← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

محصور. وأما قوله: وما العهود التي عاهدها معهم؟ فهذه عبارة أعجمية، جاهلية; فالله عهد إليهم، ولم يعاهدهم هو، بل هم عاهدوه، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٥] ولم يقل عاهدهم الله أبدا، فالمعاهدون هم العباد، والله عهد إليهم، وعاهدوه هم، ولم يعاهدهم هو; فاعرف: جهل السائل وعجمته. وأما قوله: وكم من تعلقات للقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام؟ فاللفظ: أعوج ملحون، لا تأتي: "من" بعد "كم" الاستفهامية أبدا; والرجل غلبت عليه: العجمة في الفهم والتعبير; فإن أريد بالتعلق، كون الأشياء، بالقدرة، والإرادة، والعلم، والكلام; فأي فرد من أفراد الكائنات، يخرج عن هذا؟ ولا يتعلق به؟! وأما قوله: وما علة نفي الحروف السبعة، من فاتحة الكتاب؟ فهذا: عدم، لا نفي، والعدم لا يعلل; فلا يقال: لم عدمت بقية حروف الهجاء من سورة الإخلاص؟ مثلا، أو من (بسم الله الرحمن الرحيم) ؟ لأن المعنى المراد حاصل بالحروف المذكورة، والتراكيب المسطورة، والعدم لا يعلل; وإن علل فعلته عدمية؛ والسائل رأى كلمات مسطورة فظنها داخلة في مسمى العلة ومذكورة; وإنما هي: جهالات، وضلالات، وخيالات ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ

стр. 1227

يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً﴾ ١ [النور ٣٩] . [رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى صالح الشثري، وتفسير السبحات] وله أيضا قدس الله روحه، ونور ضريحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ: صالح بن محمد الشثري، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فأحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، على سوابغ نعمه، ونهنيك بما هنيتنا به، جعلنا الله وإياك من الفائزين برضاه، والمسارعين إلى العمل بما يحبه ويرضاه، ومن علينا باغتنام الصحة والفراغ، وأعاذنا من الغبن في هاتين النعمتين، اللتين هما سفينة النجاة، ومركب أهل الصدق في المعاملات. وتسأل عن تفسير السبحات بالنور، هل هو من التأويل المردود أو لا؟ فلا يخفاك أن التأويل بالمعنى الأعم، يدخل فيه مثل هذه، وقد حكاه جمع من أهل الإثبات; وأما التأويل بالمعنى الأخص، عند الجهمية ومن نحا نحوهم، فليس هذا منه; لأنهم أولوا "النور" الذي هو اسمه وصفته، بما يرجع إلى فعله وخلقه; وليس هذا منه; وقد فسرت "السبحات" بالعظم، لأن أصل السبحة، من التنْزيه والتقديس; وفسرت: بضوء الوجه المقدس; وفسرت: بمحاسنه، لأن من رأى

стр. 1228

الشيء الحسن، والوجه الحسن، سبح بارئه وخالقه; وقيل: هي باقية على أصلها، لأن التسبيح التنْزيه. وقيل: "سبحات وجهه" في الحديث، جملة معترضة، يريد قائل هذا: إسناد الفعل إلى الوجه المنَزّه، حكاه ابن الأثير; وقال: الأقرب أن المعنى، لو انكشف من أنواره - التي تحجب العباد - شيء، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل لما تجلى سبحانه; وهذا لا يبعد، إن أريد نور الذات، هذا ما ظهر لي، والسلام. [رسالة الشيخ عبد اللطيف إلى محمد الجبري فيمن آمن بلفظ الاستواء ونازع في المعنى] وله أيضا: رحمه الله تعالى، وعفا عنه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ: محمد بن راشد الجابري، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وبعد: فنحمد إليكم الله، الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، وهو على كل شيء قدير; والسؤالات وصلت. فأما: السؤال الأول، فيمن آمن بلفظ "الاستواء" الوارد في كتاب الله، لكن نازع في المعنى، وزعم أنه هو: الاستيلاء; فهذا جهمي، معطل، ضال، مخالف لنصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة; وهذا القول هو المعروف عند السلف، عن جهم وشيعته الجهمية; فإنهم لم يصرحوا برد ألفاظ القرآن، كالاستواء، وغيره، من الصفات; وإنما خالفوا السلف في المعنى المراد.

стр. 1229

وقولهم هذا لا يعرف في المسلمين إلا عن الجهم بن صفوان، تلميذ الجعد بن درهم; وكان الجعد قد سكن حران وخالط الصابئة واليهود، وأخذ عنهم من المقالات والمذاهب المكفرة ما أنكره عليه كافة أهل الإسلام، وكفروه بذلك، حتى إن خالد بن عبد الله القسري، أمير واسط في خلافة بني أمية، قتل الجعد وضحى به يوم العيد الأكبر، فقال وهو على المنبر: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا; ثم نزل فذبحه. وشكره على هذا الفعل، وصوبه جميع أهل السنة; وإنما قال الجعد هذه المقالة لاعتقاده أن الخلة، والتكليم، والاستواء، ونحو ذلك من الصفات، لا تكون إلا من صفات المخلوقات، وخصائص المحدثات. وهذا المذهب نشأ من سوء اعتقادهم وعدم فهمهم لما يراد، وما يليق من المعنى المختص بالله، فظنوا ظن السوء بالله وصفاته، ثم أخذوا في نفيها وتعطيلها، وتحريف الكلم عن مواضعه، والإلحاد في أسمائه؛ ولو عرفوا أنما يثبت لله من الصفات لا يشبه صفات المخلوقات، بل هو بحسب الذات، وكل شيء صفاته بحسب ذاته، فكما أننا نثبت له ذاتا لا تشبه الذوات، فكذلك نثبت له صفات لا تشبه صفات المخلوقات; لو عرفوا هذا، لسلموا من التعطيل; وعلى قولهم ومذهبهم الخبيث لا يعبدون ربا

стр. 1230

موصوفا بصفات الكمال، وصفات العظمة والجلال; وإنما يعبدون ذاتا مجردة عن الصفات؛ فهم كما قال بعض العلماء: لا يعبدون واحدا، أحدا، فردا صمدا، وإنما يعبدون خيالا عدما. وهذا المذهب اشتهر بعد الجعد بن درهم عن تلميذه: جهم بن صفوان; ولذلك يسمى أهل هذا المذهب، عند السلف وأئمة الأمة: مذهب الجهمية، نسبة إلى جهم. ثم أعلن به وأظهره: بشر المريسي وأصحابه، في أوائل المائة الثالثة، لأنهم تمكنوا من بعض ملوك بني العباس، وصار لهم عنده جاه ومنْزلة، فقويت بذلك شوكة الجهمية، وكثر شرهم، وعظم على الإسلام وأهله كيدهم وضررهم، حتى امتحنوا من لم يوافقهم على بدعتهم وضلالتهم، فشردوا بعض أهل السنة عن أوطانهم، وحبسوا وضربوا، وقتلوا على هذا المذهب. وجرى على إمام السنة الإمام أحمد بن حنبل من ذلك أشد امتحان وأعظم بلية، وضرب حتى أغشي عليه من الضرب، وإذا جادله منهم مجادل، قال: ائتوني بشيء من كلام الله، وكلام رسوله، حتى أجيبكم إليه، فيأبون ويعرضون، ويرجعون إلى شبه الفلاسفة واليونان، وهو مع ذلك يكشف لهم الشبه، ويبين بطلانها بأدلة الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، والأدلة العقلية الصريحة، وصنف في

