مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [سورة القلم آية: ٣٥-٣٦] ، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾ [سورة السجدة آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة غافر آية: ٥٨] ، ونحو ذلك في القرآن كثير.
وأما قول هذا الزايغ: إن الأئمة الأربعة خاضوا في الصفات، فقد كذب في ذلك، وافترى، فإن الله: قد ذم الخوض وأهله، كما قال تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ [سورة التوبة آية: ٦٩] ، وقال عن الكفار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [سورة المدثر آية: ٤٥] ، وقال: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [سورة الزخرف آية: ٨٣] ، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا﴾ [سورة الأنعام آية: ٦٨] الآية، في مواضع من كتابه.
والأئمة الأربعة إنما تكلموا في صفات الرب، بإثباتها وإمرارها كما جاءت، واعتقاد دلالة النصوص على معاني عظيمة، تليق بجلال الرب وعظمته، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل؛ فمن سمى هذا خوضا فهو من أعظم الملبسين، ومن أكبر المفترين. وقول هذا المفتري: إن كلام الأئمة يشبه كلام ابن عربي، كذب ظاهر، يعرفه كل مؤمن.
وأما قوله: إنهم أطلقوا أن لله صفات مشابهة لصفات
стр. 1297
العبد لأن الله سمى نفسه: سميعا، بصيرا، رحيما، عليما، حليما، وسمى بعض خلقه بذلك، فهذا من أعظم التلبيس، لوجهين:
الأول: أنه كذب على السلف والأئمة، فإنهم لم يقولوا: إن أسماء الرب تشبه أسماء الخلق.
والثاني: أنه إذا قيل: إن الله سميع، بصير، عليم، حليم، وقيل في بعض المخلوقين مثل ذلك، لم يلزم أن يكون الرب مشابها لخلقه، ولا أن أسماءه، وصفاته مشابهة لأسماء خلقه وصفاتهم.
فليس الرحيم كالرحيم، ولا الحليم كالحليم، ولا السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير، كذلك ليس العلم كالعلم، ولا السمع كالسمع، ولا الحلم كالحلم; ولا البصر كالبصر، فمن قال: إن علم الرب، وحلمه، وسمعه، وبصره، كعلم العبد، وحلمه، وسمعه، وبصره، فهو كافر بالله العظيم، بلا ريب؛ بل علم الرب تعالى، وحلمه، وسمعه، وبصره، وجميع صفاته، كاملة، مبرأة من جميع العيوب والنقائص، منَزهة عن ذلك، ولا يعلم كيف هي إلا هو؛ وعلم الكيفية ممتنع على جميع الخلق، كما قال أعلم خلقه به: " سبحانك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك "١.
стр. 1298
وأما المخلوق فهو ناقص، ذاته وصفاته وأفعاله، كلها ناقصة، ويتطرق إليها الخلل، ويجوز عليها العدم، بخلاف صفات الرب سبحانه وبحمده، ولا يلزم من الاتفاق في التسمية الاتفاق في الحقيقة والمسمى؛ وهذا هو الفرقان المبين بين أهل السنة والجماعة، وأهل البدعة والضلالة، فإن أهل البدع لما لم يفهموا من أسماء الرب وصفاته إلا ما يليق بالمخلوق، وظنوا أنهم إذا أثبتوا لله سمعا، وبصرا، وقدرة، وحلما، أن ذلك يلزم منه التشابه بين الخالق والمخلوق - تعالى الله وتقدس -، فعند ذلك ذهبوا إلى تحريف النصوص وتأويلها، ونفي ما دلت عليه مما يليق بالرب تعالى; فأول مذهبهم: تشبيه وتمثيل; وآخره: تحريف وتعطيل.
وأما أهل السنة والجماعة فقالوا: نثبت لله ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله، مع اعتقادهم أن ما يثبت لله لا يشبه ما يثبت لخلقه، لأنهم عرفوا كيفية المخلوق فعرفوا كيفية صفاته; والرب يتعالى ويتقدس عن أن يعلم أحد كيفية ذاته أو صفاته، ولهذا قال الإمام مالك، وقبله ربيعة، ويروى عن أم سلمة: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
وأما قوله: إذا قلتم: إنهم في القول سواء، فما وجه تبديعهم؟ وتكفيرهم؟ وتضليلهم؟
стр. 1299
فنقول: معاذ الله أن نقول: إنهم سواء، بل بينهم من الفرق، أبعد مما بين السماء والأرض، كما قال ابن القيم ﵀:
والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربان
ولا يقول: إن قول أهل السنة والجماعة كقول ابن عربي وأصحابه - أهل وحدة الوجود - إلا من يقول: إن قول موسى ﵇ وقول فرعون اللعين سواء; وما عليه أبو جهل وإخوانه نظير ما عليه الرسول وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم.
وأما قوله: ما وجه تبديعهم، وتكفيرهم؟
فنقول: قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٧] في موضعين، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٣] وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .
فإذا كان الله قد كفّر من قال: إن الله هو المسيح ابن مريم، ومن قال: إن الله ثالث ثلاثة، ومن اتخذ الملائكة والنبيين أربابا; فكيف لا يكفر من جعل جميع الخلق أربابا، وقال: إن كل مخلوق هو الله، حتى يسجد للشمس،
стр. 1300
ويقول: إن المشركين إنما عبدوا الله، ويقول: إن المخلوقات التي يستحيا من ذكرها هي الله! يا لله العجب!
ولقد أحسن من قال من السلف: إن كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود والنصارى، وقد قال ابن القيم: رحمه الله تعالى:
حاشا النصارى أن يكونوا مثلهم وهم الحمير، أئمة الكفران
هم خصصوه بالمسيح، وأمه وأُلاءِ ما صانوه عن حيوان
وأما الحديث الذي فيه: " أن الله لما خلق الخلق، قامت الرحم "١ إلخ، وقوله: " خلق الله آدم على صورته "٢ فهذه الأحاديث ثابتة، ليس فيها - ولله الحمد - إشكال عند أهل السنة والجماعة; وقد قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] . وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم "٣.
وقد كان السلف يكرهون كثرة البحث عن مثل هذا، ويقولون: آمنا بالله، وما جاء عن الله، على مراد الله; وآمنا برسول الله، وما جاء عن رسول الله، على مراد رسول الله; وقال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .
стр. 1301
فالنصوص الصريحة في إثبات صفات الرب، على ما يليق بجلاله وكماله، واستوائه على عرشه، وأنه فوق جميع مخلوقاته.
