وعمر، وعثمان. وقال ابن مسعود: كنا نسمع تسبيح الطعام، وهو يؤكل; وجاء: إن في آخر الزمان يكلم الرجل سوطه، ونحو ذلك كثير، ولا خلاف في أن الله قادر على أن ينطق الحجر الأصم، من غير مخارج، فبطل ما ادعوه من أن الحروف لا تكون إلا من مخارج.
ومن الدليل على اتصاف الله بالكلام حقيقة، قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٨] ، نبه بهذا الدليل على أن من لا يكلم، ولا يهدي، لا يصلح أن يكون إلها؛ وكذلك قوله تعالى في الآية الأخرى، عن العجل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرّاً وَلا نَفْعاً﴾ [سورة طه آية: ٨٩] ، فجعل امتناع صفة الكلام والتكلم، وعدم ملك الضر والنفع، دليلا على عدم الإلهية; وهذا دليل عقلي سمعي، على أن الإله لا بد أن يكلم، ويتكلم ويملك لعابده النفع والضر; وإلا لم يكن إلها.
ومما استدل به أحمد وغيره من الأئمة، على أن كلام الله غير مخلوق، قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] قالوا: فلما قال: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ﴾ لم يبق شيء مخلوق إلا كان داخلا في ذلك، ثم ذكر ما ليس بمخلوق فقال: ﴿وَالْأَمْرُ﴾ وأمره، هو: قوله ﵎،
стр. 1192
فلا يكون خلقا. واستدل الإمام أحمد على الجهمية لما قالوا: إن كلام الله مخلوق، فقال: وكذلك بنو آدم، كلامهم مخلوق; فشبهتم الله بخلقه، حين زعمتم أن كلامه مخلوق; ففي مذهبكم أن الله قد كان في وقت من الأوقات لا يتكلم، حتى خلق التكلم فتكلم، وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما، فجمعتم بين كفر وتشبيه، فتعالى الله عن هذه الصفة.
ومما يبين أن السلف كانوا يعتقدون أن كلام الله غير مخلوق، أنهم أوجبوا الكفارة على من حلف بالقرآن إذا حنث في يمينه; قال بعض الصحابة: عليه بكل آية كفارة; سمع ابن مسعود رجلا يحلف بالقرآن، فقال: أتراه مكفرا؟ إن عليه بكل آية كفارة; وقد أجمعوا: على أنه لا يجوز الحلف بالمخلوق، ولا تنعقد به اليمين، فلو كان القرآن مخلوقا عندهم، لم يجز الحلف به، ولم يوجبوا على الحالف به إذا حنث كفارة، لأنه حلف بشيء مخلوق.
وأيضا: من زعم أن القرآن مخلوق، فقد زعم أن اسم الله في القرآن مخلوق، فيلزمه أن من حلف بالله الذي لا إله إلا هو، لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق; قال الإمام أحمد، في كتاب "الرد على الجهمية": وزعمت أن اسم الله في القرآن إنما هو اسم مخلوق، فقلنا: قبل أن يخلق هذا الاسم، ما كان اسمه؟ قالوا: لم يكن له اسم، فقلنا: قبل أن
стр. 1193
يخلق العلم، أكان جاهلا لا يعلم، حتى خلق لنفسه علما؟ وكان لا نور له حتى خلق لنفسه نورا؟ وكان لا قدرة له حتى خلق لنفسه قدرة؟ فعلم الخبيث: أن الله قد فضحه، وأبدى عورته للناس، حين زعم أن "الله" سبحانه في القرآن، إنما هو اسم مخلوق.
فقلنا للجهمي: لو أن رجلا حلف بالله الذي لا إله إلا هو كاذبا، لا يحنث، لأنه حلف بشيء مخلوق ولم يحلف بالخالق، ففضحه الله في هذه. وقلنا للجهمي: أليس النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والخلفاء من بعدهم، والقضاة، والحكام، إنما كانوا يحلفون الناس بالله الذي لا إله إلا هو؟ وكانوا مخطئين في مذهبكم، إنما كان ينبغي للنبي ﷺ ولمن بعده في مذهبكم أن يحلفوا بالذي اسمه الله، وإذا أرادوا أن يقولوا: لا إله إلا الله، قالوا: لا إله إلا الذي خلق الله، وإلا لم يصح توحيدهم، ففضحه الله لما ادعى على الله الكذب.
وأيضا: فقد ثبت عن النبي ﷺ الإستعاذة بكلمات الله، وأرشد الأمة إلى ذلك، فقال فيما ثبت في صحيح مسلم، عن خولة بنت حكيم: "من نزل منْزلا، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منْزله ذلك "١ ففي هذا دليل صريح على أن كلام الله غير مخلوق، لأن الإستعاذة بالمخلوق شرك، والنبى ﷺ أبعد عن الشرك.
стр. 1194
[فصل مذهب أهل السنة أن الله يتكلم بحرف وصوت]
فصل: وقد ذكرنا فيما تقدم، أن مذهب أهل السنة أن الله يتكلم بحرف وصوت، فيصفون الله تعالى بالصوت، والصوت هو ما يتأتى سماعه؛ والقرآن والسنة: يدلان على أن الله يتكلم بصوت، قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [سورة النمل آية: ٨] ، إلى قوله: ﴿يَا مُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة النمل آية: ٩] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [سورة طه آية: ١١-١٢] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى﴾ [سورة الشعراء آية: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٢] ، والنداء لا يكون إلا بصوت.
فدل على أنه كلمه بصوت، وموسى لم يسمع إلا الحرف والصوت; هذا مما يعلم بالاضطرار، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [سورة القصص آية: ٦٢] ، ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٦٥] وقال: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٢] ، الآية والآيات في ذلك كثيرة.
وأما السنة: ففي الصحيحين عن أبي سعيد الخدري
стр. 1195
رضي الله عنه
عن النبي ﷺ قال: " يقول الله تعالى يوم القيامة، يا آدم: فيقول لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تبعث بعثا إلى النار " الحديث. وروى عبد الله بن أنيس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يحشر الله الناس يوم القيامة- وأشار بيده إلى الشام- عراة، غرلا، بهما. قال: قلت، ما بهما؟ قال: ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة، وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة، حتى أقصه منه قالوا: وكيف؟ وإنما نأتي الله عراة غرلا؟ قال: بالحسنات، والسيئات"١ رواه أحمد، وجماعة من الأئمة.
وقال عبد الله بن أحمد: سألت أبي فقلت: إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: "كذبوا، إنما يدورون على التعطيل"، ثم قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، حدثنا سليمان بن مهران الأعمش، قال: حدثنا أبو الضحى، عن مسروق، عن عبد الله، قال: "إذا تكلم الله بالوحي، سمع صوته أهل السماء، فيخرون سجدا. حتى إذا فزع عن قلوبهم- قال سكن عن قلوبهم- نادى أهل السماء أهل السماء: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، قال: كذا، وكذا " ذكره عبد الله في كتاب السنة، بهذا الإسناد;
стр. 1196
ورواه أبو بكر الخلال، وروى ابن أبي حاتم في الرد على الجهمية، قال: أخبرنا أبو زرعة، أخبرنا عثمان ابن أبي شيبة، أخبرنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الله ابن الحارث، عن ابن عباس، قال: " إن الله ﵎، إذا تكلم بالوحي، سمع أهل السماوات له صوتا كصوت الحديد، إذا وقع على الصفا، فيخرون له سجدا، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق وهو العلي الكبير ".
