تعالى احتجب بهذا النور المذكور، وهو الذي حجبه ﷺ عن رؤية البارئ تعالى وتقدس، وهذا النور، الذي رآه ﷺ كما تقدم في حديث أبي ذر: " رأيت نورا " وقد احتجب بحجب عن خلقه، من نور ومن غيره، كما ذكر في آثار مروية عن السلف، جمع كثيرا منها السيوطي، في كتاب الهيئة السنية؛ فإذا فسرت السبحات بنور وجهه الكريم، جازت الاستعاذة بها، لأنها وصف ذات.
ويؤيد ما إليه أومأ ابن القيم، رحمه الله تعالى، قول ابن الأثير: سبحات الله ﷻ ، عظمته; وهي في الأصل: جمع سبحة، وقيل: ضوء وجهه، وقيل: سبحات وجهه، محاسنه; وقيل معناه: تنْزيهه له; أي: سبحان وجهه; وقيل: إن سبحات الوجه، كلام معترض، بين الفعل والمفعول، أي: لو كشفها، لأحرقت كل شيء أبصرت.
قلت: يريد أن السبحات هي النور الذي احتجب به ولذلك، قال: لو كشفها; قال: وأقرب من هذا، أن المعنى: لو انكشف من أنوار الله تعالى - التي تحجب العباد - شيء، لأهلك كل من وقع عليه ذلك النور، كما خر موسى صعقا وتقطع الجبل دكا، لما تجلى الله ؛ ففي كلام ابن الأثير: ما يدل على أن الحجاب نفس أنوار الذات، فتأمله. وذكر ابن الأثير وغيره، أن جبرائيل، "قال: لله دون العرش سبعون حجابا، لو دنونا من
стр. 1262
أحدها، لأحرقتنا سبحات وجهه". انتهى.
ومقتضى ما قال القرطبي، في حديث أبي موسى: " حجابه النور، أو النار ": أن هذا حجاب منفصل عن أنوار الذات، لكنه يجري في هذه المباحث على طريق المتكلمين، فيما جاء في هذا الباب من صفات الكمال، ونعوت الجلال.
[الاشتغال بكتاب الإحياء للغزالي وكلام الأئمة فيه]
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه، ما نصه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحق المبين، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله الصادق الأمين، صلى الله عليه، وعلى آله وأصحابه، صلاة دائمة مستمرة إلى يوم الدين.
وبعد: فإني رأيت بعض أهل وقتنا يشتغل بكتاب الإحياء للغزالي، ويقرأ فيه عند العامة، وهو لا يحسن فهم معانيه، ولا يعرف ما تحت جمله ومبانيه، ليست له أهلية في تمييز الخبيث من الطيب، ولا دراية بما تحت ذلك البارق من ريح عاتية أو صيب; فكتبت إليه نصيحة وأرسلت إليه بعض أصحابه، وأرشدته إلى الدواوين الإسلامية المشتملة على الأحاديث النبوية والسير السلفية،
стр. 1263
والرقائق الوعظية، فلم يقبل، واستمر على رأيه، وأعجب بنفسه، وأظهر ذلك لبعض من يجالسه، وحط من قدر الناهي له.
فكتبت إليه كتابا، فلم يصغ، ولم يلتفت، وزعم أنه على بصيرة; وأبدى من جهله الأعاجيب الكثيرة، فأحببت أن أذكر للطلبة والمستفيدين بعض ما قاله أئمة الإسلام والدين في هذا الكتاب، المسمى بالإحياء ليكون الطالب على بصيرة من أمره، ولئلا يلتبس عليه ما تحت عباراته من زخرف القول.
وصورة ما كتبت، أولا:
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ عبد الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
فقد بلغني عنك ما يشغل كل من له حمية إسلامية، وغيرة دينية على الملة الحنيفية، وذلك أنك اشتغلت بالقراءة في كتاب الإحياء للغزالي، وجمعت عليه من لديك من الضعفاء والعامة الذين لا تمييز لهم بين مسائل الهداية والسعادة، ووسائل الكفر والشقاوة، وأسمعتهم ما في الإحياء من التحريفات الجائرة، والتأويلات الضالة الخاسرة، والشقاشق التي اشتملت على الداء الدفين، والفلسفة في أصل الدين.
وقد أمر الله تعالى وأوجب على عباده أن يتبعوا رسله، وأن يلتزموا سبيل المؤمنين، وحرم اتخاذ الولائج من
стр. 1264
دون الله ورسوله، ومن دون عباده المؤمنين، وهذا الأصل المحكم، لا قوام للإسلام إلا به. وقد سلك في الإحياء طريق الفلاسفة والمتكلمين في كثير من مباحث الإلهيات وأصول الدين، وكسا الفلسفة لحاء الشريعة، حتى ظنها الأغمار والجهال بالحقائق من دين الله الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، ودخل به الناس في الإسلام; وهي في الحقيقة محض فلسفة منتنة، يعرفها أولو الأبصار، ويمجها من سلك سبيل أهل العلم كافة، في القرى والأمصار.
قد حذر أهل العلم والبصيرة عن النظر فيها، ومطالعة خافيها وباديها؛ بل أفتى بتحريقها علماء المغرب ممن عرف بالسنة، وسماها كثير منهم إماتة علوم الدين. وقام ابن عقيل أعظم قيام في الذم والتشنيع، وزيف ما فيه من التمويه والترقيع، وجزم بأن كثيرا من مباحثه زندقة خالصة، لا يقبل لصاحبها صرف ولا عدل.
قال شيخ الإسلام: ولكن أبو حامد دخل في أشياء من الفلسفة، وهي عند ابن عقيل زندقة، وقد رد عليه بعض ما دخل فيه من تأويلات الفلاسفة، ورد عليه شيخ الإسلام في السبعينية، وذكر قوله في العقول والنفوس، وأنه مذهب الفلاسفة، فأفاد وأجاد. ورد عليه غيره من علماء الدين، وقال فيه تلميذه بن العربي المالكي: شيخنا أبو حامد دخل في جوف الفلسفة، ثم أراد الخروج فلم يحسن; وكلام
стр. 1265
أهل العلم معروف في هذا، لا يشكل إلا على من هو مزجى البضاعة، أجنبي من تلك الصناعة.
ومشايخنا - تغمدهم الله برحمته- مضوا على هذا السبيل والسنن، وقطعوا الوسائل إلى الزندقه والفلسفة والفتن، وأدبوا على ما هو دون ذلك، وأرشدوا الطالب إلى أوضح المناهج والمسالك، وشكرهم على ذلك كل صاحب سنة وممارسة للعلم النبوي.
وأنت قد خالفت سبيلهم، وخرجت عن مناهجهم، وضللت المحجة، وخالفت مقتضى البرهان والحجة، واستغنيت برأيك، وانفردت بنفسك، عن المتوسمين بطلب العلم، المنتسبين إلى السنة: ما أقبح الحور بعد الكور! وما أوحش زوال النعم، وحلول النقم! إذا سمعت بعض عباراته المزخرفة، قلت: كيف ينهانا عن هذا فلان، أو يأمر بالإعراض عن هذا الشأن.