стр. 1231

ذلك كتابه المعروف في الرد على الزنادقة والجهمية، وهو كتاب جليل لا يستغني عنه طالب العلم. والمقصود أن علماء الأمة أنكروا مذهب الجهمية أشد الإنكار، وصرحوا بأنه من مذاهب الضلال والكفار، ولم يخالف في ذلك أحد منهم، وقد جمع الإمام اللالكائي جملة من كلام السلف في تكفيرهم وتضليلهم، في كتابه الذي سماه: "كاشف الغمة عن معتقد أهل السنة". ومختصر كتابه موجود عندكم في الساحل، قدم به عبد الله بن معيذر، عام اثنين وسبعين، وهو وقف على طلبة العلم الشريف. إذا عرف هذا، فأهل السنة متفقون في كل مصر وعصر على أن الله موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال، التي جاء بها الكتاب والسنة; يثبتون لله ما أثبته لنفسه المقدسة، وما وصفه به رسوله ﷺ من غير تمثيل، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تشبيه; لا يبتدعون لله وصفا لم يرد به كتاب ولا سنة، فإن الله تعالى: أعظم، وأجل، وأكبر في صدور أوليائه المؤمنين، من أن يتجاسروا على وصفه ونعته بمجرد عقولهم، وآرائهم، وخيالات أوهامهم; بل هم منتهون في ذلك إلى حيث انتهى بهم الكتاب والسنة، لا يتجاوزون ذلك بزيادة على ما وصف الرب به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ .

стр. 1232

ولا يعطلون ما ورد في الكتاب والسنة من صفات الكمال ونعوت الجلال؛ وينكرون تعطيل معنى الاستواء، وتفسيره بالاستيلاء، ويتبرؤون من مذهب من قال ذلك، وعطل الصفات من الجهمية وأتباعهم; وقد وقع في هذا كثير ممن ينتسب إلى أبي الحسن الأشعري; وظنه بعض الناس من مذاهب عقيدة أهل السنة والجماعة ; وسبب ذلك: هو الجهل بالمقالات والمذاهب، وما كان عليه السلف; قال حذيفة ﵁: " كان الناس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير، وكنت أسأله عن الشر، مخافة الوقوع فيه ". فالواجب على من له نهمة في الخير وطلب العلم، أن يبحث عن مذاهب السلف وأقوالهم في هذا الأصل العظيم، الذي قد يكفر الإنسان بالغلط فيه، ويعرف مذاهب الناس في مثل ذلك، وأن يطلب العلم من معدنه ومشكاته، وهو ما جاء به محمد ﷺ من الكتاب والحكمة، وما كان عليه سلف الأمة; قال الله تعالى: ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١-٢-٣] ، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٥] . فإذا وفق العبد لهذا، وبحث عن تفاسير السلف وأئمة الهدى، ورزق مع ذلك معلما من أهل السنة، فقد

стр. 1233

احتضنته السعادة، ونزلت به أسباب التوفيق والسيادة، وإن كان نظر العبد وميله، إلى كلام اليونان وأهل المنطق والكلام، ومشايخه من أهل البدعة والجدل، فقد احتوشته أسباب الشقاوة، ونزلت وحلت قريبا من داره موجبات الطرد عن مائدة الرب وكتابه; ومن عدم العلم فليبتهل إلى معلم إبراهيم، في أن يهديه صراطه المستقيم، وليتفطن لهذا الدعاء إذا دعا به في صلاته، ويعرف شدة فقره إليه وحاجته. وأما من جحد لفظ الاستواء ولم يؤمن به، فهو أيضا كافر; وكفره أغلظ وأفحش من كفر من قبله، وهو كمن كفر بالقرآن كله; ولا نعلم أحدا قال هذا القول ممن يدعي الإسلام ويؤمن برسالة محمد ﷺ . والجهمي يوافق على كفر هذا، ولا يشكل كفر هذا، على من عرف شيئا من الإسلام، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [سورة هود آية: ١٧] ، أي: بالقرآن. وأما قول القائل: استوى من غير مماسة للعرش; فقد قدمنا: أن مذهب السلف وأئمة الإسلام عدم الزيادة والمجاوزة لما في الكتاب والسنة، وأنهم يقفون وينتهون حيث وقف الكتاب والسنة، وحيث انتهيا. قال الإمام أحمد، ﵀: لا يوصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله. انتهى; وذلك لعلمهم بالله وعظمته في

стр. 1234

صدورهم، وشدة هيبتهم له، وعظيم إجلاله. ولفظ: "المماسة " لفظ مخترع مبتدع، لم يقله أحد ممن يقتدى به ويتبع، وإن أريد به نفي ما دلت عليه النصوص، من الاستواء، والعلو، والارتفاع، والفوقية، فهو قول باطل، ضال قائله، مخالف للكتاب والسنة، ولإجماع سلف الأمة، مكابر للعقول الصحيحة، والنصوص الصريحة، وهو جهمي لا ريب، من جنس ما قبله; وإن لم يرد هذا المعنى، بل أثبت العلو، والفوقية، والارتفاع، الذي دل عليه لفظ الاستواء، فيقال فيه: هو مبتدع ضال، قال في الصفات قولا مشتبها موهما، فهذا اللفظ: لا يجوز نفيه، ولا إثباته، والواجب في هذا الباب: متابعة الكتاب والسنة، والتعبير بالعبارات السلفية الإيمانية، وترك المتشابه. وأما من قال: إذا قلتم إن الله على العرش استوى، فأخبروني قبل أن يخلق العرش كيف كان؟ وأين كان؟ وفي أي مكان؟!. وجوابه: أن يقال: أما كيف كان؟ فقد أجاب عنها: إمام دار الهجرة التي تضرب إليه أكباد الإبل في طلب العلم النبوي والميراث المحمدي، قال له السائل: يا أبا عبد الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، وأمر بالسائل فأخرج عنه.

стр. 1235

فأخبر ﵀: أن الكيف غير معلوم، لأنه لا يعلم إلا بعلم كيفية الذات، وقد حجب العباد عن معرفة ذلك لكمال عظمته، وعظيم جلاله؛ وعقول العباد، لا يمكنها إدراك ذلك، ولا تحمله، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق وقدر; وإنما يقال: كيف هو؟ لمن لم يكن ثم كان; فأما الذي لا يحول، ولا يزول، ولم يزل، وليس له نظير، ولا مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو; وكيف يعرف قدر من لم يبد، ولا يموت، ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حد ومنتهى، يعرفه عارف، أو يحد قدره واصف؟ لأنه الحق المبين، لا حق أحق منه، ولا شيء أبين منه; والعقول عاجزة قاصرة عن تحقيق صفة أصغر خلقه كالبعوض وهو لا يكاد يرى، ومع ذلك يحول، ويزول، ولا يرى له سمع ولا بصر، فما يتقلب به ويحتال من عقله، أخفى وأعضل، مما ظهر من سمعه وبصره، ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١٤] ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] . وقد قال بعضهم، مخاطبا للزمخشري، منكرا عليه نفي الصفات، شعرا: قل لمن يفهم عني ما أقول ... قصر القول فذا شرح يطول أنت لا تفهم إياك ولا ... من أنت ولا كيف الوصول لا ولا تدري خفايا ركبت ... فيك حارت في خباياها العقول أنت أكل الخبز لا تعرفه ... كيف يجري منك أم كيف تبول

