الأولى: أن النبي ﷺ إذا سن أمرين، وأراد أحد يأخذ بأحدهما ويترك الآخر، أنه لا ينكر عليه، كالقراءات الثابتة، ومثل الذين اختلفوا في آية، فقال أحدهما: ألم يقل الله كذا؟ وقال الآخر: ألم يقل الله كذا؟ وأنكر النبي ﷺ عليهم، وقال: " كل منكما محسن "؛ فأنكر الاختلاف، وصوب الجميع في الآية.
الثانية: إذا أم رجل قوماً، وهم يرون القنوت، أو يرون الجهر بالبسملة، وهو يرى غير ذلك، والأفضل ما رأى؛ فموافقتهم أحسن، ويصير المفضول، هو الفاضل.
وقال ابنا الشيخ: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ﵏: عقيدة الشيخ، ﵀، التي يدين الله بها هي عقيدتنا، وديننا الذي ندين الله به، وهي عقيدة سلف الأمة وأئمتها، من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو: اتباع ما دل عليه الدليل، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعرض أقوال العلماء على ذلك؛ فما وافق كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قبلناه، وأفتينا به، وما خالف ذلك، رددناه على قائله.
وهذا هو الأصل الذي أوصانا به في كتابه حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] ، أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه، وأن
стр. 1332
الرد إلى الرسول هو: الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته. والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة؛ وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثاً يخالف مذهبه، فاتبع الدليل، وترك مذهبه، كان هذا مستحباً، بل واجباً عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون بذلك مخالفاً لإمامه الذي اتبعه؛ فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ﵃ أجمعين.
قال الإمام مالك: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . وقال الشافعي لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط، وفي لفظ: إذا صح الحديث عندكم فهو مذهبي. وقال الإمام أحمد، ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان؛ والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال لبعض أصحابه: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكاً، ولا الشافعي، وتعلموا كما تعلمنا. وكلام الأئمة في هذا كثير جداً، ومبسوط في غير هذا الموضع.
وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة، يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو
стр. 1333
أنه يجوز له العمل به، لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم؛ ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله، حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة; وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها قديماً وحديثاً؛ والذي ننكره هو التعصب للمذاهب، وترك اتباع الدليل.
وقالا أيضاً: اعلم أن مسائل الخلاف بين الأئمة، لا إنكار فيها، إذا لم يتبين الدليل القاطع; والصحابة، ﵃، قد اختلفوا في أشياء من مسائل الفروع، ولم ينكر بعضهم على بعض؛ وكذلك العلماء بعدهم، وأن كلاً منهم قد قال بما عنده من العلم.
وقالا أيضاً، لما سئلا عن العمل بصريح الحديث: الذي ينبغي لطالب العلم: أن يبحث عن كلام أهل العلم في المسألة التي دل عليها الحديث، وهل هو معمول به عندهم، أم هو منسوخ؟ أم قد عارضه ما هو أقوى منه؟ فإذا فعل ذلك، وعرف مذاهب العلماء في المسألة، وتبين له أن الحديث محكم صحيح، وجب عليه العمل به؛ هذا إذا كان الإنسان من أهل المعرفة بالحديث، وكلام العلماء، وكان قد سبقه إليه من أهل العلم من يقتدى به، ولو خالف مذهبه الذي ينتسب إليه؛ وإذا كان الرجل ليس له معرفة بالحديث، وكلام العلماء، وترجيح الأقوال، فإنما وظيفته تقليد أهل العلم،
стр. 1334
قال الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] .
وقال أيضاً الشيخ: عبد الله ابن الشيخ: ونحن في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، كالرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم؛ بل لا نقرهم ظاهراً على شيء من مذاهبهم الفاسدة، ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد منا يدعيها، إلا أنا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة، غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به، وتركنا المذهب.
وعندنا: أن الإمام ابن القيم، وشيخه: إماما حق، من أهل السنة، وكتبهم من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا نبينا ﷺ .
стр. 1335
[الرد إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف]
وقال أيضاً الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله الذي نزل الكتاب على النبي المختار، وبينه ﷺ وحمله عنه أصحابه الأخيار، ثم التابعون لهم من الأبرار.
إلى: عبد الله بن عبد الله الصنعاني، سلمه الله من الشرك والبدع، ووفقه للإنكار على من أشرك وابتدع؛ والصلاة والسلام على محمد، الذي قامت به على الخلق الحجة، وبين وأوضح لهم المحجة، وعلى آله وصحبه القدوة بعده.
أما بعد: فقد وصل جوابكم، وسر الخاطر، وأقر الناظر، حيث أخبرتم أنكم على ما نحن عليه من الدين، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، ومتابعة الرسول الأمجد، سيد ولد آدم ﷺ ، وما أوردتم على ذلك من الآيات الواضحات، والأحاديث الباهرات، وأن الرد عند الاختلاف إلى كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، ثم إلى أقوال الصحابة، ثم التابعين لهم
стр. 1336
بإحسان، فذلك ما نحن عليه، وهو ظاهر عندنا؛ لكن كل قول له حقيقة، وحقيقة العلم وثمرته: العمل: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] ، ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف آية: ٢] .
وكل يدّعي وصلاً لليلى ... وليلى لا تقر لهم بذاكا
فنحن: أقمنا الفرائض، والشرائع، والحدود، والتعزيرات، ونصبنا القضاة، وأمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكرات، ونصبنا علَم الجهاد على أهل الشرك والعناد، فلله الحمد والمنة.
وأما استفصالكم عن قولنا: مذهبنا مذهب الإمام أحمد، وقولكم: إن تريد أن نسلك في أخذ المسائل من الكتاب والسنة مثل مسلكه، فنعم ما قلتم، وإن تريدوا بقولكم ذلك التقليد له فيما رآه وقال، من غير نظر إلى الحجة من الكتاب والسنة، كما سلك بعض أتباع الأئمة الأربعة، من جعل آرائهم وأقوالهم أصولاً لمسائل الدين، واطرحوا الاحتجاج من الكتاب والسنة، وسدوا بابهما، إلى آخره. انتهى ملخص كلامكم.
فالجواب عليه من وجوه، وبالله التوفيق:
الوجه الأول: إن في رسالتنا التي عندكم ما رد هذا التوهم، وهو قولنا فيها: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي
стр. 1337
يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] ، وقوله ﷺ : "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١، رواه البخاري ومسلم؛ فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قُبل، وما خالف رُد على قائله وفاعله كائناً من كان ... إلخ. فتضمن هذا الكلام: أنه لا يقدم رأي أحد على كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ والعجب: كيف نبا فهمكم عنها؟!