كأنك سقطت على الدرة المفقودة، والضالة المنشودة، وقد يكون ما أطربك، وهز أعطافك وحركك، فلسفة منتنة، وزندقة مبهمة، أخرجت في قالب الأحاديث النبوية، والعبارات السلفية، فرحم الله عبدا عرف نفسه، ولم يغتر بجاهه، وأناب إلى الله، وخاف الطرد عن بابه، والإبعاد عن جنابه.
وينبغي للإمام، أيده الله، أن ينْزع هذا الكتاب من
стр. 1266
أيديكم; ويلزمكم بكتب السنة، من الأمهات الست وغيرها، والله يقول الحق، وهو يهدي السبيل.
ثم جمعت بعض أقوال أهل العلم، وما أفتوا به في هذا الكتاب، وتحذيرهم للطالب والمسترشد; فمن ذلك: قول الذهبي - في ترجمته للغزالي -: وأخذ في تأليف الأصول، والفقه، والكلام، والحكمة، وأدخله سيلان ذهنه، في مضائق الكلام، ومزال الأقدام، ولله سر في خلقه، وساق الكلام - إلى أن قال -: ذكر هذا عبد الغافر - إلى أن قال -: ثم حكى عنه أنه راجع العلوم، وخاض في الفنون الدقيقة، والتقى بأربابها، حتى تفتحت له أبوابها، وبقي مدة، وفتح عليه باب من الخوف، بحيث شغله عن كل شيء - إلى أن قال - ومما كان يعترض عليه به، وقوع خلل من جهة النحو، في أثناء كلامه، وروجع فيه، فأنصف واعترف بأنه ما مارسه.
ومما نقم عليه، ما ذكر من الألفاظ المستبشعة بالفارسية في كيمياء السعادة والعلوم، وشرح بعض الصور والمسائل، بحيث لا يوافق مراسم الشرع، وظواهر ما عليه قواعد الملة. وكان الأولى به، والحق أحق ما يقال: ترك ذلك التصنيف، والإعراض عن الشرح له. فإن العوام ربما لا يحكمون أصول القواعد بالبراهين والحجج، فإذا سمعوا شيئا من ذلك، تخيلوا منه ما هو أضر بعقائدهم، وينسبون ذلك إلى بيان مذهب الأوائل.
стр. 1267
قال الذهبي: ما نقله عبد الغافر على أبي حامد في الكيمياء، فله أمثاله في غضون تواليفه، حتى قال أبو بكر بن العربي: شيخنا أبو حامد بلع الفلاسفة، وأراد أن يتقيأهم فما استطاع. انتهى.
ومن معجم أبي علي الصدفي، في تأليف القاضي عياض له، قال الشيخ: أبو حامد، ذو الأنباء الشنيعة، والتصانيف العظيمة، غلا في طريق التصوف، وتجرد لنصر مذهبهم، وصار داهية في ذلك، وألف فيه تآليفه المشهورة؛ أخذ عليه فيها مواضع، وساءت به ظنون أمة، والله أعلم بسره، ونفذ أمر السلطان عندنا بالمغرب، وفتوى الفقهاء بإحراقها، والبعد عنها، فامتثل ذلك. انتهى.
ونقل أبو المظفر يوسف، سبط ابن الجوزي، المتهم بالتشيع، في كتابه: رياض الأفهام قال: ذكر أبو حامد في كتابه: سر العالمين، وكشف ما في الدارين، وقال في حديث: " من كنت مولاه فعلي مولاه " إن عمر قال: بخ، بخ، أصبحت مولى كل مؤمن ومؤمنة، قال أبو حامد: وهذا تسليم ورضى، ثم بعد هذا غلب عليه الهوى، حبا للرياسة، وعقد البنود، وأمر الخلافة، ونهيها، فحملهم على الخلاف ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧] ، وسرد كثيرا من هذا الكلام الفسل الذي تزعمه الإمامية.
стр. 1268
قال الذهبي: وما أدري ما عذره في هذا، الظاهر أنه رجع عنه، وتبع الحق. قلت: هذا إن لم يكن من وضع هذا، وما ذاك ببعيد، ففي هذا التأليف بلايا لا تستطاب، قلت: ما ذكره الذهبي ممكن، والغرض: أن ما ينسب إلى هذا الرجل، لا يغتر به، ويجب هجره واطراحه، لما في كتبه من الداء العضال، والعثرات التي لا تقال.
قال الذهبي: قد ألف الرجل في ذم الفلاسفة كتاب التهافت، وكشف عوراتهم، ووافقهم في مواضع، ظنا منه أن ذلك حق، أو موافق للملة، ولم يكن له علم بالآثار، ولا خبرة بالسنن النبوية، القاضية على العقل، وحبب إليه إدمان النظر في كتاب رسائل إخوان الصفا، وهو داء عضال، وجرب مردئ، وسم قاتل، ولولا أن أبا حامد من الأذكياء وخيار المخلصين، لتلف.
فالحذر، الحذر، من هذه الكتب! واهربوا بدينكم من شبه الأوائل، وإلا وقعتم في الحيرة، فمن رام النجاة والفوز، فليلزم العبودية، وليكثر الاستغاثة بالله، وليبتهل إلى مولاه، في الثبات على الإسلام، وأن يتوفى على إيمان الصحابة وسادة التابعين، والله الموفق، فبحسن قصد العالم، يغفر له، وينجو إن شاء الله تعالى.
وقال أبو عمر بن الصلاح: فصل في بيان أشياء مهمة أنكرت على أبي حامد; ففي تواليفه أشياء لم يرتضها
стр. 1269
أهل مذهبه من الشذوذ. منها قوله في المنطق: هو مقدمة العلوم كلها، ومن لا يحيط به فلا ثقة له بمعلوم أصلا، قال: فهذا مردود، إذ كل صحيح الذهن منطقي بالطبع، وكم من إمام ما رفع بالمنطق رأسا.
فأما كتاب: المضنون به على غير أهله; فمعاذ الله أن يكون له، شاهدت على نسخة منه بخط القاضي كمال الدين محمد بن عبد الله الشهرزوري، أنه موضوع على الغزالي، وأنه مخترع من كتاب: مقاصد الفلاسفة، وقد نقضه الرجل بكتاب: التهافت.
وقال أحمد بن صالح الجبلي في تاريخه: وقد رأيت كتاب: الكشف والإنباء عن كتاب الإحياء، للمازري: الحمد لله الذي أنار الحق وأداله، وأباد الباطل وأزاله ... ثم أورد المازري أشياء مما انتقده على أبي حامد، يقول: ولقد أعجب من قوم مالكية، يرون الإمام مالكا يهرب من التحديد، وإيجاب أن يرسم رسما، وإن كان فيه أثر ما، أو قياس ما، تورعا وتحفظا من الفتوى، فيما يحمل الناس عليه، ثم يستحسنون من الرجل فتاوى مبناها على ما لا حقيقة له، وفيه كثير عن النبي ﷺ لفق منه الثابت، بغير الثابت.
وكذا ما أورد عن السلف، لا يمكن ثبوته كله، وأورد من نزعات الأولياء، ونفثات الأصفياء، ما يجل موقعه، لكن
стр. 1270
مزج فيه النافع بالضار، كإطلاقات يحكيها عن بعضهم، لا يجوز إطلاقها لشناعتها، وإن أخذت معانيها على ظواهرها كانت كالرموز لقدح الملحدين، ولا تنصرف معانيها إلى الحق إلا بتعسف، على أن اللفظ مما لا يتكلف العلماء مثله، إلا في كلام صاحب الشرع الذي اضطرت المعجزات الدالة على صدقه، - المانعة من جهله.