стр. 1236

أين منك الروح في جوهرها ... كيف تسري فيك أم كيف تجول فإذا كانت طواياك التي ... بين جنبيك كذا فيها ضلول كيف تدري من على العرش استوى ... لا تقل كيف استوى كيف النّزول وبالجملة: فهذا السؤال سؤال مبتدع جاهل بربه; وكيف يقول: إذا قلتم: إن الله على العرش استوى؟ وهو يسمع إثبات الاستواء، في سبعة مواضع من القرآن. وأما قوله: أين كان قبل أن يخلق العرش؟ فهذه المسألة: ليس فيها تكييف، ولا ابتداع، وقد خرج الترمذي جوابها، مرفوعا، من حديث: أبي رزين العقيلي، أنه قال: "يا رسول الله، أين كان ربنا، قبل أن يخلق الخلق؟ قال: في عماء، ما فوقه هواء، وما تحته هواء"١ انتهى الحديث، فهذا جواب مرفوع إلى النبي ﷺ قد قبله الحفاظ، وصححوه; والعماء هو: السحاب الكثيف، قال يزيد بن هارون، إمام أهل اليمن، من أكابر الطبقة الثالثة، من طبقات التابعين ومن ساداتهم، معناه: ليس معه شيء. وأما قول السائل: وفي زعم هذا القائل، إنه بذلك ينبغي حاجة الرب إلى العرش ; فيقال: ليس في إثبات الاستواء على العرش ما يوجب الحاجة إليه أو فقر الرب تعالى وتقدس إلى شيء من خلقه; فإنه سبحانه هو الغني بذاته عما سواه، وغناه من لوازم ذاته، والمخلوقات بأسرها - العرش فما دونه - فقيرة محتاجة إليه تعالى، في إيجادها

стр. 1237

وفي قيامها، لأنه لا قيام لها إلا بأمره، قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [سورة الروم آية: ٢٥] والسماء: اسم لما علا وارتفع; فهو اسم جنس، يقع على العرش، قال تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] الآية، وبحوله وقوته حمل العرش، وحمل حملة العرش; وهو الذي: ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ [سورة فاطر آية: ٤١] الآية، وجميع المخلوقات مشتركون في الفقر والحاجة، إلى بارئهم وفاطرهم. وقد قرر سبحانه كمال غناه وفقر عباده إليه في مواضع من كتابه، واستدل بكمال غناه المستلزم لأحديته، في الرد على النصارى وإبطال ما قالوه من الإفك العظيم، والشرك الوخيم، قال تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [سورة يونس آية: ٦٨] الآية، وكمال غناه يستلزم نفي الصاحبة والولد، ونفي الحاجة إلى جميع المخلوقات. ولا يظن أحد يعرف ربه أو شيئا من عظمته وغناه ومجده، أنه محتاج إلى العرش أو غيره; وإنما يتوهم هذا من هو في غاية الجهالة والضلالة، أو من لم يعرف شيئا من آثار النبوة والرسالة، أو من فسدت فطرته ومسخ عقله، بنظره في كلام الجهمية وأشباههم، حتى اجتالته الشياطين، فلم يبق معه أثارة من علم، ولا نصيب من فهم; بل استواؤه على عرشه صفة كمال، وعز، وسلطان; وهو من معنى اسمه (الظاهر) ، ومعناه: الذي ليس فوقه شيء; والعلو علو

стр. 1238

الذات، وعلو القدر، وعلو السلطان; كلها ثابتة لله، وهي صفات كمال تدل على غناه، وعلى فقر المخلوقات إليه. والذي ينبغي لأمثالنا ترك الخوض مع هؤلاء المبتدعة الضلال، وترك مجالستهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٨] . وأكثر المعطلة يزعمون أن تعطيلهم، تنْزيه للرب عما لا يليق به، فساء ظنهم، وغلظ حجابهم، حتى توهموا أن إثبات ما في الكتاب والسنة على ما فهمه سلف الأمة مما ينَزّه الرب، ﵎ عنه. [رسالة الشيخ عبد اللطيف إلى ابن عون، وثناؤه عليه بجهاد أهل البدع] وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ: محمد بن عون، سلمه الله تعالى، وأعانه، وبالعلم كمله وزانه، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته; وبعد: فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، على نعمه، جعلنا الله وإياكم من عباده الشاكرين. وقد بلغني ما من الله به عليك، من جهادك أهل البدع، والإغلاظ في الإنكار على الجهمية المعطلة ومن والاهم; وهذا من أجل النعم وأشرف العطايا، وهو من أوجب الواجبات الدينية. فإن الجهاد بالعلم والحجة مقدم على الجهاد باليد والقتال، وهو من أظهر شعائر السنة وآكدها، وإنما يختص

стр. 1239

به في كل عصر ومصر أهل السنة، وعسكر القرآن، وأكابر أهل الدين والإيمان؛ فعليك بالجد والاجتهاد، واعتد به من أفضل الزاد للمعاد، قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [سورة غافر آية: ٥١-٥٢] . هذا وقد ألقى إلي ورقة جاءت من نحوكم، سودها بعض الجهمية المعطلة، مشتملة على إنكار علو الله على خلقه واستوائه على عرشه ; كما هو رأي جهم وأشياعه; محتجا صاحبها بشبهات كسراب بقيعة، من نظر إليها من أهل العلم والمعرفة تيقن أنه من الأدلة على أن قائله قد عدم العلم والإيمان، والحقيقة، وأنه أضل ممن: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٤] ؛ وقد أبداه قائله، ليتشبع بما لم يعط من العلم، ويتزيا بغير زيه، فكشف الله سوأته، وأبدى خزيته، وصار كلامه دليلا على جهله وعماه، وضلاله عن سبيل رشده وهداه. فأول ما رسم في هذه الورقة المشار إليها قوله: وفقك الله لأقوم طريق، هل لكلمة التوحيد، وهي "لا إله إلا الله" شروط، وأركان، وآداب؟ فإن قلت: نعم، فما هي؟ هذا لفظه. وقد عرفت: أن هذا الرجل ليس من أهل هذا الفن، ولا يدري ما هنالك. والتوحيد عند هذه الفرقة الجهمية، حقيقته تعطيل

стр. 1240

الأسماء والصفات، لأن عندهم تعدد الصفات يقتضي تعدد الموصوف; والوحدة عندهم والتوحيد ينافي ذلك، فيثبتون ذاتا مجردة، وحقيقة مطلقة، غير موصوفة بصفة ثبوتية; ويفسرون الواحد بأنه الذي لا يقبل الانقسام، هذا كلام شيوخه وأسلافه من الجهمية الضالين، الذين ينكرون العلو والاستواء; ويزعمون أنه بذاته مستو في كل مكان; فما نزهوه عن شيء من الأماكن القذرة، التي ينَزه عنها آحاد خلقه، فما أجرأهم! وما أكفرهم! وما أضلهم عن سواء السبيل! ومنكر الاستواء هذا توحيده، وهذا رأيه. وأما التوحيد الذي اشتملت عليه كلمة الإخلاص، فهو أجنبي عنه لا يدريه، وكيف يدري ذلك من أنكر أظهر الصفات التي بنيت عليها كلمة الإخلاص، واستحق بها الرب ما له من صفات الإلهية والربوبية، والكمال المطلق; فما للجهمية وهذا؟! وهم إنما يعبدون عدما; وإنما يبحث عن هذا ويدريه من يعبد إلها واحدا، فردا صمدا. وشروط كلمة الإخلاص يعرفها بحمد الله صغار الطلبة من المسلمين، أهل الإثبات، ويتبين ذلك بتعريف الشرط، وهو أنه ما يلزم من عدمه العدم، ولا يلزم من وجوده الوجود لذاته; وإذا عرف هذا، فالعقل يلزم من عدمه العدم; والتمييز يلزم من عدمه العدم، والعلم يلزم من عدمه العدم; هذه شروط الصحة; وأما شروط القبول:

стр. 1241

فالالتزام، والإيثار، والرضاء; وإذا اجتمعت هذه الشروط، حصل القول المنجي، والشهادة النافعة; ومصدر هذه الشروط عن علم القلب وعمله; وهناك يصدر التلفظ بها، عن يقين وصدق; والجهمية لم يتصفوا بشرط من هذه الشروط; وقد صرح أهل السنة بذلك، وحاجة معطلة الصفات إلى معرفة التوحيد في العبادات، كحاجة من عدم الرأس من الحيوانات إلى الرسن; قال أبو الطيب: فقر الجهول بلا عقل إلى أدب فقر الحمار بلا رأس إلى رسن. ولها أيضا: شروط; منها: معرفة الإله الحق بصفات كماله ونعوت جلاله، التي علوه، وارتفاعه، واستواؤه على عرشه، من أظهرها، وأوجبها; وكذلك معرفة أمره ونهيه، ودينه الذي شرعه، والوقوف مع أمر رسوله، وحدوده. ومنها: كون الطبيعة لينة، منقادة، سلسة، قابلة; وهذه الشروط معدومة في السائل، قد اتصف بضدها; معبوده مسلوب الصفات، لا وجود له في الحقيقة، وأمره ونهيه منبوذ عند هذه الطائفة، لا يهتدون بكتابه، ولا يأتمرون بأمره، والمعول عندهم على شبهات منطقية، وخيالات كلامية، يسمونها: قواطع عقلية، ومقدمات يقينية؛ ونصوص الكتاب، والسنة، عندهم: ظواهر لفظيه، وأدلة ظنية. وأما طبائعهم: فأقسى الخلق، وأعتاهم، وأعظمهم ردا

стр. 1242

على الرسل، اعتمادا على أقوال الصابئة والفلاسفة، وأمثالهم من شيوخ القوم الذين لم يلتفتوا إلى ما جاءت به الرسل، ولم يرفعوا به رأسا، فضلا عن معرفته وقبوله، فما لهذا السائل وآداب كلمة الإخلاص؟!. وأما الأركان فركناها: النفي، والإثبات; نفي استحقاق الإلهية عما سوى الله، وإثباتها لله وحده، على وجه الكمال; وأما الآداب، فالدين كله يدخل في مدلولها، وآدابها. وأرفع مراتب الآداب وأعلاها: مرتبة الإحسان، وهي أعلى مقامات الدين; وبسطها يعلم من معرفة شعب الإيمان، وواجباته، ومستحباته; وعندهم: أن الإيمان مجرد التصديق، فلا يشترط عمل القلب وعمل الأركان، في حصول الحقيقة المميزة بين المسلم والكافر: هذا رأي الجهمية الجبرية; فالأعمال عندهم ليست من مسماه، والتصديق والإخلاص ليسا من أركانه; وهذا يعرفه صغار الطلبة، فكيف يترشح هذا الجهمي لما ليس من فنه، ولا من علمه; وفي المثل: ليس هذا عشك، فادرجي; والمقصود: إفادة مثلك; وأما السائل: فليس كفوا للرشاد إلى الهدى. ثم قال الجهمي في ورقته: وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ما معناه: استواؤه مختص بالعرش أو به وبغيره، لأنه تعالى ما نفى استواءه عن غيره;

стр. 1243

فإذا زعمت أن استواءه مختص بالعرش، فمن أي شيء علم ذلك؟ وهل أتى سبحانه بحرف الحصر؟ وحرف الاختصاص؟ وهل تعرف حروف الاختصاص؟ وحروف الحصر أم لا؟ وما هي؟ فإذا قلت، مثلا: زيد استوى على الدار، فهل علم منه: أنه لا يستوي على غيره؟ والعاقل: يعلم ذلك بأدنى تأمل. وجوابه، أن يقال: قد ثبت من غير طريق، عن مالك بن أنس ﵀، وعن شيخه ربيعة بن عبد الرحمن، بل ويروى عن أم سلمة، أم المؤمنين، أنهم قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول; وفي بعض طرقه: والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة; وزاد مالك، فقال للسائل: وما أراك إلا رجل سوء، وأمر به فأخرج; وعلى هذا درج أهل العلم وأهل السنة، من عهد رسول الله ﷺ إلى وقتنا هذا، ولم يخالف في ذلك إلا الطائفة الضالة الملعونة الجهمية، وأشياخهم من غلاه الاتحادية، والحلولية. وأما أهل السنة فعرفوا المراد وعقلوه، ومنعتهم الخشية، والهيبة، والإجلال، والتعظيم، من الخوض، والمراء، والجدال، والكلام الذي لم يؤثر، ولم ينقل; وقد عرفوا المراد من الاستواء، وصرح به أكابر المفسرين، وأهل اللغة; فثبت عنهم تفسيره بالعلو، والارتفاع، وبعض أكابرهم صرح بأنه صعد; ولكنهم أحجموا عن مجادلة

стр. 1244

السفهاء الجهمية، تعظيما لله، وتنْزيها لرب البرية; وإذا أخبر - جل ذكره - أنه استوى على العرش، وعلا، وارتفع، وكل المخلوقات، وسائر الكائنات، تحت عرشه، وهو بذاته فوق ذلك; وفي الحديث: " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء "١. فإذا عرف هذا، عرف معنى اختصاص العرش بالاستواء، وأن هذه الصفة، مختصة بالعرش. وقد ثبت أنه ﷺ قال للرجل، الذي قال له: إنا نستشفع بك على الله، وبالله عليك; قال: " الله أكبر، الله أكبر، إن شأن الله أعظم من ذلك، ويحك! أتدري ما الله؟! إنه على عرشه - وأشار بيده كالقبة - وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه "٢، وهذا الحديث لا يستطيع سماعه الجهمي، ولا يؤمن به إلا أهل السنة والجماعة الذين عرفوا الله بصفات كماله، وعرفوا عظمته، وأنه لا يليق به غير ما وصف به نفسه، من استوائه على عرشه، ونزهوه أن يستوي على ما لا يليق بكماله وقدسه، من سائر مخلوقاته. ومن أصول أهل السنة والجماعة: أنه سبحانه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، ولم يصف نفسه بأنه استوى على شيء غير العرش، وكذلك رسله، وأنبياؤه، وورثتهم، لم يصفوه إلا بما وصف به نفسه، فإنكار هذا الجهمي اختصاص الاستواء بالعرش، تكذيب لما جاءت به الرسل، ورد لما فطر الله عليه بني آدم، من التوجه إلى جهة العلو،