الوجه الثاني: قد صرح العلماء، أن النصوص الصحيحة الصريحة، التي لا معارض لها ولا ناسخ، وكذا مسائل الإجماع، لا مذاهب فيها؛ وإنما المذاهب فيما فهمه العلماء من النصوص، أو علمه أحد دون أحد، أو في مسائل الاجتهاد، ونحو ذلك.
الوجه الثالث: قد ذكر العلماء، أن لفظة: "المذهب" لها معنيان: معنى في اللغة، ومعنى في الاصطلاح: فالمذهب في اللغة: مفعل، ويصح للمصدر، والمكان، والزمان، بمعنى الذهاب، وهو المرور، أو محله أو زمانه. واصطلاحاً: ما ترجح عند المجتهد في أيما مسألة من المسائل بعد الاجتهاد، فصار له معتقداً، أو مذهباً. وعند بعضهم: ما قاله مجتهد بدليل، ومات قائلاً به. وعند بعضهم: أنه المشهور في مذهبه، كنقض الوضوء بأكل لحم الجزور، ومس الذكر ونحوه عند أحمد؛ ولا يكاد يطلق إلا على ما فيه خلاف. وقال بعضهم: هو في عرف الفقهاء:
стр. 1338
ما ذهب إليه إمام من الأئمة المجتهدين. ويطلق عند المتأخرين من أئمة المذاهب على ما به الفتوى، وهو ما قوي دليله; وقيل: ما كثر قائله. فقد تلخص من كلامهم: أن المذهب في الاصطلاح: ما اجتهد فيه إمام بدليل، أو قول جمهور، أو ما ترجح عنده، ونحو ذلك، وأن المذهب لا يكون إلا في مسائل الخلاف، التي ليس فيها نص صريح، ولا إجماع؛ فأين هذا من توهمكم أن قولنا: مذهبنا مذهب الإمام أحمد أنا نقلده فيما رأى وقال، وإن خالف الكتاب والسنة والإجماع؛ فنعوذ بالله من ذلك، والله المستعان.
الوجه الرابع: قال ابن القيم في: إعلام الموقعين - لما ذكر المفتين بمدينة السلام - وكان بها إمام أهل السنة على الإطلاق، أحمد بن حنبل، الذي ملأ الأرض علماً وحديثاً وسنة - إلى أن قال - وكانت فتواه مبنية على خمسة أصول، أحدها: النصوص، فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه، ولا من خالفه، كائناً من كان.
ثم ذكر أحاديث تمسك بها الإمام أحمد، ولم يلتفت إلى ما خالفها - إلى أن قال - الأصل الثاني من فتوى الإمام أحمد: ما أفتى به الصحابة، فإنه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعْدها إلى غيرها، ولم يقل إن ذلك إجماع؛ بل من ورعه في العبارة يقول: لا أعلم شيئاً
стр. 1339
يدفعه، ونحو هذا - إلى أن قال - الأصل الثالث من أصوله: إذا اختلف الصحابة، تخير من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنة، ولم يخرج عن أقوالهم.
فإن لم يتبين له موافقة أحد الأقوال، حكى الخلاف فيها، ولم يجزم بقول - إلى أن قال - الأصل الرابع: الأخذ بالمرسل، والحديث الضعيف، إذا لم يكن في الباب شيء يدفعه، وهو الذي رجحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل، ولا المنكر، ولا ما في رواته متهم، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح، فإذا لم يجد في الباب أثراً يدفعه، ولا قول صاحب، ولا إجماعاً على خلافه، كان العمل به عنده أولى من القياس؛ وليس أحد من الأئمة إلا وهو موافقه على هذا الأصل من حيث الجملة.
فإذا لم يكن عند الإمام أحمد نص، ولا قول الصحابة، ولا أحد منهم، ولا أثر مرسل أو ضعيف، عدل إلى الأصل الخامس، وهو: القياس، فاستعمله للضرورة; وقال الشافعي: إنما يعار إليه عند الضرورة. وقال الإمام أحمد - في رواية أبي الحارث -: ما تصنع بالرأي والقياس، وفي الحديث ما يغنيك عنه؟!
وقد يتوقف في الفتوى، لتعارض الأدلة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها; وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن كثير مما فيه الاختلاف في العلم، فيقول: لا أدري.
стр. 1340
انتهى كلام ابن القيم ملخصاً؛ فهذا ما أشرنا إليه من قولنا: مذهبنا مذهب الإمام أحمد.
وأما ما ذكرتم: من ذم من قلد الإمام أحمد وغيره، وأطلقتم الذم، فليس الأمر على إطلاقكم؛ فإن تريدوا بذم التقليد تقليد من أعرض عما أنزل الله، وعن سنة نبيه ﷺ ، ومن قلد بعد ظهور الحجة له، ومن قلد من ليس بأهل أن يؤخذ بقوله، ومن قلد واحداً من الناس فيما قال دون غيره، فنعم المسلك سلكتم.
وإن تريدوا بذلك الإطلاق: منع الناس، لا ينقل بعضهم عن بعض، ولا يفتي أحد لأحد إلا مجتهد، فقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] ، قال علي بن عقيل، صاحب الفنون، ورؤوس المسائل: يجب سؤال أهل الفقه بهذه الآية; وأمر الله بطاعته، وطاعة رسوله، وأولي العلم، وهم العلماء، أو العلماء والأمراء; وأرشد النبي ﷺ من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجة: " ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال " ١.
وأيضاً، فأين تدرك هذه في هذه الأزمنة التي قل العلم في أهلها، وقل فيه المجتهدون؛ وقد صرح العلماء أن تقليد الإنسان لنفسه جائز وربما كان واجباً، وكذا المفتي للضرورة، وعدم المجتهد يجوز أن يفتي بالتقليد.
стр. 1341
قال ابن القيم، في أول الجزء الثاني من إعلام الموقعين: ذكر تفصيل القول في التقليد وانقسامه إلى ما يحرم القول والإفتاء به، وإلى ما يجب المصير إليه، وإلى ما يسوغ من غير إيجاب; فأما الأول فهو ثلاثة أنواع: الأول: الإعراض عما أنزل الله، وعدم الالتفات إليه، اكتفاء بتقليد الآباء; الثاني: تقليد من لا يعلم المقلد أنه أهل أن يؤخذ بقوله; الثالث: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل، على خلاف قول المقلد.