وكذبه إلى طلب التأويل١ كقوله: " إن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن "٢ " وإن السماوات على أصبع " وكقوله: " لأحرقت سبحات وجهه "٣ وكقوله: " يضحك الله " إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة، ظاهرها مما أحاله العقل٤ - إلى أن قال - فإذا كانت العصمة غير مقطوع بها في حق الولي، فلا وجه لإضافة ما لا يجوز إطلاقه إليه، إلا أن يثبت، وتدعو ضرورة إلى نقله، فيتأول ... إلى أن قال: ألا ترى: لو أن منصفا أخذ يحكي عن بعض الحشوية، مذهبه في قدم الصوت والحرف، وقدم الورق، لما حسن به أن يقول: قال بعض المحققين: إن القارئ، إذا قرأ كتاب الله، عاد القارئ في نفسه قديما بعد أن كان محدثا; وقال
стр. 1271
بعض الحذاق: إن الله محل للحوادث، إذا أخذ في حكاية مذاهب الكرامية.
وقال قاضي الجماعة أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي: إن بعض من يعظ، ممن كان ينتحل رسم الفقه، ثم تبرأ منه شغفا بالشريعة الغزالية، والنحلة الصوفية، أنشأ كراسة تشتمل على معنى التعصب لكتاب أبي حامد، إمام بدعتهم، فأين هو من تشنيع مناكيره؟ وتضليل أساطيره المباينة للدين، وزعم: أن هذا من علم المعاملة، المفضي إلى علم المكاشفة، الواقع بهم على سر الربوبية، الذي لا يسفر عن قناعه ولا يفوز باطلاعه، إلا من تمطى إلى شيخ ضلالته، التي رفع لهم أعلامها، وشرع أحكامها.
قال أبو حامد: وأدنى من هذا العلم التصديق به، وأقل عقوبته أن لا يرزق المنكر منه شيئا فأعرض من قوله، على قوله: ولا يشتغل بقراءة قرآن، ولا بكتب حديث، لأن ذلك يقطعه عن الوصول إلى إدخال رأسه في كم جيبه، والتدثر بكسائه، فيسمع نداء الحق، فهو يقول: ذروا ما كان السلف عليه، وبادروا إلى ما أمركم به، ثم إن القاضي أقذع، وسب، وكفر.
وقال أبو حامد: وصدور الأحرار قبور الأسرار، ومن أفشى سر الربوبية كفر، ورأى مثل قتل الحلاج خيرا من إحياء عشرة، لإطلاقه ألفاظا، ونقل عن بعضهم قال: للربوبية
стр. 1272
سر لو ظهر لبطلت النبوة; وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم; وللعلم سر لو كشف لبطلت الأحكام; قلت: سر العلم قد كشف بصوفية أشقياء، فانحل النظام، وبطل لديهم الحلال والحرام.
قال ابن أحمد: ثم قال الغزالي، القائل بهذا إن لم يرد إبطال النبوة في حق الضعفاء، فما قال ليس بحق; فإن الصحيح لا يتناقض، وإن الكامل لا يطفئ نور معرفته نور ورعه، وقال الغزالي: العارف، يتجلى له أنوار الحق، وتنكشف له العلوم المرموزة المحجوبة عن الخلق، فيعرف معنى النبوة، وجميع ما وردت به ألفاظ الشريعة، التي لحن منها على ظاهرها، قال عن بعضهم: إذا رأيته في البداية قلت صدّيقا، وإذا رأيته في النهاية قلت زنديقا، ثم فسره الغزالي، فقال: إذا رأيتم الزنديق لا يلصق إلا بمعطل الفرائض، لا بمعطل النوافل، وقال: وذهبت الصوفية إلى العلوم الإلهامية دون التعليمية; فيجلس فارغ القلب، مجموع الهم، فيقول: الله، الله، الله، على الدوام; فيتفرغ قلبه، ولا يشتغل بتلاوة، ولا كتب حديث; فإذا بلغ هذا الحد، التزم الخلوة ببيت مظلم، ويتدثر بكسائه، فحينئذ يسمع نداء الحق: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ [سورة المزمل آية: ١] ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [سورة المدثر آية: ١] .
قلت: إنما سمع شيطانا، أو سمع شيئا لا حقيقة له،
стр. 1273
من طيش دماغه، والتوفيق في الاعتصام بالكتاب، والسنة، والإجماع.
قال أبو بكر الطرطوشي: شحن أبو حامد كتاب الإحياء بالكذب على رسول الله ﷺ ، وما على بسيط الأرض أكثر كذبا منه، شبكه بمذاهب الفلاسفة، ومعاني رسائل إخوان الصفاء، وهم قوم يرون النبوة مكتسبة; وزعموا أن المعجزات حيل ومخاريق. قال ابن عساكر: حج أبو حامد، وأقام بالشام نحوا من عشرين سنة، وصنف، وأخذ نفسه بالمجاهدة، وكان مقامه بدمشق، في المنارة الغربية من الجامع، سمع صحيح البخاري، من أبي سهل الحمصي، وقدم دمشق في سنة تسع وثمانين.
وقال ابن خلكان: بعثه النظام على مدرسته ببغداد، في سنة أربع وثمانين، وتركها في سنة ثمان وثمانين، وزهد، وحج، وأقام بدمشق مدة بالزاوية الغربية. ثم انتقل إلى بيت المقدس يتعبد، ثم قصد مصر، وأقام مدة بالإسكندرية، فقيل: عزم على المضي إلى يوسف بن تاشفين، سلطان مراكش، فبلغه نعيه. ثم عاد إلى طوس، وصنف: البسيط، والوسيط، والوجيز، والخلاصة، والإحياء، وألف المستصفى في أصول الفقه، والمنخول، واللباب، والمنتحل في الجدل، وتهافت الفلاسفة، ومحك النظر، ومعيار العلم، وشرح الأسماء الحسنى، ومشكاة الأنوار، والمنقذ من الضلال، وحقيقة القولين، وأشياء أخرى. انتهى.
стр. 1274
قال عبد الله بن علي الأثيري: سمعت عبد المؤمن بن علي القيسي، سمعت عبد الله بن تومرت، يقول: أبو حامد الغزالي قرع الباب، وفتح لنا. قال أبو محمد العثماني وغيره: سمعنا محمد بن يحيى العذري المؤدب يقول: رأيت بالإسكندرية، سنة خمسمائة، كأن الشمس طلعت من مغربها، فعبرها لي عابر، ببدعة تحدث فيهم، فبعد أيام وصل الخبر بإحراق كتب الغزالي من البريد.
قال أبو بكر بن العربي، في شرح الأسماء الحسنى: قال شيخنا أبو حامد قولا عظيما، انتقده عليه العلماء، وقال: وليس في قدرة الله أبدع من هذا العالم، في الإتقان والحكمة، ولو كان في القدرة أبدع أو أحكم منه ولم يفعله، لكان ذلك قضاء للجور، وذلك محال. ثم قال: والجواب: أنه باعد في اعتقاد عموم القدرة ونفي النهاية عن تقدير المقدرات المتعلقة بها، ولكن في تفصيل هذا العلم المخلوق، لا في سواه; وهذا رأي فلسفي، قصدت به الفلاسفة قلب الحقائق، ونسبة الإتقان إلى الحياة مثلا; والوجود إلى السمع والبصر، حتى لا يبقى في القلوب سبيل إلى الصواب؛ واجتمعت الأمة على خلاف هذا الاعتقاد، وقالت عن بكرة أبيها: إن المقدورات لا نهاية لها بكل مقدور الوجود، لا بكل حاصل الوجود، إذ القدرة صالحة. ثم قال: هذه وهلة لألعابها، ومزلة لا تماسك فيها، ونحن وإن كنا نقطة من بحره، فإنا لا نرد عليه إلا بقوله.