ونفي النقائص والعيوب عنه وعن صفاته، معلومة مقررة، وما أشكل من بعضها على بعض الناس يكفيه الإيمان به، مع القطع بأنه لا يخالف ما ظهر له، ولا يناقضه؛ وليحذر طالب الحق من كتب أهل البدع، كالأشاعرة، والمعتزلة، ونحوهم، فإن فيها من التشكيك، والإيهام، ومخالفة نصوص الكتاب والسنة ما أخرج كثيرا من الناس عن الصراط المستقيم، نعوذ بالله من الخذلان.
وأما هذا الذي ألقى هذه الشبهة إليكم، فيجب تعريفه، وإقامة الحجة عليه، بكلام الله تعالى وكلام رسوله، وكلام أئمة الدين; فإن اعترف بالحق وببطلان ما عليه أهل البدع من الاتحادية وغيرهم، فهو المطلوب، والحمد لله؛ وإن لم يفعل، وجب هجره ومفارقته، إن لم يتيسر قتله وإلقاؤه على مزبلة، لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل الإسلام.
وأما قوله: هل يفسر العجب بالرضى؟
جوابه: أن يقال: ما جاء إطلاقه على الرب سبحانه، من العجب، والرضى، والغضب، والسخط، ونحو ذلك، فما يتعلق بمشيئته وإرادته يجب إثباته على ما يليق بالله
стр. 1302
تعالى، مع نفي التشبيه والتمثيل; وإبطال التحريف والتعطيل؛ وأهل البدع: قابلوا ذلك، بالتأويل، كما فعلوا بالأسماء والصفات؛ والباب باب واحد عند أهل السنة والجماعة، لا يحرفون ولا يشبهون، ولا يعطلون ولا يكيفون؛ فعليك بطريقهم، فإنها الصراط المستقيم الذي من سلكه فاز بالنعيم المقيم، ومن أعرض عنه فهو من أصحاب الجحيم.
فهذا بعض ما حضرني في هذه المسألة، مع قلة العلم وعدم المساعد، وكثرة الاشتغال، والمحل يقتضي مجلدا أو أكثر، لشدة الحاجة، وظهور الجهل، وغربة السنة ومن يعرفها، والله المستعان.
وليعلم الناظر إليه أن فيه مواضع قد يقال: إن فيها نوع تكرير، والحامل عليه: خفاء الحق، وقلة الاهتداء إلى الصواب، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.
[جواب الشيخ سعد بن حمد على قول السفاريني وليس ربنا بجوهر]
سئل الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى، عن قول السفاريني:
وليس ربنا بجوهر ولا جسم ولاعرض تعالى ذو العلا
فأجاب: إطلاق لفظ الجوهر والعرض والجسم على الرب إثباتا أو نفيا ليس
стр. 1303
من عبارات السلف الصالح المقتدى بهم، في باب أسماء الرب وصفاته، ومثل ذلك لفظ: الجهة والحيز، وغير ذلك من الألفاظ المجملة التي تحتمل حقا وباطلا، لا يوجد شيء من ذلك في كلام السلف الصالح؛ ومن نسب ذلك وما شابهه إلى السلف، فهو مخطئ في ذلك، لأن الطريقة المعلومة من السلف الصالح، والجادة المسلوكة المعتبرة عندهم في باب أسماء الرب تعالى وصفاته، أنهم لا يتكلمون في ذلك إلا بما تكلم الله به، أو تكلم به رسوله، كما قال الإمام أحمد ﵀: لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ، لا يتجاوز القرآن والحديث.
ولفظ: الجوهر، والعرض، والجسم، فيما يتعلق بذات الرب ، وأسمائه، وصفاته، إثباتا أو نفيا، سجية مذمومة، وقد نص جماعة من أهل السنة على أن إطلاق مثل هذه الألفاظ في هذا الباب أمر مبتدع، وكلام مخترع، لا يجوز للمنتسب إلى السنة إطلاقه على الرب ، إثباتا أو نفيا; ولا يجوز نسبته إلى السلف الصالح.
ونحن نقتصر على ما وجدنا من كلام شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ونذكره مختصرا، مقتصرين على المقصود منه، قال ﵀: وأما ما لا يوجد عن الله ورسوله، إثباته ونفيه، مثل: الجوهر، والجسم، والجهة،
стр. 1304
وغير ذلك، لا يثبتونه ولا ينفونه، فمن نفاه فهو عند أحمد والسلف مبتدع، ومن أثبته فهو عندهم مبتدع، والواجب عندهم السكوت عن هذا النوع، اقتداء بالنبي ﷺ وأصحابه، هذا معنى كلام الإمام أحمد ... إلى أن قال: وأنا أذكر لك كلام الحنابلة في هذه المسألة.
قال الشيخ تقي الدين، بعد كلام له في الرد على من قال: إنه ليس بجسم، ولا جوهر، ولا عرض، قال ﵀: فهذه الألفاظ، لا يطلق إثباتها ولا نفيها، كلفظ الجوهر، والجسم، والحيز، ونحو ذلك من الألفاظ ... إلى أن قال - شيخ الإسلام: والمقصود أن الأئمة كأحمد وغيره، ذكر لهم أهل البدع الألفاظ المجملة، كلفظ: الجسم، والجوهر، والحيز، ولم يوافقوهم لا على إطلاق الإثبات، ولا على إطلاق النفي. انتهى كلام الشيخ تقي الدين.
وهذا آخر ما نقلنا من رسالة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، ومن كلام أبي الوفا ابن عقيل، قال: وأنا أقطع أن أبا بكر وعمر ماتا ما عرفا الجوهر والعرض. انتهى. وفي هذا كفاية لمن أراد الله هدايته، والله أعلم.
стр. 1305
[رسالة الشيخ سليمان بن سحمان لعلي بن عيسى]
قال الشيخ: سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم.
من سليمان بن سحمان، إلى الشيخ: علي بن عبد الله بن عيسى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد وقفت على الورقة التي كتبتها في الاعتراض على ما نظمته في الرد على دحلان، إمام الكفر والطغيان، وسنح لي أولا: أن اعتراضك على النظم، من جهة أنه لا يجوز التعبير عن كلام الله بأنه صفة قول; فسألتك عن وجه الاعتراض، ما هو؟ مع أنه ورد ذلك في نصوص الكتاب والسنة، وأقوال سلف الأمة، وأئمتها، فأجبتني بهذا الجواب، فعلمت أنك لم تتصور كلامي على ما هو عليه، وما أردته به، وما قصدته بالرد على أعداء الله ورسوله، فبادرت بالاعتراض قبل أن تسأل عن المراد، وقبل تأمل موضوع الكلام، وما هكذا يا سعد تورد الإبل.