وقد ذم الله هذه الأنواع الثلاثة من التقليد، في غير موضع من كتابه، ثم ذكر آيات في ذم التقليد - إلى أن قال - وهذا القدر من التقليد، هو مما اتفق السلف والأئمة الأربعة على ذمه، وتحريمه; وأما تقليد من بذل جهده في اتباع ما أنزل الله، وخفي عليه بعضه، وقلد فيه من هو أعلم منه، فهذا محمود غير مذموم، ومأجور غير مأزور، كما سيأتي بيانه عند ذكر التقليد الواجب والسائغ، إن شاء الله تعالى.
وقال أيضاً في الجزء الأول من إعلام الموقعين: قلت: وهذه المسألة، فيها ثلاثة أقوال لأصحاب أحمد: أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم؛ والفتوى بغير علم حرام، وهذا قول أكثر الأصحاب. والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز له أن يقلد غيره من العلماء، إذا
стр. 1342
كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به غيره؛ فهذا قول ابن بطة، وغيره من أصحابنا. والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة، وعدم المجتهد؛ وهو أصح الأقوال، وعليه العمل.
قال القاضي: ذكر أبو حفص في تعاليقه، قال: سمعت أبا علي الحسن بن عبد الله النجاد، يقول: سمعت أبا الحسن بن بشار، يقول: ما أعيب على رجل يحفظ لأحمد خمس مسائل، استند إلى بعض سواري المسجد أن يفتي الناس بها. انتهى كلام ابن القيم ملخصاً.
وقال في الإقناع وشرحه، في شروط القاضي: وأن يكون مجتهداً إجماعاً، ذكره ابن حزم; وأنهم أجمعوا أنه لا يحل لحاكم ولا مفت، تقليد رجل لا يحكم ولا يفتي إلا بقوله، لأنه فاقد الاجتهاد، ولو كان اجتهاده في مذهب إمامه، إذا لم يوجد غيره للضرورة، كما قال في الإفصاح: إن الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، فإن الحق لا يخرج عنهم، ثم ذكر أن الصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: لا يجوز إلا تولية مجتهد، فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه، قبل استقرار ما أقرت عليه هذه المذاهب.
وقال الإمام موفق الدين، أبو محمد، عبد الله بن أحمد المقدسي، في خطبة المغني: النسبة إلى إمام في
стр. 1343
الفروع، كالأئمة الأربعة، ليست بمذمومة؛ فإن اختلافهم رحمة، واتفاقهم حجة قاطعة.
واختار في الإفصاح والرعاية: أو مقلداً; قال في الإنصاف: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا انقطعت أحكام الناس، وكذا المفتي; قال ابن بشار: ما أعيب على من يحفظ لأحمد خمس مسائل يفتي بها، ونقل عبد الله: يفتي غير مجتهد؛ ذكره القاضي، وحمله أبو العباس ابن تيمية: على الحاجة. انتهى كلام صاحب الإقناع، وشرحه.
وقال في الإنصاف: قال الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية، في شروط القاضي: ويجب تولية الأمثل فالأمثل، وعلى هذا يدل كلام أحمد وغيره، فيولى للعدم أعدل المقلدين، وأعرفهما للتقليد؛ قال في الفروع: وهو كما قال. انتهى كلام الإنصاف، ملخصاً.
وأما ما ذكرتم عن الأئمة، وقول أبي حنيفة: إذا قلت قولاً، وفي كتاب الله، وسنة رسول الله، ما يخالف قولي، فاعملوا به، واتركوا قولي; وقول الشافعي: إذا صح الحديث على خلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، واعملوا بالحديث; وكذا ما ذكرتم عن الأئمة الأربعة: أنهم صرحوا بعرض أقوالهم، على الكتاب والسنة، فما خالف منها رد؛ وقد تقدم في أصول أحمد أنه إذا صح الحديث لم يقدم عليه قول أحد؛ فهذا قد تقرر عندنا ولله الحمد والمنة.
стр. 1344
وأما قولكم: إن مرادنا بقولنا: لا ننكر على أتباع الأئمة الأربعة ولو أشركوا وابتدعوا، فنعوذ بالله من ذلك؛ بل نترك الباطل، ونقبل الحق ممن جاء به، فإن كل أحد يُؤخذ من قوله ويترك، إلا سيد الأولين والآخرين ﷺ .
وأما قولكم: والمختار: أن العمل بالحديث بحسب ما بدا لصاحب الفهم المستقيم، فينظر في صحة الحديث أولاً، فإذا صح، نظرنا في معناه ثانياً، فإذا تبين، فهو الحجة. انتهى كلامكم.
فهل أنتم مجتهدون؟ أم تأخذون عن أقوال المفسرين، وشراح الحديث، وأتباع الأئمة الأربعة؟ فإن كان الثاني: فأخبرونا عن أكثر من تأخذون عنه، وترضون قوله من علماء أهل السنة؟ وفقنا الله وإياكم من العمل ما يرضيه، وجنبنا وإياكم العمل بمناهيه، وسامحنا وإياكم عند الوقوف بين يديه، وجعل أعمالنا مقبولة لديه، والله أعلم.
وقال أيضاً الشيخ: عبيد الله بن الشيخ، رحمهما الله تعالى:
وأما قولكم: إن أهل هذا الدين، بلغنا أنهم يعتمدون على مذاهب الأئمة الأربعة، وأنكروا علم أهل البيت، وأقوالهم ومذاهبهم؛ فالذي نحن عليه: اتباع كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، والاعتماد على تفسير الأئمة لكتاب الله وسنة
стр. 1345
رسوله، لأنهم أعلم بكتاب الله منا. فإذا اختلفوا في مسائل الفروع، عرضنا أقوالهم، ورددناها إلى كتاب الله وسنة رسوله: فما كان أقرب إلى ذلك اتبعناه، كما أمرنا الله بذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ؛ والرد إلى الله هو: الرد إلى كتابه، وكذلك الرسول ﷺ فالرد إليه في حياته، وبعد موته إلى ما صح من سنته، كما فسره بذلك المفسرون من السلف والخلف.