стр. 1275
ومما أخذ عليه، قوله: إن للقدر سرا نهينا عن إفشائه; فأي سر للقدر؟! فإن كان مدركا بالنظر وصل إليه ولا بد، وإن كان مدركا بالخبر فما ثبت فيه شيء، وإن كان يدرك بالحيل والعرفان فهذه دعوى محضة، فلعله عنى بإفشائه: أن تعمق في القدر وبحث فيه.
قال الذهبي: أنبأنا محمد بن عبد الكريم، أنبأنا أبو الحسن السخاوي، أنبأنا خطاب بن قمرية الصوفي، أنبأنا سعد بن أحمد الإسفرائيني بقراءتي، أنبأنا أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، قال: اعلم أن الدين شطران: أحدهما ترك المناهي، والآخر فعل الطاعات؛ وترك المناهي هو الأشد، والطاعات يقدر عليه كل أحد، وترك الشهوات لا يقدر عليه إلا الصديقون، ولذلك قال أبو عامر العبدي: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي يحلف بالله أنه أبصر في نومه، كأنه ينظر في كتب الغزالي، فإذا هي كلها تصاوير.
وقال ابن الوليد الطرطوشي في رسالته إلى ابن المظفر: فأما ما ذكرت من أبي حامد، فقد رأيته وكلمته، ورأيته جليلا من أهل العلم، واجتمع فيه العقل والفهم، ومارس العلوم طول عمره، وكان على ذلك معظم زمانه، ثم بدا له عن طريقة العلماء، ودخل في غمار العمال، ثم تصوف، وهجر العلوم، وأهلها، ودخل في علوم الخواطر، وأرباب القلوب، ووساوس الشيطان، ثم شابها بآراء
стр. 1276
الفلاسفة، ورموز الحلاج، وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين؛ ولقد كاد أن ينسلخ من الدين، فلما عمل الإحياء عمد يتكلم في علوم الأحوال، ومرامز الصوفية، وكان غير أنيس بها، ولا خبير بمعرفتها، فسقط على أم رأسه، وشحن كتابه بالموضوعات.
قال الذهبي، بعد أن ساق كلام ابن الوليد الطرطوشي، قلت: أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء ومنحرف الصوفية، نسأل الله علما نافعا; تدري ما العلم النافع؟ هو ما نزل به القرآن، وفسره رسول الله ﷺ قولا، وفعلا، ولم يأت نهي عنه، قال ﵇: " من رغب عن سنتي فليس مني "١. فعليك يا أخي بتدبر كتاب الله، وبإدمان النظر في الصحيحين، وسنن النسائي، ورياض النووي، وأذكاره، تفلح وتنجح، وإياك وآراء عباد الفلاسفة، ووظائف أهل الرياضات، وجوع الرهبان، وخطاب طيش رؤوس أصحاب الخلوات; فكل الخير في متابعة الحنيفية السمحة، فواغوثاه بالله! اللهم اهدنا الصراط المستقيم. انتهى.
ولمحمد بن علي المازني الصقيلي، كلام على الإحياء، قال فيه: قد تكررت مكاتبتكم في استعلام مذهبنا في الكتاب المترجم بإحياء علوم الدين، وذكرتم أن آراء الناس فيه قد اختلفت، فطائفة انتصرت وتعصبت لإشهاره، وطائفة حذرت منه ونفرت، وطائفة لكتبه أحرقت. وكاتبني
стр. 1277
أهل المشرق أيضا يسألوني، ولم يتقدم لي قراءة هذا الكتاب، سوى نبذة منه، فإن نفس الله في العمر، مددت منه الأنفاس، وأزلت عن القلوب الالتباس، اعلموا: أن هذا الرجل، رأيت تلامذته، فكل منهم حكى لي نوعا من حاله، ما قام مقام العيان، فأنا أقتصر على ذكر حاله، وحال كتابه، وأذكر جملا من مذاهب الموحدين، والمتصوفة، وأصحاب الإشارات، والفلاسفة، فإن كتابه متردد بين هذه الطوائف.
ثم قال: وأما علم الكلام الذي هو أصل الدين، فإنه صنف فيه، وليس بالمتبحر فيها، ولقد فطنت لعدم استبحاره فيها، وذلك أنه قرأ علوم الفلسفة قبل استبحاره في فن الأصول، فأكسبته الفلسفة جراءة على المعاني، وتسهيلا للهجوم على الحقائق، لأن الفلاسفة تمر مع خواطرها لا يزعها شرع; وعرفني صاحب له أنه كان له عكوف على رسائل إخوان الصفا، وهي إحدى وخمسون رسالة; ألفها من قد خاض في علم الشرع، والنقل، وفي الحكمة; فمزج بين العلمين، وقد كان رجل يعرف بابن سينا، ملأ الدنيا تصانيف، أدته قوته في الفلسفة إلى أن حاول رد أصول العقائد إلى علم الفلسفة، وتلطف جهده حتى تم له ما لم يتم لغيره.
стр. 1278
[رسالة الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن]
قال الشيخ: إسحاق بن عبد الرحمن، بن حسن ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من إسحاق بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وموجب الكتاب: النصيحة لله، التي هي من ألزم اللوازم، وفي الحديث: "الدين النصيحة ... "١ إلخ.
وبعد حمد الله الذي هو للحمد أهل، فالذي أوصيك به: تقوى الله تعالى، واتباع كتابه الذي جعله للناس نورا وروحا، قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الشورى آية: ٥٢] ، فكما أن الروح حياة البدن، فالقرآن حياة القلوب; فإذا عرف الإنسان، أن القلب يموت بفقد القرآن، كما يموت البدن بفقد الروح، عرف قدر القرآن، وأن طلب الهدى من غيره ضلال وهوان، فالروح للحياة، والنور للهداية.
وأما قوله ﴿نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [سورة الشورى آية: ٥٢] ففيه خوف
стр. 1279
المؤمن على نفسه أن لا يوفق لذلك; وفيه بيان التوكل على الله في كل الأمور، خصوصا في هداية القلوب وغفران الذنوب، فما قدر الله حق قدره من استعان بغيره في حاجاته; وفيه الفرق بين هداية الإرشاد، وهداية التوفيق، كما في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة القصص آية: ٥٦] .
إذا تقرر ذلك، فالرسول ﷺ جعله الله إماما للناس، فكما أنزل عليه القرآن، أنزل عليه السنة، موافقة للقرآن مبينة له; فما وافق هديه فهو الصراط المستقيم، وما خالفه فهو البدعة والضلال الوخيم، وكل بدعة ضلالة، إذ لا طريق إلى الحق إلا من طريقه، ولا شرب إلا من حوضه ورحيقه، وجميع الطرق مسدودة، وجميع الآراء مردودة، إلا ما وافق الكتاب والسنة. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] الآية، فانظر إلى إنكاره على من وافق رأي سفيان، فكيف بمن اتبع رأي فلان وفلتان، وترك النظر في السنة والقرآن؟ !
