جسمه، وبقي علمه. وهو نبي لا يعبد، ورسول لا يكذب؛ بل يطاع، ويتبع، صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين.
(أصول الدين الثلاثة)
وله أيضا رحمه الله تعالى:
إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله، فإذا قيل لك: إيش معنى الرب؟ فقل: المعبود المالك المتصرف.