وقال أيضاً: هو، والشيخ إبراهيم، وحسين، وعلي، وحمد بن ناصر:
وأما قولكم: هل يجب على المكلف التقليد، في المسائل المختلف فيها، فهذا يحتاج إلى تفصيل وبسط، ليس هذا موضعه، لكن الواجب على المكلف: أن يتقي الله ما استطاع، كما قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] ، وقال تعالى: ﴿لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٣] ؛ فإن كان المكلف فيه أهلية لمعرفة دلائل المسائل، من الكتاب والسنة، وجب عليه ذلك، باتفاق العلماء، وإن لم يكن فيه أهلية، كحال العوام الذين لا معرفة لهم بأدلة الكتاب والسنة، فهؤلاء يجب عليهم التقليد، وسؤال أهل العلم فقط، كما قال تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ
стр. 1346
إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] ؛ وهذا في غير أصول الدين.
وأما الأصول، فلا يجوز التقليد فيها بالإجماع، بل يجب على كل مكلف معرفة الله ﵎، ومعرفة الرسول ﷺ وما بعث به من التوحيد، وما أخبر به عن الله من البعث بعد الموت، والجنة والنار، ومثل وجوب الفرائض، من الصلاة، والزكاة، والحج، والصيام، ونحو هذا؛ فلا يجوز التقليد في هذا، والمقلد فيه ممن يعذب في البرزخ، كما ثبت ذلك في الأحاديث منها قوله: " وأما المنافق والمرتاب، فيقول: هاه، هاه، لا أدري؛ سمعت الناس يقولون شيئا فقلته " ١.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله تعالى: ما قولكم، نور الله قلوبكم لفك المعضلات، ووفقكم للأعمال الصالحات، هل يلزم المبتدئين المتعلمين، الترقي إلى معرفة الدليل الناص على كل مسألة؟ ومعرفة طرقه، وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث، إنه صحيح أو حسن؟ أو يكفيهم العلم بالفقهيات المجردة عن الدليل ويغنيهم؟ هذا فيمن طلب العلم، وتأهل له، فما الحال في العوام، هل يجزئهم مجرد التقليد؟
وأيضاً: حكى بعض المتأخرين الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد؛
стр. 1347
فأفيدونا واحتسبوا فإن الحاجة ماسة إلى هذه المباحث. فإن تفضلتم بطول الجواب، وذكر الدليل، ومن قال به، فهو المطلوب.
فأجاب: لا ريب أن الله سبحانه فرض على عباده طاعته، وطاعة رسوله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [سورة النور آية: ٥٤] ، ولم يوجب الله على هذه الأمة طاعة أحد بعينه، في كل ما يأمر به، وينهى عنه، إلا رسول الله ﷺ .
واتفق العلماء، على أنه: ليس أحد معصوماً إلا رسول الله ﷺ . وهؤلاء الأئمة الأربعة قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون: فقال أبو حنيفة: علمنا هذا رأي، وهو أحسن ما قدرنا عليه، ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه. وقال معن بن عيسى: سمعت مالكاً يقول: إنما أنا بشر، أخطئ وأصيب؛ فانظروا في قولي، فكل ما خالف الكتاب والسنة، فاتركوه.
وقال ابن القاسم: كان مالك يكثر أن يقول: إن نظن إلا ظناً وما نحن بمستيقنين. وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط; وإذا رأيت الحجة على الطريق فهي قولي. والإمام أحمد كان يقول: لا تقلدوني، ولا تقلدوا
стр. 1348
مالكاً، ولا الشافعي، ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا؛ وكان يقول: من قلة علم الرجل أن يقلد في دينه الرجال. وقال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا.
وقال ابن عبد البر: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله؛ ولهذا جعل الفقهاء من شروط القاضي أن يكون مجتهداً، فلا يصح أن يتولاه المقلد؛ هذا الذي عليه جمهور العلماء؛ قال في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال: يجوز ذلك.
وقال الموفق في المغنى: يشترط في القاضي ثلاثة شروط: أحدها: الكمال; وهو نوعان: كمال الأحكام، وكمال الخلقة; والثاني: العدالة؛ والثالث: أن يكون من أهل الاجتهاد؛ وبهذا قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية. وقال بعضهم: يجوز أن يكون عامياً، فيحكم بالتقليد، لأن الغرض فصل الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد جاز، كما يحكم بقول المقومين.
ولنا: قوله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩] ، ولم يقل بالتقليد، وقال: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٥] ، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . وروى بريدة
стр. 1349
عن رسول الله ﷺ أنه قال: " القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار " ١، رواه ابن ماجة. والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلداً، فالحكم أولى. انتهى.
وقال في الإنصاف: ويشترط في القاضي أن يكون مجتهداً؛ هذا المذهب المشهور، وعليه معظم الأصحاب; قال ابن حزم: يشترط كونه مجتهداً إجماعاً، وقال: أجمعوا على أنه لا يحل لحاكم ولا لمفت، تقليد رجل لا يحكم ولا يفتي إلا بقوله، وقال في الإفصاح: الإجماع انعقد على تقليد كل من المذاهب الأربعة، وأن الحق لا يخرج عنهم; واختار في الترغيب: ومجتهداً في مذهب إمامه للضرورة، واختار في الإفصاح والرعاية: ومقلداً.
قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا تعطلت أحكام الناس؛ وقيل في المقلد: يفتي ضرورة. وذكر القاضي: أن ابن شاقلا اعترض عليه بقول الإمام أحمد: لا يكون فقيهاً حتى يحفظ أربعمائة ألف حديث، فقال إن كنت لا أحفظه فإني أفتي بقول من يحفظ أكثر منه; قال القاضي: لا يقتضي هذا إن كان يقلد أحمد، لمنعه الفتيا بلا علم; قال بعض الأصحاب: ظاهره تقليده، إلا أن يحمل على أخذ طرق
стр. 1350
العلم عنه; وقال ابن بشار - من الأصحاب -: لا أعيب على من يحفظ خمس مسائل لأحمد يفتي بها، قال القاضي: هذا منه مبالغة في فضله، وظاهر نقل عبد الله يفتي غير مجتهد، ذكره القاضي، وحمله الشيخ تقي الدين على الحاجة. انتهى ملخصاً.
وذكر ابن القيم في مسألة التقليد في الفتيا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يجوز الفتوى بالتقليد، لأنه ليس بعلم، والفتوى بغير علم حرام؛ ولا خلاف بين الناس: أن التقليد ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم، وهذا قول أكثر الأصحاب، وهو قول جمهور الشافعية.
والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من العلماء، إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره؛ وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا.
الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة وعدم العالم المجتهد؛ وهذا أصح الأقوال، وعليه العمل. انتهى كلام ابن القيم، ﵀.