وقد حضر إلى الواثق في أيام المحنة، رجل من البادية، فقال: هل علم الرسول ﷺ هذا الرأي الذي دعوتم إليه الناس، ولم يدع الأمة إليه، أو هو لم يعلمه؟ فقال القاضي: بل علمه، فقال: وكيف وسعه أن يترك الناس ولم
стр. 1280
يدعهم إليه، وأنتم لا يسعكم؟ فترك الواثق المحنة.
والمقصود: أن طاعة الرسول ﷺ واجبة الاتباع، وطاعة الغير سائغة الاتباع، وقد عكس الناس القضية، بآراء غير مرضية. قال بعض العلماء: مات أبو بكر، وعمر، ولم يعرفا الجوهر والعرض ولا لفظ الجهة، ولا الحيز؛ بل درجا على ما عليه صاحبهما درج، وتركا ما فيه الضيق والحرج.
وقد سد السلف رضوان الله عليهم باب الخوض والكلام فيما لم يكن على عهد السلف الكرام، لأنهم أعرف بالله، وبأسمائه، وصفاته، ولم يتكلموا فيها بما يحيلها عن ظاهرها المراد اللائق بالله لا بالعباد، وهم أزكى الأمة عقولا، وأوفرها علوما، وأرسخها إيمانا، أثبتوا لله ما أثبته لنفسه وما أثبته رسوله ﷺ وكانوا أشد الناس في ذلك، وفي سد تلك الطرق والمسالك المفضية إلى المهالك. روى عثمان بن سعيد الدارمي قال: حدثنا الحسن بن الصباح قال: حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، عن ابن المبارك، قيل له: "كيف نعرف ربنا؟ قال: بأنه فوق السماء السابعة، بائن من خلقه".
قال الواسطي ﵀، واعلم: أن رسول الله ﷺ قد بعث بأفصح اللغات، وأبين الألسنة والعبارات، وقد صرح ببيان صفات الله، مخبرا بها عن ربه، واصفا له بها؛ وكان
стр. 1281
يحضر مجلسه الشريف العالم، والجاهل، والذكي، والبليد، والأعرابي الجافي; وقد أوجب عليهم أن يتدبروا ذلك الكتاب، ويعتقدوا موجب ذلك الخطاب، ليزدادوا به معرفة، مع الفطرة السليمة.
فهل يتصور عاقل أن هناك دليلا خفيا لا يستنبطه إلا أفراد الناس؟ ويدع الأمة في حيرة والتباس، ويترك تبليغه الأمة، ويدعهم في جهالة وضلالة وغمة، حتى إذا انقرض عصر الصحابة والتابعين، ظفر ببيانه من أخذ عن اليونان والصابئين، كجهم وبشر وغيرهما من المبتدعين؟! هذا والله نقيض البيان، وضد الهدى والبرهان، كيف يتكلم هو، وهم، بكلام يريدون به خلاف ظاهره المراد، المخالف لما يتوهمه أهل الفساد، ويندرجون على خلاف هذا الاعتقاد، وأن صرفه إلى التأويلات المحدثة هو المراد؟ !.
من لم يكن يكفيه ذان فلا كفاه الله شر حوادث الأزمان
بل السلف رضوان الله عليهم أنصح للأمة، وأبين للسنة، وقد فهموا: أن بعض العلم جهالة، قال ﷺ : " إن من العلم جهلا "١ وقال في دعائه: " أعوذ بالله من علم لا ينفع "٢، وقال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله"٣؟
وقد علم أن ما كان في الكتاب والسنة، لا يخالف ظاهره باطنه، فقد عرفوا دليله، ووضحوا سبيله، إما بأن
стр. 1282
يكون عقليا ظاهرا، مثل قوله تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة النمل آية: ٢٣] فإن كل أحد يعلم من عقله أن المراد وأوتيت من جنس ما يؤتاه مثلها، وكذلك قوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٢] فإنه قد علم بالضرورة أن الخالق لا يدخل في هذا العموم، أو سمعيا ظاهرا، مثل الدلالات في الكتاب والسنة، التي تصرف عن الظاهر، كالمعية الخاصة، والعامة; فإن الإجماع من الصحابة والتابعين انعقد على أن المراد به العلم، لأن الله بدأها بالعلم وختمها به.
وقد أجمع العقلاء أنه لا بد من دليل سمعي أو عقلي، يوجب الصرف عن الحقيقة إلى المجاز، وإن ادعى ظهور الدليل، فلا بد من دليل مرجح لحمله على ذلك. ومن الموانع: الاشتراك في اللفظ، ومن أراد هذا وجده في مظانه؛ ومن جعل السنة معياره أدرك المأمول، وعرف جنايات المجازات والعقول، على صريح المنقول.
ومن تغذى بكلام المتأخرين من غير إشراف على كتب أهل السنة المشتهرين، ككتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد، وكتاب السنة للخلال، وكتاب السنة للالكائي، والدارمي، وغيرهم، بقي في حيرة وضلال؛ وسأذكر لك طرفا من كلام العلماء، في بيان الاستواء.
قال الواسطي: ظن القوم أن إثبات الجهة في حق
стр. 1283
الباري وجودية، تحيط به وتحوطه، إحاطة الظرف بالمظروف; وهو سبحانه أعظم من ذلك وأكبر ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً﴾ [سورة طه آية: ١١٠] ، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] ، لا طريق إلى العلم بذلك، ولا نتجاوز ما علمناه في كتابه وما قاله رسوله ﷺ ، ولا يلزم من كونه فوق عرشه هذا المعنى؛ وإثبات جهة الفوقية لا محيد عنه ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [سورة الروم آية: ٣٠] ، وهو بحسب الكون وحدوثه، لا بحسب المكون، تعالى وتقدس.
وتكون الإشارة إلى السماء إشارة حقيقية، وهي واقفة على أعلى جزء من الكون، وتقع على عظمة الإله على ما يليق به، وإنكاركم للجهة التي المقصود بها مباينة الخالق للمخلوق، وعلوه على خلقه، واستواؤه على عرشه، إنكار باطل، وتسميته جهة اصطلاح منكم نفرتم به الجهال، وسوغتم به الضلال، ونفيتم به صفات الكمال.
قال بعض العلماء: وقد توصل الجهمية إلى نفي ما دل عليه العقل والنقل، فسموا ما فوق العالم جهة وقالوا: منَزّه عن الجهة، وسموا العرش حيزا وقالوا: منَزّه عن التحيز; وسموا الصفات أعراضا وقالوا: منَزّه عن قيام الأعراض؛ وسموا حكمته غرضا وقالوا: منَزّه عن الأغراض؛ وسموا كلامه، ونزوله إلى السماء، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء، ومشيئته، وإرادته، وغير ذلك حوادث، وقالوا:
стр. 1284
منَزّه عن الحوادث; وحقيقة هذا التنْزيه، أنه منَزه عن الوجود، وعن الربوبية، وعن الملك، وعن كونه فعالا لما يريد، إذ لا حرج ولا عار في الإقرار بما في كتابه العزيز وصحيح الأخبار.