стр. 1245

وطلب معبودهم وإلههم، فوق سائر الكائنات ﴿فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٤١] . وتخصيص العرش بالاستواء نص في أنه لم يستو على غيره، والسائل أعجمي، لا خبرة له بموضوع الكلام، ودلالته؟ قال الحسن في مثل هؤلاء: دهتهم العجمة; ونفي الاستواء عن غير العرش معلوم من السياق، مع دلالة النص، والإجماع، والفطرة، وكذلك دلالة الأسماء الحسنى، كالعلي، والأعلى، والظاهر، ونحو ذلك، ولفظ: العلو، والارتفاع، والصعود، يشعر بذلك. ويستحيل أن يستوي على شيء مما دون العرش، لوجوب العلو المطلق، والفوقية المطلقة. وأما قوله: وهل أتى سبحانه بحرف الحصر والاختصاص؟ فدلالة الكلام على الحصر، والاختصاص، تارة تكون بالحروف، وتارة تكون بالتقديم والتأخير، وتارة تكون من السياق، وتارة تكون بالاقتصار على المذكور في الحكم، ولا يختص الاختصاص بالحروف، قال تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، وهذا الضمير الظاهر ليس من حروف الحصر، وإنما عرف واستفيد من التقديم والتأخير، وتارة يستفاد من الحروف، كقوله: " إنما الأعمال بالنيات "١، وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] ، وتارة من الاستثناء بإلا بعد النفي،

стр. 1246

كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠٧] ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ سورة آل عمران آية: ١٤٤] ونحو ذلك. والسائل حصرها، يظنها منحصرة في الحروف، وهذا من جهله، ثم يسأل هنا عن أقسام الحصر، كم هي؟ وما الفرق بين حصر الأفراد، وحصر القلب، والحصر الادعائي، ومقابله؟ ويسأل: هل دلالة الحصر، نصية أو ظاهرية؟ وهل هي: لفظية أو عقلية؟ وما أظنه يحسن شيئا من ذلك، وإذا أخبر تعالى: أنه استوى على العرش، فلا يجوز أن يقال: إنه استوى على غيره، لوجوه: منها: أنه لا يوصف إلا بما وصف به نفسه، والتجاسر على مقام الربوبية بوصفه بما لم يصف به نفسه، وزيادة نعت لم يعرف عنه، ولا عن رسله، قول على الله بغير علم، وهو فوق الشرك في عظم الذنب والإثم؛ وأكذب الخلق من كذب على الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] الآية. الوجه الثاني: أن الله ، يستحق من الصفات أعلاها، وأجلها، وأشرفها. والعرش: أعظم المخلوقات، وهو سقفها الأعلى، وقد وصفه الله تعالى بالعظم، فقال: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٢٩] ، وقال: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [سورة البروج آية: ١٥] ، ووصفه بالسعة، فقال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ

стр. 1247

حِفْظُهُمَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] الآية. فكيف يوصف بالاستواء على ما دونه، وقد تمدح، وأثنى على نفسه باستوائه عليه، ووصفه بما لم يصف به غيره من مخلوقاته؟ الوجه الثالث: أن تمثيله بقول القائل: زيد استوى على الدار، وأن ذلك لا يعلم منه أنه لا يستوي على غيرها، فهذا جهل عظيم، والكلام يختلف باختلاف حال الموصوف، وما يليق له من الصفات. وأصل ضلال هذه الطائفة أنهم فهموا من صفات الله الواردة، في الكتاب والسنة، ما يليق بالمخلوق ويختص به، فلذلك أخذوا في الإلحاد، تشبيه المخلوق بالخالق. الوجه الرابع: أن هذا التمثيل الذي أبداه السائل، قد نص القرآن على إبطاله، قال تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٧٤] ؛ وأصل الشرك والتعطيل، شبهوا أولا، وعطلوا ثانيا. فصل: قال الجهمي في ورقته: وإذا أقررت لله مكانا معينا، فما معنى قوله تعالى ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ، وقال: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] ، وقال: إنه قريب، وقال ﷺ : " حيثما كنتم فإنه معكم " فإذا قلت: هذه الآيات مؤولة، وأقررت بالتأويل، فالآية الأولى أولى به، لأنها بلا تأويل تخالف الإجماع،

стр. 1248

وتعارض الآيات والأحاديث، أم آيات الأخيرة، فقد قيل في الأولى: لأنها ليست من المتشابهات، لأن الاستواء معلوم، والكيف مجهول، وما نفى الاستواء عن غير العرش. هذا كلامه بحروفه، نقلناه على ما فيه من التحريف، واللحن، ليعتبر الناظر، ويعرف المؤمن المثبت، حال هؤلاء الجهال، الضلال، الحيارى. فأما قوله: إذا أقررت لله مكانا معينا، فاعلم: أن أهل السنة والجماعة، ورثة الرسل وأعلام الهدى، لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ من غير زيادة ولا نقص، ينتهون حيث انتهى بهم، تعظيما للموصوف، وخشية، وهيبة، وإجلالا. وأما أهل البدع، فيخوضون في ذلك، ويصفونه بما لم يصف به نفسه، ويلحدون فيما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، ولا يتحاشون من الكلام في ذلك بالبدع التي لا تعرف؟ وقد ذم الله هذا الصنف في كتابه، ووصفهم بالخوض بما لم يأتهم عنه ولا عن رسله، وذكر الله عن أصحاب النار أنهم قالوا، لما قيل لهم: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٢-٤٣-٤٤-٤٥] ، فوصفهم بالعتو عن طاعته، وعدم الانقياد لعبادته، بقوله: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٣] ، ووصفهم بعدم الإحسان والمعروف بقوله: ﴿وَلَمْ

стр. 1249

نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٤] ، ووصفهم بالخوض في شأن دينهم وما جاءت به رسلهم، وعدم وقوفهم مع ما أمروا به، وتعديهم إلى ما يرونه ويهوونه، بقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٥] . وهذا حال أهل البدع والضلالات، الذين لم يؤسسوا دينهم على ما جاءت به الرسل؛ إذا عرف ذلك، فلفظ المكان لم يرد، لا نفيا، ولا إثباتا، وقد يراد به معنى صحيحا، كالعلو، والاستواء، والظهور; وقد يراد به غير ذلك من الأماكن المحصورة; فالواجب ترك المشتبه، والوقوف مع نصوص الكتاب والسنة. فيقال لهذا الجهمي: نحن لا نقر لله من الصفات، إلا ما نطق به الكتاب العزيز، وصحت به السنة النبوية; ولا يلزم من أثبت ذلك شيء من البدعيات والأوضاع المختلقة; وأما قوله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] فسياق الآية الكريمة يدل على أنها في شأن القبلة، قال ابن عباس: "خرج نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في سفر، قبل تحويل القبلة، فأصابهم الضباب، وحضرت الصلاة، وصلوا، وتحروا القبلة، فلما ذهب الضباب، استبان لهم أنهم لم يصيبوا، فلما قدموا سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فنَزلت هذه الآية". وقال ابن عمر: "نزلت في المسافر، يصلي التطوع، حيثما توجهت به راحلته". وقال عكرمة: نزلت في تحويل القبلة. وقال أبو