فتبين بما ذكرناه: أن المقلد ليس بعالم، وأن التقليد إنما يصار إليه عند الحاجة للضرورة؛ ولكن قد دعت الحاجة
стр. 1351
والضرورة إليه من زمان طويل، لا سيما في هذا الوقت، وحينئذ فيقال: التقليد ثلاثة أنواع:
أحدها: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل على خلاف قول المقلد، فهذا لا يجوز؛ وقد اتفق السلف والأئمة على ذمه وتحريمه. قال الشافعي، ﵀: أجمع المسلمون على أنه من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.
النوع الثاني: التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، فهذا مذموم أيضاً لأنه عمل على جهل، وإفتاء بغير علم، مع قدرته وتمكنه من معرفة الدليل المرشد، والله تعالى قد أوجب على عباده أن يتقوه بحسب استطاعتهم، فقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] ، وقال النبي ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم " ١. فالواجب على كل عبد: أن يبذل جهده في معرفة ما يتقيه مما أمره الله به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة الله ورسوله؛ ولم يكلف الله عباده ما لا يطيقونه، بل الواجب على العبد ما يستطيعه من معرفة الحق، فإذا بذل جهده في معرفة الحق، فهو معذور فيما خفي عليه.
النوع الثالث: التقليد السائغ، وهو: تقليد أهل العلم
стр. 1352
عند العجز عن معرفة الدليل; وأهل هذا النوع، نوعان أيضاً: أحدهما: من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالفقه والحديث، ولا ينظرون في كلام العلماء، فهؤلاء: لهم التقليد بغير خلاف; بل حكى غير واحد: إجماع العلماء على ذلك.
النوع الثاني: من كان محصلاً لبعض العلوم، وقد تفقه في مذهب من المذاهب، وتبصر في كتب متأخري الأصحاب كالإقناع والمنتهى، في مذهب الحنابلة، أو المنهاج ونحوه في مذهب الشافعية أو مختصر خليل ونحوه في مذهب المالكية أو الكنْز ونحوه في مذهب الحنفية، ولكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل، ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له التقليد أيضاً، إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] .
ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة مشهورة، وذلك لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] ، وفي الحديث عن النبي ﷺ : " ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال " ١؛ ولم تزل العامة في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم يستفتون العلماء، ويتبعونهم في الأحكام الشرعية، والعلماء يبادرون إلى إجابة سؤالهم، من غير إشارة إلى ذكر الدليل، ولا ينهونهم عن
стр. 1353
ذلك من غير نكير، فكان إجماعاً على جواز اتباع العامي العلماء المجتهدين.
ويلزم هذا العامي: أن يقلد الأعلم عنده، كما يلزمه في مسألة القبلة; فإذا اجتهد مجتهدان عند اشتباه القبلة، فاختلفا في الجهة، اتبع المقلد أوثقهما عنده; ولا يجوز له أن يتبع الرخص، بل يحرم ذلك عليه، ويفسق به; قال ابن عبد البر: لا يجوز للعامي تتبع الرخص إجماعاً، ولا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب يأخذ بعزائمه ورخصه، قال الشيخ تقي الدين: في الأخذ برخص المذهب وعزائمه، طاعة لغير النبي ﷺ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع؛ وتوقف أيضاً في جوازه.
وبالجملة: فالعامي الذي ليس له من العلم حظ ولا نصيب، فَرْضُه التقليد؛ فإذا وقعت له حادثة، استفتى من عرفه عالماً عدلاً، أو رآه منتصباً للإفتاء والتدريس; واعتبر الشيخ تقي الدين، وابن الصلاح الاستفاضة بأنه أهل للفتيا، ورجحه النووي في الروضة، ونقله عن أصحابه.
وقال الشيخ تقي الدين: لا يجوز أن يستفتي إلا من يفتي بعلم وعدل; فعلى هذا لا يكتفى بمجرد انتسابه إلى العلم، ولو بمنصب تدريس أو غيره، لا سيما في هذا الزمان، الذي غلب فيه الجهل، وقل فيه طلب العلم،
стр. 1354
وتصدى فيه جهلة الطلبة للقضاء والفتيا; فتجد بعضهم يقضي ويفتي، وهو لا يحسن عبارة الكتاب، ولا يعلم صورة المسألة; بل لو طولب بإحضار تلك المسألة، وهي في الكتاب، لم يهتد إلى موضعها، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
شعرا:
لقد هزلتْ حتى بدا من هزالها ... كلاها وحتى استامها كل مفلسِ
قال في شرح مختصر التحرير: ويلزم ولي الأمر منع من لم يعرف بعلم، أو جهل حاله، من الفتيا; قال ربيعة: بعض من يفتي أحق بالضرب من السراق; ولا تصح الفتيا من مستور الحال; وما يجيب به المقلد من حكم، فإخبار عن مذهب إمامه، لا فتيا، قاله أبو الخطاب، وابن عقيل، والموفق، ويعمل بخبره إن كان عدلاً، لأنه ناقل كالراوي.
ولعامي تقليد مفضول من المجتهدين، عند الأكثر من أصحابنا، منهم القاضي، وأبو الخطاب، وصاحب الروضة; وقاله الحنفية، والمالكية، وأكثر الشافعية، وقيل: يصح إن اعتقده فاضلاً، أو مساوياً، لا إن اعتقده مفضولاً، لأنه ليس من القواعد أن يعدل عن الراجح إلى المرجوح. وقال ابن عقيل، وابن سريج، والقفال، والسمعاني: يلزمه الاجتهاد، فيقدم الأرجح، ومعناه: قول الخرقي، والموفق في المقنع; ولأحمد: روايتان.
ويلزمه إن بان له الأرجح تقليده في الأصح، زاد بعض
стр. 1355
أصحابنا وبعض الشافعية: في الأظهر، ويقدم الأعلم على الأورع، ويخير في تقليد أحد مستورين عند أكثر أصحابنا; قال في الرعاية: ولا يكفيه من تسكن نفسه إليه، بل لا بد من سكون النفس والطمأنينة به، ويحرم عليه تتبع الرخص، ويفسق به.
وإن اختلف مجتهدان بأن أفتاه أحدهما بحكم، والآخر بخلافه، يخير في الأخذ بأيهما شاء، على الصحيح؛ اختاره القاضي، والمجد، وأبو الخطاب; وذكر أنه ظاهر كلام أحمد; وقيل: يأخذ بقول الأفضل منهما علماً وديناً، وهذا اختيار الموفق في الروضة.
ويحرم تساهل مفت، وتقليد معروف به، لأن الفتيا أمر خطر، فينبغي أن يتبع السلف الصالح في ذلك، فقد كانوا يهابون الفتيا كثيراً؛ وقد قال الإمام أحمد ﵁: إذا هاب الرجل شيئاً لا ينبغي أن يحمل على أن يقول به.
قال بعض الشافعية: من اكتفى في فتياه بقول أو وجه في المسألة، من غير نظر في الترجيح، فقد جهل وخرق الإجماع; وذكر عن أبي الوليد الباجي أنه ذكر عن بعض أصحابهم، أنه كان يقول: الذي لصديقي علي أن أفتيه بالرواية التي توافقه، قال أبو الوليد: وهذا لا يجوز عند أحد يعتد به في الإجماع. انتهى كلامه في شرح المختصر ملخصاً.
стр. 1356
وهذا الذي ذكره أبو الوليد: ذكر مثله الشيخ تقي الدين، وصاحب الإنصاف، وغيرهما; قال في الاختيارات: وأجمع العلماء على تحريم الحكم والفتيا بالهوى، أو بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح، ويجب العمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعاً; وشروط القضاء تعتبر حسب الإمكان.
ويجب تولية الأمثل فالأمثل; وعلى هذا يدل كلام أحمد، وغيره، فيولى مع عدم العدل أنفع الفاسقين، وأقلهما شراً، وأعدل المقلدين وأعرفهما بالتقليد. فإن كان أحدهما أعلم، والآخر أورع، قدم فيما قد يظهر حكمه ويخاف الهوى فيه الأورع، وفيما ندر حكمه، ويخاف فيه الاشتباه الأعلم. انتهى.
وقول السائل، وفقه الله: هل يلزم المبتدئين المتعلمين، الترقي إلى معرفة الدليل، الناص على كل مسألة؟
جوابه: يعلم مما تقدم، وهو أن عليه أن يتقي الله بحسب استطاعته، فيلزمه من ذلك ما يمكنه، ويسقط عنه ما يعجز عنه و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] ؛ فلا يهجم على التقليد، ويخلد إلى أرضه، مع قدرته على معرفة الدليل، لا سيما إذا كان قاضياً أو مفتياً، وله ملكة قوية يقوى بها على الاستدلال ومعرفة الراجح.
فإن الرجل النبيه، الذي له فهم، وفيه ذكاء، إذا سمع
стр. 1357
اختلاف العلماء، وأدلتهم في الكتب التي يذكر فيها أقوال العلماء وأدلتهم، كالمغنى، والشرح، والتمهيد لابن عبد البر، ونحو هذه الكتب، يحصل عنده في الغالب ما يعرف به رجحان أحد القولين؛ فإذا كان طالب العلم متمذهباً بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلاً مخالفاً لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب ولم يعلم له ناسخاً، ولا معارضاً، فخالف مذهبه واتبع الإمام الذي قد أخذ بالدليل، كان مصيباً في ذلك; بل هذا الواجب عليه، ولم يخرج بذلك عن التقليد، فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إماماً بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض.
قال في الاختيارات: من كان متبعاً لإمام، فخالفه في بعض المسائل، لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى، فقد أحسن; وقال أبو العباس في موضع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص عليه، ولم يقدح ذلك في عدالته بلا نزاع.
وقال أيضاً: أكثر من يميز في العلم من المتوسطين، إذا نطر، وتأمل أدلة الفريقين، بقصد حسن، ونظر تام، ترجح عنده أحدهما؛ لكن قد لا يثق بنظره، بل يحتمل أن عنده ما لا يعرف جوابه; والواجب على مثل هذا: موافقته للقول الذي ترجح عنده، بلا دعوى منه للاجتهاد، كالمجتهد في أعيان المفتين والأئمة، إذا ترجح عنده أحدهما قلده؛ والدليل
стр. 1358
الخاص الذي يرجح به قول على قول، أولى بالاتباع من دليل عام، على أن أحدهما أعلم أو أدين، لأن الحق واحد ولا بد، ويجب أن ينصب على الحكم دليلاً. انتهى.
وقال الشيخ تقي الدين في بعض أجوبته: قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: " من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين " ١، ولازم ذلك: أن من لم يفقهه في الدين لم يرد به خيراً، فيكون التفقه في الدين فرضاً; والفقه في الدين: معرفة الأحكام الشرعية بأدلتها السمعية; فمن لم يعرف ذلك لم يكن متفقهاً; لكن من الناس من قد يعجز عن الأدلة التفصيلية في جميع أموره، فيسقط عنه ما يعجز عن معرفته، ويلزمه ما يقدر عليه.
وأما القادر على الاستدلال، فقيل: يحرم عليه التقليد مطلقاً، وقيل: يجوز مطلقاً، وقيل: يجوز عند الحاجة، كما إذا ضاق الوقت عن الاستدلال، وهذا القول أعدل الأقوال; والاجتهاد: ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزؤ والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة، دون فن وباب ومسألة.
وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه; فمن نظر في مسألة تنازع فيها العلماء، ورأى مع أحد القولين نصوصاً لم يعلم لها معارضاً، بعد نظر مثله، فهو بين أمرين: إما أن يتبع قول القائل الأخير لمجرد كونه الإمام الذي اشتغل
стр. 1359
على مذهبه، ومثل هذا ليس بحجة شرعية، بل مجرد عادة يعارضها عادة غيره باشتغاله على مذهب إمام آخر، وإما أن يتبع القول الذي ترجح في نظره بالنصوص الدالة عليه، وحينئذ فيكون موافقته لإمام يقاوم به ذلك الإمام، وتبقى النصوص سالمة في حقه عن المعارض بالعمل؛ فهذا هو الذي يصلح. وإنما تنَزّلنا هذا التنزل، لأنه قد يقال: إن نظر هذا قاصر، وليس اجتهاده تاماً في هذه المسألة، لضعف آلة الاجتهاد في حقه.
أما إذا قدر على الاجتهاد التام، الذي يعتقد معه أن القول الآخر ليس معه ما يدفع به النصوص، فهذا يجب عليه اتباع النصوص; وإن لم يفعل كان متبعاً للظن وما تهوى الأنفس، وكان من أكبر العصاة لله ورسوله، بخلاف من يقول: قد يكون للقول الآخر حجة راجحة على هذا النص، وأنا لا أعلمها، فهذا يقال له: قد قال الله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] ، وقال النبي ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ١؛ والذي تستطيعه من العلم والفقه في هذه المسألة قد دلك على أن هذا القول هو الراجح، فعليك أن تتبع ذلك، ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحا، ً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده؛ وانتقال الإنسان من قول إلى قول لأجل ما تبين له
стр. 1360
من الحق، هو محمود فيه، بخلاف إصراره على قول لا حجة معه عليه، وترك القول الذي ترجحت حجته.