فانظر ما تحت تنْزيه المعطلة، وما تحت تشبيه المجسمة، من عزل الكتاب والسنة، وسلب الصفات، أو جعلها كصفات المخلوقات، تجد الحق وسطا بين طرفين، وهدى بين ضلالتين; ومن خبيث صنيعهم أنهم لما علموا أن النصوص قاضية عليهم، قالوا: هي ظنية، والعقول قطعية، وقد علم كل من وفقه الله أن العقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح.
ولكن على تلك القلوب أكنة فليست وإن أصغت تجيب المناديا
والحاصل: أنه ما من اسم يسمى الله به، إلا والظاهر الذي يستحقه المخلوق غير مراد، وأنه سبحانه منَزه عن كل ما يلزم منه حدوثه أو نقصه، فكما أن علمنا، وقدرتنا، وإرادتنا، وحياتنا، وكلامنا، ونحوها من الصفات أعراض تدل على حدوثنا، امتنع أن يوصف الله سبحانه بمثلها، فنعوذ بالله من تأويل يفضي إلى تعطيل، ومن تكييف يفضي إلى تمثيل.
وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف كالخطابي، أن الصفات تجرى على ظاهرها، مع نفي
стр. 1285
الكيفية والتشبيه، وذلك أن الكلام في الصفات كالكلام في الذات، لأنه فرع عنه، يحتذى فيه حذوه، ويتبع فيه مثاله؛ فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فنقول: إن له يدا، وسمعا، وبصرا، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ومعنى السمع العلم، والسلام.
стр. 1286
[جواب الشيخ محمد بن عبد اللطيف في إطلاق لفظة تبارك على غير الله]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: هل يجوز إطلاق لفظة (تبارك) على غير الله؟ مثل من يقول: تبارك علينا فلان، أو تباركت الدابة، ونحو ذلك؟ وهل هو دعاء، أو إخبار، فلا يمنع منه؟ أو صفة من الصفات، فلا تطلق إلا على الله؟
فأجاب:
الحمد لله، هذه المسألة قد كفانا جوابها شمس الدين ابن القيم، رحمه الله تعالى، في بدائع الفوائد، بأوضح عبارة وأبينها، لمن أراد الإنصاف، وسلم من التعصب والاعتساف، وصرف المعاني عن حقائقها إلى ما لا تدل عليه، ولا تفهم منه.
قال ﵀: فصل: وأما البركة، فهي نوعان:
أحدهما: بركة هي فعله ﵎، والفاعل منه مبارك يتعدى بنفسه تارة، وبأداة (على) تارة، وبأداة (في) تارة، والمفعول منها مبارك وهو ما جعله كذلك، فكان مباركا يجعله تعالى; والنوع الثاني: بركة تضاف إليه تعالى، إضافة الرحمة، والعزة، والفعل منها (تبارك) ولهذا لا يقال لغيره ذلك، ولا يصلح إلا له ؛ فهو سبحانه المتبارك، وعبده، ورسوله المبارك، كما قال المسيح: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً
стр. 1287
أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [سورة مريم آية: ٣١] فمن بارك الله فيه، وعليه، فهو: المبارك.
وأما صيغة (تبارك) فمختصة به تعالى، كما أطلقها على نفسه، بقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١٤] ، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٥] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ١] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذَلِكَ﴾ [سورة الفرقان آية: ١٠] ، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً﴾ [سورة الفرقان آية: ٦١] ، أفلا تراها، كيف اطردت في القرآن، جارية عليه، مختصة به لا تطلق على غيره؛ وجاءت على بناء السعة والمبالغة، كتعالى، وتعاظم، ونحوها; فجاء بناء تبارك على بناء تعالى الذي هو دال على كمال العلو ونهايته، فكذلك تبارك دال على كمال بركته، وعظمها وسعتها، وهذا معنى قول من قال من السلف: تبارك: تعاظم; وقال آخر: إن معناه: مجيء البركات من قِبَله، فالبركة كلها منه; وقال غيره: كثرة خيره وإحسانه إلى خلقه; وقيل: اتسعت رأفته ورحمته بهم، وقيل: تزايد على كل شيء، وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، ومن هنا قيل معناه: تعالى، وتعاظم.
وقيل: تبارك: تقدس، والقدس الطهارة، وقيل: تبارك أي: باسمه يبارك في كل شيء، وقيل: تبارك: ارتفع،
стр. 1288
والمبارك المرتفع، ذكره البغوي، وقيل: تبارك، أي: البركة تكتسب وتنال بذكره; وقال ابن عباس: حاز كل بركة; وحقيقة اللفظة: أن البركة كثرة الخير ودوامه، ولا أحق بذلك وصفا، وفعلا، منه ﵎، وتفسير السلف، يدور على هذين المعنيين، وهما متلازمان، لكن الأليق باللفظ، معنى الوصف لا الفعل; فإنه فعل لازم، مثل: تعالى، وتقدس، وتعاظم; ومثل هذه الألفاظ، لا يصح أن يكون معناها، أنه جعل غيره عاليا، ولا قدوسا، ولا عظيما; وهذا مما لا يحتمله اللفظ بوجه، وإنما معناها في نفس من نسبت إليه.
وهو: المتعالي، المتقدس في نفسه، فكذلك: تبارك، لا يصح أن يكون معناها، بارك في غيره، وأين أحدهما من الآخر، لفظا ومعنى، هذا لازم، وهذا متعد، فعلمت: أن من فسر تبارك، بمعنى: ألقى البركة، وبارك في غيره، لم يصب معناها، وإن كان هذا من لوازم كونه تعالى متباركا، فتبارك، من باب مجد والمجد: كثرة صفات الجلال، والكمال، والسعة، والفضل، وبارك من باب أعطى وأنعم.
ولما كان المتعدي في ذلك، يستلزم اللازم، من غير عكس، فسر من فسر من السلف اللفظة بالمتعدي، لينتظم المعنيان، فقال: مجيء البركة كلها من عنده، أو البركة كلها
стр. 1289
من قِبَله، وهذا فرع على تباركه في نفسه، وتدبر قول النبي ﷺ في حديث ثوبان الذي رواه مسلم في صحيحه، عند انصرافه من الصلاة: " اللهم أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" ١ فتأمل هذه الألفاظ الكريمة، كيف جمعت نوعي الثناء، أعني: ثناء التنْزيه والتسبيح، وثناء الحمد، والتمجيد، بأبلغ لفظ وأوجزه، وأتمه معنى; فأخبر أنه السلام، ومنه السلام، فالسلام له وصفا وملكا، وقد تقدم بيان هذا في وصفه تعالى بالسلام، وأن صفات كماله، ونعوت جلاله، وأفعاله، وأسمائه، كلها سلام؛ وكذلك الحمد، كله له وصفا، وملكا؛ فهو المحمود في ذاته، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده محمودا؛ وكذلك العزة، كلها له وصفا، وملكا؛ وهو العزيز الذي لا شيء أعز منه، ومن عز من عباده، فبإعزازه له; وكذلك الرحمة، كلها له وصفا وملكا؛ وكذلك البركة، فهو المتبارك في ذاته، والذي يبارك فيمن يشاء من خلقه، وعليه، فيصير بذلك مباركا ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، ﴿وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٥] .