стр. 1250

العالية: عيرت اليهود المؤمنين، لما صرفت القبلة، فنَزلت هذه الآية. وقال مجاهد والحسن: نزلت في الداعي، يستقبل أي جهة كان، لأنهم قالوا لما نزلت ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] : أين ندعوه؟ قال الكلبي: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] فثم الله يعلم ويرى، والوجه صلة، كقوله تعالى: ﴿هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ﴾ [سورة القصص آية: ٨٨] أي: إلا هو، وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، ومقاتل بن حيان: فثم قبلة الله، والوجه، والوجهة، والجهة: القبلة. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] ختم هذه الآية، بهذين الاسمين الشريفين، يشعر بما قاله الكلبي، من أنه يعلم ويرى، ومن كان له أدنى شعور بعظمة الله وجلاله عرف صغر المخلوقات بأجمعها، في جنب ما له تعالى، من الصفات المقدسة، ولم يختلج في قلبه ريب ولا شك في الإيمان بهذه النصوص كلها، وعرف الجمع بينها وبين ما تقدم. فسبحان من جلت صفاته وعظمت أن يحاط بشيء منها. وأما قوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] ، فهذا القرب لا ينافي علوه على خلقه، واستواءه على عرشه، وفي الحديث: " وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "١، ولا يعرف هذا من ضاق نطاقه عن الإيمان بما جاءت به الرسل؛ وإنما يعرفه رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين، ومن أسمائه: العلي الأعلى، ومن

стр. 1251

أسمائه: القريب المجيب، ومن أسمائه: الظاهر الباطن. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] ، وقد حرف هذا السائل هذه الآية، وقال: إنه قريب، وهذا قرب خاص بداعيه; وفي الحديث: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد "١ لأن حال السجود غاية في العبودية والخضوع، ولذلك صار له قرب خاص لا يشبهه سواه، وهذا مما يبين لك بطلان قول الجهمي: إنه بذاته في كل مكان، ولو كان الأمر كما قال الضال، لم يكن للمصلي والداعي خصوصية بالقرب، ولكان المصلي وعابد الصنم سواء في القرب إليه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. وقال العلامة ابن القيم ﵀: المعية نوعان: عامة، وهي: معية العلم، والإحاطة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٤] ، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] ، وخاصة، وهي: معية القرب، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٨] ، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٣] ، ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٩] . فهذه معية قرب، تتضمن الموالاة، والنصر، والحفظ، وكلا المعيتين مصاحبة منه للعبد، لكن هذه مصاحبة اطلاع وإحاطة، وهذه مصاحبة موالاة ونصر

стр. 1252

وإعانة؛ فـ "مع" في لغة العرب، للصحبة اللائقة، لا تشعر بامتزاج، ولا اختلاط، ولا مجاورة، ولا مجانبة، فمن ظن شيئا من هذا، فمن سوء فهمه أتى. وأما القرب فلم يقع في القرآن إلا خاصا، وهو: نوعان; قربه من داعيه بالإجابة، وقربه من عابده بالإثابة. فالأول: كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٦] ولهذا نزلت جوابا للصحابة ﵃، وقد سألوا رسول الله ﷺ : "ربنا قريب فنناجيه؟ أم بعيد فنناديه؟ فأنزل الله هذه الآية". والثاني: كقوله ﷺ : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد" ١ "وأقرب ما يكون العبد من ربه في جوف الليل"، فهذا قربه من أهل طاعته. وفي الصحيح عن أبي موسى ﵁ قال: " كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته "٢ فهذا قرب خاص بالداعي، دعاء العبادة، والثناء، والحمد; وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الرب لخلقه، واستواءه على عرشه، بل يجامعه ويلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، تعالى الله علوا كبيرا، ولكنه نوع آخر، والعبد في الشاهد يجد روحه قريبة جدا من محبوب بينه وبينه مفاوز، تنقطع فيها أعناق المطي، ويجده

стр. 1253

أقرب إليه من جليسه، كما قيل: ألا رب من يدنو ويزعم أنه يحبك والنائي أحب وأقرب وأهل السنة أولياء رسول الله ﷺ وورثته وأحباؤه، الذي هو عندهم أولى بهم من أنفسهم وأحب إليهم منها، يجدون نفوسهم أقرب إليه، وهم في الأقطار النائية عنه، من جيران حجرته في المدينة، والمحبون المشتاقون للكعبة البيت الحرام، يجدون قلوبهم وأرواحهم أقرب إليها من جيرانها ومن حولها، هذا مع عدم تأتي القرب منها; فكيف بمن يقرب من خلقه كيف يشاء وهو مستو على عرشه؟ وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك، إلى شبهة مبطل بعيد من الله، خلا من محبته ومعرفته. والقصد: أن هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبة، وكلما ازداد حبا ازداد قربا، فالمحبة بين قربين: قرب قبلها، وقرب بعدها، وبين معرفتين: معرفة قبلها حملت عليها، ودعت إليها، ودلت عليها، ومعرفة بعدها هي من نتائجها وآثارها. [جواب الشيخ عبد اللطيف على من يرى أن أحاديث الصفات تجري على ظاهرها، ويسكت ويتستر بالتفويض] وسئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ﵀، عمن يرى أن أحاديث الصفات تجري على ظاهرها، ويسكت، ومعناه من غير اعتماد حقيقة، ويتستر بالتفويض ... إلخ. فأجاب: اعلم أرشدك الله، أنه لا بد من الإيمان، بأن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، قاهر فوق عباده، ليس

стр. 1254

في ذاته شيء من مخلوقاته، ولا في مخلوقاته شيء من ذاته، كما دلت على هذه الكتب السماوية والنصوص النبوية، والقواطع العقلية، وأجمعت عليه الأمم التي تؤمن بوجود الله وبربوبيته العامة؛ ولكن لما خاض بعض الناس في علم الكلام، وعربت كتب اليونان وقدماء الفلاسفة الذين هم من أجهل خلق الله وأضلهم في النظريات والضروريات، فضلا عن السمعيات مما جاءت به النبوات، حدث بسبب ذلك من الخوض والجدال في صفات الله ونعوت جلاله، التي جاءت بها الكتب، وأخبرت بها الرسل، ما أوجب لكثير من الناس تعطيل وجود ذاته وربوبيته، كما جرى للاتحادية والحلولية. فمن باب الكلام والمنطق، دخلوا في هذا الكفر الشنيع، والإفك الفظيع. ومنهم من عطل صفات كماله ونعوت جلاله التي وصف بها نفسه، ووصفته بها رسله، وتمدح بها، وأثنى عليه بها صفوة خلقه وخلاصة بريته، حتى آل هذا القول والتعطيل بأهله، إلى أن شبهوه بالعدم المحض، فلم يصفوه إلا بصفات سلبية، ولم يثبتوا له من صفات كماله ونعوت جلاله ما هو عين الكمال والتعظيم، والإيمان والإجلال. واختلف أهل هذا القسم اختلافا كثيرا، في أصول المقالات وفروعها. فمنهم من طرد الباب في جميع الصفات، ومنهم من أثبت بعضها، زعما منه أن العقل لا يثبت سواها، ونفى ما عداها من الصفات، كما هو

стр. 1255

المعروف عمن ينتسب إلى الأشعري والكرامي; ثم هؤلاء قد يقولون في آيات الصفات وأحاديثها: تجرى على ظاهرها، يريدون أنها تتلى، ولا يتعرض لإثبات ما دلت عليه من المعنى المراد والحقيقة المقصودة; بل يصرحون برد ذلك ونفيه; ومقصود السلف بقولهم: أمروها كما جاءت، وقول من قال: تجرى على ظاهرها، إثبات ما دلت عليه من الحقيقة، وما يليق بجلال الله وعظمته، وكبريائه، ومجده، وقيوميته وحده، كما ذكر الوليد بن مسلم، عن مالك، والليث، وسفيان الثوري، والأوزاعي، أنهم قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف. فقولهم: أمروها كما جاءت، رد على المعطلة الذين لا يرون ما دلت عليه وجاءت به من الحقيقة المقصودة والمعنى المراد، وقولهم: بلا كيف، رد على الممثلة الذين يعتقدون أن ظاهرها فيه تمثيل وتكييف، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا؛ ومذهب السلف: إثبات ما دلت عليه الآيات والأحاديث، على الوجه اللائق بجلال الله وعظمته، وكبريائه، ومجده. ومن قال: تجرى على ظاهرها، وأنكر المعنى المراد، كمن يقول في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] إنه بمعنى: استولى، وفي قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [سورة ص آية: ٧٥] إنه بمعنى: القدرة، ومع ذلك

стр. 1256

يقول: تجرى على ظاهرها، فهذا جاهل متناقض، لم يفهم ما أريد من قولهم: تجرى على ظاهرها. ولم يفهم أن الظاهر هو ما دلت عليه نصا أو ظاهرا في معناه المراد، ولا يكفي في الإيمان الإتيان بقول ظاهر، يوافق ما كان عليه السلف وأهل العلم، مع اعتقاد نقيضه في الباطن؛ بل هذا عين النفاق، وهو من أفحش الكفر في نصوص الكتاب والسنة. وأهل السنة وأهل العلم والفتوى لا يكتفون بمجرد الإيمان بألفاظ الكتاب والسنة في الصفات، من غير اعتقاد لحقيقتها وما دلت عليه من المعنى; بل لا بد من الإيمان بذلك، وكذا الاستواء على العرش، العلو، والارتفاع; وحديث الجارية: نص في أن اعتقاد العلو والفوقية، لا بد منه في الإيمان، وكما دلت عليه النصوص المتظاهرة من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٨] ، ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ، ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [سورة المعارج آية: ٤] ، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [سورة غافر آية: ٢] ، وحديث الأوعال، وحديث الرقية، وحديث الاستسقاء، وغير ذلك مما لا يكاد يحصى. قال أبو مطيع: قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر: من قال لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض، فقد كفر، لأن الله يقول: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] ، وعرشه فوق

стр. 1257

السماوات، قلت: فإن قال إنه على العرش استوى، ولكن لا أدري، العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر، لأنه أنكر أن يكون الله في السماء، لأنه تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل؛ وهذا يدل على أن من آمن بنفس اللفظ، ونفى ما يدل عليه من العلو، فهو كافر عنده؛ وغيره من الأئمة لا يخالفه. وقال مالك ﵀: الله في السماء، وعلمه في كل مكان. وقد بسط اللالكائي ﵀ أقوال الأئمة من السلف ومن بعدهم، على تكفير هذا الضرب من الناس. وقد حبس هشام بن عبد الله الرازي، قاضي الري، رجلا في التجهم، فأظهر التوبة، فأحضر عنده، فقال: الحمد لله على التوبة، فقال هشام: أتشهد أن الله على عرشه، بائن من خلقه؟ فقال: أشهد أن الله على عرشه، ولا أدري ما بائن من خلقه، فقال: ردوه، فإنه لم يتب. وذكر الحاكم بإسناد صحيح، عن محمد بن إسحاق بن خزيمة، ﵀، أنه قال: "من لم يقل إن الله فوق سماواته، على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب، وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي في مزبلة، لئلا يتأذى بنتن ريحه، أهل القبلة وأهل الذمة". وبهذا تعلم أن التفويض عند السلف، إنما هو في العلم بالكيفية، لا فيما دلت عليه النصوص من إثبات

стр. 1258

صفات الكمال، كالعلو، والارتفاع، والفوقية، فإن هذا لا بد من اعتقاده، والإيمان به; وقال ابن أبي زيد، القيرواني، في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] أي: بذاته وقد أنكر عليه من لا علم له، ولا اطلاع على مذهب السلف، والأئمة المقلدين، ﵃ أجمعين; وخبط في هذا المقام، بما لا طائل تحته، من فضول الكلام، الدال على فساد القصد، وعدم رسوخ الأفهام؟ فنعوذ بالله من معرة الجهل، والأوهام، ونستجير به، من مزلة الأقدام. [جواب الشيخ عبد اللطيف على تفسير النور في حديث أعوذ بنور وجهك] وقال أيضا: الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله تعالى: وأما السؤال عن قوله ﷺ : " أعوذ بنور وجهك " وقوله في حديث أبي موسى: " حجابه النور، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه، ما انتهى إليه بصره من خلقه "١، وقول السائل: هل يفسر هذا النور، أو لا؟ فالجواب: أن النور يضاف إلى الله إضافة الصفة إلى الموصوف، ويضاف إليه إضافة المفعول إلى فاعله، كما أشار إليه العلامة ابن القيم ﵀، في نونيته; وما في دعائه ﷺ مخرجه من الطائف، من الأول بلا ريب، فهو صفة ذات; وكذلك تسمى تعالى وتقدس بهذا الاسم الأنفس; وأما ما في حديث أبي موسى من ذكر السبحات المضافة إلى وجه الله تعالى، فهي من إضافة الصفة إلى الموصوف، على ما يأتي تفسيره.

стр. 1259

وأما قوله: حجابه النور فقد ذكر السيوطي وغيره في الحجب آثارا عن السلف، تدل على أن الله احتجب بحجب من نور، مخلوقة له، وكلام صاحب الكافية الشافية يشير إليه، لأنه عطفه في الذكر على ما تقدم، من أوصاف الذات; والأصل في العطف أن يكون للمغايرة; وقال في الجيوش الإسلامية: والله سبحانه سمى نفسه نورا، وجعل كتابه نورا، ورسوله ﷺ نورا، ودينه نورا، واحتجب من خلقه بالنور، وجعل دار أوليائه نورا; قال تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور آية: ٣٥] الآية، وقد فسر بكونه: منور السماوات والأرض، وهذا إنما هو فعل، وإلا فالنور الذي هو من أوصافه قائم به، ومنه اشتق له اسم النور الذي هو أحد الأسماء الحسنى. فالنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة فعل إلى فاعله، فالأول، كقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا﴾ [سورة الزمر آية: ٦٩] ، إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قوله ﷺ في الدعاء المشهور: " أعوذ بنور وجهك الكريم، أن تضلني، لا إله إلا أنت " وفي الأثر الآخر: " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات " فأخبر ﷺ أن الظلمات أشرقت بنور وجهه; كما أخبر تعالى: أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره. وفي معجم الطبراني، والسنة له، وكتاب عثمان