وأما الانتقال عن قول إلى قول لمجرد عادة، واتباع هوى، فهذا مذموم. وإذا كان الإمام المقلد قد سمع الحديث وتركه، لا سيما إن كان قد رواه أيضاً، فمثل هذا لا يكون عذراً في ترك النص، فقد بينا فيما كتبناه في "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" نحو عشرين عذراً للأئمة، في ترك العمل ببعض الحديث، وبينا أنهم يعذرون في الترك لتلك الأعذار.
وأما نحن فلسنا معذورين في تركنا لهذا القول؛ فمن ترك الحديث، لاعتقاده أن ظاهر القرآن يخالفه، أو القياس، أو عمل بعض أهل الأمصار، وقد تبين لآخر أن ظاهر القرآن لا يخالفه، وأن نص الحديث الصحيح مقدم على الظواهر، ومقدم على القياس والعمل، لم يكن عذر ذلك الرجل عذراً في حقه.
فإن ظهور المدارك الشرعية للأذهان، وخفاءها عنها أمر لا ينضبط طرفاه، لا سيما إذا كان التارك للحديث معتقداً أنه قد ترك العمل به المهاجرون والأنصار من أهل المدينة المنورة النبوية، الذين يقال إنهم لا يتركون الحديث إلا لاعتقادهم أنه منسوخ، أو له معارض راجح، وقد بلغ مَن بَعدَه أن المهاجرين والأنصار لم يتركوه، بل عمل به طائفة منهم،
стр. 1361
أو من سمعه منهم، ونحو ذلك مما يقدح في هذا المعارض.
وإذا قيل لهذا المستهدي المسترشد: أنت أعلم، أم الإمام الفلاني؟ كانت هذه معارضة فاسدة، لأن الإمام الفلاني قد عارضه في هذه المسألة من هو نظيره من الأئمة؛ فكما أن الصحابة بعضهم لبعض أكفاء في موارد النّزاع، إذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، وإن كان بعضهم قد يكون أعلم في مواضع أخر، فكذلك موارد النّزاع بين الأئمة.
وقد ترك الناس قول عمر وابن مسعود، في مسألة تيمم الجنب، وأخذوا بقول مَن هو دونهما كأبي موسى الأشعري وغيره، لما احتج بالكتاب والسنة، وتركوا قول عمر في دية الأصابع، وأخذوا بقول معاوية، لما كان معه من السنة أن النبي ﷺ قال: " هذه وهذه سواء " ١.
وقد كان بعض الناس يناظر ابن عباس في التمتع، فقال له: "إن أبا بكر وعمر يقولان، فقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء؛ أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر! "; وكذلك ابن عمر لما سألوه عنها فأمر بها، فعارضوه بقول عمر، فبين أن عمر يرد ما يقولونه، فألحوا عليه، فقال: "أمر رسول الله ﷺ أحق أن يتبع، أم أمر عمر؟ " مع علم الناس أن أبا بكر وعمر أعلم ممن هو فوق ابن عمر، وابن عباس.
стр. 1362
ولو فتح هذا الباب، لوجب أن يعرض عن أمر الله ورسوله، ويبقى كل إمام في أتباعه بمنزلة النبي في أمته، وهذا تبديل للدين، يشبه ما عاب الله به النصارى في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . انتهى كلام الشيخ، رحمه الله تعالى.
وأما سؤال السائل: عن الترقي إلى معرفة طرق الحديث وصحته؟ أم تقليد المخرجين للحديث، في أنه صحيح أو حسن، يكفيهم؟
فجوابه: أن ذلك يكفيهم، قال في شرح مختصر التحرير: ويشترط في المجتهد: أن يكون عالماً بصحة الحديث، وضعفه، سنداً ومتناً، ولو كان علمه بذلك تقليداً، كنقله من كتاب صحيح من كتب الحديث المنسوبة إلى الأئمة، كمالك، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والدارقطني، والحاكم، ونحوهم، لأنهم أهل المعرفة بذلك، فجاز الأخذ بقولهم، كما يؤخذ بقول المقومين في القيم. انتهى.
وقال في مسودة ابن تيمية: العامي الذي ليس معه آلة الاجتهاد في الفروع يجوز له التقليد فيها، عند الشافعية والجمهور؛ وقال أبو الخطاب: يجوز له الرجوع إلى أهل الحديث في الخبر، وكون سنده صحيحاً أو فاسداً، ولا يلزمه أن يتعلم ذلك بالإجماع. انتهى.
стр. 1363
وقال عبد الرحيم ابن الحسين العراقي في ألفيته:
وأخذ متن من كتاب لعملْ ... أو احتجاج حيث ساغ قد جعلْ
عرضاً له على أصول يشترطْ ... وقال يحيى النووي أصل فقطْ
ثم قال المؤلف في شرحه: أي وأخذ الحديث من كتاب، من الكتب المعتمدة لعمل به، أو احتجاج به، إن كان ممن يسوغ له العمل بالحديث والاحتجاج به، جعل ابن الصلاح شرطه: أن يكون ذلك الكتاب، مقابلاً بمقابلة ثقة، على أصول صحيحة متعددة، مروية روايات متنوعة; قال النووي: فإن قابلها بأصل معتمد محقق أجزأه.
وقال ابن الصلاح في قسيم الحسن، حين ذكر أن نسخ الترمذي تختلف في قوله: حسن، أو حسن صحيح، ونحو ذلك: فينبغي أن تصحح أصلك بجماعة أصول، وتعتمد على ما اتفقت عليه; فقوله: ينبغي، قد يشير إلى عدم اشتراط ذلك، وإنما هو مستحب؛ وهو كذلك. انتهى كلام العراقي.