وهذا بساط، وإنما غاية معارف العلماء الدنو من أول حواشيه، وأطرافه; وأما ما وراء ذلك، فكما قال أعلم الخلق، وأقربهم إلى الله، وأعظمهم عنده جاها: " لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "٢. وقال في حديث
стр. 1290
الشفاعة الطويل: " فأخر ساجدا لربي، فيفتح علي من محامده بما لا أحسنه الآن "١، وفي دعاء الهم والغم: " أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك "٢، فدل على أن لله سبحانه أسماء وصفات استأثر بها في غيبه دون خلقه، لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل؛ وحسبنا الإقرار بالعجز، والوقوف عندما أذن لنا فيه من ذلك، فلا نغلو فيه، ولا نجفو عنه.
[رسالة الشيخ حمد بن عتيق في الفرق المبين]
وقال الشيخ: حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى:٣.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله على إعانته وتسديده، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة من عادى كل مشرك، ودان بإبطال تنديده; وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد، خير خلقه وأفضل عبيده، المبعوث بالدعوة إلى دين ربه وبيان توحيده.
أما بعد: فإنه قد وصل إلينا رسالة من بعض الإخوان من أهل القصيم، ذكر أنه ألقى إليه ما فيها بعض الملحدين، أن الإمام أحمد، ومالكاً، والشافعي، وأبا
стр. 1291
حنيفة، والعلماء مثلهم، تكلموا في الصفات، كابن عربي، وابن الفارض، وابن سبعين، والتلمساني، كلهم خاضوا في الصفات: فالأئمة الأربعة، قالوا: سميع، بصير، غفور، رحيم، عليم، حليم، وأن كلامهم مشابه لكلام ابن عربي، وإخوانه; لأنهم يقولون ذلك; وكلهم، أطلقوا أن لله صفات مشابهة لصفات العبد; لأن العبد يسمى سميعا، بصيرا، حليما، عليما.
فإذا قلتم: إنهم في القول سواء، فكيف وجه تبديعهم وتضليلهم وتكفيرهم؟ وقد وصفوا الله بما وصف به نفسه؟ ! فإن ابن عربي، والإمام أحمد، كلهم مسلمون، يقتدى بهؤلاء، مثلما يقتدى بهؤلاء; وما الحكم في هذا القائل؟ والحديث الذي يروى عن أبي هريرة: "أن الله لما خلق الخلق، أخذ الرحم بحقوه، فقال: مه. فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة "١ وهل صح أنه قال: " خلق الله آدم على صورته " ٢؟ وهل يفسر العجب بالرضى؟
فنقول: ﴿سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ٣٢] .
مورد هذا السؤال: إما يكون من أبله الناس وأشدهم بلادة، فكأنه لا شعور له بالمحسوسات; فإن الفرق بين ما عليه الصحابة والتابعون، وأتباعهم، والأئمة الأربعة وإخوانهم، وما عليه ابن عربي، وابن الفارض، والتلمساني،
стр. 1292
وابن سبعين، وأتباعهم: أمر معلوم عند من قرأ القرآن، ودخل في قلبه الإيمان; فإما أن يكون هذا المورد من جنس الأنعام السارحة، أو يكون من أتباع ابن عربي، وإخوانه، من أهل وحدة الوجود، وأراد التلبيس على خفافيش البصائر، فينبغي بيان ما عليه الطائفتان.
فاعلم أن الذي عليه الصحابة، والتابعون، وأتباعهم، والأئمة الأربعة، وجميع أهل السنة والجماعة، في جميع الأعصار، والأقطار، أنهم يعتقدون ما دل عليه الكتاب والسنة من أسماء الرب تعالى وصفاته، وأفعاله، ويثبتونه لله على ما يليق بجلاله، مع اعتقادهم: أنه دال على معان كاملة، ثابتة في نفس الأمر، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يعتقدون أن الله لا يشبهه شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله; فمن شبه الله بخلقه فقد كفر; ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ تشبيها; ويعتقدون أن الله مستو على عرشه، بائن من خلقه، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وأن العرش فوق جميع المخلوقات.
ويؤمنون بعموم مشيئة الرب، وسبق قضائه وقدره، وأن جميع ما في الكون من خير وشر، كله بقضاء الله وقدره، وداخل تحت مشيئته الكونية القدرية، وأنه أمر بالإيمان به
стр. 1293
وطاعته وطاعة رسوله، ويحب الإيمان والمؤمنين، ويحب المتقين، ويحب الصابرين، ونحو ذلك، ويبغض الكفر والمعاصي، وينهى عنها; ورتب على ذلك الثواب والعقاب; هذا حاصل معتقد أهل السنة والجماعة; وهم: الفرقة الناجية; وهم: أهل الصراط المستقيم; وأما من خالفهم من أهل البدع والضلالات، فلهم أهواء مختلفة وآراء متشتتة; وهي التي قال الله فيها: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] .
والكلام الآن فيما عليه أهل وحدة الوجود ابن عربي، وابن الفارض، والتلمساني، وإخوانهم، لأنه الذي تضمنه السؤال; فنقول:
مذهب هذه الطائفة الملعونة أن الرب تعالى وتقدس هو عين الوجود، ويصرحون في كتبهم: أن وجود الرب هو عين وجود السماوات، والأرض، والجبال، والبحار، وجميع الموجودات هي عين الرب، عندهم! فليس عندهم رب وعبد! ولا خالق ومخلوق! !
وقد قال العلامة: ابن القيم، رحمه الله تعالى آمين:
فالقوم ما صانوه عن إنس ولا ... جن ولا شجر ولا حيوان
لكنه المطعوم والملبوس والـ ... مشموم والمسموع بالآذان
وكذلك قالوا إنه المنكوح والـ ... مذبوح بل عين الغوي الزاني
والكفر عندهم هدى ولو أنه ... دين المجوس وعابدي الأوثان
стр. 1294
قالوا وما عبدوا سواه وإنما ... ضلوا بما خصوا من الأعيان
ولو أنهم عَمّوا وقالوا: كلها ... معبودة ما كان من كفران
قالوا: ولم يك كافرا في قوله ... أنا ربكم فرعون ذو الطغيان
بل كان حقا قوله إذ كان عـ ... ين الحق مضطلعا بهذا الشأن
قالوا: ولم يك منكرا موسى لما ... عبدوه من عجل لذي الخوران
إلا على من كان ليس بعابد ... معهم وأصبح ضيق الأعطان
ولقد رأى إبليس عارفهم فأهـ ... وى بالسجود هوي ذي خضعان
قالوا له: ماذا صنعت؟ فقال: ... هل غير الإله وأنتم عميان
ما ثَمّ غيرٌ فاسجدوا إن شئتم ... للشمس والشيطان والأصنام
فالكل عين الله عند محقق ... والكل معبود لذي العرفان
هذا هو المعبود عندهم فقل ... سبحانك اللهم ذا السبحان
وقال أيضا:
واحتج يوما بالقرآن عليهم شخص فقالوا: الشرك في القرآن
فلينظر اللبيب إلى ما قاله هؤلاء من الكفر العظيم، من كونهم يقولون: إن ربهم هو المطعوم، والملبوس، والمشموم، والمنكوح، والمذبوح، ونحو ذلك، تعالى الله وتقدس، وأن الكفر هو الهدى، وأن المجوس إنما عبدوا الله، وإنما ضل من ضل بتخصيصه عبادته ببعض المخلوقات، ولا يكون موحدا عندهم إلا من عبد جميع الموجودات. ومن قولهم: إن فرعون صادق في قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [سورة النازعات آية: ٢٤] وأن موسى إنما أنكر على من ترك عبادة العجل، وأنكر
стр. 1295
على هارون إنكاره عليهم، وكذلك لما سجد بعض أعيانهم للشيطان، وقال له بعضهم: كيف تسجد له؟ أجابه: بأنه عين الإله، وأن من سجد للشمس، والأوثان، والشيطان، فقد سجد لله! ! ويقولون: إن جميع ما في الوجود من الكلام هو عين كلام الله، فجميع الأغاني، والأشعار، والسباب، كله كلام الله، كما قال بعضهم:
وكل كلام في الوجود كلامه سواء علينا نثره ونظامه
ويقولون: إن القرآن كله شرك، لأنه يفرق بين الخالق والمخلوق، والعابد والمعبود، فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وإذا تبين ذلك، فمن لم يعرف الفرق بين هؤلاء وما ذهبوا إليه، وما يقولونه في رب العزة والجلال، وبين ما يقوله رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعون لهم، فلا حيلة فيه.