стр. 1260

الدارمي، وغيرهما، عن ابن مسعود ﵁: " ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات والأرض من نور وجهه "، وهذا الذي قاله ابن مسعود، ﵁ أقرب إلى تفسير الآية، من قول من فسرها: إنه هادي أهل السماوات والأرض; وأما من فسرها بأنه: منور السماوات والأرض، فلا تنافي بينه، وبين قول ابن مسعود، والحق أنه نور السماوات والأرض، بهذه الاعتبارات كلها. وفي صحيح مسلم وغيره، من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات: إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام"١ فذكرها، وفي صحيح مسلم، عن أبي ذر ﵁ قال: " سألت رسول الله ﷺ : هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه "٢، قال شيخ الإسلام: معناه: كان ثم نور، أو حال دون رؤيته نور، وأنى أراه; قال ويدل عليه: أن في بعض الألفاظ الصحيحة: هل رأيت ربك؟ قال: "رأيت نورا" وذكر الكلام في الرؤية، ثم قال: ويدل على صحته، ما قال شيخنا، في معنى حديث أبي ذر ﵁. قوله ﷺ في الحديث: "حجابه النور": فهذا النور - والله أعلم - هو النور المذكور في حديث أبي ذر: " رأيت نورا "٣ وأما السبحات، فهي نور الذات المقدسة العلية، وهي: النور الذي استعاذ به ﷺ ، وكلامه فيه إيماء إلى أنه

стр. 1261

تعالى احتجب بهذا النور المذكور، وهو الذي حجبه ﷺ عن رؤية البارئ تعالى وتقدس، وهذا النور، الذي رآه ﷺ كما تقدم في حديث أبي ذر: " رأيت نورا " وقد احتجب بحجب عن خلقه، من نور ومن غيره، كما ذكر في آثار مروية عن السلف، جمع كثيرا منها السيوطي، في كتاب الهيئة السنية؛ فإذا فسرت السبحات بنور وجهه الكريم، جازت الاستعاذة بها، لأنها وصف ذات. ويؤيد ما إليه أومأ ابن القيم، رحمه الله تعالى، قول ابن الأثير: سبحات الله ﷻ ، عظمته; وهي في الأصل: جمع سبحة، وقيل: ضوء وجهه، وقيل: سبحات وجهه، محاسنه; وقيل معناه: تنْزيهه له; أي: سبحان وجهه; وقيل: إن سبحات الوجه، كلام معترض، بين الفعل والمفعول، أي: لو كشفها، لأحرقت كل شيء أبصرت. قلت: يريد أن السبحات هي النور الذي احتجب به ولذلك، قال: لو كشفها; قال: وأقرب من هذا، أن المعنى: لو انكشف من أنوار الله تعالى - التي تحجب العباد - شيء، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل دكا، لما تجلى الله ؛ ففي كلام ابن الأثير: ما يدل على أن الحجاب نفس أنوار الذات، فتأمله. وذكر ابن الأثير وغيره، أن جبرائيل، "قال: لله دون العرش سبعون حجابا، لو دنونا من

стр. 1262

أحدها، لأحرقتنا سبحات وجهه". انتهى. ومقتضى ما قال القرطبي، في حديث أبي موسى: " حجابه النور، أو النار ": أن هذا حجاب منفصل عن أنوار الذات، لكنه يجري في هذه المباحث على طريق المتكلمين، فيما جاء في هذا الباب من صفات الكمال، ونعوت الجلال. [الاشتغال بكتاب الإحياء للغزالي وكلام الأئمة فيه] وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه، ما نصه: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، صلاة دائمة مستمرة إلى يوم الدين. وبعد: فإني رأيت بعض أهل وقتنا يشتغل بكتاب الإحياء للغزالي، ويقرأ فيه عند العامة، وهو لا يحسن فهم معانيه، ولا يعرف ما تحت جمله ومبانيه، ليست له أهلية في تمييز الخبيث من الطيب، ولا دراية بما تحت ذلك البارق من ريح عاتية أو صيب; فكتبت إليه نصيحة وأرسلت إليه بعض أصحابه، وأرشدته إلى الدواوين الإسلامية المشتملة على الأحاديث النبوية والسير السلفية،

стр. 1263

والرقائق الوعظية، فلم يقبل، واستمر على رأيه، وأعجب بنفسه، وأظهر ذلك لبعض من يجالسه، وحط من قدر الناهي له. فكتبت إليه كتابا، فلم يصغ، ولم يلتفت، وزعم أنه على بصيرة; وأبدى من جهله الأعاجيب الكثيرة، فأحببت أن أذكر للطلبة والمستفيدين بعض ما قاله أئمة الإسلام والدين في هذا الكتاب، المسمى بالإحياء ليكون الطالب على بصيرة من أمره، ولئلا يلتبس عليه ما تحت عباراته من زخرف القول. وصورة ما كتبت، أولا: من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينية على الملة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي، وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين. وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله، وأن يلتزموا سبيل المؤمنين، وحرم اتخاذ الولائج من

стр. 1264

دون الله ورسوله، ومن دون عباده المؤمنين، وهذا الأصل المحكم، لا قوام للإسلام إلا به. وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة، حتى ظنها الأغمار والجهال بالحقائق من دين الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخل به الناس في الإسلام; وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة، يعرفها أولو الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة، في القرى والأمصار. قد حذر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعة خافيها وباديها؛ بل أفتى بتحريقها علماء المغرب ممن عرف بالسنة، وسماها كثير منهم إماتة علوم الدين. وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع، وزيف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأن كثيرا من مباحثه زندقة خالصة، لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل. قال شيخ الإسلام: ولكن أبو حامد دخل في أشياء من الفلسفة، وهي عند ابن عقيل زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة، ورد عليه شيخ الإسلام في السبعينية، وذكر قوله في العقول والنفوس، وأنه مذهب الفلاسفة، فأفاد وأجاد. ورد عليه غيره من علماء الدين، وقال فيه تلميذه بن العربي المالكي: شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة، ثم أراد الخروج فلم يحسن; وكلام

стр. 1265

أهل العلم معروف في هذا، لا يشكل إلا على من هو مزجى البضاعة، أجنبي من تلك الصناعة. ومشايخنا - تغمدهم الله برحمته- مضوا على هذا السبيل والسنن، وقطعوا الوسائل إلى الزندقه والفلسفة والفتن، وأدبوا على ما هو دون ذلك، وأرشدوا الطالب إلى أوضح المناهج والمسالك، وشكرهم على ذلك كل صاحب سنة وممارسة للعلم النبوي. وأنت قد خالفت سبيلهم، وخرجت عن مناهجهم، وضللت المحجة، وخالفت مقتضى البرهان والحجة، واستغنيت برأيك، وانفردت بنفسك، عن المتوسمين بطلب العلم، المنتسبين إلى السنة: ما أقبح الحور بعد الكور! وما أوحش زوال النعم، وحلول النقم! إذا سمعت بعض عباراته المزخرفة، قلت: كيف ينهانا عن هذا فلان، أو يأمر بالإعراض عن هذا الشأن. كأنك سقطت على الدرة المفقودة، والضالة المنشودة، وقد يكون ما أطربك، وهز أعطافك وحركك، فلسفة منتنة، وزندقة مبهمة، أخرجت في قالب الأحاديث النبوية، والعبارات السلفية، فرحم الله عبدا عرف نفسه، ولم يغتر بجاهه، وأناب إلى الله، وخاف الطرد عن بابه، والإبعاد عن جنابه. وينبغي للإمام، أيده الله، أن ينْزع هذا الكتاب من
следующие страницы →