وقال أبو الحسن البكري الشافعي، في كتابه: "كنْز المحتاج على المنهاج" لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً إلا إذا فوضت إليه واقعة خاصة: فيكفي الاجتهاد في تلك الواقعة، بناء على تجزؤ الاجتهاد، وهو الأصح - إلى أن قال:
стр. 1364
وقد يحصل الاجتهاد في باب دون باب آخر؛ ولا حاجة لتتبع الأحاديث، بل يكفي أصل مصحح، اعتني فيه بجميع أحاديث الأحكام، كسنن أبي داود، ولا أن يعرف مواقع كل باب فيراجعه عند الحاجة، ولا إلى البحث عن رواة حديث أجمع السلف على قبوله، أو تواترت عدالة رواته ويقظتهم; وما عداه يكتفى في رواته بتعديل إمام مشهور، عرفت صحة مذهبه جرحاً وتعديلاً، ولا إلى ضبط جميع مواضع الإجماع والاختلاف; بل يكفي معرفته بعدم مخالفة قوله الإجماع، لموافقته بتقدم عليه، أو غلبة ظن بتولدها في عصره، وكذا في معرفة الناسخ والمنسوخ. انتهى.
وقال في شرح الروض، للقاضي زكريا، لما ذكر أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً، قال: والمجتهد: من علم ما يتعلق بالأحكام، من الكتاب والسنة، وعرف منها العام والخاص، والمطلق والمقيد، والمجمل والمبين، والنص والظاهر، والناسخ والمنسوخ، والمتواتر والآحاد، والمرسل والمتصل، وعدالة الرواة وجرحهم، وأقاويل الصحابة فمن بعدهم - إلى أن قال:
ولا يشترط التبحر في هذه العلوم، بل يكفي معرفة جمل منها، وأن يكون له في كتب الحديث أصل صحيح، يجمع أحاديث الأحكام، أي غالبها، كسنن أبي داود، فيعرف كل باب، فيراجعه إذا احتاج إلى العمل به، ويكتفى في البحث
стр. 1365
عن الأحاديث بما قبله منها السلف، وتواترت أهلية رواته، من العدل والضبط، وما عداه يكتفى في أهلية رواته بتأهل إمام مشهور، عرفت صحة مذهبه في الجرح والتعديل. ثم اجتماع هذه العلوم إنما يشترط في المجتهد المطلق، الذي يفتي في جميع أبواب الشرع. ويجوز أن يتبعض الاجتهاد، بأن يكون العالم مجتهداً في باب دون باب، فيكفيه علم ما يتعلق بالباب الذي يجتهد فيه. انتهى كلام القاضي.
فتبين بما ذكرناه من المنقول: جواز الاعتماد على نقل الأحاديث من الكتب الصحيحة، وكذا التقليد لأهل الجرح والتعديل، في تصحيح الحديث أو تضعيفه; والله سبحانه أعلم.
وأما قول السائل - وفقه الله لفهم المسائل -: حكى بعض المتأخرين: الإجماع على تقليد الأئمة الأربعة: أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ﵏.
فنقول: هذا الإجماع حكاه غير واحد من المتأخرين، وكلهم نسبوه إلى الوزير أبي المظفر، يحيى بن هبيرة، صاحب "الإفصاح عن معاني الصحاح"؛ فإنه ذكر نحواً من هذه العبارة، وليس مراده أن الإجماع منعقد على وجوب تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة، وأن الاجتهاد بعد استقرار هذه المذاهب لا يجوز; فإن كلامه يأبى ذلك.
стр. 1366
وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهداً، وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين; وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهداً على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فتجوز تولية المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه.
وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة، بحيث أن يلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده، كما قد يتوهم; بل كلامه يخالف ذلك، ولا يوافقه.
وعبارته في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال يجوز ذلك؛ قال الوزير: والصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به، لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ .
فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث، وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما قد فرغ منه،
стр. 1367
ودأب له فيه سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين، إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق، فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم، أو عن الواحد منهم، فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله.
وعلى ذلك، فإنه إذا خرج من خلافهم، متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكنه، كان آخذاً بالحزم، وعاملاً بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف، وتوخى ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد.
إلا أنني أكره له أن يكون ذلك، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم، نحو التوكيل بغير رضى الخصم، وكان الحاكم "حنفياً"، وقد علم أن مالكاً والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفه يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة، إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، بمجرد أنه قاله فقيه، هو في الجملة من فقهاء الأتباع له، ومن غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله، ولا أداه اجتهاده
стр. 1368
إلى أن أبا حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٨] .
وكذلك إن كان القاضي "مالكياً" فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته، فعدل إلى مذهبه؛ وكذلك إن كان القاضي "شافعياً" فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمداً، فقال أحدهما: هذا منعني بيع شاة مذكاة، فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة، فقضى عليه بمذهبه، وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه.
وكذلك: إن كان القاضي "حنبليا" فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال، فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته، فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه; فإن هذا وأمثاله، مما توخي اتباع الأكثرين فيه، أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل؛ وبمقتضى هذا، فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وأنهم قد سدوا ثغراً من ثغور الإسلام، سده فرض كفاية.
ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي يمشي عليها الفقهاء، الذين يذكر كل منهم في كتاب إن
стр. 1369
صنفه، أو كلام إن قاله، أنه لا يصح أن يكون قاضياً إلا من كان من أهل الاجتهاد، ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء، ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة، والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام، وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب به، ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية.
وهذا غير صحيح; بل الصحيح في المسألة: أن ولايات الحكام جائزة وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعاً. انتهى كلام ابن هبيرة، رحمه الله تعالى. فقد تضمن هذا الكلام: أن تولية المقلد جائزة، إذا تعذرت تولية المجتهد، لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه تعطيل للأحكام، وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد للحاجة، لئلا تتعطل الأحكام؛ وهكذا قال غير واحد من المتأخرين، الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً، يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني: أنه يجوز تولية المقلد للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة، والمالكية، والشافعية.
وتضمن أيضاً كلام ابن هبيرة، أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم؛ فلا يخرج
стр. 1370
القاضي عما أجمعوا عليه; فإن اختلفوا، فالأولى أن يتبع ما عليه الأكثر; وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم عما عليه الثلاثة، لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعاً لهواه.
وتضمن كلامه أيضاً: أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة، لأن مذاهبهم مدونة، قد حررت، ونقحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة؛ فلأجل هذا جاز تقليدهم. فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم، لا على وجوبه؛ بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم، لا يفتي إلا به.
بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق إن وجده، وإلا توخى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفاً الأكثر.
فقضية كلامه: أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل، فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٨] ، وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم، من أن المقلد إذا كان نبيهاً، وله ملكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم، تبين له