بل الواجب أولا: تأمل ما يراد من الكلام وموضوعه; وثانيا: سؤال أخيك عن وجه ما أشكل عليك من كلامه، وما أراد به، فإن كان حقا صوابا أثنيت به عليه، وإن كان خطأ أرشدته إلى الحق ودللته عليه، فإن الحق ضالة
стр. 1306
المؤمن، أينما وجده أخذه، وليس في الرجوع إلى الحق غضاضة على مريد الحق والإنصاف; وهذا نص كلامي، لتعلم أنك ما فهمت مرامي، فقلت على ما أورده من جواز التوسل بحق الأنبياء والأولياء والسؤال بهم، لما استدل على جواز ذلك، بحديث أبي سعيد، بقوله: " اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا "١ الحديث.
فمعناه إن صح الحديث فإنه ... على غير ما قد لاح في وهم ذي اللد
فحق العباد السائلين إذا دعوا ... بغير اعتداء باذلي الجد والجهد
إجابتهم منّا وفضلا ورحمة ... وجودا وإحسانا من المنعم المسدي
وحق المشاة الطائفين لربهم ... إثابتهم والله ذو الفضل والمد
إذا صح هذا فالتوسل لم يكن ... بغير صفات الله يا فاقد الرشد
هما صفتا قول وفعل لربنا ... فسبحانه من ماجد واحد فرد
ولم يك من باب التوسل بالورى ... كما قلته يا فاسد الرأي والقصد
وطاعته سبحانه وسؤاله ... هما سببا تحصيل ذلك للعبد
إجابته للسائلين وكونه ... يثيب المشاة الطائعين ذوي الرشد
فلم يبق في نص الحديث دلالة ... تدل على ما قال من رأيه المردي
ومرادي بهذا الكلام: إبطال ما استدل به، على جواز التوسل بحق الأنبياء والأولياء، والسؤال بهم، وذلك أن موضوع الكلام فيه، وفي جوازه، وليس الكلام معه في تقرير إثبات الصفات، أو تقسيمها إلى قولية وفعلية، وذكر ما يقابل الفعلية، من الصفات الذاتية اللازمة، كالحياة، والعلم، والسمع، والبصر، ونحو ذلك; ولا بيان صفات الأفعال
стр. 1307
الاختيارية المتعلقة بالمشيئة والقدرة، فإن ذلك كله ليس من موضوع الكلام، ولا له ذكر في كلام الملحد، حتى أذكر ذلك، أو ما يرد علي مما يلزمني به الخصم، وليس فيه ذكر أقوال أهل البدع والأهواء، المخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة، كالاتحادية، والكلابية، والأشعرية، والكرامية، وغيرهم، فإن في ذكر ذلك إذ كان، لم يكن من مقصودنا خروجا عن المقصود، ينافي مطابقة الكلام الواقع لمقتضى الحال.
وأما ما سنح لك من الاعتراض، مما هو خارج عن موضوع الكلام، من أني جعلت صفات الباري - جل ثناؤه - قسمين: فعلية، وقولية; وأنه يلزمني على ذلك أن تكون الصفة القولية مغايرة للصفات الفعلية، قسيمة لها، مباينة لها، فهذا لم يخطر مني على بال، ولا قصدت ذلك، ولا أردته بكلامي، كما تقدم بيان ذلك، وإنما نظمت ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، على حديث أبي سعيد، وقد ذكرته لك، فأعرضت عنه، وعن مقتضى كلامه.
وهذا نص كلامه، ليتبين لك أني لم أقل من عندي شيئا، يناقض كلام شيخ الإسلام، أو يخالفه، قال ﵀: وأما قوله في حديث أبي سعيد " أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا "١ فهذا الحديث رواه عطية العوفي، وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب، فحق السائلين عليه سبحانه أن يجيبهم; وحق المطيعين له أن
стр. 1308
يثيبهم، فالسؤال له والطاعة له سبب لحصول إجابته وإثابته، فهو من التوسل به، والتوجه به، والتسبب به، ولو قدر أنه قسم، لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته وإثابته، من أفعاله وأقواله، فصار هذا: كقوله ﷺ في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك "١ إلخ كلامه ﵀.
فتأمل رحمك الله قولي: وهما صفتا فعل وقول لربنا; هل بينه، وبين قول شيخ الإسلام - ولو قدر أنه قسم، لكان قسما بما هو من صفاته، فإن إجابته، وإثابته، من أقواله، وأفعاله - فرق؟ وأن هاتين الصفتين: ليستا من أقواله وأفعاله، بل يقال: إنها صفة واحدة، فبينه لي، فإن كان الواو من قولي: هما صفتا قول وفعل، يقتضي المغايرة، وأنها بذلك تكون قسيمة لها مباينة، فما وجه كلام شيخ الإسلام؟ ! وقد قال ذلك، كما هو في كلام غيره من أئمة الإسلام.
فتبين أني لم أقل من عند نفسي شيئا اخترعته، أو قولا افترعته، حتى يعترض علي، بأني جعلتها قسيمة لها؛ وإذا تبين هذا وعرف، فليس هذا المبحث من موضوع كلامي، وإنما موضوعه في إبطال دعوى من ادعى أنه يجوز التوسل بحق الأنبياء والأولياء، والسؤال بهم; فإن شيخ الإسلام ذكر أنه لا يعرف قائلا بذلك، ولا يجوز القسم
стр. 1309
بنبينا ﷺ إلا ما يذكر عن العز بن عبد السلام، على تقدير صحة الحديث وثبوته، ولا يصح، فأما ما كان قسما بما هو من صفاته، فلا محذور فيه، ولا مانع من ذلك; فأين هذا من هذا، لو كان هناك تصور لما يراد من الكلام؟ !
وأما ما ذكرته من كلام ابن القيم ﵀، وأن الإمام أحمد جعل كلام الله صفات فعل، قائم بالذات، فهو الحق الذي لا مرية فيه، لكن لا ينافي ذلك أن يوصف الله تعالى بهاتين الصفتين معا، كما ذكر ذلك ابن القيم بعد هذا، بنحو من ثمانية وعشرين سطرا، حيث قال:
والله عاب المشركين بأنهم ... عبدوا الحجارة في رضى الشيطان
ونعى عليهم كونها ليست بخا ... لقة وليست ذات نطق بيان
فأبان أن الفعل والتكليم من ... أوثانهم لا شك مفقودان
وإذا هما فقدا فما مسلوبها ... بإله حق وهو ذو بطلان
والله فهو إله حق دائما ... أفعنه ذا الوصفان مسلوبان
إلى أن قال:
وكذاك أيضا لم يزل متكلما ... بل فاعلا ما شاء ذو الإحسان
فذكر ﵀ أن الفعل والتكليم من أوثانهم مفقودان، وأنهما وصفان للإله الحق، غير مسلوبان عنه، فتأمله.
стр. 1310
[رسالة سليمان بن سمحان إلى عبد العزيز العلجي]
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سليمان بن سحمان، إلى عبد العزيز العلجي، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد: فقد بلغني أنك استدركت علي فيما تزعم، كلمات في أبيات، وذلك في قولي:
على السيد المعصوم والآل كلهم وأصحابه مع تابعي نهجهم بعد
فزعمت أنا ننكر ونشدد على من قال: سيدنا محمد ﷺ ، وأن هذا مذهبنا، أهل نجد، وهذا كذب وافتراء علينا، ما أنكر ذلك منا أحد، ولا كان ذلك مذهبنا، بل إنما ينقل ذلك عن إمام مذهبك: مالك ﵀، فإن كان ذلك خطأ وعيبا، فعلى إمامك، وعلى نفسها تجني براقش.
وأما نحن: فلا ننكر ذلك، لقوله ﷺ " أنا سيد ولد آدم ولا فخر "١، وقوله: " إن ابني هذا سيد "٢، وقوله للأنصار: " قوموا إلى سيدكم " ٣، وقوله: "من سيدكم يا بني سلمة فقالوا له: الجد بن قيس، على أنا نبخله فينا، ثم قال ﷺ بل سيدكم عمرو بن الجموح"؛ إذا فهمت هذا، فمن أين لك أنا ننكر ذلك ونشدد فيه؟ ومن حدثك بهذا؟ أو نقل عنا؟ وفي أي كتاب وجدت ذلك؟ وقد كان لي عدة رسائل ومناظيم، وكل ذلك قد ذكرته فيها، فإذا تحققت هذا، وعلمت أن هذا
стр. 1311
من سوء فهمك، واختلاج وهمك، وقصور باعك، وعدم اطلاعك، فاعلم: أن العلماء قد اختلفوا في ذلك.
قال العلامة ابن القيم في بدائع الفوائد: اختلف الناس في جواز إطلاق السيد على البشر، فمنعه قوم، ونقل عن مالك، واحتجوا بقول النبي ﷺ لما قيل له: يا سيدنا، قال: " السيد الله ﵎ "١، وجوزه قوم، واحتجوا بقول النبي ﷺ : " قوموا إلى سيدكم "٢، وهذا أصح من الحديث الأول; قال هؤلاء: السيد أحد ما يضاف إليه; فلا يقال للتميمي: سيد كنده، ولا يقال للملك: سيد البشر; قال: وعلى هذا، فلا يجوز أن يطلق على الله هذا الاسم، وفي هذا نظر، فإن السيد، إذا أطلق عليه تعالى، فهو في منْزلة المالك، والمولى، والرب; لا بمعنى الذي يطلق على المخلوق. انتهى.
وفي هذه المسألة بحث، ليس هذا موضع ذكره، إذ الغرض من ذكر هذا، نفي ما نسبه إلينا من لا معرفة له بحقيقة ما لدينا، وليس عندهم إلا الظن ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ [سورة النجم آية: ٢٨] بل الذي ينبغي أن ينكر، وأن ينشر: خزي قائله في الخافقين، ويذكر قول القائل منكم:
ومذهبنا: تفويض آي صفاته وتحريمنا ما ثم أن نتكلما
وغير ذلك من الأوهام، مما قد نبهنا عليه في الجواب، ومذهب أهل التفويض، من أشر المذاهب، وأخبثها، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، لأن مذهب
стр. 1312
هؤلاء يتضمن تجهيل الرسول، وأنه لا يعلم معاني ما أنزل الله عليه، من ذكر أسمائه، وصفاته، ونعوت جلاله؛ وحقيقة ما يقوله هؤلاء: يا معشر العباد، لا تطلبوا معرفة الله، ولا ما يستحقه من الصفات، نفيا وإثباتا، لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من طريق سلف الأمة، ولكن انظروا أنتم فيما وجدتموه مستحقا له من الصفات فصفوه به، سواء كان موجودا في الكتاب والسنة، أو لم يكن، وما لم تجدوه مستحقا له في عقولكم فلا تصفوه به.
ثم هم هنا فريقان: أكثرهم يقول: ما لم تثبته عقولكم فانفوه; ومنهم من يقول: بل توقفوا فيه، وما نفاه قياس عقولكم، الذي أنتم فيه مختلفون، ومضطربون اختلافا أكثر من جميع اختلاف على وجه الأرض، فانفوه، وإليه عند التنازع فارجعوا، فإنه الحق الذي تعبدتم به، وما كان مذكورا في الكتاب والسنة مما يخالف قياسكم هذا، ويثبت ما لم تدركه عقولكم، على طريقة أكثرهم، فاعلموا أنما امتحنتم بتنْزيله، لا لتأخذوا الهدى منه، لكن اجتهدوا في تخريجه على شواذ اللغة، ووحشي الألفاظ، وغرائب الكلام، أو أن تسكتوا عنه مفوضين علمه.
هذا حقيقة الأمر على رأي المتكلمين الذين كثر في باب معرفة الله اضطرابهم، وغلظ عن معرفة الله حجابهم، وإلا فقد كان من المعلوم أنه لم ينقل عن أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة، لا أحمد بن حنبل ولا غيره، أنه
стр. 1313
أدخل أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، أو اعتقد أن ذلك هو المتشابه الذي استأثر الله بعلم تأويله، ولا نفى أحد منهم أن يعلم أحد معناه، ولا جعل أسماء الله وصفاته بمنْزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم، ولا قالوا: إن الله ينْزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا: كلمات لها معان صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت، ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها، التي مضمونها: تعطيل النصوص عما دلت عليه.
ونصوص أحمد والأئمة قبله، بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية، ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه، كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد، والوعيد، والفضائل، وغير ذلك; وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: تمر كما جاءت في أحاديث الوعيد، مثل قوله: " من غشنا فليس منا "١، وأحاديث الفضائل، ومقصودهم في ذلك: أن الحديث لا يحرف كلمه عن مواضعه، كما يفعله من يحرفه، ويسمي تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر.
وعلى هذا فما بقي للتفويض معنى يصار إليه، على قول الناظم إلا تعطيل النصوص عما دلت عليه من المعاني اللائقة بجلال الله وعظمته، لأن ذلك عنده من المتشابه، أو
стр. 1314
مما استأثر الله بعلم تأويله، فهذا الذي ينبغي أن يعترض على صاحبه ويزجر، وينشر خطؤه في العالمين ويذكر; والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على محمد.
جواب أبيات، أرسل بها التلمساني
وله أيضا: جواب أبيات أرسل بها التلمساني، وقد أجاب عنها شيخ الإسلام بنثر، ولكن أراد المشاركة مع علماء أهل السنة، فقال:
يا طالبا مني جوابا ... يشفي عليلا قد دهاه الفاتن
إن الجواب عن السؤال محرر ... ومقرر وهو الجواب الضامن
وهو الصواب فرد معينا صافيا ... ما ماؤه نزر ولا هو آسن
قد قاله حبر إمام عالم ... بحر خضم زاخر لا آجن
أعني تقي الدين من يكنى أبا الـ ... عباس من في الدين ليس يداهن
فخذ الجواب مفصلا عن قوله ... وجوابه والحق منه بائن
لكنما قول النفاة مخالف ... للحق حقا فهو قول واهن
والحق حتما أنه سبحانه ... عن كل مخلوق تعالى بائن
من فوق عرش فوق سبع قد علا ... هذا هو الحق الصواب الكائن
هو أول هو آخر سبحانه ... هو ظاهر سبحانه هو باطن
ما فوق عرش فوق سبع خالق ... غير الإله الحق يا ذا الفاتن
إن الجهات جميعها عدمية ... في حقه والله عنها بائن١
стр. 1315
ما ثم غير الله موجود ولا ... رب سواه معاون أو كائن
لكن نفاة صفاته وعلوه ... في كل أمر باطل قد شاحنوا
ويقدرون لوازما هي كلها ... ما قالها في الله إلا مائن
كالجسم والأحياز والجهة التي ... ينفونها ذاك الفريق الفاتن
ألفاظها بدعية يعنى بها ... معنى صحيح وهو فيها كامن
إذ أوهمونا أنما مقصودهم ... بالنفي عنها أنه لا ساكن
أو تحصر الخلاق مخلوقاته ... بل لا تحيط به وفيها قاطن
كلا ولا تحويه فيما أظهروا ... للناس تنْزيها وهذا البائن
لكنهم قد أبطنوا معنى سوى ... ما أظهروا والقصد منهم واهن
أن ليس فوق العرش رب قد علا ... بالذات فوق الخلق عنهم بائن
بل ليس تعرج نحوه أملاكه ... والروح لم يعرج ولا ذا كائن
والمصطفى المعصوم لم يعرج به ... نحو السماء كما يقول المائن
كلا ولا كلم إليه صاعد ... حقا وما منهم بهذا دائن
والرب لم ينْزل وما هو نازل ... فيما لديهم وهو أمر واهن
فالقول بالتجسيم أمر محدث ... كالقول في جهة وفيها ساكن
وكذا التحيز والحدود فإنها ... ليست لها في الشرع أصل كائن
كالقول بالأعراض والأغراض ... والأبعاض في ذا كله قد باينوا
أهل الهدى والدين في أديانهم ... في الله مما قد نماه الآفن
لسنا نقول بنفيها حتما ولا ... إثباتها فالشر فيها كامن
والحق قد يعنى بها أيضا فما ... ندري بما يعني المهين الفاتن
стр. 1316
لكننا إن قال هذا قائل ... واضطرنا عنه الجواب الصائن
للحق عما قيل باستفسارهم ... عن قصدهم حتى يبين الباطن
إن فسروا معنى صحيحا واضحا ... قلنا لهم هذاك حق كائن
واللفظ والإطلاق بدعي ولا ... نرضى بما قال الجهول الماجن
أو فسروا معنى خبيثا واهيا ... في ضمنه التعطيل حقا كامن
قلنا لهم هذاك أمر سيئ ... إنكاره الحق المبين البائن
والكفر لا ندعوا به من قالها ... بدءا وجهلا حين يدهى المائن
إلا إذا قامت عليه حجة ... فالكفر والتعطيل منه كائن
هذا الذي أدى إليه علمنا ... وبه لذي العرش المهيمن دائن
والقول بالتفصيل فيما قاله ... شيخ الهدى والحق منه بائن
فانظر إلى تبيينه ما موهوا ... من قيلهم والكل منهم آفن
حتى اغتدى نهج الهدى كالشمس لا ... يخفيه قول من مريب شائن
فاشكر له في رده أقوالهم ... لما نفاها وارتضاها الماجن
بالعلم والتحقيق لا ما قاله ... أضداده والكل منهم مائن
هم في طريق بالدعاوى والهوى ... والحق والتحقيق عنهم ظاعن
والقوم بالتضليل دأبا دائما ... ذا شأنهم والكل منهم طاعن
والحمد لله الذي ما زاغنا ... عن منهح فيه المجاري آمن
стр. 1317
[رسالة الشيخ سليمان بن سحمان للشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري]
وكتب الشيخ: سليمان بن سحمان، للشيخ: عبد الله بن عبد العزيز العنقري:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
اعلم: أنه جرى بيننا البحث فيما ذكره ابن القيم في سفر الهجرتين على قوله ﷺ : "اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء "١ قال: فقوله ﷺ الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء، يدلان العبد على معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم، وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ﴾ [سورة الإسراء آية: ٦٠] ، وقال: ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ [سورة البروج آية: ٢٠] ، ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين، الدالين على هذين المعنيين، اسم العلو الدال على أنه الظاهر، وأنه لا شيء فوقه، واسم العظمة الدال على الإحاطة، وأنه لا شيء دونه، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سورة آية: ٢٣] ، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١١٥] .
وهو ﵎، كما أنه العالي على خلقه بذاته
стр. 1318
فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهر على كل شيء فكان فوقه، وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس في قبضة نفسه، فهذا قرب الإحاطة العامة. انتهى.
وقد ذكرت لي أني إذا ظفرت بشيء يبين حقيقة ما ذكره الشيخ، ويوضحه، أني أذكر لك ذلك، فاعلم: أني تأملت كلامه، ووضح لي مقصوده ومرامه، ورأيت ما يوضح ذلك في كتابه الصواعق المرسلة في بحث الإحاطة، وأحببت أن أكتب إليك بذلك.
قوله: " الظاهر الذي ليس فوقه شيء، والباطن الذي ليس دونه شيء " يدلان العبد على معرفة إحاطة الرب سبحانه بالعالم وعظمته، وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد، فإذا كان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام وضرورة العقل أنه الأول بذاته قبل كل شيء، وأنه الآخر بذاته بعد كل شيء، والظاهر بذاته فوق كل شيء، فكذلك هو الباطن بذاته دون كل شيء، ولا نفرق بين أسمائه بآرائنا القاصرة وأفهامنا الباردة، لأنه لم يقل في الحديث: والباطن الذي هو تحت كل شيء، لأن ذلك ينافي قوله: "والظاهر الذي ليس فوقه شيء "١، بل قال: " والباطن الذي ليس دونه شيء "٢ لأنه لا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا
стр. 1319
يحجب عنه ظاهر باطنا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسر عنده علانية.
وقد بين ﵀ معنى البطون بقوله: وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس في قبضة نفسه; فهذا قرب الإحاطة العامة; فبين ﵀ معنى قوله: " وأنت الباطن فليس دونك شيء "١ بقوله: وبطن فكان أقرب إلى كل شيء من نفسه، وهو محيط به، حيث لا يحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس في قبضة نفسه، يوضح ذلك، قوله: وأن العوالم كلها في قبضته، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في يده، كخردلة في يد العبد، فكانت جميع العوالم والسماوات والأرض في قبضته كخردلة في يد العبد.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وفقه الله:
قال شيخ الإسلام في المنهاج في رده على الرازي، وكذلك إذا تكلم في المطر - يعني: الرازي - يذكر قول أولئك الذين يجعلونه حاصلا عن مجرد البخار المتصاعد، والمنعقد في الجو; وقول من يقول: إنه أحدثه الفاعل المختار بلا سبب، ويذكر قول من يقول: إنه نزل من الأفلاك، وقد يرجح هذا القول في تفسيره، ويجزم بفساده في موضع آخر، وهذا القول، لم يقله أحد من الصحابة ولا
стр. 1320
التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة المسلمين، بل سائر أهل العلم من المسلمين من السلف والخلف يقولون: إن المطر نزل من السماء.
ولفظ السماء في اللغة والقرآن، اسم: لكل ما علا، فهو: اسم جنس للعالي، لا يتعين في شيء إلا بما يضاف إلى ذلك، وقد قال: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ [سورة الحج آية: ١٥] ، وقال: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [سورة الرعد آية: ١٧] وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [سورة الملك آية: ١٦] والمراد بالجميع: العلو، ثم يتعين هنا بالسقف ونحوه، وهناك: بالسحاب; وهناك: بما فوق العالم كله، فقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سورة الرعد آية: ١٧] أي: من العلو، مع قطع النظر عن جسم معين، لكن قد صرح في مواضع أخر، بنُزوله من السحاب، كما في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [سورة الواقعة آية: ٦٨-٦٩] ، والمزن: السحاب، وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً﴾ [سورة النور آية: ٤٣] الآية، والودق: المطر، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ [سورة الروم آية: ٤٨] إلى قوله: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ﴾ [سورة آية: ٤٣] .
فأخبر سبحانه أنه يبسط السحاب في السماء، وهذا مما يبين أنه لم يرد بالسماء هنا الأفلاك، فإن السحاب لا يبسط في الأفلاك، بل الناس يشاهدون السحاب يبسط في الجو، وقد يكون الرجل في موضع عال، إما على جبل، أو
стр. 1321
على غيره; والسحاب يبسط أسفل منه، وينْزل منه المطر، والشمس فوقه ... إلى أن قال: وكذلك المطر، معروف عند السلف والخلف، أن الله ﵎ يخلقه من الهواء، ومن البخار المتصاعد، لكن خلقه للمطر من هذا، كخلق الإنسان من نطفة، وخلقه للشجر والزرع من الحب والنوى، فهذا معرفته بالمادة التي خلق منها.
ونفس المادة لا توجب ما خلق منها، باتفاق العقلاء; بل لا بد من ما به يخلق تلك الصورة على ذلك الوجه; وهذا هو الدليل على القادر المختار الحكيم ... إلى أن قال: على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [سورة السجدة آية: ٢٧] فهذه الآية يستدل بها على علم الخالق، وقدرته، ومشيئته، وحكمته، وإثبات المادة التي خلق منها المطر، والشجر، والإنسان، والحيوان، مما يدل على حكمته، ونحن لا نعرف شيئا قط خلق إلا من مادة، ولا أخبر الله في كتابه بمخلوق، إلا من مادة. انتهى كلامه.
قال في الصواعق: الوجه الثامن: أن الله سبحانه ذكر الإنزال على ثلاث درجات: إنزال مطلق، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ فأطلق الإنزال، ولم يذكر مبدأه، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ [سورة الزمر آية: ٦] الثانية: الإنزال من السماء، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٤٨] الثالثة: إنزال منه سبحانه، كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [سورة الزمر آية: ١] .
стр. 1322
وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٢] الآية، وقال: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٤] .
فأخبر: أن القرآن منزل منه، والمطر نزل من السماء، والحديد والأنعام، منزلان نزولا مطلقا، وبهذا يظهر تلبيس المعطلة، والجهمية، والمعتزلة، حيث قالوا: إن كون القرآن منزلا، لا يمنع أن يكون مخلوقا، كالماء، والحديد، والأنعام، حتى غلا بعضهم، فاحتج على كونه مخلوقا بكونه منزلا، وقال: الإنزال بمعنى الخلق، وجوابه: أن الله سبحانه فرق بين النّزول منه، والنّزول من السماء، فجعل القرآن منزلا منه، والمطر منزلا من السماء، وحكم المجرور بمن في هذا الباب حكم المضاف.
والمضاف إليه سبحانه نوعان: أحدهما: أعيان قائمة بأنفسها، كبيت الله، وناقة الله، وروح الله، وعبده، فهذا إضافة مخلوق إلى خالقه، وهي إضافة اختصاص وتشريف، الثاني: إضافة صفة إلى موصوفها، كسمعه، وبصره، وحياته، وعلمه، وقدرته، وكلامه، ووجهه، ويده ... إلخ. وإنما أطلنا النقل، لأنك قد تفهم منه شيئا لم يظهر لنا.
وراجعنا حاشية على المصابيح قوله: "حديث عهد بربه" أي: قريب العهد من عند ربه، لم يخالطه ما يغسل به الأيدي الظالمة، والأكف العادية.
стр. 1323
وقال في الهدى، بعد قوله: " هذا حديث عهد بربه "١ قال الشافعي: أخبرني من لا أتهم عن يزيد بن الهاد، أن النبي ﷺ كان إذا سال السيل، قال: " اخرجوا بنا إلى هذا الذي جعله الله طهورا، فنتطهر منه، ونحمد الله عليه " وأخبرنا من لا أتهم، عن إسحاق بن عبد الله: "أن عمر كان إذا سال السيل، ذهب بأصحابه إليه، وقال: ما كان ليجيء من مجيئه أحد، إلا تمسحنا به". انتهى من هديه ﷺ في الاستسقاء.
والذي نفهم: أن الإنزال، والخلق، من صفات الأفعال من غير إشكال، فإن كان مقصود النووي: تأويل صفات الأفعال، فلا شك في بطلانه، وإن كان مقصوده: بيان أن المطر جديد الخلق، مع قطع النظر عن التعرض لصفات الرب، فلم يظهر لنا في ذلك منع; والذي فهمنا من كلامكم: أن النووي متعرض لتأويل صفات الأفعال، وهذا لا شك في بطلانه; وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.
تم الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع: كتاب العبادات
стр. 1324
المجلد الرابع: (القسم الأول من كتاب العبادات)
*
فصل: في أصول مأخذهم
...
فصل في أصول مأخذهم أربع قواعد من قواعد الدين التي تدور الأحكام عليها
قال شيح الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، قدس الله روحه، ونور ضريحه:
هذه أربع قواعد، من قواعد الدين، التي تدور الأحكام عليها، وهي: من أعظم ما أنعم الله به على محمد ﷺ وأمته، حيث جعل دينهم ديناً كاملاً وافياً، أكمل وأكثر علماً من جميع الأديان؛ ومع ذلك، جمعه لهم في لفظ قليل، وهذا مما ينبغي التفطن له، قبل معرفة القواعد الأربع، وهو أن تعلم قول النبي ﷺ لما ذكر ما خصه الله به على الرسل، يريد منا أن نعرف منة الله علينا، ونشكرها. قال لما ذكر الخصائص: " وأُعطيت جوامع الكلم " ١، قال إمام الحجاز، محمد بن شهاب الزهري: معناه: أن يجمع الله له المسائل الكثيرة، في الألفاظ القليلة.
القاعدة الأولى: تحريم القول على الله بلا علم، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] .
стр. 1325
القاعدة الثانية: أن كل شيء سكت عنه الشارع، فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه، أو يوجبه، أو يستحبه، أو يكرهه، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ [سورة المائدة آية: ١٠١] . وقال النبي ﷺ : " وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان، فلا تبحثوا عنها ".
القاعدة الثالثة: أن ترك الدليل الواضح، والاستدلال بلفظ متشابه، هو طريق أهل الزيغ، كالرافضة والخوارج، قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] . والواجب على المسلم: اتباع المحكم؛ فإن عرف معنى المتشابه، وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في العلم في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .
القاعدة الرابعة: أن النبي ﷺ ذكر أن: "الحلال بين والحرام بين، وبينهما مشتبهات " ١؛ فمن لم يفطن لهذه القاعدة، وأراد أن يتكلم على كل مسألة بكلام فاصل، فقد ضل وأضل.
فهذه أربع قواعد، ثلاث ذكرها الله في كتابه، والرابعة ذكرها رسول الله ﷺ .
واعلم رحمك الله، أن أربع هذه الكلمات، مع اختصارها، يدور عليها الدين، سواء كان المتكلم يتكلم في علم التفسير، أو في علم الأصول، أو في علم أعمال
стр. 1326
القلوب الذي يسمى: علم السلوك، أو في علم الحديث، أو في علم الحلال والحرام والأحكام، الذي يسمى: علم الفقه، أو في علم الوعد والوعيد، أو في غير ذلك من أنواع علوم الدين. أنا أمثل لك مثلاً، تعرف به صحة ما قلته، وتحتذى عليه إن فهمته، وأمثله لك في فن من فنون الدين، وهو علم الفقه، وأجعله كله في باب واحد منه، وهو الباب الأول. قلت: يأتي في باب ١ الطهارة إن شاء الله تعالى.
وقال أيضاً: ومن أعظم ما منّ الله به عليه ﷺ وعلى أمته: إعطاء جوامع الكلم: فيذكر الله تعالى في كتابه كلمة واحدة، تكون قاعدة جامعة يدخل تحتها من المسائل ما لا يحصر؛ وكذلك رسول الله ﷺ ، فقد خصه الله بالحكمة الجامعة؛ ومن فهم هذه المسألة فهماً جيداً فهم قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . وهذه الكلمة أيضاً من جوامع الكلم، إذ الكامل لا يحتاج إلى زيادة، فعُلم منه بطلان كل محدث بعد رسول الله ﷺ وأصحابه، كما أوصانا به في قوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار " ٢.
стр. 1327
وتفهم أيضاً: معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله، أي: إلى كتاب الله، وإلى الرسول ﷺ أي: إلى سنته، علمنا قطعا: أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع الناس فيه، وجد فيهما ما يفصل النّزاع.
وقال أيضاً: إذا اختلف كلام أحمد، وكلام الأصحاب، فنقول في محل النزاع: التراد إلى الله وإلى رسوله، لا إلى كلام أحمد، ولا إلى كلام الأصحاب، ولا إلى الراجح من ذلك؛ بل قد يكون الراجح والمرجح من الروايتين والقولين خطأ قطعاً، وقد يكون صواباً؛ وقولك: إذا استدل كل منهما بدليل، فالأدلة الصحيحة لا تتناقض، بل الصواب يصدق بعضه بعضاً، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل: إما يستدل بحديث لم يصح، وإما فهم من كلمة صحيحة مفهوماً مخطئاً؛ وبالجملة: فمتى رأيت الاختلاف، فرده إلى الله والرسول؛ فإذا تبين لك الحق فاتبعه، فإن لم يتبين لك، واحتجت إلى العمل، فخذ بقول من تثق بعلمه ودينه.
وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة؛ فإن أراد القائل مسائل الخلاف، فهذا باطل يخالف إجماع الأمة؛ فما زال الصحابة
стр. 1328
ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائناً من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم. وإذا كان الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه، فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه، وينكر عليه.
وإن أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب، فهذا كلام صحيح، لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالفاً لمذهبه أو لعادة الناس؛ فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم، لا يجوز أن ينكر إلا بعلم; وهذا كله داخل في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٦] . وأما قول من قال: اتفاق العلماء حجة، فليس المراد الأئمة الأربعة، بل إجماع الأمة كلهم، وهم علماء الأمة.
وأما قولهم: اختلافهم رحمة، فهذا باطل؛ بل الرحمة في الجماعة، والفرقة عذاب، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود آية: ١١٨-١١٩] . ولما سمع عمرُ ابنَ مسعود، وأُبَيّاً اختلفا في صلاة الرجل في الثوب الواحد، صعد المنبر، وقال: "اثنان من أصحاب رسول الله ﷺ ، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أجد اثنين اختلفا بعد مقامي هذا، إلا فعلت وفعلت "; لكن قد روي عن بعض التابعين، أنه قال: ما أحسب اختلاف
стр. 1329
أصحاب رسول الله ﷺ إلا رحمة للناس، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة، ومراده شيء آخر غير ما نحن فيه؛ ومع هذا، فهو قول مستدرك، لأن الصحابة ذكروا اختلافهم عقوبة وفتنة.
وقال أيضاً: قد تبين لكم في غير موضع، أن دين الإسلام حق بين باطلين، وهدى بين ضلالتين؛ وهذه المسائل ١ وأشباهها مما يقع الخلاف فيه بين السلف والخلف من غير نكير من بعضهم على بعض؛ فإذا رأيتم من يعمل ببعض هذه الأقوال المذكورة بالمنع، مع كونه قد اتقى الله ما استطاع، لم يحل لأحد الإنكار عليه، اللهم إلا أن يتبين الحق، فلا يحل لأحد أن يتركه لقول أحد من الناس.
وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يختلفون في بعض المسائل من غير نكير، ما لم يتبين النص؛ فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم، ويوقرهم ولو أخطؤوا، لكن لا يتخذهم أرباباً من دون الله؛ هذا طريق المنعم عليهم، وأما إطراح كلامهم، وعدم توقيرهم، فهو طريق المغضوب عليهم. واتخاذهم أرباباً من دون الله، وإذا قيل:
стр. 1330
قال الله، قال رسول الله، قال: هم أعلم منا، فهذا هو طريق الضالين. ومِن أهم ما على العبد وأنفع ما يكون له: معرفة قواعد الدين على التفصيل؛ فإن أكثر الناس يفهم القواعد ويقر بها على الإجمال، ويدعها عند التفصيل.
وقال أيضاً: اختلفوا في الكتاب، وهل يجب تعلمه واتباعه على المتأخرين لإمكانه؟ أم لا يجوز للمتأخرين، لعدم إمكانه؟ فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ الآية [سورة طه آية: ٩٩-١٠٠] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ [سورة طه آية: ١٢٤] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٦] .
وسئل: عن قول الشيخ تقي الدين: ولتكن همته فهم مقاصد الرسول، في أمره ونهيه، ما صورته؟
فأجاب: مراده ما شاع وذاع: أن الفقه عندهم هو: الاشتغال بكتاب فلان وفلان; فمراده التحذير من ذلك. وقال أيضاً: كذلك غيركم، إنما اتباعهم لبعض المتأخرين لا الأئمة؛ فهؤلاء الحنابلة، من أقل الناس بدعة، وأكثر الإقناع والمنتهى مخالف لمذهب أحمد ونصه، فضلاً عن نص رسول الله ﷺ ؛ يعرف ذلك من عرفه.
وقال أيضاً: ذكر الشيخ تقي الدين، ﵀، قواعد:
стр. 1331
الأولى: أن النبي ﷺ إذا سن أمرين، وأراد أحد يأخذ بأحدهما ويترك الآخر، أنه لا ينكر عليه، كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية، فقال أحدهما: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي ﷺ عليهم، وقال: " كل منكما محسن "؛ فأنكر الاختلاف، وصوب الجميع في الآية.
الثانية: إذا أم رجل قوماً، وهم يرون القنوت، أو يرون الجهر بالبسملة، وهو يرى غير ذلك، والأفضل ما رأى؛ فموافقتهم أحسن، ويصير المفضول، هو الفاضل.
وقال ابنا الشيخ: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ﵏: عقيدة الشيخ، ﵀، التي يدين الله بها هي عقيدتنا، وديننا الذي ندين الله به، وهي عقيدة سلف الأمة وأئمتها، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو: اتباع ما دل عليه الدليل، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قبلناه، وأفتينا به، وما خالف ذلك، رددناه على قائله.
وهذا هو الأصل الذي أوصانا به في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] ، أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه، وأن
стр. 1332
الرد إلى الرسول هو: الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة؛ وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثاً يخالف مذهبه، فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحباً، بل واجباً عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون بذلك مخالفاً لإمامه الذي اتبعه؛ فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ﵃ أجمعين.
قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وقال الشافعي لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط، وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فهو مذهبي. وقال الإمام أحمد، ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان؛ والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال لبعض أصحابه: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكاً، ولا الشافعي، وتعلموا كما تعلمنا. وكلام الأئمة في هذا كثير جداً، ومبسوط في غير هذا الموضع.
وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة، يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو
стр. 1333
أنه يجوز له العمل به، لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم؛ ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله، حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة; وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً؛ والذي ننكره هو التعصب للمذاهب، وترك اتباع الدليل.
وقالا أيضاً: اعلم أن مسائل الخلاف بين الأئمة، لا إنكار فيها، إذا لم يتبين الدليل القاطع; والصحابة، ﵃، قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض؛ وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلاً منهم قد قال بما عنده من العلم.
وقالا أيضاً، لما سئلا عن العمل بصريح الحديث: الذي ينبغي لطالب العلم: أن يبحث عن كلام أهل العلم في المسألة التي دل عليها الحديث، وهل هو معمول به عندهم، أم هو منسوخ؟ أم قد عارضه ما هو أقوى منه؟ فإذا فعل ذلك، وعرف مذاهب العلماء في المسألة، وتبين له أن الحديث محكم صحيح، وجب عليه العمل به؛ هذا إذا كان الإنسان من أهل المعرفة بالحديث، وكلام العلماء، وكان قد سبقه إليه من أهل العلم من يقتدى به، ولو خالف مذهبه الذي ينتسب إليه؛ وإذا كان الرجل ليس له معرفة بالحديث، وكلام العلماء، وترجيح الأقوال، فإنما وظيفته تقليد أهل العلم،
стр. 1334
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] .
وقال أيضاً الشيخ: عبد الله ابن الشيخ: ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم؛ بل لا نقرهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد منا يدعيها، إلا أنا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة، غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به، وتركنا المذهب.
وعندنا: أن الإمام ابن القيم، وشيخه: إماما حق، من أهل السنة، وكتبهم من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا ﷺ .
стр. 1335
[الرد إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف]
وقال أيضاً الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نزل الكتاب على النبي المختار، وبينه ﷺ وحمله عنه أصحابه الأخيار، ثم التابعون لهم من الأبرار.
إلى: عبد الله بن عبد الله الصنعاني، سلمه الله من الشرك والبدع، ووفقه للإنكار على من أشرك وابتدع؛ والصلاة والسلام على محمد، الذي قامت به على الخلق الحجة، وبين وأوضح لهم المحجة، وعلى آله وصحبه القدوة بعده.
أما بعد: فقد وصل جوابكم، وسر الخاطر، وأقر الناظر، حيث أخبرتم أنكم على ما نحن عليه من الدين، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول الأمجد، سيد ولد آدم ﷺ ، وما أوردتم على ذلك من الآيات الواضحات، والأحاديث الباهرات، وأن الرد عند الاختلاف إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ثم إلى أقوال الصحابة، ثم التابعين لهم