← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وإمام المتقين، نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. أما بعد: فاعلموا وفقكم الله لمراضيه، وجنبكم طريق معاصيه، أن من الواجب على كل مسلم ومسلمة: معرفة ثلاثة أصول، والعمل بهن. الأصل الأول: في معرفة العبد ربه، فإذا قيل لك أيها المسلم: من ربك؟ فقل: ربي الله الذي رباني بنعمته، وخلقني من عدم إلى وجود، والدليل قوله تعالى: روَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [سورة مريم آية: ٣٦] ، وإذا قيل لك: بأي شيء عرفت ربك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، فأما الدليل على آياته فهو قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٧] . وأما الدليل على مخلوقاته فهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٥٤] . وإذا قيل لك: لأي شيء خلقك الله؟ فقل: خلقني لعبادته وطاعته، واتباع أمره، واجتناب نهيه. فدليل العبادة، قوله تعالى: روَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] . ودليل الطاعة، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ

стр. 142

فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . يعني: كتاب الله، وسنة نبيه. وإذا قيل لك: أي شيء أمرك الله به؟ وأي شيء نهاك عنه؟ فقل: أمرني بالتوحيد، ونهاني عن الشرك، ودليل الأمر قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ﴾ الآية [سورة النحل آية: ٩٠] . ودليل النهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨، و١١٦] ، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . الأصل الثاني: في معرفة دين الإسلام. فإذا قيل لك: ما دينك؟ فقل: ديني الإسلام، وهو: الاستسلام، والإذعان، والانقياد إلى طاعة الله تعالى ورسوله ﷺ والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] ، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] . وهو مبني على خمسة أركان: الأول: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. الثاني: إقام الصلاة. الثالث: إيتاء الزكاة. الرابع: صوم رمضان. الخامس: حج بيت الله الحرام لمن استطاع إليه سبيلا، والسبيل: الزاد والراحلة.

стр. 143

فدليل الشهادة، قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨] . ودليل أن محمدا رسول الله، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٠] . ودليل الصلاة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٣] . ودليل الزكاة قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٣] . ودليل الصوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٣] ، وإذا قيل لك: الصيام شهر؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٨٥] . وإذا قيل لك: الصيام في الليل أو في النهار؟ فقل: في النهار، والدليل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٧] . ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٧] . وإذا قيل لك: ما الإيمان؟ فقل: هو أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره

стр. 144

وشره كله من الله، والدليل قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٥] . ودليل القدر قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] . وإذا قيل لك: ما الإحسان؟ فقل: هو أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النّحل: ١٢٨] . وإذا قيل لك: منكر البعث كافر؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التّغابن: ٧] . الأصل الثالث: في معرفة نبينا محمد ﷺ . فإذا قيل لك: من نبيك؟ فقل: محمد ﷺ ابن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم؛ وهاشم من قريش؛ وقريش من كنانة؛ وكنانة من العرب؛ والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. وإذا قيل لك: من أول الرسل؟ فقل: أولهم نوح. وآخرهم وأفضلهم: محمد ﷺ والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء

стр. 145

آية: ١٦٣] . وإذا قيل لك: هل بينهم رسل؟ فقل: نعم. والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وإذا قيل لك: نبينا محمد بشر؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ الآية [سورة الكهف آية: ١١٠] . وإذا قيل لك: كم عمره؟ فقل: ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا، نُبِّئ باقرأ، وأُرسل بالمدثر، وخرج على الناس فقال: يا أيها الناس، إني رسول الله إليكم جميعا، فكذبوه وآذوه وطردوه وقالوا: ساحر كذاب؟ فأنزل الله عليه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] . وبلده مكة، وولد فيها، وهاجر إلى المدينة، وبها توفي. ودفن جسمه، وبقي علمه. وهو نبي لا يعبد، ورسول لا يكذب؛ بل يطاع، ويتبع، صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين. (أصول الدين الثلاثة) وله أيضا رحمه الله تعالى: إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: ربي الله، فإذا قيل لك: إيش معنى الرب؟ فقل: المعبود المالك المتصرف.

стр. 146

فإذا قيل لك: إيش أكبر ما ترى من مخلوقاته؟ فقل: السماوات والأرض، فإذا قيل لك: إيش تعرفه به؟ فقل: أعرفه بآياته، ومخلوقاته. وإذا قيل لك: إيش أعظم ما ترى من آياته؟ فقل: الليل والنهار، والدليل على ذلك، قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] . فإذا قيل لك: إيش معنى الله؟ فقل، معناه: ذو الألوهية، والعبودية على خلقه أجمعين. فإذا قيل لك: لأي شيء الله خلقك؟ فقل: لعبادته. فإذا قيل لك: إيش عبادته؟ فقل: توحيده، وطاعته. فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل: قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات: ٥٦] . فإذا قيل لك: إيش أول ما فرض الله عليك؟ فقل: كفر بالطاغوت، وإيمان بالله، والدليل على ذلك قوله: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٦] . فإذا قيل لك: إيش العروة الوثقى؟ فقل: لا إله إلا

стр. 147

الله، ومعنى لا إله: نفي، وإلا الله: إثبات. فإذا قيل لك: إيش أنت ناف؟ وإيش أنت مثبت؟ فقل: ناف جميع ما يعبد من دون الله، ومثبت العبادة لله وحده لا شريك له. فإذا قيل لك: إيش الدليل على ذلك؟ فقل، قوله تعالى:) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزّخرف: ٢٦] ، هذا دليل النفي، ودليل الإثبات: ﴿إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزّخرف: ٢٧] فإذا قيل لك: إيش الفرق: بين توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية؟ فقل: توحيد الربوبية فعل الرب، مثل: الخلق والرزق والإحياء والإماتة وإنزال المطر وإنبات النباتات وتدبير الأمور، وتوحيد الإلهية فعل العبد مثل: الدعاء والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والرغبة والرهبة والنذر والاستغاثة وغير ذلك من أنواع العبادة. فإذا قيل لك: إيش دينك؟ فقل: ديني الإسلام، وأصله وقاعدته أمران: الأول: الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له، والتحريض على ذلك، والموالاة فيه، وتكفير من تركه، والإنذار عن الشرك في عبادة الله، والتغليظ في ذلك، والمعاداة فيه، وتكفير من فعله. وهو بني على خمسة أركان: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت مع الاستطاعة. ودليل الشهادة، قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ

стр. 148

هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨] . ودليل أن محمدا رسول الله، قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٠] . والدليل على إخلاص العبادة والصلاة والزكاة قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥] . ودليل الصوم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣] . ودليل الحج قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٩٧] . (أصول الإيمان) وأصول الإيمان ستة: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خير وشره. والإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك. فإذا قيل لك: من نبيك؟ فقل: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل،

стр. 149

على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. بلده مكة، وهاجر إلى المدينة، وعمره ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيا رسولا، نبئ باقرأ، وأرسل بالمدثر. فإذا قيل: هو مات؟ أو ما مات؟ فقل: مات، ودينه لا يموت إلى يوم القيامة، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزّمر: ٣٠-٣١] . فإذا قيل لك: والناس إذا ماتوا يبعثون؟ فقل: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] . والذي ينكر البعث كافر، والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التّغابن: ٧] . وقال: فإن قيل: فما الجامع لعبادة الله وحده؟ قلت: طاعته بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه. فإن قيل: فما أنواع العبادة التي لا تصلح إلا لله؟ قلت: من أنواعها، الدعاء، والاستعانة، والاستغاثة، وذبح القربان، والنذر، والخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والمحبة، والخشية، والرغبة، والرهبة، والتأله، والركوع، والسجود، والخشوع، والتذلل، والتعظيم الذي هو من خصائص الألوهية. ودليل الدعاء، قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا

стр. 150

تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [الجن:١٨] . وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد: ١٤] . ودليل الاستعانة قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] . ودليل الاستغاثة قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٩] . ودليل الذبح قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢-١٦٣] . ودليل النذر، قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الإنسان: ٧] . ودليل الخوف قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥] . ودليل الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدا﴾ [الكهف: ١١٠] . ودليل التوكل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [سورة المائدة آية: ٢٣] . ودليل الإنابة، قوله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ٥٤] . ودليل المحبة قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] . ودليل الخشية قوله تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ

стр. 151

وَاخْشَوْنِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] . ودليل الرغبة والرهبة قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٩٠] . ودليل التأله، قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] . ودليل الركوع والسجود قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحجّ: ٧٧] . ودليل الخشوع قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ١٩٩] ، ونحوها. فمن صرف شيئا من هذه الأنواع لغير الله، فقد أشرك بالله غيره. فإن قيل: فما أجلّ أمْرٍ أَمَرَ الله به؟ قيل: توحيده بالعبادة، وقد تقدم بيانه، وأعظم نهي نهى الله عنه الشرك به، وهو أن يدعو مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة، فمن صرف شيئا من أنواع العبادة لغير الله فقد اتخذه ربا وإلها، وأشرك مع الله غيره، أو يقصده بغير ذلك من أنواع العبادة. وقد تقدم من الآيات ما يدل على أن هذا هو الشرك الذي نهى الله عنه وأنكره على المشركين، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ

стр. 152

يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النّساء: ٤٨، و١١٦] . وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وصلى الله على محمد. قلت: ولاتستطل ما قرره هذا الإمام الجليل، في هذا الأصل الأصيل، الذي بعثت الرسل، وأنزلت الكتب، وجردت السيوف من أجله، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، فلقد أجاد وأفاد، ووضح معتقد السلف الصالح بعد أن باد، وأرخى عنان يراعه، فأبدى وأعاد، حتى قلع الشرك من نجد بعد أن شاد، وأطد الإسلام فاستضاء به الحاضر والباد، وسيمر بك - إن شاء الله - ما يثلج الصدر، من محض الحق، وصريح الدين، الذي لا يمازجه دين الجاهلية. (العلة من إرسال الله الرسل وإنزال الكتب) وقال رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أن الله سبحانه إنما أرسل الرسل وأنزل الكتب لأجل التوحيد. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وله خلق الجن والإنس، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذّاريات: ٥٦] ، أي: يوحدون، دليله قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُون لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا

стр. 153

أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١-٣] . فإذا لم يفعله الإنسان، ويجتنب الشرك، فهو كافر، ولو كان من أعبد هذه الأمة يقوم الليل ويصوم النهار، قال الله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٨] ، وتصير عبادته كلها كمن صلى ولم يغتسل من الجنابة، أو كمن يصوم في شدة الحر، وهو يزني في أيام الصوم. إذا عرفت هذا فأهم ما عليك معرفة التوحيد، قبل معرفة العبادات كلها، حتى الصلاة، ومعرفة الشرك، قبل معرفة الزنى وغيره من المحرمات، إذا علمت أن الله لم يخلقك إلا لذلك؛ ومن الفرائض اللازمة: تعليمك إياه أهل بيتك، ومن تحت يدك، من امرأة، وبنت، وخادم. فاعلم أرشدك الله أن الشرك هو الذي ملأ الأرض، ويسمونه الناس: الاعتقاد في الصالحين، ويتبين لك هذا بأربع كلمات: الأولى: أنهم يظنون التوحيد، توحيد الله بالنفع، والضر، والخلق، والرزق. فإذا علمت قول الله في الكفار: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] ، تبين لك جهالة أعداء الله بدين المشركين، وجهالتهم بتوحيد رب العالمين. الثانية: أنهم يقولون: ما ندعوهم إلا لأجل شفاعتهم. فاعلم قول الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية [سورة يونس آية: ١٨] . فإذا عرفت هذا تبين لك

стр. 154

جهالة أعداء الله. الثالثة: أنهم يقولون: هذا فيمن يستشفع بالأصنام، ونحن نستشفع بالصالحين! فاعرف قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٧] ؛ لعلك تفهم جهالة أعداء الله بدين رسول الله. الرابعة: قول الله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الأِنْسَانُ كَفُوراً﴾ [الإسراء: ٦٧] . وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ؛ إذا علمت هذا، وعلمت ما عليه أكثر الناس: علمت أنهم أعظم كفرا وشركا من المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ . فإذا تدبرت هذا، تبين لك حرصهم على تكذيب هذا الأمر، وسؤالهم من جاء لأهل البلدان البعيدة، مع كثرة السنين، وطول المدة، ثم رجعوا مقرين أن قولنا في التوحيد هو الحق، وقولنا في الشرك هو الباطل. فإذا أقروا أن التوحيد الذي خرجنا به على الناس هو الذي خرج به رسول الله ﷺ ، وهذا الذي نهيناهم عنه هو الشرك الذي حذر عنه، ولم يبق الإنكار إلا أن من أقر بدين الرسول، ثم عاداه، وصد الناس عنه، وعرف دين

стр. 155

المشركين، ثم مدحه، ورغب فيه، وأن أهله لا يتيهون، لأنهم السواد الأعظم، فهو واضح لمن لم يعم الله قلبه، والله أعلم. (أول ما فرض الله على ابن آدم الكفر بالطاغوت والإيمان بالله) وقال أيضا: اعلم رحمك الله، أن أول ما فرض الله على ابن آدم: الكفر بالطاغوت، والإيمان بالله والدليل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . فأما صفة الكفر بالطاغوت فأن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم، وأما معنى الإيمان بالله فأن تعتقد، أن الله هو الإله المعبود وحده، دون من سواه، وتخلص جميع أنواع العبادة كلها لله، وتنفيها عن كل معبود سواه، وتحب أهل الإخلاص وتواليهم، وتبغض أهل الشرك وتعاديهم ; وهذه ملة إبراهيم التي سفه نفسه من رغب عنها، وهذه هي الأسوة التي أخبر الله بها في قوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٤] . والطاغوت: عام في كل ما عُبد من دون الله، فكل ما عبد من دون الله، ورضي بالعبادة، من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله، فهو طاغوت، والطواغيت كثيرة، ورؤوسهم خمسة

стр. 156

الأول: الشيطان، الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يّس: ٦٠] . الثاني: الحاكم الجائر، المغير لأحكام الله تعالى، والدليل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً﴾ [النّساء:٦٠] . الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٤] . الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله، والدليل قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً﴾ [الجن: ٢٦-٢٧] . وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] .

стр. 157

الخامس: الذي يُعبد من دون الله، وهو راض بالعبادة، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٩] . واعلم أن الإنسان ما يصير مؤمنا بالله، إلا بالكفر بالطاغوت، والدليل قوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيم﴾ [البقرة: ٢٥٦] ، الرشد: دين محمد، والغي: دين أبي جهل، والعروة الوثقى: شهادة أن لا إله إلا الله، وهي متضمنة للنفي والإثبات. تنفي جميع أنواع العبادة عن غير الله تعالى، وتثبت جميع أنواع العبادة كلها لله وحده لا شريك له. (وجوب معرفة إرسال الرسل ومراد الله في ذلك) وقال رحمه الله تعالى: الواجب عليك أن تعرف إرسال الرسل، ومراد الله في ذلك، وهو مذكور في قوله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] ، إلى قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: - ١٦٣ ١٦٥] ؛ إذا عرفت ذلك، فاعرف: أن حقنا منهم خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ وذلك مذكور في قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً﴾ [المزمّل: ١٥] . فإذا عرفت هذا، فالعلم الذي أرسله الله به

стр. 158

إليك، وأهم ذلك وأوجبه: أن تعرف أول ما فرضه الله عليك، وذلك في أول ما أنزل الله على رسوله ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثّر: ١-٣] . فأول ما فرض الله عليك وأول ما فرض على نبيه أن ينذر عنه: الإشراك بالله. وأول ما فرض عليك توحيده، فأما الإشراك ففي قوله: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٥] . وأما التوحيد ففي قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٣] . إذا عرفت أن هذا رأس أول الفرائض، فاحرص على معرفة التوحيد، لعلك تؤدي أعظم ما فرض الله عليك. واحرص على معرفة الإشراك بالله، لعلك أن تعرف أعظم ما حرم الله عليك، الذي قال الله فيه:) إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨، ١١٦] . و ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، فتجتنبه، والله أعلم.

стр. 159

(وجوب طاعة النبي ﷺ واتباعه فيما جاء به) وله أيضا: رحمه الله تعالى: المسألة الأولى: أعني هذا الرسول، الذي جعله الله خاتم النبيين، ورحمة للعالمين، هل أمر بإخلاص الدعوة لله، مع جميع العبادات عن أهل الأرض وأهل السماء، وأوصى أمته يدعون الصالحين، وينذرون لهم، ويتعلقون عليهم؟ ! ومعلوم: أنه أمر بإخلاص الدعوة لله، وأمر بتكفير الداعي بغيره، وقتاله، وأدلتها كثيرة، منها: إقرار جميع العلماء، الموافق، والمخالف. الثانية: إذا صح هذا، وعرف طريق النبي، من طريق المشركين، هل يكفي الإقرار به، ومحبته؟ ! أم لا بد من اتباعه، ولو كره المشركون؛ فإن كان لا بد، فمن الاتباع: أنك لا تواد من حاد الله ورسوله، ولو أقرب قريب. الثالثة: أن من اتباعه، طاعته في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . الرابعة: من اتباعه طاعته في قوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ

стр. 160

يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور آية: ٤٨-٤٩-٥٠-٥١] . والله أعلم. (خمس مسائل فيما جاء به الرسول) وله أيضا: المسألة الأولى: أن محمدا ﷺ جاءنا من عند ربنا بالبينات والهدى، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بشيرا ونذيرا. فأول ما أنزل الله عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ١-٢] ؛ أراد الإنذار عن الشرك، قبل الإنذار عن الزنى والسرقة، ونكاح الأمهات. فمن أقر بهذا، وعرف ما عليه أكثر أهل الأرض، من المشرق إلى المغرب، رأى العجب، وفهم المسألة غير فهمه الأول. المسألة الثانية: أنه لما هدم هذا، وأنذر عنه، أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهو التوحيد الذي قال الله فيه: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٣] أي: عظمه بالإخلاص، وليس المراد: تكبير الأذان، والصلاة، فإنه لم يشرع عند نزول الآية. فمن عرف أن هذه المسألة أعظم ما أتى بها، وبشر بها، وعرف ما عليه أكثر أهل الأرض، عرف قدر: المسألة الثالثة. المسألة الثالثة: المعروفة بالضرورة، وهي أن الله بعثه ليصدق، ويتبع، لا يكذب ويُعصَى. فأما من أقر بالمسألتين ثم صرح أن من اتبعه في

стр. 161

التوحيد خرج من دينه، وحل دمه وماله، ومن صدقه في إنذاره وأطاعه وانتذر، خرج من دينه، وحل ماله ودمه، فهذا مع كونه أبلغ من الجنون، فهو من أعظم آيات الله، وعجائب قدرته، على تقليبه للقلوب، كيف يجتمع في قلب رجل يشهد أن التوحيد هو دين الله، ويعاديه، ويشهد أن الشرك هو الكفر ويواليه، ويذب عن أهله باللسان، والسنان، والمال. فإن عرف العبد أن هذا اجتمع في قلبه يوما واحدا فكيف عشر سنين؟ ! فهذا: من أعظم ما يعرفه بالله، وبنفسه؛ فإن عرف ربه، وعرف نفسه تم أمره. المسألة الرابعة: معرفة أن محمدا ﷺ أخبرنا عن الله، أن أفضل الخلق من الملائكة والأنبياء، لو يجري منه الشرك من غير اعتقاد، أنه ممن حبط عمله، وحرمت عليه الجنة. فكيف بغير الأنبياء والملائكة؟ ! فهذه المسألة الرابعة، إن عرفتها في أربع سنين فنعما لك، لكن تعرف أن المتوضئ ينتقض وضوؤه بقطرة بول، مثل رأس الذباب من غير قصد، ولكن قل من يعرفها. المسألة الخامسة: وهي أن محمدا ﷺ أخبر خبرا محققا قطعا، أنه لا بد من الإيمان بالكتاب كله؛ فمن آمن ببعضه، وكفر ببعضه، فهو كافر، والله أعلم.

стр. 162

(ثلاث مسائل فيما أرسل الله به الرسل) وله أيضا: المسألة الأولى: يعرف الإنسان أن الله لما خلقنا ما تركنا هملا، بل أرسل إلينا الرسل، أولهم نوح، وآخرهم محمد ﵈، وحقنا منهم خاتمهم، وأفضلهم محمد ﷺ ونحن آخر الأمم، وجاءنا بكتاب من عند الله. المسألة الثانية: أن الذي في الكتاب يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر. وأكبر المعروف، وأوجبه، أول ما فرض الله، وهو: التوحيد. والتوحيد: اسم لفعلك؛ إن كانت أعمالك كلها لله فأنت موحد. فإن كان فيها شرك للمخلوق، فأنت مشرك. المسألة الثالثة: أنك تعرف أن عقب هذا الموت بعث، وجنة ونار؛ فالذي اتبع ما عليه الرسول في هذا الدين له الجنة، والذي ما أطاعه أو ما رفع رأسا لما جاء به فهو في النار. وهذه المسائل هي التي يسأل عنها الإنسان في قبره، فإن كان ما عرفها ضربته الملائكة بمرزبة من حديد، لو يجتمع عليها أهل منى ما أقلوها. فالواجب على الإنسان أن يخاف النار، ويرجو الجنة. والله المستعان. (معرفة الرسالة التي أرسل الله بها) وقال رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله أن أهم ما عليك معرفة الرسالة، التي أرسل الله إليك، فإنها أصل العلم وقاعدته، فتأمل قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ

стр. 163

يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٨] . وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣-١٦٤-١٦٥] . وأما معرفة حقنا من الرسل، ففي قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شَاهِداً عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذاً وَبِيلاً﴾ [سورة المزمل آية: ١٥-١٦] ، فإن فهمت هذا فهما جيدا، هان عليك معرفة دينك؛ ولكن لا يعرفه معرفة جيدة إلا من عرف حال أكثر الناس، أنهم تبع لأهل زمانهم، ولم يسألوا عن هذا الأمر العظيم، الذي قال الله فيه: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة ص آية: ٦٧-٦٨] . وقوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ عَنِ النَّبَأِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ [سورة النبأ آية: ١-٢-٣] . (فرضية طلب العلم، وكيفية البحث عن الهدى) وذكر ﵀ مسائل: الأولى: أن تعرف أن طلب العلم فريضة، على كل ذكر وأنثى، كما قال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ الآيات [سورة البقرة آية: ٣٨] . الثانية: أنك إذا أردت البحث عن هدى الله الذي جاء من عنده، أنك تبتدي بالأسهل

стр. 164

فالأسهل. وأسهل ما يكون، وأهمه: القصص التي قص الله علينا عن الأنبياء وأممهم. الثالثة: أن أول ما تبتدي به من القصص التي قص الله، قصة أبيك آدم، وإبليس، وما ذكر الله عنهم، وكون آدم لما اعترف بذنبه وتاب، تاب الله عليه. وأكثر الناس يظنون: أن الاعتراف بالذنب مذلة، ويستهزئون بمن أقر بذنبه واعترف وتاب منه، وكون إبليس لعنه الله لما احتج بالقدر، ولم يعترف بذنبه أن الله طرده، وآيسه من رحمته، وكون أكثر الناس يظن أن فعل إبليس هو الذي يرضاه الله، ويزدري على من فعل فعل آدم، نعوذ بالله من سوء الفهم. اللهم إنا نسألك أن ترينا الحق حقا، وترزقنا اتباعه، وأن ترينا الباطل باطلا، وأن ترزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبسا علينا، فنضل، يا أرحم الراحمين، يا من يجيب المضطر إذا دعاه، ويا من يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، أن تقبل منا، وأن تهدينا لما تحب وترضى، والله أعلم. (تعليم الإنسان على قدر فهمه) وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: ينبغي للمعلم: أن يعلم الإنسان على قدر فهمه، فإن كان ممن يقرأ القرآن، أو عرف أنه ذكي، فيعلم أصل الدين، وأدلته، والشرك وأدلته، ويقرأ عليه القرآن، ويجتهد

стр. 165

أنه يفهم القرآن فهم قلب. وإن كان رجلا متوسطا، ذكر له بعض هذا. وإن كان مثل غالب الناس ضعيف الفهم، فيصرح له بحق الله على العبيد، مثل ما ذكر النبي ﷺ لمعاذ، ويصف له حقوق الخلق، مثل حق المسلم على المسلم، وحق الأرحام، وحق الوالدين، وأعظم من ذلك حق النبي ﷺ وأفرضه شهادتك له أنه رسول الله، وأنه خاتم النبيين، وتعلم أنك لو ترفع واحدا من الصحابة في منْزلة النبوة، صرت كافرا، فإذا فهم هذا فقل: حق الله عليك أعظم وأعظم. فإذا سأل عن حق الله فاذكر له أنك تعبده، ولا تصير مثل البدوي. وأيضا تخلص له العبادة، لا تكون مثل من يدعوه، ويدعو غيره، أو يذبح له ولغيره، أو يتوكل عليه وعلى غيره. وكل العبادات كذلك، وتعرفه أن من أخل بهذا حرمت عليه الجنة، ومأواه النار. ولو قدّرنا أنه ما يشرك، فإذا عرف التوحيد، ولا عمل به، ولا أحب وأبغض فيه، ما دخل الجنة، ولو ما أشرك، لأن فائدة ترك الشرك، تصحيح التوحيد. ومن أعظم ما تنبهه عليه التضرع عند الله، والنصيحة، وإحضار القلب في دعاء الفاتحة إذا صلى، والله أعلم.

стр. 166

(أكبر الآيات الدالات على قدرة الله ستة أصول) وقال أيضا الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: من أعجب العجائب، وأكبر الآيات الدالات على قدرة الملك الغلاب: ستة أصول، بينها الله تعالى بيانا واضحا للعوام، فوق ما يظنه الظانون ; ثم بعد هذا غلط فيها كثير من أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم، إلا أقل القليل. الأصل الأول: إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وبيان ضده الذي هو الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة. ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين، والتقصير في حقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين وأتباعهم. الأصل الثاني: أمر الله بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، فبين الله هذا بيانا شافيا كافيا، تفهمه العوام، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا قبلنا فهلكوا، وأذكر أنه أمر المرسلين بالاجتماع في الدين، ونهاهم عن التفرق فيه. ويزيده وضوحا ما وردت به السنة من العجب العجاب في ذلك، ثم صار الأمر إلى أن الافتراق في أصول الدين وفروعه، هو العلم والفقه في الدين، وصار الأمر بالاجتماع في الدين لا يقوله إلا زنديق أو مجنون!

стр. 167

الأصل الثالث: أن من تمام الاجتماع، السمع والطاعة لمن تأمر علينا، ولو كان عبدا حبشيا. فبين الله هذا بيانا شافيا كافيا، بوجوه من أنواع البيان شرعا وقدرا. ثم صار هذا الأصل لا يعرف عند أكثر من يدعي العلم، فكيف العمل به؟ ! الأصل الرابع: بيان العلم والعلماء، والفقه والفقهاء، وبيان من تشبه بهم وليس منهم، وقد بين الله هذا الأصل في أول سورة البقرة من قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٤٠] إلى قوله قبل ذكر إبراهيم: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٢] كالآية الأولى. ويزيده وضوحا ما صرحت به السنة في هذا من الكلام الكثير البين الواضح للعامي البليد. ثم صار هذا أغرب الأشياء، وصار العلم والفقه هو البدع والضلالات، وخيار ما عندهم لبس الحق بالباطل! وصار العلم الذي فرضه الله على الخلق ومدحه، لا يتفوه به إلا زنديق أو مجنون! وصار من أنكره وعاداه وجد في التحذير عنه، والنهي عنه، هو الفقيه العالم!! الأصل الخامس: بيان الله سبحانه للأولياء، وتفريقه بينهم وبين المتشبهين بهم من أعدائه المنافقين والفجار، ويكفي في هذا آية: "آل عمران" وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٣١] ، والآية التي في "المائدة " وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥٤] . وآية في سورة "يونس"

стр. 168

وهي قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٦٢-٦٣] . ثم صار الأمر عند أكثر من يدعي العلم، وأنه من هداة الخلق، وحفاظ الشرع، إلى أن الأولياء لا بد فيهم من ترك اتباع الرسول، ومن اتبعه فليس منهم! ولا بد من ترك الجهاد، فمن جاهد فليس منهم! ولا بد من ترك الإيمان والتقوى، فمن تقيد بالإيمان والتقوى، فليس منهم! يا ربنا نسألك العفو والعافية، إنك سميع الدعاء. الأصل السادس: رد الشبهة التي وضعها الشيطان، في ترك القرآن، والسنة، واتباع الآراء والأهواء المتفرقة المختلفة، وهي: أن القرآن والسنة لا يعرفهما إلا المجتهد المطلق ; والمجتهد هو: الموصوف بكذا وكذا، أوصافا لعلها لا توجد تامة في أبي بكر وعمر؛ فإن لم يكن الإنسان كذلك، فليعرض عنهما فرضا حتما لا شك ولا إشكال فيه. ومن طلب الهدى منهما فهو إما زنديق، وإما مجنون، لأجل صعوبة فهمها! ! فسبحان الله وبحمده، كم بين الله سبحانه شرعا وقدرا، خلقا وأمرا، في رد هذه الشبهة الملعونة من وجوه شتى، بلغت إلى حد الضروريات العامة: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٧] ، و ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [سورة يس آية: ٧-٨] إلى قوله: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ [سورة يس آية: ١١] .

стр. 169

ومما يشبه هذا: أن الله ذكر أنه أنزل القرآن، ليخرج به الناس من الظلمات إلى النور، فظن الأكثر ضد ذلك. الثانية: ذكره أن الإيمان سبب للعلو في الدنيا، فظن الأكثر ضد ذلك. الثالثة: أن الإيمان به واتباعه سبب للعز، فظن الأكثر ضد ذلك. الرابعة: إنزاله عربيا بينا لعلهم يفهمونه، فظن الأكثر ضد ذلك، وأقبلوا على تعلم الكتب الأعجمية لظنهم سهولتها، وأنه لا يوصل إليه من صعوبته. الخامسة: ذكر أنهم لو عملوا به لصلحت الدنيا، فظن الأكثر ضد ذلك، لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٩٦] . السادسة: أنه أنزله تفصيلا لكل شيء، فاشتهر أنه لا يفي هو، ولا السنة بعشر المعشار. السابعة: ذكره سبحانه أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، ليدل على نفي الشرك، فاستدلوا به على حسنه. الثامنة: أمره سبحانه أن يطهره من المشركين فلا يقربونه، فصار الواقع كما ترى. التاسعة: كونه ذكر أن من يتق الله يجعل له مخرجا، ويرزقه من حيث لا يحتسب، فصار ظن الأكثر أن الأمر بخلاف ذلك. العاشرة: ذكره أن من يتوكل على الله فهو حسبه، فصار ظن الأكثر بخلاف ذلك؛ بل ذكر بعض الأجلاء: أنه لا يجلب خيرا، ولا يدفع شرا. الحادية عشر: أن تزوج الفقير سبب لغناه، فصار ظن الأكثر بضده. الثانية عشر: أن صلة الرحم سبب لكثرة المال، فظن الأكثر ضد ذلك، فتركت خوفا

стр. 170

من نقصه. الثالثة عشر: أن الاقتصار على ما جاء به الرسول ﷺ سبب لكثرة العلم، وطلب العلم من غيره سبب للجهل، فصار الأمر كما جرى. الرابعة عشر: صح عنه ﷺ أنه قال لأسماء (ارضخي ما استطعت، ولا توعي فيوعى عليك) ، فذكر سبب الغناء الذي هو عند الأكثر سبب الفقر، وذكر سبب الفقر الذي هو عند الأكثر سبب الغناء، وكذا قوله: (ما نقص مال صدقة) . الخامسة عشر: قوله: (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) ، فذكر سبب زيادة العز الذي يظن الأكثر أنه سبب الذل وزوال العز. السادسة عشر: قوله: (ما فتح أحد على نفسه باب مسألة، إلا فتح الله عليه باب فقر) ، فذكر سبب الفقر الذي هو عند الأكثر سبب لزوال الفقر. السابعة عشر: قوله: (ما تواضع أحد لله إلا رفعه) ، فظنوا ضده. الثامنة عشر: قوله: (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما) إلى آخره، فظنوا ضده التاسعة عشر: أن الجهل بكثير هو العلم، والخوض بالعكس. العشرون: أن الجهاد سبب لبقاء الأنفس والأموال. الحادية والعشرون: كون تركه سببا لعذاب الأنفس وذهاب الأموال. الثانية والعشرون: كون الهجرة عن الأهل والمال سببا لحياة الدنيا، والأصل في هذا قوله: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٩٥] . وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 171

اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٤] . فسرت الحياة بالقتال، والتهلكة بالمقام عنه في الأهل، وفسرت بجمع المال، وترك النفقة. الثالثة والعشرون: قوله: (إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم) ، فظنوا ضده الرابعة والعشرون: قوله في ضده: (أخر عقوبته حتى يوافى بذنبه يوم القيامة) . الخامسة والعشرون: لا إله إلا الله كلمة التقوى، فجعلوها كلمة الفجور. السادسة والعشرون: خلقهم للعبادة، فجعلوها لغيره. السابعة والعشرون: إنزاله الكتاب ليقوم الناس بالقسط، فجعل لغير ذلك. الثامنة والعشرون: إرسال الرسل، ليعلم أنه الإله الواحد، فجعل لغير ذلك. التاسعة والعشرون: إنزال الحديد ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، فجعل لضد ذلك. الثلاثون: شرعت الإمارة لقيام الدين والعدل، وإزالة الباطل، فجعلت لضد ذلك. الحادية والثلاثون: قوله: " ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا " ١ إلى آخره، ضد ما يخافه ويرجوه الوالد لذريته. الثانية والثلاثون، قوله: " هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم " ٢. الثالثة والثلاثون: قوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ١٦] . الرابعة والثلاثون: قوله: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤١] . الخامسة والثلاثون: قوله: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي

стр. 172

شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٣٧] . وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] . السادسة والثلاثون: قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ [سورة القصص آية: ٨] . السابعة والثلاثون: قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيتين [سورة الحج آية: ٥٣] .

стр. 173

(أربعة عشر مسألة في اتباع الناس أهوائهم وتركهم الكتاب والسنة) وقال أيضا ﵀: الأولى: يجوزون على الله أن يأمر بكل شيء، ويفعل كل شيء، وينْزهونه عن حقائق أسمائه وصفاته، ولا يتم التوحيد إلا به. الثانية: وينهون عن تصديق الرسل فيما أخبروا به، ويقلدون طواغيتهم فيما يخالف العقل والنقل، ويقولون: هم أعلم. الثالثة: يفتون بحمل كلام العامي في العقود على شواذ اللغة، التي لم تخطر بباله، ويحرفون كلام الله المحكم، وكلام رسوله الواضح، على غير مراده الرابعة: ويحيلون الجواب على من مات أو غاب، وهو أوغل منهم في الارتياب. الخامسة: ويدعون كمال العلم والإحاطة، ويصرحون أنهم لا يفهمون منه كلمة واحدة. السادسة: ويجزمون بصحة الإجماع، ويكفرون من خالفه، ويقولون: مذهبنا بخلافه، وهو أحكم. السابعة: والعلم المفروض عليهم يحرمون طلبه، وعلومهم التي يدأبون فيها، خيرها ما حرم عليهم السؤال عنه. الثامنة: ويتكلمون بما يقتضي الإحاطة بعلم الله وحكمته في خلقه وأمره، وما ظنوا أنه خلاف الحكمة، قالوا: لا يفعل لحكمة، بل لمشيئة، فإذا رأوا من طواغيتهم خلاف ما أصلوا

стр. 174

لهم من القواعد سلموا لهم، وقالوا: هم أعلم. التاسعة: ثم يتناقضون، فيتكلمون في شرعه بالتعليل الباطل، ويولدون عليه ما شاؤوا. العاشرة: ويتكلمون في عصمة الأنبياء بما يضحك العاقل، ويوسعون الكلام فيه، ويفردونه بالتصنيف؛ والنوع الذي انعقد الإجماع على العصمة فيه - وهو حظهم ونصيبهم - لا يلتفتون إليه، بل يحرمون الالتفات إليه، ولو صح كلامهم في الأول فلا تعلق له بهم. الحادية عشر: ويقولون: الأصول التي يكفر مخالفها، هي التي تعلم بالعقل، وما لا فهي الشرعيات، وهذا تناقض؛ فإن الكفر: إنكار السمعيات، ولا يعرف إلا بها. ومن تدبر هذا عرف أنهم شر من الخوارج، الذين علقوا الكفر بمخالفة الكتاب، ولكن غلطوا. وهؤلاء الذين علقوه بغيره اتفق السلف على أن قولهم شر من قول الخوارج، وارتكبوا معه أربع عظائم: الأولى: رد نصوص الأنبياء. الثانية: رد ما وافقها من العقل. الثالثة: جعل ما خالفها أصولا للدين. الرابعة: تكفيرهم، أو تفسيقهم، أو تخطئتهم من خالفها واتبع الأنبياء، وقد أمرنا أن نتدبر القرآن، ولا يكون إلا إذا كان بينا.

стр. 175

فأما إن احتمل معاني، ولم يبين المراد، لم يمكن أن يتدبر؛ ولهذا تجد من زعمه قد اشتمل كلامهم من الباطل على ما لا يعلمه إلا الله، بل فيه من الكذب في السمعيات نظير ما فيه من الكذب في العقليات، بل منتهى أمرهم إلى القرمطة في السمعيات، والسفسطة في العقليات؛ وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئا من الكتاب والسنة، حتى في المسائل العملية، والقضايا الفقهية. الثانية عشر: والتوحيد عندهم: إنكار صفات الكمال، ونعوت الجلال، والشرك إثباتها؛ ودينهم اتخاذ أكابرهم أربابا من دون الله. الثالثة عشر: ويزعمون أنهم ما عظموهم إلا لأجل الله، ثم يستخفون به، ويسبونه مسبة ما سبها إياه أحد من البشر. الرابعة عشر: ويزعمون أن فعلهم تعظيم وإجلال للأنبياء والصالحين، وهم بذلك يكذبونهم، ويكفرونهم، ويستجهلون من صدقهم وآمن بهم؛ وهذا، والذي قبله: من أعجب العجاب! ! (الإيمان بالأصول الستة) وقال فى بعض تقاريره: اعلم رحمك الله أن الإيمان الشرعي، هو الإيمان بالأصول الستة. فمن الإيمان بالله الإيمان بالكتب التي أنزل الله، والإيمان بالرسل الذين أرسلهم الله. ومن الإيمان بهم معرفة مراد الله في إرسالهم، كما قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ

стр. 176

وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢١٣] . وأما الحكمة الأخرى، فذكرها أيضا في غير موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] إلى قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] . فقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] . وقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] ، هما حكمة الله في إيجاد الخليقة، وإليهما ترجع كل حقيقة. فالواجب على من نصح نفسه أن يجعل معرفة هذا نصب عينيه. ومن تفاصيل هذه الجملة: أن الناس اختلفوا في التوحيد، فجاءت الكتب والرسل، ففصلوا الخصومة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . فشملت أصل الأمر، وأصل النهي، الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. الثانية: أن الذين أقروا بالتوحيد، والبراءة من الشرك، اختلفوا: هل توجب هذه العداوة والمقاطعة؟ أو أنها كالسرقة والزنى؟ فحكم الكتاب بينهم بقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال ﷺ : " إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إن وليي الله والمؤمنون " ١.

стр. 177

الثالثة: أن الذين أقروا بأن الشرك أكبر الكبائر، اختلفوا: هل يقاتل من فعله إذا قال لا إله إلا الله؟ فحكم الكتاب بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٥] . الرابعة: اختلفوا في الجماعة والفرقة، فذهب الصحابة ومن تبعهم إلى وجوب الجماعة وتحريم الفرقة، ما دام التوحيد والإسلام، لأنه لا إسلام إلا بجماعة، وذهب الخوارج، والمعتزلة: إلى الفرقة، وإنكار الجماعة، فحكم الكتاب بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] . الخامسة: اختلفوا في البدع، هل يستحسن منها ما كان من جنس العبادة؟ أم كل بدعة ضلالة؟ فحكم الكتاب بينهم، بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] ، وقوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "، فذكر ﷺ أن ما حدث بعده فليس من الدين، وأنه ضلالة. السادسة: أنهم اختلفوا في الكتاب، هل يجب تعلمه واتباعه على الآخرين لإمكانه، أم لا يجب، ولا يجوز العمل به لهم؟ فحكم الكتاب بينهم بالآيات التي لا تحصى،

стр. 178

منها قوله: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ [سورة آية: ٩٩] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ الآية [سورة طه آية: ١٢٤] . السابعة: اختلفوا في العالم رفيع المقام في العلم والعبادة، إذا عمل تابع النص بخلافه، هل يجوز أم لا؟ فقيل: نعم، من قلد عالما لقي الله سالما. فحكم الكتاب بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٣١] . وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] . وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ الآية [سورة النمل آية: ١٤] . وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١١٦] . فإذا عرفت هذه الآيات المحكمات، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم، من أن طاعة الأحبار والرهبان من دون الله عبادة لهم، وعرفت حال كثير من الناس وما يأمرون به، وما يدعون إليه، وتأملت كلام الله، تبين لك الهدى من الضلال.

стр. 179

(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب عن أحاديث الوعد والوعيد) وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن أحاديث الوعد والوعيد، وقول وهب بن منبه: " مفتاح الجنة لا إله إلا الله " إلخ، وحديث أنس "من صلى صلاتنا " ١ إلخ، فأجاب: ما قال الرسول ﷺ حق يجب الإيمان به، ولو لم يعرف الإنسان معناه؛ وفي القرآن آيات في الوعد والوعيد كذلك. وأشكل الكل على كثير من الناس من السلف ومن بعدهم، ومن أحسن ما قيل في ذلك: أمروها كما جاءت، معناه: لا تتعرضوا لها بتفسير. وبعض الناس تكلم فيها ردا لكلام الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، أو يخلدون أصحابها في النار، أنه ينفي الإيمان عن بعض الناس، لكونه لا يتمه، كقوله للأعرابي: " صل فإنك لم تصل " ٢. والجواب الأول أصوب، وأهون، وأوسع، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٧] . إذا فهمت ذلك، فالمسألة الأولى واضحة، مراده الرد على من ظن دخول الجنة بالتوحيد وحده، بدون الأعمال، وأما إذا أتى به وبالأعمال، وأتى بسيئات ترجح على حسناته، أو تحبط عمله، فلم يتعرض وهب لذلك بنفي ولا إثبات، لأن السائل لم يرده.

стр. 180

وقوله: " من صلى صلاتنا " ١ إلخ فهو على ظاهره، ومعناه: كما لو عرف منه النفاق، فما أظهر يحمي دمه وماله، وإلا فمعلوم أن من صدق مسيلمة، أو أنكر البعث، أو أنكر شيئا من القرآن، وغير ذلك من أنواع الردة، لم يدخل في الحديث. (معنى حديث معاذ (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) وسئل عن معنى: قول النبي ﷺ في حديث معاذ: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ٢ إلى قوله: " أفلا أبشر الناس؟ قال لا تبشرهم فيتكلوا " ٣ ومعنى: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " كيف الصواب؟ فأجاب: أما مسألة معاذ: فالمعنى عند السلف على ظاهره، وهو من الأمور التي يقولون: أمروها كما جاءت، أعني نصوص الوعد والوعيد، لا يتعرضون للمشكل منه. وأما قوله: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " فتلك مسألة أخرى على ظاهرها، أن الله لو يستوفي حقه من عبده، لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٣٥] .
следующие страницы →