وقد قدمنا ما حكاه الإمام أحمد عن الزهري، قال: "لما سمع موسى كلام الله، قال يا رب: هذا الكلام الذي سمعته، هو كلامك؟ قال: يا موسى، هو كلامي- إلى أن قال- فلما رجع موسى إلى قومه، قالوا: صف لنا كلام ربك; قال: سبحان الله! وهل: أستطيع أن أصفه لكم؟ قالوا: فشبهه، قال: هل سمعتم أصوات الصواعق، التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها؟ فكأنه مثله".
وتقدم أيضا ما رواه عبد الله بن أحمد، عن محمد بن كعب، قال: قال بنو إسرائيل لموسى، بم شبهت صوت ربك حين كلمك، من هذا الخلق؟ قال: شبهت صوته بصوت الرعد، حين لا يترجع. وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الله هدايته، ومن يضلل الله، فلن تجد له وليا مرشدا.
وذكر أبو الفرج عبد الرحمن بن الفقيه نجم الدين
стр. 1197
الحنبلي، قال: كنت يوما عند القاضي، فتناظروا في مسألة القرآن، وعندنا "طرحان" الضرير، فقال لنا: اسمعوا مني حكاية، قلنا: هات; قال: تناظر أشعري وحنبلي، فقال الأشعري للحنبلي: أخبرني إذا أوقفك الله غدا بين يديه، فقال لك: من أين قلت إن كلامي بحرف وصوت؟ فماذا يكون في جوابك؟ فقال الحنبلي: أقول: يا رب هو ذا أنا أسمع كلامك، بحرف وصوت; قال: ثم سكت فلم يرد هذا شيئا، فبهت القاضي، ولم يدر ما يقول، وانقطع الكلام على هذا.
واحتج من ينفي الصوت، بأن قال: الصوت إنما هو أنين جُرمين، والله سبحانه متقدس عن ذلك.
والجواب أن يقال: فهذا قياس منكم على خلقه، وتشبيه له بعباده، والله تعالى لا يقاس على مخلوقاته، ولا يشبه بمصنوعاته ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] وأيضا فإنه يلزمهم سائر الصفات التي أثبتوها، فإن العلم في حقنا لا يكون إلا من قلب، والنظر لا يكون إلا من حدقة، والسمع لا يكون إلا من انخراق; والحياة لا تكون إلا في جسم، والله يوصف بهذه الصفات من غير أن يوصف بهذه الأدوات، فكذلك الصوت وإلا فما الفرق.
واتفق سلف الأمة وأئمتها على أن القرآن الذي يقرأه
стр. 1198
المسلمون كلام الله تعالى، فالصوت المسموع صوت القارئ، والكلام كلام الباري، فهم يميزون ما قام بالعبد، وما قام بالرب ﵎، ولم يقل أحد منهم: إن أصوات العباد، ولا مداد المصاحف قديم، مع اتفاقهم أن المثبت بين لوحي المصحف كلام الله، وقد قال النبي ﷺ : " زينوا القرآن بأصواتكم "١، فالكلام الذي يقرأه المسلمون كلام الله، والأصوات التي يقرؤون بها أصواتهم، فالكلام شيء والصوت شيء آخر، هذا مما لا يخفى على من لم يرسخ التعطيل في قلبه.
ثم ليعلم أن معتقدنا في إثبات الصفات، على الكتاب والسنة، فمهما جاء فيها، فهو الحق والصدق، لا يجوز التعريج على ما سواه، ولا الالتفات إلى هذيان يخالفه، فإن الله تعالى أمرنا بالأخذ بكتابه والاقتداء برسوله، وأخبر عن رسوله أنه قال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ [سورة الأنعام آية: ٥٠] ، وقال: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة الزمر آية: ٥٥] ، وقال : ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] إلى قوله: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] ، وقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] .
وها نحن قد بينا أن قولنا في الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، فهاتوا أن في الكتاب، أو السنة، أو قول
стр. 1199
صحابي، أو إمام مرضي، أن الله لم يتكلم، أو أنه يتكلم مجازا، أو أن كلامه مخلوق، أو أنه لا يتكلم بحرف وصوت، ولن تجدوا إلى ذلك سبيلا؛ فرحم الله من عقل عن الله، ورجع عن المعقول الذي يخالف الكتاب والسنة، وقال بقول أهل السنة، وترك دين جهم وشيعته؛ جعلنا الله سبحانه ممن هدى إلى صراطه المستقيم، ووفقنا لاتباع رضى رب العالمين، والاقتداء بنبيه محمد ﷺ خاتم النبيين والسلف الصالحين، والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
[قول شراح عقيدة الشيباني على قول الناظم وخص موسى ربنا بكلامه]
وسئل الشيخ: عبد الله أبا بطين، قدس الله روحه، عن قول بعض شراح عقيدة الشيباني على قول الناظم:
وخصص موسى ربنا بكلامه على الطور ناداه وأسمعه الندا
قال الشارح:
خص الله موسى بتكليمه على الطور، وأسمعه نداءه، إذ لم تكن لموسى جهة يسمع منها الكلام، ولا يرى منها النار، أو سمع في الوادي المقدس كلاما بلا حرف ولا صوت، ونارا لا في جهة محدودة، وإنما يعرف ذلك أهله، وأما غير أهله فلا يدري كيف ذلك.
وقال على قول الناظم: ومنه بدا قولا قديما، وإنه ... إلخ. أي: وهو منه، أي: من الرحمن بدا، قولا، أي: قاله في القدم، حيث لا أكوان ولا أزمان، ويعود إليه كما بدأ منه، وهذه الحروف والأصوات التي تعبر عن
стр. 1200
القرآن، ليس هي القرآن، لأن القرآن صفة الحق، والصفة لا تنفصل عن موصوفها، والحروف والأصوات تتصل وتنفصل، فهي صفات لا صفاته، لأنه بائن، أي: منفرد عن خلقه بذاته وصفاته، وبذلك اغتر من اغتر.
فأجاب:
ما ذكره هذا الشارح بناء على أصلين فاسدين للأشعرية: أحدهما: إنكار علو الرب سبحانه فوق سماواته واستوائه على عرشه; والثاني: إنكارهم تكلم الرب بالحرف والصوت; والكلام عندهم هو المعنى النفسي القائم بذات الرب ; فلما رأى الشارح كلام المفسرين وقولهم: إن النار التي رأى موسى هي نور الرب تعالى، وأن القرآن يدل على أن ذلك النور في مكان، قالوا: يلزم من كون نور الرب في مكان جواز كون الله سبحانه في مكان، فيلزم إثبات علوه سبحانه فوق السماء، واستوائه على العرش، فقال: لم يكن لموسى جهة يسمع منها ولا يرى منها النار، وسمع كلاما بلا حرف ولا صوت، ونارا لا في جهة محدودة. قلت: القرآن صريح في أن موسى ﵇ رأى نارا في موضع معين، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ [سورة النمل آية: ٨] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ﴾ [سورة طه آية: ١١] ، فدل قوله: ﴿أَتَاهَا﴾ و ﴿جَاءَهَا﴾ أنها في موضع مخصوص، قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٥٢] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ
стр. 1201
الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] .
قال شيح الإسلام تقي الدين ﵀: وقوله: ﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ هو بدل من قوله: ﴿شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [سورة القصص آية: ٣٠] ، فالشجرة كانت فيه؛ فالنداء كان من الجانب الأيمن من الطور ومن الوادي، فإن شاطيء الوادي: جانبه، فذكر: أن النداء كان من موضع معين، وهو الوادي المقدس طوى، من شاطئه الأيمن، من جانب الطور الأيمن، من الشجرة. انتهى.
فالآيات تدل على أن النور كان في موضع معين، وأن النداء كان من موضع معين.
قال ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [سورة النمل آية: ٨] قال: الله تعالى في النور، ونودي من النور; وروى عطية عن ابن عباس: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ [سورة النمل آية: ٨] يعني: نفسه، قال: كان نور رب العالمين في الشجرة ومن حولها، وقال عكرمة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال: "كان الله في نوره"، وقال سعيد بن جبير: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال: "ناداه وهو في النور"، وقال ابن ضمرة: ﴿أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ قال: "إنها لم تكن نارا، ولكنه كان نور الله، وهو الذي كان في ذلك النور، وإنما كان ذلك النور منه، وموسى حوله" وقال ابن عباس، في قوله: ﴿ومن حولها﴾ قال: "الملائكة"، وروي عن عكرمة، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة: مثل ذلك.
стр. 1202
وقول الشارح: وإنما يعرف ذلك أهله، لما كان قولهم هذا ظاهر البطلان، وأنه ليس لهم حجة شرعية على صحته، أراد التمويه بقوله ذلك، إشارة إلى أن لقولهم هذا وجها صحيحا، ومحملا يخفى على من لم ير رأيهم، وأما قوله: ومنه بدا، قولا قديما، وإنه ... إلخ، فهذا ما عليه الأشاعرة المخالفون للكتاب والسنة وسلف الأمة; فقد أجمع أهل السنة والجماعة على ما دل عليه كتاب الله وسنة نبيه ﷺ من أن الله يتكلم بحرف وصوت، وأن القرآن كلام الله، حروفه ومعانيه؛ وعند الأشعرية أن الكلام هو: المعنى النفسي، وأن الله لا يتكلم بحرف ولا صوت.
وقد صنف شيخ الإسلام، تقي الدين ﵀، مصنفا ذكر فيه تسعين وجها في بيان بطلان هذا القول، منها: أن الله سبحانه قال: كذا; يقول: كذا; ونادى; وينادي; والقول: إنما يكون حروفا، والنداء إنما هو بحرف وصوت، وكذلك الكلام، لا يكون إلا قولا، لا حديث نفس، قال النبي ﷺ " إن الله عفا لأمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم "١ فجعل الكلام غير حديث النفس؛ وأجمع العلماء على أن المصلي إذا تكلم في صلاته، عالما عامدا، لغير مصلحتها، أن صلاته فاسدة، مع إجماعهم أن حديث النفس لا يبطلها; ففي ذلك وما أشبهه دلالة صريحة على أن المعنى الذي يكون في النفس ليس بكلام.
стр. 1203
وعند الأشاعرة أن الله لم يكلم موسى، وإنما اضطره إلى معرفة المعنى القائم بالنفس، من غير أن يسمع منه كلمة، وما يقرأه القارئون ويتلوه التالون، فهو عبارة عن ذلك المعنى، وأن الحروف مخلوقة.
وفي حديث عبد الله بن أنيس المشهور: " فيناديهم بصوت، يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب، أنا الملك، أنا الديان "١ الحديث; وقال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي، فقلت: إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا، إنما يدورون على التعطيل; ثم قال: حدثنا عبد الله بن محمد المحاربي قال: حدثني الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن عبد الله قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء".
وعند الأشاعرة أن المعنى النفسي، القائم بذات الرب الذي يسمونه كلاما، شيء واحد لا يتبعض، وأن معنى الأمر والنهي والخبر، واحد; وأن معنى القرآن، والتوراة، والإنجيل، واحد، إن عبر عنه بالعربية فهو القرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو التوراة; وإن عبر عنه بالسريانية فهو الإنجيل; فهذا مما يقطع ببطلانه.
وقول الشارح: وبذلك اغتر من اغتر، فقد قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً﴾ [سورة فاطر آية: ٨] ، ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة النمل آية: ٢٤] ، فنسأل الله أن
стр. 1204
يهدينا صراطه المستقيم.
[جواب الشيخ أبا بطين عن حديث خلق الله آدم بيده على صورته]
وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، عن قوله: خلق الله آدم بيده على صورته، هل الكناية في قوله: على صورته، راجعة إلى آدم ... إلخ؟
فأجاب: هذا الحديث المسؤول عنه، ثابت في صحيح البخاري ومسلم عن النبي ﷺ قال: " خلق الله آدم على صورته، طوله ستون ذراعا "١ وفي بعض ألفاظ الحديث: " إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته "٢، قال النووي: هذا الحديث من أحاديث الصفات، ومذهب السلف أنه لا يتكلم في معناه; بل يقولون: يجب علينا أن نؤمن بها، ونعتقد لها معنى يليق بجلال الله تعالى، مع اعتقادنا أنه ليس كمثله شيء. انتهى.
قال بعض أهل التأويل: الضمير في قوله: "صورته" راجع إلى آدم، وقال بعضهم: الضمير راجع على صورة الرجل المضروب، ورد هذا التأويل بأنه إذا كان الضمير عائدا على آدم فلا فائدة في ذلك، إذ ليس يشك أحد أن الله خالق كل شيء على صورته; وأنه خلق الأنعام والسباع على صورها; فأي فائدة في الحمل على ذلك؟ ورد تأويله بأن الضمير عائد على ابن آدم المضروب، بأنه لا فائدة فيه، إذ الخلق عالمون بأن آدم خلق على خلق ولده، وأن وجهه كوجوههم، فيرد هذا التأويل كله بالرواية
стр. 1205
المشهورة: " لا تقبحوا الوجه، فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن ".
وقد نص الإمام أحمد على صحة الحديث، وإبطال هذه التأويلات; فقال في رواية إسحاق بن منصور: " لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته " صحيح، وقال في رواية أبي طالب: من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي، وأي صورة كانت لآدم قبل أن يخلقه؟! وعن عبد الله بن الإمام أحمد قال: قال رجل لأبي: إن فلانا يقول في حديث رسول الله ﷺ : "إن الله خلق آدم على صورته"، فقال: على صورة الرجل; فقال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وقال أحمد في رواية أخرى: فأين الذي يروي: "إن الله خلق آدم على صورة الرحمن"؟ وقيل لأحمد، عن رجل إنه يقول: على صورة الطين، فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية.
واللفظ الذي فيه على صورة الرحمن، رواه الدارقطني، والطبراني، وغيرهما، بإسناد رجاله ثقات; قاله ابن حجر عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وأخرجها ابن أبي عاصم، عن أبي هريرة مرفوعا، قال: " من قاتل فليجتنب الوجه، فإن صورة وجه الإنسان، على صورة وجه الرحمن "١ وصحح إسحاق بن راهويه اللفظ فيه: على صورة الرحمن; وأما أحمد، فذكر أن بعض الرواة وقفه على ابن عمر، وكلاهما حجة; وروى ابن مندة، عن ابن راهويه، قال: قد صح عن رسول الله ﷺ أنه
стр. 1206
قال: " إن آدم خلق على صورة الرحمن " وإنما علينا أن ننطق به.
قال القاضي أبو يعلى، والوجه فيه أنه ليس في حمله على ظاهره ما يزيل صفاته، ولا يخرجها عما تستحقه، لأننا نطلق تسمية الصورة عليه، لا كالصور، كما أطلقنا تسمية: ذات، ونفس، لا كالذوات، والأنفس; وقد نص أحمد في رواية يعقوب بن بختان، قال: " خلق آدم على صورته "١ لا نفسره، كما جاء الحديث. وقال الحميدي لما حدث بحديث: " إن الله خلق آدم على صورته "٢ قال: لا نقول غير هذا، على التسليم والرضى بما جاء به القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول كما قال القرآن والحديث.
وقال ابن قتيبة: الذي عندي - والله أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذا لأنها لم تأت في القرآن; ونحن نؤمن بالجميع، هذا كلام ابن قتيبة;
وقد ثبت في الصحيحين، عن النبي ﷺ قال: "فيأتيهم الله في صورة غير الصورة التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، فإذا أتانا ربنا عرفناه، فيأتيهم الله في الصورة التي يعرفون "٣ وفي لفظ آخر: " صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فيعرفونه "٤ الحديث; فالذي ينبغي في هذا ونحوه: إمرار الحديث كما جاء، على الرضى
стр. 1207
والتسليم، مع اعتقاد أنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] .
وأجاب أيضا:
وأما السؤال عن الحديث الصحيح: " إن الله خلق آدم على صورته "١ فقال إسحاق بن منصور: سئل أحمد بن حنبل، عن الحديث: "لا تقبحوا الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته" فقال: صحيح; وقال في رواية يعقوب ابن بختان: " خلق آدم على صورته "٢ لا نفسره، كما جاء الحديث، وأنكر الإمام أحمد على من قال: إن "الهاء" في قوله "على صورته" عائدة على آدم; فقال في رواية أبي طالب، من قال: إن الله خلق آدم على صورة آدم، فهو جهمي; وأي صورة لآدم قبل أن يخلقه؟ وروى ابن مندة، عن عبد الله بن أحمد، قال: قال رجل لأبي، إن فلانا يقول في حديث رسول الله ﷺ : " خلق آدم على صورته "٣ فقال: على صورة الرجل، قال أبي: كذب، هذا قول الجهمية، وأي فائدة في هذا؟
وقال في رواية أخرى، فأين الذي يروي: " أن الله خلق آدم على صورة الرحمن "؟ وقيل له عن رجل إنه يقول: خلقه على صورة الطين; فقال: هذا جهمي، وهذا كلام الجهمية; واللفظ الذي فيه: "على صورة الرحمن" رواه الدارقطني، والبخاري، وابن بطة، مرفوعا; وبعضهم وقفه
стр. 1208
على ابن عمر، هذا كلام القاضي أبي يعلى في كتاب إبطال التأويل.
قال: وروى ابن مندة عن إسحاق بن راهويه، قال: قد صح عن رسول الله ﷺ : "أن الله خلق آدم على صورة الرحمن" وإنما علينا أن ننطق به، ثم ذكر القاضي أن ابن قتيبة ذكره في مختلف الحديث، فقال: الذي عندي - والله أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين، والأصابع والعين، وإنما وقع الألف لمجيئها في القرآن، ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن، ونحن نؤمن بالجميع; هذا كله كلام ابن قتيبة والقاضي ملخصا; وقال بشر بن موسى: حدثنا الحميدي، وذكر الحديث: " أن الله خلق آدم على صورته "، فقال: لا نقول غير هذا، على التسليم والرضا، بما جاء في القرآن والحديث، ولا نستوحش أن نقول: كما قال القرآن والحديث.
[جواب أبا بطين عن قول السيوطي على قوله تعالى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ]
سئل: أيضا الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀، عن قول السيوطي، على قوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة المائدة آية: ١٢٠] في آخر سورة المائدة من الجلالين، قال: وخص العقل ذاته، فليس عليها بقادر.
فأجاب: الظاهر أن مراده أن الرب ، يستحيل عليه ما يجوز على المخلوق، من العدم والعيب، والنقص، وغير ذلك من خصائص المخلوقين; فلكون ذلك
стр. 1209
يستحيل على ذات الرب ، عبر عنه بأنه لا يدخل تحت القدرة، وأنا ما رأيت هذه الكلمة لغيره، والنفس تنفر منها.
وقد روي عن ابن عباس، حكاية على غير هذا الوجه، وهي أن الشياطين، قالوا لإبليس: يا سيدنا، ما لنا نراك تفرح بموت العالم ما لا تفرح بموت العابد؟! والعالم لا نصيب منه، والعابد نصيب منه؟! قال: انطلقوا، فانطلقوا إلى عابد، فأتوه في عبادته، فقالوا: إنا نريد أن نسألك، فانصرف، فقال إبليس: هل يقدر ربك أن يخلق مثل نفسه؟ فقال: لا أدري; فقال: أترونه لم تنفعه عبادته مع جهله؟! فسألوا عالما عن ذلك؟ فقال: هذه المسألة محال، لأنه لو كان مثله، لم يكن مخلوقا، فكونه مخلوقا وهو مثل نفسه مستحيل، فإذا كان مخلوقا لم يكن مثله، بل كان عبدا من عبيده; فقال: أترون هذا يهدم في ساعة ما أبنيه في سنين؟! والله أعلم.
وقال أيضا: والذي ذكره السيوطى لفظة لم تأت في الكتاب ولا في السنة، ولا رأينا أحدا من أهل السنة ذكرها في عقائدهم; ولا ريب أن ترك فضول الكلام من حسن الإسلام; وهذه كلمة ما نعلم مراد قائلها; يحتمل أنه أراد بها معنى صحيحا، ويحتمل أن يراد بها باطل; فالواجب: اعتقاد ما نطق به القرآن من أن الله على كل شيء قدير، وأنه إذا
стр. 1210
أراد شيئا قال له: كن، فيكون كما أراد; وأنه ليس كمثله شيء، ولا يكون شيء مثله، وتقدس; وجواب العالم الذي قال: لا يكون المخلوق مثل الخالق، جواب صحيح، لأنه الذي غاظ الشيطان، وهو نتيجة العلم; ويدل على أنه لو قال: قادرا، أو غير قادر، لم يكن جوابا صحيحا; وما ذكرنا من جواب هذا العالم، فيه مشابهة لكلام السيوطي، من بعض الوجوه.
واعلم أن طريقة أهل السنة أن كل لفظ لا يوجد في الكتاب، ولا في السنة، ولا في كلام أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين، لا نفيه ولا إثباته، لا يثبت، ولا ينفى، إلا بعد الاستفسار عن معناه; فإن وجد معناه مما أثبته الرب لنفسه، أثبت; وإن وجد مما نفاه الرب عن نفسه، نفى; وإن وجد اللفظ مجملا يراد به حق وباطل، فهذا اللفظ لا يطلق نفيه ولا إثباته; وذلك كلفظ: الجسم، والجوهر، والجهة، ونحوها; وكره السلف والأئمة الكلام المحدث، لاشتماله على كذب وباطل، وقول على الله بلا علم; وما ذكره السيوطي من هذا النوع; وضد القدرة العجز، وهل يسوغ أن يقال: إن الله عاجز عن كذا؟! وإنما يقال: إنه سبحانه يستحيل وصفه بما يتضمن النقص والعيب، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا; والله أعلم.
стр. 1211
[رسالة أبي بطين إلى الشيخ عبد الرحمن بن حسن]
وله أيضا: قدس الله روحه.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى الأخ الشيخ: عبد الرحمن بن حسن، وفقه الله للعمل الصالح، والقول الحسن، وثبتنا وإياه على خير الهدى، وأعدل السنن; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فموجب الخط إبلاغ الشيخ السلام، والسؤال عن الحال، أصلح الله لنا وله الدين، والدنيا، والآخرة. وغير ذلك، ذكرت لي أن أكتب على كلام الدرويش الذي عندكم، بيان بعض ما فيه من العيب، والذي كتبتم عليه فيه كفاية.
لكن نذكر على بعض ألفاظه، بيان مخالفته للحق، منها: قول الحمد لله المتوحد بجميع الجهات ; فنقول: لا يشك من سمع هذا الكلام في أن المراد بالجهات الجهات الست التي يقول المعطل فيها: إن الرب سبحانه من الجهات الست خالي; والاتحادي، يقول: إنه سبحانه متحد بها; والحلولي يقول: إنه سبحانه حال فيها; تعالى الله عما يقول الجميع علوا كبيرا.
وأهل السنة والجماعة يقولون: إن الرب سبحانه مستو على عرشه، بائن من خلقه ; وظاهر قول هذا الرجل: المتوحد بجميع الجهات، يشبه قول الاتحادية; وإن حملت
стр. 1212
الباء على الظرفية، أشبه قول الحلولية، وربما يظن أنه لعجميته، يعبر عبارات لا يعرف معناها; لكن سمعت أنه قد شرع في وضع حاشية على النونية، ولا يتنزل لذلك إلا من يدعي تمام المعرفة; وحكي عنه، أنه يقول: مرادي بالجهات جهات التوحيد الثلاث; وهي: توحيد الربوبية، والإلهية، والأسماء والصفات; وهذا بعيد من كلامه، لأن هذه تسمى أنواعا، لا جهات.
وبكل حال: فظاهر كلامه يخالف ما عليه أهل السنة والجماعة; لكن ينبغي: أولا إحضاره، ويبين له ما في كلامه مما ظاهره خلاف الحق، وتبين له الأدلة الشرعية على خلاف ما توهمه في كلامه; فإن اعترف فهو المطلوب، والحمد لله; وفي كلامه من العيب والركاكة كثير، كقوله: لا شريك له في الذات، ولا في الصفات; فنفى الشركة في الذات، ولم يقل أحد من بني آدم إن لله سبحانه شريكا في ذاته، حتى يحتاج إلى نفي ذلك; وإنما يقول أهل الحق: لا شبيه له في ذاته ولا في صفاته، ردا لقول المشبهة; فقوله: لا شريك له في ذاته، يدل على قلة معرفته في هذا الباب; وكذلك قوله: لا شريك له في الملك، فضلا عن الملكوت; فأشار بقوله: فضلا عن الملكوت إلى بعد ما بينهما; وقد ذكر العلماء: أن الملكوت هو الملك، وإنما زيدت التاء للمبالغة في التعظيم.
وكذلك قوله في إعراب: لا إله إلا الله، من قبيل
стр. 1213
استثناء الجزء من الكل، فجَعْل استثناء الاسم الكريم، من نوع استثناء الجزئي، غلط; بل الجزئي مقابل الكلي وقسيمه، لا قسم منه; فالكلي ما اشترك في معناه كثيرون، كالإنسان والحيوان; والجزئي: يراد به أسماء الأعلام، كزيد وعمرو; والاسم الكريم، أعرف المعارف، كما قاله سيبويه وغيره; وكذلك قوله في إعراب: لا إله إلا الله، إنه كقولنا: لا شمس إلا الشمس; لأن قول القائل لا شمس إلا الشمس، لفظ لا فائدة فيه; وأيضا: فاسم الشمس من الألفاظ الكلية، لقولهم في تعريف الكلي: إن ما لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه، فهو الكلي، سواء وقعت فيه الشركة كالإنسان، أم لم تقع وأمكنت، كالشمس، أو استحالت كالإله، فإن استحالة ذلك للأدلة القاطعة عليه.
فجعله الاسم الكريم، الذي هو أرفع الأعلام، وأعرف المعارف، مثل الشمس التي هي من الألفاظ الكلية، غلط; بل الموافق لقولنا: لا شمس إلا الشمس، قول القائل: لا إله إلا الإله، وهذا اللفظ مع الإطلاق، لا يستفاد منه توحيد الإلهية لله رب العالمين; هذا وكثير من كلامه، كما يقال: جعجعة بلا طحن! نسأل الله: أن يهدينا وإياكم، وجميع المسلمين، صراطه المستقيم.
[جواب أبا بطين على قول من قال في قول الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله]
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين عن قول من قال في قول الخضر لموسى: ما نقص علمي وعلمك من علم الله إلا كما نقص هذا العصفور من البحر ; وقال: إن
стр. 1214
المراد بعلم الله معلومه.
فأجاب:
هذا على طريق أهل التأويل في صفات الرب سبحانه، كما يقول: البيضاوي وأمثاله، في قوله : ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] أي: من معلومه; وأما مفسرو أهل السنة، كابن جرير، والبغوي، وابن كثير، فأقروه على ظاهره، فقالوا: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] أي: لا يطلع أحد من علم الله على شيء، إلا بما علمه الله تعالى وأطلعه عليه; وقول الخضر يشهد له قول الله : ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٥] ، وهل يسغ أن يقال: وما أوتيتم من المعلوم إلا قليلا؟! وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٦] .
قال ابن كثير: أنزله بعلمه، أي فيه علمه، الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات، والهدى، والفرقان، وما يحبه الله، ويكرهه، وما فيه من العلم بالغيوب، وما فيه من ذكر صفاته المقدسة، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال الخضر لموسى: إني على علم من علم الله، لا تعلمه أنت; وأنت على علم من علم الله، علمك إياه، لا أعلمه; فهذا كله يبطل قول من تأول العلم بالمعلوم; وأي محذور في إجرائه على ظاهره؟!.
[جواب أبا بطين على قول الشيخ عثمان إن الصفة تعتبر من حيث هي هي]
وسئل: عن قول الشيخ عثمان، إن الصفة تعتبر من حيث هي هي، وتارة من حيث قيامها به تعالى، وتارة من
стр. 1215
حيث قيامها بغيره; وليست الاعتبارات الثلاث متماثلة، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] .
فأجاب: قول الشيخ عثمان: إن الصفة تعتبر من حيث هي هي; يعني: لها ثلاث اعتبارات، تارة تعتبر من حيث هي، هي; أي تعتبر: منفردة من غير تعلقها بمحل، مثال ذلك: البصر، فيقال: البصر من حيث هو، هو ما تدرك به المبصرات، ومن حيث تعلقه بمخلوق، فيقال: هو نور في شحمة، تسمى: إنسان العين، تحت سبع طبقات في حدقة، ينطبق عليها جفنان; وأما بالنسبة إلى الرب سبحانه، فنقول: هو سبحانه: سميع، يسمع; بصير، يبصر، ليس كسمع المخلوق، ولا كبصر المخلوق، وهكذا سائر الصفات.
[جواب أبا بطين على حديث الخوارج هل يوجد في ألفاظه على خير فرقة]
وسئل عن حديث الخوارج الذي أخرجه البخاري، عن أبي سعيد، فيه: " يخرجون على حين فرقة من الناس "١، هل في بعض ألفاظه: " على خير فرقة من الناس "٢؟
فأجاب: وأما حديث الخوارج، فلا نعلم فيه لفظة "خير"، والمعروف: "على حين فرقة من الناس " وربما وقع في بعض الألفاظ "خير"، والله أعلم.
وذكر النووي في شرح مسلم أن المشهور بالحاء والنون، وضم الفاء، أي: وقت افتراق; وقيل بالخاء، والراء، وكسر الفاء، وذكر الرواية " يقتلهم أولى الطائفتين بالحق "، والرواية الأخرى " أدنى الطائفتين إلى الحق "٣.
стр. 1216
سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين، عن حديث: " لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله "١؟
فأجاب:
حديث: " لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله "٢ رواه الترمذي من رواية الحسن عن أبي هريرة. وللشيخ تقي الدين ﵀ على هذا الحديث كلام طويل، قال: فإن كان ثابتا، فقوله: " لو أن أحدكم أدلى بحبل لهبط على الله "٣ إنما هو تقدير مفروض، أي: لو وقع الإدلاء، لوقع عليه، لكنه لا يمكن أن يدلي أحد على الله شيئا، لأنه عال بالذات، وإذا هبط شيء إلى جهة الأرض، وقف في المركز من الجزء ... إلى أن قال: فكما أن ما يهبط إلى جوف الأرض يمتنع صعوده إلى تلك الناحية لأنها عالية، فترد الهابط بعلوها، كما أن الجهة العليا من عندنا ترد ما يصعد إليها من الثقيل، فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلي أسفلها وهو المركز، لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه، يدافع به ما في قوته من الهبوط إلى المركز؛ فإن قدر أن الرافع أقوى، كان صاعدا به إلى الفلك من تلك الناحية، وصعد به إلى الله.
وإنما يسمى هبوطا: باعتبار ما في أذهان المخاطبين، من أن ما يحاذي أرجلهم، يكون هابطا، ويسمى هبوطا، مع
стр. 1217
تسمية إهباطه إدلاء، وهو إنما يكون إدلاء حقيقيا إلى المركز، ومن هناك إنما يكون مدا للحبل، والدلو لا إدلاء له، ولكن الجزاء والشرط مقدران، لا محققان; فإنه قال: لو أدلى لهبط; أي: لو فرض أن هناك إدلاء، لفرض أن هناك هبوطا، وهو يكون إدلاء وهبوطا، إذا قدر أن السماوات تحت الأرض، وهذا منتف، ولكن فائدته: بيان الإحاطة، والعلو من كل جانب.
وهذا المفروض ممتنع في حقنا لا نقدر عليه، فلا يتصور أن ندلي، فلا يتصور أن يهبط على الله شيء; لكن الله قادر، على أن يخرق من هناك بحبل، لكن لا يكون في حقه إدلاء، فلا يكون في حقه هبوطا عليه، كما لو خرق بحبل من القطب إلى القطب، أو من مشرق الشمس إلى مغربها، وقدرنا أن الحبل مر في وسط الأرض، فإن الله قادر على ذلك كله ... إلى أن قال: فعلى كل تقدير قد خرق بالحبل من جانب المحيط إلى جانب الآخر، مع خرق المركز; وبتقدير إحاطة قبضته بالسماوات والأرض، فالحبل الذي قدر أنه خرق به العالم وصل إليه، ولا يسمى شيئا بالنسبة إليه، لا إدلاء، ولا هبوطا، وأما بالنسبة إلينا: فإنما تحت أرجلنا، تحت لنا; وما فوق رؤوسنا، فوق لنا; وما ندليه من ناحية رؤوسنا، إلى ناحية أرجلنا، نتخيل أنه هابط؛ فإذا قدر أن أحدنا أدلى بحبل، كان هابطا على ما هناك، لكن هذا التقدير ممتنع في حقنا; والمقصود به بيان
стр. 1218
إحاطة الخالق تعالى، كما بين أنه يقبض السماوات، ويطوي الأرض، ونحو ذلك، مما فيه بيان إحاطته بالمخلوقات.
ولهذا قرأ في تمام هذا الحديث ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٣] ، وهذا كله كلام على تقدير صحته، فإن الترمذي لما رواه قال: وفسر بعض أهل العلم بأنه هبط على علم الله; ثم قال الشيخ: وتأويله بالعلم، تأويل ظاهر الفساد; قال: وبتقدير ثبوته، يكون دالا على الإحاطة، والإحاطة قد علم أن الله قادر عليها، وعلم أنها تكون يوم القيامة، بالكتاب والسنة; فليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع، لكن لا نتكلم إلا بما نعلمه، وما لا نعلم أمسكنا عنه.
[جواب أبا بطين على حديث إن لله تسعة وتسعين اسما]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى الإخوان: محمد آل عمر، وصالح آل عثمان، ومحمد آل إبراهيم، ثبتهم الله على الإسلام، ووفقهم للتمسك بسنة سيد الأنام، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فموجب الخط إبلاغ السلام، والوصية بالتمسك بما من الله به عليكم من معرفة التوحيد الذي هو حق الله على العبيد؛ فاعرفوا حق هذه النعمة، وتواصوا بالصبر، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم، ممن إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتلي
стр. 1219
صبر، إذا أذنب استغفر.
وما سألتم عنه من معنى، قوله ﷺ : " إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة "١، فقد ذكر ابن القيم ﵀، ما معناه: إن الإحصاء يتناول ثلاثة أمور: الأول: حفظها; الثاني: معرفة معانيها; الثالث: اعتقاد ما دلت عليه، والعمل بمقتضاه.
وأما معنى محاجة آدم موسى ﵉، ولوم موسى لآدم، فذكر شيخ الإسلام وغيره أن لوم موسى لآدم إنما هو على المصيبة التي لحقت الذرية بسبب الذنب; وآدم إنما احتج بالقدر على المصيبة، لا على الذنب.
يوضح ذلك أنه لو جاز الاحتجاج بالقدر على الذنب، وأنه حجة صحيحة، لكان حجة لإبليس وجميع العصاة، وهذا باطل بدلائل الكتاب والسنة، بإجماع أهل الحق من الأمة، والله سبحانه أعلم.
[رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى ابن عون جوابا لأوراق وردت من عمان]
قال الشيخ عبد اللطيف، بن عبد الرحمن بن حسن، قدس الله روحه، ونور ضريحه، ما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: محمد بن عون، سلمه الله تعالى، وأعانه على ذكره وشكره، ووفقه للجهاد في سبيله، ومراغمة من تجهم، أو نافق، أو ارتد، من أهل دهره وعصره; سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو،
стр. 1220
على ما من به من سوابغ إنعامه، وجزيل فضله وإكرامه.
والواجب على المكلفين في كل زمان ومكان، الأخذ بما صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، وليس لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره، ومن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه فعليه بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول، فإن لم يدر شيئا من ذلك، وصح عنده عن أحد الأئمة الأربعة المقلدين الذين لهم لسان صدق في الأمة، فتقليدهم سائغ حينئذ; فإن كان المكلف أنزل قدرا، وأقل علما، وأنقص فهما، من أن يعرف شيئا من ذلك، فليتق الله ما استطاع، وليقلد الأعلم من أهل زمانه، أو من قبلهم، خصوصا من عرف بمتابعة السنة، وسلامة العقيدة، والبراءة من أهل البدع; فهؤلاء أحرى الناس وأقربهم إلى الصواب، وأن يلهموا الحكمة، وتنطق بها ألسنتهم; فاعرف هذا، فإنه مهم جدا.
ثم لا يخفاك أنه قد ألقي إلينا أوراق وردت من جهة عمان، كتبها بعض الضالين، ليلبس ويشوش بها على عوام المسلمين، ويتشبع بما لم يعط من معرفة الإيمان والدين؛ وبالوقوف على أوراقهم، يعرف المؤمن حقيقة حالهم، وبعد ضلالهم، وكثافة أفهامهم، وأنهم ملبوس عليهم، لم يعرفوا ما جاءت به الرسل، ولم يتصوروه، فضلا عن أن يدينوا به ويلتزموه; وأسئلتهم وقعت لا لطلب الفائدة والفهم، بل للتشكيك والتمويه، والتحلي بالرسم والوهم; ومن السنن
стр. 1221
المأثورة عن سلف الأمة وأئمتها، وعن إمام السنة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، قدس الله روحه: التشديد في هجرهم، وإهمالهم، وترك جدالهم، واطراح كلامهم، والتباعد عنهم حسب الإمكان، والتقرب إلى الله بمقتهم، وذمهم، وعيبهم.
وقد ذكر الأئمة من ذلك جملة في كتب السنة، مثل: كتاب "السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد، و "السنة" للخلال، و "السنة" لأبي بكر الأثرم، و"السنة" لأبي القاسم، اللالكائي، وأمثالهم; فالواجب نهي أهل الإسلام عن سماع كلامهم ومجادلتهم; لا سيما وقد أقفر ربع العلم في تلك البلاد، وانطمست أعلامه; قال في الكافية الشافية:
فانظر ترى لكن نرى لك تركها حذرا عليك مصائد الشيطان
فشباكها والله لم يعلق بها من ذي جناح قاصر الطيران
إلا رأيت الطير في شبك الردى يبكي له نوح على الأغصان
إذا عرف هذا، فإحدى الورقتين المشار إليهما ابتدأها الملحد الجاهل بسؤال يدل على إفلاسه من العلم، ويشهد بجهالته وضلالته; وهو قوله: الرؤية الثابتة عند أهل السنة والجماعة في الجنة، هل هي بصفات الجلال، أو الجمال، أو الكمال؟! ولم يشعر هذا الجاهل الضال أن الرؤية تقع على الذات المتصفة بكل وصف يليق بعظمته، وإلهيته، وربوبيته، من جلال، وجمال، وكمال;
стр. 1222
وأن صفات الجلال ترجع إلى الملك، والمجد، والسلطان، والعزة; والجمال وصف ذاتي، كما أن الجلال كذلك، والكمال حاصل بكل صفة من صفاته العلى.
فله الجلال الكامل، والجمال الكامل، والمجد، والعزة التي لا تضاهى ولا تماثل; فهذه أوصاف ذاتية لا تنفك عنه في حال من الأحوال، وإنما يقال: تجلى بالجلال، والمجد، والعزة، والسلطان، إذا ظهرت آثار تلك الصفات; كما يقال تجلى بالرحمة، والكرم، والعفو، والإحسان، إذا ظهرت آثار تلك الصفات في العالم; ويستحيل أن يرى تعالى، وقد تخلو عنه صفة جلال، أو جمال، أو كمال.
ولو وقف هذا الغبي على ما جاء في الكتاب والسنة، من إثبات الرؤية، وتقريرها، ولم يتجاوز ذلك إلى تخليط صدر عمن لا يدري السبيل، ولم يقم بقلبه عظمة الرب الكبير الجليل، لكان أقرب إلى إيمانه وإسلامه.
وأما قوله: وما الفرق بين صفات المعاني، والمعنوية؟ فهذه الكلمة، لو فرضت صحتها، فالجهل بها لا يضر، ولم تأت الرسل بما يدل بحال أن من صفات الله ما هو من المعاني وما هو من الصفات المعنوية; وهذا التقسيم: يطالب به الأشعرية والكرامية ونحوهم; فلسنا منهم في شيء; والعلم آية محكمة، أو فريضة عادلة، أو سنة متبعة; وما ليس هكذا سبيله، فالواجب اطراحه وتركه;
стр. 1223
والعلم كل العلم في الوقوف مع السنة، وترك ما أحدثه الناس من العبارات المبتدعة.
ومن الأصول المعتبرة والقواعد المقررة عند أهل السنة والجماعة أن الله تعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله، لا يتجاوز ذلك أهل العلم والإيمان، ولا يتكلفون علم ما لم يصف الرب ﵎ به نفسه، وما لم يصفه به رسوله ﷺ ؛ والله أكبر، وأجل، وأعظم، في صدور أوليائه وعباده المؤمنين، من أن يتكلموا في صفاته، بمجرد آرائهم، واصطلاحاتهم، وعبارات متكلميهم.
وأما قول السائل: وهل صفات المعاني ثابتة في ذات الله؟ فهذه عبارة نبطيه أعجمية، لأنه إن أريد بالإضافة إضافة الدال على المدلول، فكل صفاته تعالى لها معان ثابتة لذاته المقدسة، وأي وصف ينفك عن هذا، لو كانوا يعلمون؟ وإن أريد بالإضافة إضافة الصفة للموصوف، أي: المعاني الموصوفة، فالمعاني الموصوفة منها صفات أفعال، وصفات ذات.
وأما قوله: وما الاعتبارات الأربع؟ فهذه كلمة ملحونة أعجمية; والعرب تقول: الاعتبارات الأربعة، لا الأربع; والحكم معروف في باب العدد; وأما معناها، فهو إلى الألغاز والأحاجي أقرب منه إلى الكشف والإيضاح في
стр. 1224
السؤال; فالحساب تجري فيه اعتبارات أربعة، من جهة لفظه، وإفراده، وجمعه، وتصحيحه، وكسره، وضربه، وطرحه; وتجري الاعتبارات الأربعة فما فوق في أبواب الفقه من كتب الفروع، من كتاب الطهارة، إلى أبواب العتق، والإقرار، وكثير من عباراته تختلف مفهوماتها، باختلاف عباراتها.
وكذلك المقدمات العقلية، والأدلة النظرية، والبديهيات الذهنية، والضروريات الحسية، لها اعتبارات، ولها حالات، ولها مراتب، ودرجات، يطلق عليها لفظ الاعتبارات.
وكذلك قوله: وما الوجود الأربع؟ عبارة ملحونة أعجمية، فقد يراد بها ما يوجد في الأعيان، والأذهان، واللسان، والبنان; وقد يراد بها غير ذلك، من مراتب وجود العلم، أو وجود الوحي، فإنه قسم هذا التقسيم باعتبار إدخال الإلهام في مسمى الوحي.
وكذلك الجهل، له مراتب أربع: فمنه الجهل المركب، ومنه البسيط، وكل منهما، إما في السمعيات، أو العقليات; وكذلك الأخبار قطعية وظنية، وبالجملة: فالاعتبارات الأربعة، والوجود، ونحو ذلك، تقع كل ما تناله العبارة، ويصدق عليه اللفظ في أي فن، وأي حكم.
فإن قال: المراد بالاعتبارات والوجود، باعتبار صفاته تعالى.
قلنا: تقسيم الاعتبارات والوجود، يختلف باختلاف
стр. 1225
المقاصد، والإصلاح; وليس في كلام السلف ما يجيز الخوض في اصطلاحات المتكلمين والأشاعرة.
وأما الفرق بين الدليل والبرهان; فالدليل في اصطلاح الأصوليين والفقهاء: ما يستدل به على إثبات الحكم وصحته; والبرهان: ذكر الحجة بدليلها; وأما الفرق بين العهد والميثاق، فهو اعتباري، والمفهوم واحد، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٣] الآية، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٠] ، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [سورة يس آية: ٦٠] ، وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [سورة النحل آية: ٩١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨١] إلى قوله: ﴿وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [سورة آل عمران آية: ٨١] ، وطالع عبارات المفسرين.
وأما العهود التي أخذها الله من عباده، فلا يسأل عن كميتها، إذ لا يعلمها إلا الله، قال تعالى: ﴿وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، وكل رسول يؤخذ عليه، وعلى قومه العهد; فكيف يسأل عن كميتها؟ ومن ادعى علمها فهو كاذب; نعم، ما ذكر في القرآن من أخذ العهد على الأنبياء، وعلى الأمم كبني إسرائيل، وعلى بني آدم كافة، كما في آية "يس"، وأخذ العهد على الذرية، فهذا معروف
стр. 1226
محصور.
وأما قوله: وما العهود التي عاهدها معهم؟ فهذه عبارة أعجمية، جاهلية; فالله عهد إليهم، ولم يعاهدهم هو، بل هم عاهدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٥] ولم يقل عاهدهم الله أبدا، فالمعاهدون هم العباد، والله عهد إليهم، وعاهدوه هم، ولم يعاهدهم هو; فاعرف: جهل السائل وعجمته.
وأما قوله: وكم من تعلقات للقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام؟ فاللفظ: أعوج ملحون، لا تأتي: "من" بعد "كم" الاستفهامية أبدا; والرجل غلبت عليه: العجمة في الفهم والتعبير; فإن أريد بالتعلق، كون الأشياء، بالقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام; فأي فرد من أفراد الكائنات، يخرج عن هذا؟ ولا يتعلق به؟!
وأما قوله: وما علة نفي الحروف السبعة، من فاتحة الكتاب؟ فهذا: عدم، لا نفي، والعدم لا يعلل; فلا يقال: لم عدمت بقية حروف الهجاء من سورة الإخلاص؟ مثلا، أو من (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ لأن المعنى المراد حاصل بالحروف المذكورة، والتراكيب المسطورة، والعدم لا يعلل; وإن علل فعلته عدمية؛ والسائل رأى كلمات مسطورة فظنها داخلة في مسمى العلة ومذكورة; وإنما هي: جهالات، وضلالات، وخيالات ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ
стр. 1227
يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ ١ [النور ٣٩] .
[رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى صالح الشثري، وتفسير السبحات]
وله أيضا قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ: صالح بن محمد الشثري، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد:
فأحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، على سوابغ نعمه، ونهنيك بما هنيتنا به، جعلنا الله وإياك من الفائزين برضاه، والمسارعين إلى العمل بما يحبه ويرضاه، ومن علينا باغتنام الصحة والفراغ، وأعاذنا من الغبن في هاتين النعمتين، اللتين هما سفينة النجاة، ومركب أهل الصدق في المعاملات.
وتسأل عن تفسير السبحات بالنور، هل هو من التأويل المردود أو لا؟
فلا يخفاك أن التأويل بالمعنى الأعم، يدخل فيه مثل هذه، وقد حكاه جمع من أهل الإثبات; وأما التأويل بالمعنى الأخص، عند الجهمية ومن نحا نحوهم، فليس هذا منه; لأنهم أولوا "النور" الذي هو اسمه وصفته، بما يرجع إلى فعله وخلقه; وليس هذا منه; وقد فسرت "السبحات" بالعظم، لأن أصل السبحة، من التنْزيه والتقديس; وفسرت: بضوء الوجه المقدس; وفسرت: بمحاسنه، لأن من رأى
стр. 1228
الشيء الحسن، والوجه الحسن، سبح بارئه وخالقه; وقيل: هي باقية على أصلها، لأن التسبيح التنْزيه.
وقيل: "سبحات وجهه" في الحديث، جملة معترضة، يريد قائل هذا: إسناد الفعل إلى الوجه المنَزّه، حكاه ابن الأثير; وقال: الأقرب أن المعنى، لو انكشف من أنواره - التي تحجب العباد - شيء، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل لما تجلى سبحانه; وهذا لا يبعد، إن أريد نور الذات، هذا ما ظهر لي، والسلام.
[رسالة الشيخ عبد اللطيف إلى محمد الجبري فيمن آمن بلفظ الاستواء ونازع في المعنى]
وله أيضا: رحمه الله تعالى، وعفا عنه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ: محمد بن راشد الجابري، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وبعد: فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير; والسؤالات وصلت.
فأما: السؤال الأول، فيمن آمن بلفظ "الاستواء" الوارد في كتاب الله، لكن نازع في المعنى، وزعم أنه هو: الاستيلاء; فهذا جهمي، معطل، ضال، مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة; وهذا القول هو المعروف عند السلف، عن جهم وشيعته الجهمية; فإنهم لم يصرحوا برد ألفاظ القرآن، كالاستواء، وغيره، من الصفات; وإنما خالفوا السلف في المعنى المراد.
стр. 1229
وقولهم هذا لا يعرف في المسلمين إلا عن الجهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم; وكان الجعد قد سكن حران وخالط الصابئة واليهود، وأخذ عنهم من المقالات والمذاهب المكفرة ما أنكره عليه كافة أهل الإسلام، وكفروه بذلك، حتى إن خالد بن عبد الله القسري، أمير واسط في خلافة بني أمية، قتل الجعد وضحى به يوم العيد الأكبر، فقال وهو على المنبر: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا; ثم نزل فذبحه. وشكره على هذا الفعل، وصوبه جميع أهل السنة; وإنما قال الجعد هذه المقالة لاعتقاده أن الخلة، والتكليم، والاستواء، ونحو ذلك من الصفات، لا تكون إلا من صفات المخلوقات، وخصائص المحدثات.
وهذا المذهب نشأ من سوء اعتقادهم وعدم فهمهم لما يراد، وما يليق من المعنى المختص بالله، فظنوا ظن السوء بالله وصفاته، ثم أخذوا في نفيها وتعطيلها، وتحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسمائه؛ ولو عرفوا أنما يثبت لله من الصفات لا يشبه صفات المخلوقات، بل هو بحسب الذات، وكل شيء صفاته بحسب ذاته، فكما أننا نثبت له ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقات; لو عرفوا هذا، لسلموا من التعطيل; وعلى قولهم ومذهبهم الخبيث لا يعبدون ربا
стр. 1230
موصوفا بصفات الكمال، وصفات العظمة والجلال; وإنما يعبدون ذاتا مجردة عن الصفات؛ فهم كما قال بعض العلماء: لا يعبدون واحدا، أحدا، فردا صمدا، وإنما يعبدون خيالا عدما.
وهذا المذهب اشتهر بعد الجعد بن درهم عن تلميذه: جهم بن صفوان; ولذلك يسمى أهل هذا المذهب، عند السلف وأئمة الأمة: مذهب الجهمية، نسبة إلى جهم. ثم أعلن به وأظهره: بشر المريسي وأصحابه، في أوائل المائة الثالثة، لأنهم تمكنوا من بعض ملوك بني العباس، وصار لهم عنده جاه ومنْزلة، فقويت بذلك شوكة الجهمية، وكثر شرهم، وعظم على الإسلام وأهله كيدهم وضررهم، حتى امتحنوا من لم يوافقهم على بدعتهم وضلالتهم، فشردوا بعض أهل السنة عن أوطانهم، وحبسوا وضربوا، وقتلوا على هذا المذهب.
وجرى على إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل من ذلك أشد امتحان وأعظم بلية، وضرب حتى أغشي عليه من الضرب، وإذا جادله منهم مجادل، قال: ائتوني بشيء من كلام الله، وكلام رسوله، حتى أجيبكم إليه، فيأبون ويعرضون، ويرجعون إلى شبه الفلاسفة واليونان، وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه، ويبين بطلانها بأدلة الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، والأدلة العقلية الصريحة، وصنف في