فقول هذا الملبس: ابن عربي وأتباعه مسلمون; والإمام أحمد وأتباعه مسلمون، يقتدى بهؤلاء مثلما يقتدى بهؤلاء، من أعظم الزور وأقبح الفجور، فإن الفرق بين الطائفتين والمقالتين أبعد مما بين المشرق والمغرب.
وقد قال الله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [سورة ص آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ
стр. 1296
مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم آية: ٣٥-٣٦] ، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ٥٨] ، ونحو ذلك في القرآن كثير.
وأما قول هذا الزايغ: إن الأئمة الأربعة خاضوا في الصفات، فقد كذب في ذلك، وافترى، فإن الله: قد ذم الخوض وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [سورة التوبة آية: ٦٩] ، وقال عن الكفار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٥] ، وقال: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٣] ، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٨] الآية، في مواضع من كتابه.
والأئمة الأربعة إنما تكلموا في صفات الرب، بإثباتها وإمرارها كما جاءت، واعتقاد دلالة النصوص على معاني عظيمة، تليق بجلال الرب وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فمن سمى هذا خوضا فهو من أعظم الملبسين، ومن أكبر المفترين. وقول هذا المفتري: إن كلام الأئمة يشبه كلام ابن عربي، كذب ظاهر، يعرفه كل مؤمن.
وأما قوله: إنهم أطلقوا أن لله صفات مشابهة لصفات
стр. 1297
العبد لأن الله سمى نفسه: سميعا، بصيرا، رحيما، عليما، حليما، وسمى بعض خلقه بذلك، فهذا من أعظم التلبيس، لوجهين:
الأول: أنه كذب على السلف والأئمة، فإنهم لم يقولوا: إن أسماء الرب تشبه أسماء الخلق.
والثاني: أنه إذا قيل: إن الله سميع، بصير، عليم، حليم، وقيل في بعض المخلوقين مثل ذلك، لم يلزم أن يكون الرب مشابها لخلقه، ولا أن أسماءه، وصفاته مشابهة لأسماء خلقه وصفاتهم.
فليس الرحيم كالرحيم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، كذلك ليس العلم كالعلم، ولا السمع كالسمع، ولا الحلم كالحلم; ولا البصر كالبصر، فمن قال: إن علم الرب، وحلمه، وسمعه، وبصره، كعلم العبد، وحلمه، وسمعه، وبصره، فهو كافر بالله العظيم، بلا ريب؛ بل علم الرب تعالى، وحلمه، وسمعه، وبصره، وجميع صفاته، كاملة، مبرأة من جميع العيوب والنقائص، منَزهة عن ذلك، ولا يعلم كيف هي إلا هو؛ وعلم الكيفية ممتنع على جميع الخلق، كما قال أعلم خلقه به: " سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "١.
стр. 1298
وأما المخلوق فهو ناقص، ذاته وصفاته وأفعاله، كلها ناقصة، ويتطرق إليها الخلل، ويجوز عليها العدم، بخلاف صفات الرب سبحانه وبحمده، ولا يلزم من الاتفاق في التسمية الاتفاق في الحقيقة والمسمى؛ وهذا هو الفرقان المبين بين أهل السنة والجماعة، وأهل البدعة والضلالة، فإن أهل البدع لما لم يفهموا من أسماء الرب وصفاته إلا ما يليق بالمخلوق، وظنوا أنهم إذا أثبتوا لله سمعا، وبصرا، وقدرة، وحلما، أن ذلك يلزم منه التشابه بين الخالق والمخلوق - تعالى الله وتقدس -، فعند ذلك ذهبوا إلى تحريف النصوص وتأويلها، ونفي ما دلت عليه مما يليق بالرب تعالى; فأول مذهبهم: تشبيه وتمثيل; وآخره: تحريف وتعطيل.
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: نثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، مع اعتقادهم أن ما يثبت لله لا يشبه ما يثبت لخلقه، لأنهم عرفوا كيفية المخلوق فعرفوا كيفية صفاته; والرب يتعالى ويتقدس عن أن يعلم أحد كيفية ذاته أو صفاته، ولهذا قال الإمام مالك، وقبله ربيعة، ويروى عن أم سلمة: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وأما قوله: إذا قلتم: إنهم في القول سواء، فما وجه تبديعهم؟ وتكفيرهم؟ وتضليلهم؟
стр. 1299
فنقول: معاذ الله أن نقول: إنهم سواء، بل بينهم من الفرق، أبعد مما بين السماء والأرض، كما قال ابن القيم ﵀:
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
ولا يقول: إن قول أهل السنة والجماعة كقول ابن عربي وأصحابه - أهل وحدة الوجود - إلا من يقول: إن قول موسى ﵇ وقول فرعون اللعين سواء; وما عليه أبو جهل وإخوانه نظير ما عليه الرسول وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما قوله: ما وجه تبديعهم، وتكفيرهم؟
فنقول: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٧] في موضعين، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .
فإذا كان الله قد كفّر من قال: إن الله هو المسيح ابن مريم، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، ومن اتخذ الملائكة والنبيين أربابا; فكيف لا يكفر من جعل جميع الخلق أربابا، وقال: إن كل مخلوق هو الله، حتى يسجد للشمس،
стр. 1300
ويقول: إن المشركين إنما عبدوا الله، ويقول: إن المخلوقات التي يستحيا من ذكرها هي الله! يا لله العجب!
ولقد أحسن من قال من السلف: إن كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود والنصارى، وقد قال ابن القيم: رحمه الله تعالى:
حاشا النصارى أن يكونوا مثلهم وهم الحمير، أئمة الكفران
هم خصصوه بالمسيح، وأمه وأُلاءِ ما صانوه عن حيوان
وأما الحديث الذي فيه: " أن الله لما خلق الخلق، قامت الرحم "١ إلخ، وقوله: " خلق الله آدم على صورته "٢ فهذه الأحاديث ثابتة، ليس فيها - ولله الحمد - إشكال عند أهل السنة والجماعة; وقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] . وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم "٣.
وقد كان السلف يكرهون كثرة البحث عن مثل هذا، ويقولون: آمنا بالله، وما جاء عن الله، على مراد الله; وآمنا برسول الله، وما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله; وقال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .