← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

أخبر به النبي ﷺ . فإذا كانت هذه الطائفة قد خرجت في عهد الخلفاء الراشدين، فلا بد أن يكون لهم أشباه في هذه الأمة، فاحذروهم; وتأمل قوله تعالى في حق سادات الأمة، أصحاب رسول الله ﷺ : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة الحجرات آية: ٧-٨] ، فليس العجب ممن هلك، كيف هلك، إنما العجب ممن نجا، كيف نجا، والله أعلم. [الجواب عن أسئلة من عمان صدرت من جهمي ضال] وله أيضا ﵀: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد النبي الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما. أما بعد: فقد وردت علينا أسئلة من عمان، صدرت من جهمي ضال، يستعجز بها بعض المسلمين، فينبغي أن نجيب عنها بما يفيد طالب العلم، وما لا فائدة فيه لا يحتاج إلى الاشتغال بالجواب عنه. فمما ينبغي أن نجيب عنه، قوله: إن الاسم مشتق من السمو، أو من السمة، واشتقاق الاسم من هذين، ذكره العلماء رحمهم الله تعالى في كتبهم، لكن يتعين أن نسأله عن كيفية هذا الاشتقاق؟ وما معنى الاشتقاق الذي يذكره

стр. 1157

العلماء؟ فنطلب منه الجواب عن هذين الأمرين؟ وإن كانا مذكورين في كتب النحاة، وغيرهم; وقد ذكرته في فتح المجيد شرح كتاب التوحيد. وأما سؤاله عن الفرق بين القضاء والقدر؟ فالقدر أصل من أصول الإيمان، كما في سؤال جبريل ﵇، وما أجابه به رسول الله ﷺ حين سأله، قال: " الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الأخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره "، وفي الحديث الصحيح: "إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة"١ أي: جرى بما يكون مما يعلم الله تعالى، فإنه تعالى يعلم ما كان وما يكون، وما لم يكن، لو كان كيف يكون ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٣] . وأما القضاء: فيطلق في القرآن ويراد به إيجاد المقدر، كقوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [سورة فصلت آية: ١٢] ، وقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سورة سبأ آية: ١٤] ؛ ويطلق ويراد به: الإخبار بما سيقع مما قدر، كقوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [سورة الإسراء آية: ٤] أخبرهم في كتابهم أنهم يفسدون في الأرض مرتين؛ ويطلق ويراد به الأمر والوصية، كما قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾

стр. 1158

[سورة الإسراء آية: ٢٣] ، أي: أمر ووصى؛ ويطلق ويراد به: الحكم، كقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٩] ؛ ويطلق ويراد به القدر، ونحو ذلك. وأما ما زعمه من أن الأدلة الدالة على استوائه على عرشه، لا تمنع أن يكون مستويا على غيره. فالجواب، أن نقول: قد أجمع أهل السنة والجماعة، قديما وحديثا، على أنه لا يجوز أن يوصف الله بما لم يصف به نفسه، ولا وصفه به رسوله ﷺ ، ومن وصفه بغير ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ فهو جهمي، ضال مضل، يقول على الله بلا علم; وقد ذكر سبحانه استواءه على عرشه، في سبعة مواضع من كتابه: في سورة "الأعراف"، وفي سورة "يونس"، وفي سورة "الرعد"، وفي سورة "طه"، وفي سورة "الفرقان"، وفي سورة "السجدة"، وفي سورة "الحديد". ولم يذكر تعالى أنه استوى على غير العرش، ولا ذكره رسوله ﷺ ، فعلم أنه ليس من صفاته التي يجوز أن يوصف بها; فمن أدخل في صفات الله ما لم يذكر في كتاب الله، ولا في سنة رسوله، فهو جهمي، يقول على الله ما لا يعلم. وقد قال الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل

стр. 1159

آية: ٥٠] ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٥٨] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] ، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٣] علو القدر، وعلو القهر، وعلو الذات; لا يجوز أن يوصف إلا بذلك كله، لكماله تعالى في أوصافه؛ فله الكمال المطلق، في كل صفة وصف بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ وقال تعالى: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ﴾ [سورة غافر آية: ١٥] ، فذكر العرش عند هذه الصفة، من أدلة فوقيته تعالى، كما هو صريح فيما تقدم من الآيات; وكقوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [سورة الشورى آية: ٥] الآية. وذكر النبي ﷺ في معنى قول الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [سورة الحديد آية: ٣] الآية: " اللهم: أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "١ فقوله: "فليس فوقك شيء" نص في أنه تعالى فوق جميع المخلوقات; وهو الذي ورد عن الصحابة، والتابعين من المفسرين وغيرهم، في معنى قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] إن معنى استوى: استقر، وارتفع، وعلا، وكلها بمعنى واحد؛ لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق، يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل، قاتلهم الله أنى يؤفكون، والنصوص الدالة على

стр. 1160

إثبات الصفات، كثيرة جدا. وقد صنف أهل السنة من المحدثين والعلماء، مصنفات كبارا، ومن ذلك: كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد، ذكر فيه أقوال الصحابة والتابعين والأئمة; وكتاب "التوحيد" لإمام الأئمة: محمد بن خزيمة; وكتاب "السنة" للأثرم صاحب الإمام أحمد، و "كتاب" عثمان بن سعيد الدارمي، في رده على المريسي; وكتاب "السنة" للخلال، وكتاب "العلو" للذهبي; وغير ذلك مما لا يحصى كثرة، ولله الحمد والمنة. ونذكر بعض الأحاديث الصريحة في المعنى، فمن ذلك: ما رواه ابن أبي حاتم، عن النواس بن سمعان، قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله تعالى أن يوحي بالأمر، تكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله . فإذا سمع ذلك أهل السماوات، صعقوا، وخروا لله سجدا. فيكون أول من يرفع رأسه جبرائيل، فيكلمه الله من وحيه بما أراد. ثم يمر جبرائيل على الملائكة، كلما مر على سماء، سأله ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبرائيل؟ فيقول جبرائيل: قال الحق، وهو العلي الكبير; فيقولون كلهم مثل ما قال جبرائيل، فينتهي جبرائيل بالوحي، إلى حيث أمره الله ". ففي هذا الحديث التصريح بأن جبرائيل ينْزل

стр. 1161

بالوحي من فوق السماوات السبع، فيمر بها كلها نازلا إلى حيث أمره الله، وهذا صريح بأن الله تعالى فوق السماوات على عرشه، بائن من خلقه، كما قال عبد الله بن المبارك لما قيل له: بم نعرف ربنا؟ قال: "بأنه على عرشه، بائن من خلقه" وهذا قول أئمة الإسلام قاطبة، خلافا للجهمية الحلولية، والفلاسفة، وأهل الوحدة، وغيرهم من أهل البدع، فرحم الله أهل السنة والجماعة، المتمسكين بالوحيين. وصح عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة ﵁ أنه قال: " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش "١، وفي حديث العباس بن عبد المطلب ﵁ الذي رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه: أن النبي ﷺ ذكر سبع سماوات وما بينهما، ثم قال: " وفوق ذلك بحر، بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، ما بين أظلافهن وركبهن كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ظهورهن العرش، ما بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، والله تعالى فوق ذلك "٢. وفي حديث ابن مسعود، الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي، شيخ الإمام أحمد، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود، قال: " بين السماء

стр. 1162

الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء إلى سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله تعالى فوق العرش، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم ". والجهمية جحدوا هذه النصوص، وعاندوا في التكذيب، فصاروا بذلك كفارا عند أكثر أهل السنة والجماعة. وهذا القدر الذي ذكرنا كاف في بيان ما عليه أهل السنة والجماعة، من علو الله تعالى على جميع المخلوقات، واستوائه على عرشه؛ وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك; ولو ذهبنا نذكر ما ورد في ذلك، لاحتمل مجلدا، فالحمد لله الذي حفظ على الأمة دينها، في كتابه وسنة رسوله، وبنقل العلماء الذين هم في هذه الأمة كأنبياء بني إسرائيل، وهدانا إلى ذلك؛ فأبطل الله بالعلماء كل بدعة وضلالة، حدثت في هذه الأمة، فيا لها من نعمة، ما أجلها في حق من تلقى الحق بالقبول، وعرفه، ورضي به! نسأل الله أن يجعلنا شاكرين لنعمه، مثنين بها عليه، فله الحمد لا نحصى ثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني عليه خلقه. فأهل السنة والجماعة عرفوا ربهم بما تعرف به إليهم من صفات كماله اللائقة بجلال الله، فأثبتوا له

стр. 1163

تعالى ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله إثباتا بلا تمثيل، وتنْزيها بلا تعطيل، وعرفوه بأفعاله وعجائب مخلوقاته; وبما أظهره لهم من عظيم قدرته، وبما أسبغه عليهم من عظيم نعمه، فعبدوا ربا أحدا صمدا، إلها واحدا، وهو الله الذي الإلهية وصفه; فالخلق خلقه، والملك ملكه، لا شريك له في إلهيته، ولا في ربوبيته، ولا في ملكه، تعالى وتقدس، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ?مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١-٢] ، ونزهوه عما تنَزه عنه، وعن كل ما فيه عيب ونقص، وعن كل ما وصفته الجهمية وأهل البدع، مما لا يليق بجلاله وعظمته. وأما الجهمية، فعطلوه من صفات الكمال، وصاروا إنما يعبدون عدما، لأنهم وصفوه بما ينافي الكمال، ويوقع في النقص العظيم، فشبهوه بالناقصات تارة، وبالمعدوم تارة، فهم أهل التشبيه، كما عرفت من حالهم وضلالهم ومحالهم. وأما ما أورده هذا الجهمي الجاهل من آيات العلم، كقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٤] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، فلا منافاة بين استوائه على عرشه وإحاطة علمه بخلقه، والسياق يدل على ذلك: أما الآية الأولى، فهي مسبوقة بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي

стр. 1164

سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سورة الحديد آية: ٤] . ذكر استواءه على عرشه، وذكر إحاطة علمه بما في الأرض والسماوات، ثم قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٤] ، أي بعلمه المحيط بما كان وما يكون. وأما الآية الثانية: فهي كذلك مسبوقة بالعلم، وختمها تعالى به، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، فعلم أن المراد: علمه بخلقه، وأنه لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق آية: ١٢] ، وهذا المعنى الذي ذكرنا، هو الذي عليه المفسرون من الصحابة والتابعين والأئمة، وجميع أهل السنة والجماعة. وأما الجهمية وأهل البدع، فحرموا معرفة الحق، لانحرافهم عنه، وجهلهم به، وبالقرآن والسنة، كما قال العلامة بن القيم، رحمه الله تعالى: ثقل الكتاب عليهم لما رأوا تقييده بشرائع الإيمان. ومن المعلوم أنه لا يقبل الحق إلا من طلبه، وأما أهل

стр. 1165

البدع، فأشربوا في قلوبهم ما وقعوا فيه من البدع، والضلال، وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق، فأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون. فإذا عرف ذلك، فيتعين أن نسأل هذا الجهمي وغيره من المبتدعة، عن أمور لا يسع مسلما أن يجهلها، لأن الإسلام يتوقف على معرفتها. فمن ذلك، ما معنى كلمة الإخلاص، لا إله إلا الله؟ وما الإلهية المنفية بلا النافية للجنس؟ وما خبرها؟ وما معنى الإلهية التي ثبتت لله وحده، دون ما سواه؟ وما أنواع التوحيد؟ وألقابه؟ وأركانه؟ وما معنى الإخلاص، الذي أمر الله به عباده، وأخبرهم أنه له وحده؟ وما تعريف العبادة التي خلقوا لها؟ وما أقسام العلم النافع، الذي لا يسع أحدا جهله؟ وما معنى اسم الله تعالى، الذي لا يسمى بهذا الاسم غيره؟ وما صفة اشتقاقه من المصدر الذي هو معناه؟ فالجواب عن هذا مطلوب; والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد سيد المرسلين، وإمام المتقين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

стр. 1166

[رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى راشد بن مطر] وله أيضا، قدس الله روحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه، ومن أحبه ووده; من عبد الرحمن بن حسن، إلى أخيه: راشد بن مطر، سلمه الله تعالى، وزاده علما وإيمانا، وتوفيقا، وتحقيقا، وإذعانا. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فقد وصل إلي خطك، وسرنا ما أشعر به من حسن الحال، من معرفة الإسلام، ومحبته، وقبوله، فتلك النعمة التي لا أشرف منها، ولا أنفع ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] ، ففضله: الإسلام والإيمان; وقيل: القرآن، وهما متلازمان; ورحمته: أن جعلكم من أهله، كما فسر الصحابي ﵁ الآية بهذا. وما ذكرت من قيام الجهمية، والرافضة، والمعتزلة، عليكم، فلا يخفاك أن هذه الفرق الثلاث، قد ابتلى بهم أهل السنة والجماعة، قديما وحديثا، وتشعبت هذه الأهواء شعبا;

стр. 1167

وكل من أقامه الله بدينه والدعوة إليه، ناله منهم عناء ومشقة؛ فهم أعداء أهل الحق في كل زمان ومكان، حكمة بالغة يمتحن حزبه بحربه، كما جرى للرسل من أعدائهم في الدين، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] ليتميز الصادق بصدقه وصبره على دينه، وليتخلف من ليس كذلك ممن ليس له قدم راسخ في الإيمان ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٣] . وبعد الابتلاء والامتحان يحصل النصر والتمكين للمؤمنين الصادقين الصابرين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧٣] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٧] . فمن قامت عليه الحجة فلم يقبل وجادل بالباطل، وجبت عداوته والبراءة منه، ومفارقته بالقلب والبدن. وأما قول الأشاعرة في نفي علو الله تعالى على عرشه فهو قول الجهمية، سواء بسواء; وذلك يرده ويبطله نصوص الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] في ستة مواضع، وكقوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] والعروج إنما هو من أسفل إلى فوق; وقوله: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [سورة النحل آية: ٥٠] ، ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [سورة آل عمران آية: ٥٥] ، و ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾

стр. 1168

[سورة الملك آية: ١٦] الآيتين؛ وكل هذه الآيات نصوص في علو الله تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، على ما يليق بجلاله، بلا تكييف. وقول هؤلاء الأشاعرة: إنه من الجهات الست خالي، قد وصفوه بما يوصف به المعدوم; وهو قد وصف نفسه بصفات الموجود، القائم على كل نفس بما كسبت; وفي الأحاديث من أدلة العلو ما لا يكاد يحصر إلا بكلفة، كقوله في حديث الرقية: "ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك "١ الحديث; وجوهرة السنوسي، ذكر فيها مذهب الأشاعرة، وأكثره مذهب الجهمية المعطلة، لكنهم تصرفوا فيه تصرفا لم يخرجهم عن كونهم جهمية. ومذهبهم: أن القرآن عبارة عن كلام الله، لا أنه كلامه تكلم به; وخالفوا الكتاب والسنة; قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة الفتح آية: ١٥] ، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦] ، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٧] ، والأدلة على هذا كثيرة جدا; والأشعري له كتب في إثبات الصفات، وهذا المذهب الذي نسبه إليه هؤلاء، تبرأ منه في كتابه الإبانة، والمقالات، وغيرها.

стр. 1169

وكثير من أهل العلم يكفرون نفاة الصفات، لتركهم ما دل عليه الكتاب والسنة، وعدم إيمانهم بآيات الصفات; وأما من جحد توحيد الإلهية ودعا غير الله، فلا شك في كفره، وقد كفره القرآن; والسنوسي، وأمثاله من المتأخرين، ليسوا من السلف، ولا من الخلف المعروفين بالنظر والبحث، بل هو من جهلة المتأخرين المقلدين لأهل البدع، وهؤلاء ليسوا من أهل العلم. والخلف فيهم من انحرف عن السنة إلى البدع، وفيهم من تمسك بالسنة، فلا يسب منهم إلا من ظهرت منه البدعة، وأما ابن حجر الهيتمي فهو من متأخري الشافعية، وعقيدته عقيدة الأشاعرة النفاة للصفات، ففي كلامه حق وباطل. وأما الدعاء بعد المكتوبة ورفع الأيدي، فليس من السنة، وقد أنكره شيخ الإسلام لعدم وروده على هذا الوجه؛ وأما أهل البدع، فيجب هجرهم والإنكار عليهم، إذا ابتليتم بهم; وتأملوا مصنفات الشيخ، وتأملوا كلامه ﵀، تجدوا فيه البيان، والفرقان; وحديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي التي تمسكت بما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه. وأما الأفغانية، الذين جاؤونا، فبلغنا أنهم يرون رأي الخوارج، معهم غلو، وقد شدد النبي ﷺ في الغلو، وأخبر

стр. 1170

عن الخوارج أنهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، وأمر بقتلهم; وسبب غلوهم: الجهل بما دل عليه الكتاب والسنة، فأداهم جهلهم، وقصورهم في الفهم، إلى أن كفروا أصحاب رسول الله ﷺ من السابقين الأولين. فإذا كان قد جرى في عهد النبوة من يطعن على رسول الله ﷺ ويكفر أصحابه، فلا يبعد أن يجيء في آخر هذه الأمة من يقول بقولهم ويرى رأيهم; والذين هاجروا إلينا وبايعونا، ما ندري عن حقيقة أمرهم; وعلى كل حال، إذا عملتم بالتوحيد، وأنكرتم الشرك والضلال، وفارقتم البدع، فلا يلزمكم هجرة عن الوطن والمال، بل يجب عليكم الدعوة إلى الله، وطلب أدلة التوحيد في كتاب الله، وتأمل كلام الشيخ في مصنفاته؛ فإنه ﵀ بين، وحقق، والسلام. وأجاب أيضا: وأما قول أهل التأويل للصفات: إن الله تعالى منَزه عن الجهات، فهذه شبهة، أرادوا بها نفي علو الرب على خلقه، واستوائه على عرشه، وقد ذكر استواءه على عرشه في سبعة مواضع من كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] في آية الكرسي وغيرها من القرآن; فأثبت لنفسه العلو بأنواعه الثلاثة: علو القهر والقدرة، وعلو الذات; ومن نفى علو الذات، فقد سلب الله تعالى وصفه، وقد قال

стр. 1171

تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، وقال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٥٨] ، وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، وحديث المعراج الذي تواترت به السنة يدل على علو الله على خلقه، وأنه على عرشه فوق سماواته، وهذا مذهب سلف الأمة، وأئمتها; ومن تبعهم من أهل السنة والجماعة يثبتون لله ما أثبته لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من صفات كماله ونعوت جلاله، على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل، وتنْزيها بلا تعطيل، تعالى الله عما يقول المحرفون المنحرفون علوا كبيرا. وقال أيضا على قول الشيخ ابن غنام ﵀، في كتابه "العقد الثمين" وقوله: "وكتبه" أي: أنها منَزلة من عنده، وأنها كلامه القديم، قال: اعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى يتكلم إذا شاء; وقوله: وأنها كلامه القديم، هذا قول الكرامية ; وأهل السنة لا يقولون هذا، بل يقولون: إنها وحيه أوحاه إلى جبريل، وسمع كلام الرب تعالى، وبلغه رسله، وكتب تعالى التوراة بيده، كما صح ذلك على ما يليق بجلاله، وهذا قول السلف؛ وجميع ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله، يثبتون ذلك إثباتا بلا تمثيل، وتنْزيها بلا تعطيل، فلا ينفون ما أثبته، ولا يثبتون ما نفاه،١ والله أعلم.

стр. 1172

[جواب الشيخ عبد الرحمن بن حسن عن قول الخطيب الحمد لله الذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى عن قول الخطيب: الحمد لله الذي تحيرت العقول في مبدأ أنواره، وتاهت الألباب في صمديته، وكنه ذاته؟ فأجاب: هذه الألفاظ، ابتدعها من تمسك بقول أهل الكلام الحادث المذموم; فإنهم الذين تاهوا، وتحيروا في الإيمان الذي دعت إليه الرسل، ونزلت به الكتب، وإلا فطريقة القرآن حمد الله لنفسه بأسمائه وصفاته، وما يعرف به، ويوجب الإيمان به ومعرفته وإثبات ربوبيته وصفات كماله؛ فهذا هو توحيد المعرفة والإثبات الذي هو توحيد المرسلين، ودعوا به الأمم إلى توحيد الإرادة والقصد، الذي هو توحيد الإلهية; فإن الرب الذي أبدع لخلقه ما يشاهدونه من عظيم مخلوقاته، وتعرف إليهم بذلك، وبما دلهم عليه من كمال صفاته وتصرفه في مخلوقاته، هو الرب الذي لا يستحق العبادة غيره. فالرسل وأتباع الرسل كمل الله إيمانهم بذلك العلم، والعمل; فقد قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] فحمد نفسه بما يوجب الإيمان به ومعرفته، من عظيم

стр. 1173

مخلوقاته، واستدل بأدلة ربوبيته على ما يستلزمه من إلهيته، فقال: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] فأنكر الشرك في حق من هذا وصفه، وإنكار الشرك يقتضي توحيد العبادة، بأن لا يراد غيره، ولا يقصد سواه، فانتظم ذلك نوعي التوحيد. وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا قَيِّماً﴾ [سورة الكهف آية: ١] فحمد نفسه على إنزال الكتاب الذي هو أعظم نعمة أنعمها على أهل الأرض، وهو يقتضي الإيمان بالكتب والرسل؛ وهو صراط الله المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء; فهذا وأمثاله هو طريقة القرآن; يحمد نفسه على ما يتعرف به إلى خلقه، ليعرفوه بذلك الذي أبدعه، وأوجده، وأنعم به، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة فاطر آية: ١] الآية، وأمثال هذا في القرآن. وبتدبره والعلم به يحصل به كمال الإيمان، وتنتفي الحيرة، ويحصل كمال الهداية، ويعصم القلوب أن تتيه في ربها، وصفاته; فكل ما وصف به نفسه، فلا حيرة فيه عند أهل الإيمان الذين عرفوه بما تعرف به إليهم في كتابه، واطمأنت قلوبهم بالإيمان به، وجعلوه قصدهم ومرادهم. وأما أهل الجدل من أهل الكلام، فهم الذين تحيروا وتاهوا، كما أخبر بذلك نفر من متقدميهم، كما هو معروف لديكم بحمد الله.

стр. 1174

كتب بعض تلامذة الشيخ: عبد الرحمن بن حسن له كتابا، وقال في آخره: إنه على ما يشاء قدير، فقال الشيخ عبد الرحمن: هذه كلمة اشتهرت على الألسن من غير قصد، وهو قول الكثير، إذا سأل الله شيئا قال: وهو القادر على ما يشاء، وهذه الكلمة يقصد بها أهل البدع شرا، وكل ما في القرآن: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة المائدة آية: ١٢٠] وليس في القرآن والسنة، ما يخالف ذلك أصلا، لأن القدرة شاملة كاملة، وهي والعلم: صفتان شاملتان، يتعلقان بالموجودات والمعدومات; وإنما قصد أهل البدع بقولهم: وهو القادر على ما يشاء، أي: القدرة لا تتعلق إلا بما تعلقت المشيئة به. وكتب إليه أيضا يهنيه بقدوم ابنه الشيخ عبد اللطيف من مصر، وتوسل إلى الله في دعائه بصفاته الكاملة التي لا يعلمها إلا هو. فكتب إليه قال: وذكرت في وسيلة دعوتك، جزاك الله أحسن الجزاء عن تلك الدعوات، قلت: وأتوسل إليك بصفاتك الكاملة التي لا يعلمها إلا أنت; فاعلم: أن الذي لا يعلمها إلا هو كيفية الصفة; وأما الصفة فيعلمها أهل العلم بالله، كما قال الإمام مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ففرق هذا الإمام بين ما يعلم منه معنى الصفة، على ما يليق بالله، فيقال: استواء لا يشبه استواء المخلوق،

стр. 1175

ومعناه ثابت لله، كما وصف به نفسه، وأما الكيف، فلا يعلمه إلا الله، فتنبه لمثل هذا، فالإمام مالك تكلم بلسان السلف. [رسائل الشيخ أبي بطين] قال الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ تسليما كثيرا. أما بعد: فقد جرت مناظرة بيننا وبينكم في كلام الله تعالى، هل هو مخلوق، أم لا؟ فذكرت أن اختياركم الوقف: فلا تقولون مخلوق، ولا غير مخلوق; وزعمت أن الخلاف في ذلك لفظي. فأما قولكم: إن الخلاف في ذلك لفظي، فليس الأمر كذلك; وإنما يقال: الخلاف لفظي بين المعتزلة والأشاعرة; لأن المعتزلة يقولون: كلام الله مخلوق; والأشاعرة يقولون: ليس بمخلوق; والكلام عندهم: المعنى; ويقولون: الحروف مخلوقة; فقالت المعتزلة: لا خلاف بيننا وبينكم، لأن الكلام هو الحروف، فإذا أقررتم بأن الحروف مخلوقة، ارتفع النّزاع، فيكون الخلاف بين الفريقين

стр. 1176

لفظيا. وأما مذهب أهل السنة والجماعة، فهو مخالف للمذهبين خلافا معنويا، لأنهم يقولون: كلام الله غير مخلوق; والكلام عندهم: اسم للحروف والمعاني; فتبين بذلك غلط من قال: إن الخلاف في ذلك لفظي. ومذهب أهل التوحيد والسنة: أن الله يتكلم بحرف وصوت ; وأن القرآن كلام الله: حروفه ومعانيه; وأن موسى سمع كلام الله منه بلا واسطة; والقرآن والسنة يدلان على ذلك دلالة صريحة، ولله الحمد والمنة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، ففرق بين الإيحاء المشترك، وبين التكليم الخاص. وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٤] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [سورة لقمان آية: ٢٧] ، وقال: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٥] ، وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٧٥] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ

стр. 1177

كَلامَ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٦] . والآيات في ذلك كثيرة. وأما السنة فأكثر من أن تحصى; منها: أمره ﷺ بالاستعاذة بكلمات الله، في عدة أحاديث، وقوله ﷺ " ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه، ليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان "١. فمن قال: إن الله لا يتكلم، فقد رد على الله ورسوله، وكفره ظاهر; وقد ذكرتم أن العرب يضيفون الفعل إلى غير الفاعل، فهذا لا ينكر، أعني وجود المجاز في لغة العرب. وأما وقوع المجاز في القرآن، ففيه خلاف بين الفقهاء، حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكر أن أكثر الأئمة لم يقولوا: إن في القرآن مجازا؛ ورد القول بوجود ذلك في القرآن، واستدل بأدلة كثيرة؛ وعلى تقدير جواز وجوده في القرآن، فمن المعلوم أنه لا يجوز صرف الكلام عن حقيقته حتى تجمع الأمة على أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك؛ ولو ساغ ادعاء المجاز لكل أحد، ما ثبت شيء من العبادات، ولبطلت العقود كلها، كالأنكحة، والطلاق، والأقارير، وغيرها، وجل الله أن يخاطب الأمة إلا بما تفهمه العرب من معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين. وأيضا فالكلام إذا قام الدليل على أن المتكلم به عالم ناصح مرشد، قصده البيان والهدي والدلالة، والإيضاح بكل طريق، وحسم مواد اللبس ومواقع الخطأ،

стр. 1178

وأن هذا هو المعروف المألوف من خطابه، وأنه اللائق بحكمته، لم يشك السامع في أن مراده هو ما دل عليه ظاهر كلامه. قال شيح الإسلام ابن تيمية، في أثناء كلام له: ومعلوم باتفاق العقلاء أن المخاطب المبين، إذا تكلم بمجاز، فلا بد أن يقرن بخطابه ما يدل على إرادة المعنى المجازي، فإذا كان الرسول المبلغ المبين، الذي بين للناس ما أنزل إليهم، يعلم أن المراد بالكلام خلاف مفهومه أو مقتضاه، كان عليه أن يقرن بخطابه ما يصرف القلوب عن فهم المعنى الذي لم يرده، لا سيما إذا كان لا يجوز اعتقاده في الله، فإنه عليه أن ينهاهم عن أن يعتقدوا في الله ما لا يجوز اعتقاده، وإذا كان ذلك مخوفا عليهم، ولو لم يخاطبهم بما يدل على ذلك، فكيف إذا كان خطابه هو الذي يدلهم على ذلك الاعتقاد الذي تقول النفاة هو اعتقاد باطل ... إلى أن قال: وهذا كلام بين لا مخلص لأحد عنه، انتهى. وأيضا فالأدلة الدالة على أن الله يتكلم حقيقة، أكثر من أن يمكن ذكرها ها هنا؛ فإن الله سبحانه فرق بين الإيحاء المشترك بين الأنبياء، وبين التكليم الخاص لموسى، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] إلى قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، فلو لم يكن موسى ﵇ سمع كلام الله منه بلا واسطة، لم يكن له مزية على غيره من

стр. 1179

الرسل، ولم يكن في تخصيصه بالتكليم فائدة، ولم يسم كليم الله; وقد قال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٤] . وأيضا، فقد قال الفراء: إن الكلام إذا أكد بالمصدر، ارتفع المجاز، وثبتت الحقيقة، وقد أكد الفعل بالمصدر، في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [سورة الشعراء آية: ١٠] ، وقال: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٢] ، وقال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [سورة طه آية: ١١-١٢] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] ، الآية، ففي هذا ونحوه، دلالة صريحة أن الله كلم موسى وناداه بنفسه بلا واسطة، وموسى سمع كلام الله ونداءه، لأنه لا يجوز لغير الله أن يقول: ﴿إني أنا الله رب العالمين﴾ . وقد ذكر الإمام أحمد، ﵀، في كتاب: الرد على الجهمية، عن الزهري، قال: لما سمع موسى كلام الله قال: يا رب هذا الكلام الذي سمعته، هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى، هو كلامي; وإنما كلمتك بقوة عشرة آلاف لسان; ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك بقدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت. فلما رجع موسى إلى قومه، قالوا: صف لنا كلام ربك; فقال: سبحان الله، وهل أستطيع أن أصفه لكم؟!

стр. 1180

قالوا: فشبهه; قال: هل سمعتم أصوات الصواعق، التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله; وروى عبد الله بن أحمد، في كتاب: السنة قال: حدثني محمد بن بكار قال: أخبرنا أبو معشر، عن محمد بن كعب، قال: قال بنو إسرائيل لموسى: بم شبهت صوت ربك، حين كلمك من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته، بصوت الرعد حين لا يترجع. وأيضا في الصحيحين عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ :" ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله يوم القيامة، ليس بينه وبينه ترجمان، فينظر أيمن منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر أشأم منه فلا يرى إلا شيئا قدمه، ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار، فمن استطاع منكم أن يقي وجهه النار ولو بشق تمرة، فليفعل "١، وروى جابر بن عبد الله، قال لما قتل عبد الله بن عمرو بن حرام، قال رسول الله ﷺ : " يا جابر ألا أخبرك ما قال الله لأبيك؟ قال: بلى، قال: وما كلم الله أحدا إلا من وراء حجاب، وكلم أباك كفاحا، قال يا عبد الله، تمن علي أعطك، قال: يا رب، تحييني فأقتل فيك ثانية، قال: إنه سبق مني أنهم إليها لا يرجعون، قال: فأبلغ من ورائي، فأنزل الله : ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ ٢") رواه ابن ماجه وغيره; ففي هذين الحديثين ما يبطل دعوى مدعي المجاز، ويدحض

стр. 1181

حجته، ويرغم أنفه. وقال النبي ﷺ : " ما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه "١ يعني: القرآن، وقال خباب بن الأرت: يا هنتاه تقرب إلى الله بما استطعت، فلن تتقرب إليه بشيء أحب إليه مما خرج منه، وقال أبو بكر الصديق ﵁ لما قرأ عليه قرآن مسيلمة الكذاب، فقال: إن هذا كلام لم يخرج من إل، يعني: رب; فوضح بما ذكرناه: أن الله يتكلم حقيقة، وأن من ادعى المجاز بعد هذا البيان، فقد شاق الله ورسوله، ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] . [فصل ما استدل به بعض المعتزلة على أن كلام الله مخلوق] فصل: وقد ذكرتم ما استدل به بعض المعتزلة على أن كلام الله مخلوق، وهو قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [سورة الحديد آية: ٣] ، ولا يشك من له عقل أن من دل الخلق على أن كلام الله مخلوق، بقوله: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ [سورة الحديد آية: ٣] لقد أبعد النجعة; وهو إما ملغز، وإما مدلس، لم يخاطبهم بلسان عربي مبين، وقد قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] ، وقال النبي ﷺ : " وإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم "٢، مع أنه ليس في هذه الآية شبهة لمن احتج بها، فلله الحمد والمنة; ولا يشبه بها على رعاع الناس إلا من أزاغ الله قلبه، نسأل الله العافية.

стр. 1182

وقلتم: الحروف يلزمها التعاقب، ويتقدم بعضها بعضا، فيلزم أن تكون مخلوقة، قلنا: إنما يلزم التعاقب في حق من يتكلم من المخارج; والله غير موصوف بذلك. وأيضا: فواجب على كل مكلف التسليم لما جاء في الكتاب والسنة، ولا يعارض بزخارف المبطلين وهذيان الملحدين، قال تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٦٥] ؛ فمن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم. [فصل في القول بأن القرآن غير مخلوق لم يقله السلف] فصل: وقلتم: إن القول بأن القرآن غير مخلوق، لم يقله السلف، وإن عدم القول بذلك هو الصواب، وأنه هو اعتقادكم، فلا تقولون مخلوقا ولا غير مخلوق. فأما قولكم: إن هذا القول لم يقله السلف; فلا ندري، من يعني بالسلف عندكم؟ فإن كان يعني بالسلف عندكم: جعد، وجهم، وابن أبي دؤاد، وأتباعهم، كأبي علي الجبائي، وأبي هاشم، وأتباعهم من الجهمية والمعتزلة، فصدقتم بأن هؤلاء لم يقولوا هذه المقالة، وإنما قالوا: القرآن مخلوق، وبعدا لمن كان هؤلاء سلفه، واستبدل سبيلهم بسبيل النبي ﷺ وصحابته. وما عوض لنا منهاج جهم ... بمنهاج ابن آمنة الأمين

стр. 1183

وإن كان يعني بالسلف عندكم: الصحابة، والتابعون، وأئمة الإسلام، الذين لهم لسان صدق في الأمة، الذين رفع الله قدرهم وأعلى منْزلتهم، الذين هم سلف الأمة حقا، فأخطأتم في نسبة عدم القول بذلك إليهم; فإنهم كلهم مجمعون على أن القرآن كلام الله غير مخلوق; قال علي بن أبي طالب ﵁ في القرآن: "ليس بخالق، ولا مخلوق; ولكنه كلام الله، منه بدا وإليه يعود" ذكر هذا الكلام عن علي، الشيخ الحافظ عبد الغني المقدسي، وذكر أيضا عن عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس ﵄، أنهما قالا: القرآن كلام الله، منه بدا وإليه يعود. فقولهم ﵃: منه بدا، أي: هو المتكلم به، وهو الذي أنزله من لدنه; ليس هو كما تقوله الجهمية: أنه خلق في الهواء، أو غيره، أو بدا من غير الله. وأما إليه يعود، فإنه يسرى به في آخر الزمان من المصاحف والصدور، فلا يبقى منه كلمة ولا في المصاحف منه حرف. وقال سفيان بن عيينة: سمعت عمرو بن دينار يقول: أدركت مشايخنا، والناس، منذ سبعين سنة يقولون: "القرآن كلام الله، غير مخلوق، منه بدا، وإليه يعود" رواه محمد بن جرير، وهبة الله بن الحسن، الطبريان في كتاب السنة لهما، وقد أدرك عمرو بن دينار: أبا هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وغيرهم من أصحاب رسول الله ﷺ ؛ فهذا يدل على

стр. 1184

شهرة القول بذلك في زمن الصحابة ﵃، الذين أدركهم عمرو بن دينار، على شهرته عند التابعين، وأنهم كلهم على ذلك. وقال البخاري: حدثنا سفيان ابن عيينة قال: "أدركت مشيختنا، منذ سبعين سنة، منهم عمرو بن دينار، يقولون: القرآن كلام الله، غير مخلوق". فعمرو بن دينار حكاه عن مشيخته والناس، وسفيان حكاه أيضا عن مشيخته; فهذا صريح في الدلالة على اشتهار هذا القول في القرون التي أثنى عليها رسول الله ﷺ . وكلام أئمة الإسلام في ذلك أكثر من أن يمكن ذكره هنا; كأبي حنيفة، ومالك، والأوزاعي، والليث، والثوري، والشافعي، وابن المبارك، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، والبخاري، وغيرهم من أئمة الحديث، وكلهم على ذلك مجمعون، ولكتاب ربهم وسنة نبيهم متبعون، وحكى غير واحد الإجماع على ذلك. قال الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء، في جميع الأمصار، حجازا، وعراقا، ومصرا، وشاما، ويمنا، فكان في مذاهبهم: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، والقرآن كلام الله، غير مخلوق بجميع جهاته، والقدر خيره وشره من الله، وأن الله تعالى على عرشه، بائن من خلقه، كما وصف نفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله، بلا كيف ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ،

стр. 1185

﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] . وقد ذكرتم: أن بعض السلف قال بخلق القرآن، كابن المديني; فلا شك أن ابن المديني وابن معين، وغيرهما من أئمة الحديث، أجابوا في المحنة كرها، واعتذروا بالإكراه، لما عاب عليهم الأئمة، وهجرهم الإمام أحمد، ولم يعذرهم، واحتج عليه ابن معين بعمار ﵁ حين أكرهه أهل مكة على كلام الكفر; ورد عليه أحمد، بأن قال: إن عمارا ضرب، وأنتم قيل لكم نريد أن نضربكم، ومن المعلوم: أنه لم يثبت في المحنة إلا القليل، والأكثرون: أجابوا مكرهين; ومن نسب القول بذلك إلى ابن المديني أو غيره من أهل الحديث، بعد تصريحهم بأنهم إنما أجابوا كرها، فقد قال ما لا يعلم، ونسب إليهم ما هم براء منه. وذكرتم أن ابن علية قال بذلك، فهذا لا ينكر; وابن علية معروف عند أهل السنة بالبدعة; وكلام الأئمة في ذمه كثير; والبخاري وإن روى عنه، فهو عنده من أهل البدع; وقد روى البخاري عن غيره من أهل البدع، لأن الرجل إذا عرف منه الصدق والإتقان لما روى، جازت الرواية عنه، ولا يخرجه ذلك عن كونه مبتدعا، قال البيهقي في مناقبه: ذكر الشافعي إبراهيم ابن علية، فقال: أنا مخالف له في كل شيء، وفي قول: لا إله إلا الله، لست أقول كما

стр. 1186

يقول، أنا أقول: لا إله إلا الله، الذي كلم موسى من وراء حجاب، وذلك يقول: لا إله إلا الله الذي خلق كلاما، أسمعه موسى من وراء حجاب. وأما قولكم: إن الصواب في هذه المسألة، الوقف، وإنه هو اعتقادكم، لا تقولون مخلوق، ولا غير مخلوق; فمضمون هذه المقالة: أن الله يحب منا أن نقف موقف الحيارى الشاكين، ونبقى في الجهل البسيط، لا نعرف الحق من الباطل، ولا الهدى من الضلال، مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وأن الله يحب عدم العلم بما جاء به الرسول ﷺ ويحب منا الحيرة والشك. ومن المعلوم أن الله لا يحب الجهل، ولا الشك، ولا الحيرة، ولا الضلال، وإنما يحب الدين، والعلم، واليقين; وقد ذم الله الحيرة، بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُنَا وَلا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٧١] . ومن المعلوم أنه لا بد أن يكون كلام الله في نفس الأمر، مخلوقا، أو غير مخلوق، لا غير، وأن النبي ﷺ كان يعتقد أحد الأمربن، لا غير; وإذا كان الأمر كذلك، فلابد أن يكون الرسول ﷺ قد دل أمته على ما يعتقدونه من ذلك، قال ﷺ : " تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك "١، وقال فيما صح عنه أيضا: " ما بعث الله من نبي، إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه

стр. 1187

لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم "١، وقال أبو ذر ﵁: "لقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء، إلا ذكر لنا منه علما"٢؛ محال مع تعليمهم كل شيء لهم فيه منفعة في الدين- وإن دقت- أن يترك تعليمهم ما يقولونه بألسنتهم، ويعتقدونه بقلوبهم، في ربهم ومعبودهم، الذي معرفته غاية المعارف، وعبادته أشرف المقاصد، والوصول إليه غاية المطالب، فكيف يتوهم من في قلبه أدنى مسكة من إيمان وحكمة، أن لا يكون بيان هذا الباب قد وقع من الرسول ﷺ على غاية التمام؟!. وقد أخبر ﷺ بأن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فقد علم ما سيكون، ثم قال: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله "٣، فالرب عالم بما سيقع من التنازع، فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، ومن المحال أن يأمرهم برد ما تنازعوا فيه إلى ما لا يفصل النّزاع، ويبين الحق من الباطل. وقد أمرنا الله سبحانه، أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦-٧] وفي صحيح مسلم: أن النبي ﷺ كان يقول إذا قام من الليل يصلي: " اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه

стр. 1188

يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم "١، فهو: يسأل ربه أن يهديه لما اختلف فيه من الحق، فكيف يكون محبوب الله عدم الهدى في مسائل الخلاف؟! وقد قال الله له: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [سورة طه آية: ١١٤] . وأيضا فالشك والحيرة ليست محمودة في نفسها، باتفاق المسلمين، غاية ما في الباب أن من لم يكن عنده علم بالنفي ولا الإثبات، يسكت; فأما من علم الحق بدليله، الموافق لبيان رسول الله ﷺ ، فليس للواقف الشاك الحائر أن ينكر على هذا العالم المتبع للرسول ﷺ العالم بالمنقول والمعقول، قال الإمام أحمد ﵀: من لم يقل القرآن كلام الله، غير مخلوق، فهو يقول مخلوقا. والأمر كما قال ﵀، فإنا نجد بعض من يقول بالوقف، يعيب على من ينفي الخلق عن كلام الله، ويحتج عليه بحجج القائلين بالخلق، كما أوردتم شيئا من ذلك، وعبتم على الإمام أحمد ﵀ في كلامه في هذه المسألة; قلتم: إن أحمد جعل هذه المسألة عديلة التوحيد; قلتم ذلك اتباعا لمن استوفى نصيبه من الحمق والجهل، صاحب الكتاب، المسمى: بـ "العلم الشامخ" وقد عاب في كتابه ذلك على الإمام أحمد، ونسبه إلى التعصب، وطعن أيضا على غيره من أئمة الحديث وأهل السنة; ولقد أحسن القائل:

стр. 1189

وإذا أتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني فاضل. فلو أن هذا المسكين أمسك لسانه عن تنقص أئمة الإسلام، لكان أستر له، وهو لم يضر إلا نفسه، لا يضرهم كلامه كما قيل: وهل حط قدر البدر عند طلوعه كلاب إذا ما أنكرته فهرت. وما أن يضر البحر إن قام أحمق على شطه يرمي إليه بصخرة. والذي ينبغي لهذا وأمثاله، إذا هجمت بهم ذنوبهم عن استبانة الحق، أن يمسكوا ألسنتهم عن عيب أهل السنة، والطعن عليهم، ويلجؤوا إلى الله في سؤال الهداية; نسأل الله أن يهدينا وإخواننا المسلمين الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين. [فصل في قول الجهمية إن موسى لم يسمع كلام الله منه] وقد ذكرتم قول الجهمية إن موسى لم يسمع كلام الله منه، إنما سمعه من غيره، من الشجرة أو غيرها، لأن الكلام لا يكون إلا من جوف وفم ولسان وشفتين. فأما قولكم: إن موسى لم يسمع كلام الله منه حقيقة، وإنما سمعه من غيره، فهذا ظاهر البطلان لأنه لا يجوز لغير الله أن يقول: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] ﴿يَا مُوسَى? إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى

стр. 1190

إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه آية: ١١-١٢-١٣-١٤] . فمن زعم ذلك، فقد زعم أن غير الله ادعى الربوبية والإلهية; ولو كان - كما زعم - القائل، المخاطب لموسى غير الله، كان يقول ذلك المخاطب: يا موسى إن الله رب العالمين، يا موسى الله ربك، لا يجوز له أن يقول: ﴿إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] ، ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [سورة طه آية: ١٢] ، وهذا مما احتج به الإمام أحمد على الجهمية، فيا له من بيان ما أوضحه! وحجة ما أقطعها للمنازع! وأما قولكم: إن الكلام لا يكون إلا من جوف، وفم، ولسان، وشفتين، فهذا باطل لأن الله تعالى قال للسماوات والأرض: ﴿ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ١١] أتراها قالت: بفم، ولسان، وشفتين؟ والجوارح إذا شهدت على الكافر، قالوا: ﴿لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٢١] أتراها نطقت بلسان وأدوات؟ قال: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [سورة يس آية: ٦٥] أتراها: تكلمت بجوف، وفم، ولسان، وشفتين؟! ولكن الله أنطقها كيف شاء، فكذلك تكلم الله كيف شاء، من غير أن نقول بجوف، ولا فم، ولا لسان. ولا شفتين. وقال النبي ﷺ : " إني لأعرف حجرا كان يسلم علي "١، وسبح الحصى في كف رسول الله ﷺ وكف أبي بكر،

стр. 1191

وعمر، وعثمان. وقال ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل; وجاء: إن في آخر الزمان يكلم الرجل سوطه، ونحو ذلك كثير، ولا خلاف في أن الله قادر على أن ينطق الحجر الأصم، من غير مخارج، فبطل ما ادعوه من أن الحروف لا تكون إلا من مخارج. ومن الدليل على اتصاف الله بالكلام حقيقة، قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٨] ، نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم، ولا يهدي، لا يصلح أن يكون إلها؛ وكذلك قوله تعالى في الآية الأخرى، عن العجل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ [سورة طه آية: ٨٩] ، فجعل امتناع صفة الكلام والتكلم، وعدم ملك الضر والنفع، دليلا على عدم الإلهية; وهذا دليل عقلي سمعي، على أن الإله لا بد أن يكلم، ويتكلم ويملك لعابده النفع والضر; وإلا لم يكن إلها. ومما استدل به أحمد وغيره من الأئمة، على أن كلام الله غير مخلوق، قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] قالوا: فلما قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ لم يبق شيء مخلوق إلا كان داخلا في ذلك، ثم ذكر ما ليس بمخلوق فقال: ﴿وَالْأَمْرُ﴾ وأمره، هو: قوله ﵎،

стр. 1192

فلا يكون خلقا. واستدل الإمام أحمد على الجهمية لما قالوا: إن كلام الله مخلوق، فقال: وكذلك بنو آدم، كلامهم مخلوق; فشبهتم الله بخلقه، حين زعمتم أن كلامه مخلوق; ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم، حتى خلق التكلم فتكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما، فجمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة. ومما يبين أن السلف كانوا يعتقدون أن كلام الله غير مخلوق، أنهم أوجبوا الكفارة على من حلف بالقرآن إذا حنث في يمينه; قال بعض الصحابة: عليه بكل آية كفارة; سمع ابن مسعود رجلا يحلف بالقرآن، فقال: أتراه مكفرا؟ إن عليه بكل آية كفارة; وقد أجمعوا: على أنه لا يجوز الحلف بالمخلوق، ولا تنعقد به اليمين، فلو كان القرآن مخلوقا عندهم، لم يجز الحلف به، ولم يوجبوا على الحالف به إذا حنث كفارة، لأنه حلف بشيء مخلوق. وأيضا: من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن اسم الله في القرآن مخلوق، فيلزمه أن من حلف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق; قال الإمام أحمد، في كتاب "الرد على الجهمية": وزعمت أن اسم الله في القرآن إنما هو اسم مخلوق، فقلنا: قبل أن يخلق هذا الاسم، ما كان اسمه؟ قالوا: لم يكن له اسم، فقلنا: قبل أن

стр. 1193

يخلق العلم، أكان جاهلا لا يعلم، حتى خلق لنفسه علما؟ وكان لا نور له حتى خلق لنفسه نورا؟ وكان لا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة؟ فعلم الخبيث: أن الله قد فضحه، وأبدى عورته للناس، حين زعم أن "الله" سبحانه في القرآن، إنما هو اسم مخلوق. فقلنا للجهمي: لو أن رجلا حلف بالله الذي لا إله إلا هو كاذبا، لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق ولم يحلف بالخالق، ففضحه الله في هذه. وقلنا للجهمي: أليس النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء من بعدهم، والقضاة، والحكام، إنما كانوا يحلفون الناس بالله الذي لا إله إلا هو؟ وكانوا مخطئين في مذهبكم، إنما كان ينبغي للنبي ﷺ ولمن بعده في مذهبكم أن يحلفوا بالذي اسمه الله، وإذا أرادوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، قالوا: لا إله إلا الذي خلق الله، وإلا لم يصح توحيدهم، ففضحه الله لما ادعى على الله الكذب. وأيضا: فقد ثبت عن النبي ﷺ الإستعاذة بكلمات الله، وأرشد الأمة إلى ذلك، فقال فيما ثبت في صحيح مسلم، عن خولة بنت حكيم: "من نزل منْزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك "١ ففي هذا دليل صريح على أن كلام الله غير مخلوق، لأن الإستعاذة بالمخلوق شرك، والنبى ﷺ أبعد عن الشرك.

стр. 1194

[فصل مذهب أهل السنة أن الله يتكلم بحرف وصوت] فصل: وقد ذكرنا فيما تقدم، أن مذهب أهل السنة أن الله يتكلم بحرف وصوت، فيصفون الله تعالى بالصوت، والصوت هو ما يتأتى سماعه؛ والقرآن والسنة: يدلان على أن الله يتكلم بصوت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [سورة النمل آية: ٨] ، إلى قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة النمل آية: ٩] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [سورة طه آية: ١١-١٢] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [سورة الشعراء آية: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٢] ، والنداء لا يكون إلا بصوت. فدل على أنه كلمه بصوت، وموسى لم يسمع إلا الحرف والصوت; هذا مما يعلم بالاضطرار، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [سورة القصص آية: ٦٢] ، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٦٥] وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٢] ، الآية والآيات في ذلك كثيرة. وأما السنة: ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري

стр. 1195

رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى يوم القيامة، يا آدم: فيقول لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار " الحديث. وروى عبد الله بن أنيس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة- وأشار بيده إلى الشام- عراة، غرلا، بهما. قال: قلت، ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، حتى أقصه منه قالوا: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة غرلا؟ قال: بالحسنات، والسيئات"١ رواه أحمد، وجماعة من الأئمة. وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي فقلت: إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: "كذبوا، إنما يدورون على التعطيل"، ثم قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا سليمان بن مهران الأعمش، قال: حدثنا أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء، فيخرون سجدا. حتى إذا فزع عن قلوبهم- قال سكن عن قلوبهم- نادى أهل السماء أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا، وكذا " ذكره عبد الله في كتاب السنة، بهذا الإسناد;
следующие страницы →