← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

وإنما أراد الرد على من اشترط في القاضي أن يكون مجتهداً، وأن المقلد لا ينفذ قضاؤه، كما هو مذهب كثير من العلماء المتقدمين والمتأخرين; وحمل كلام من اشترط في القاضي أن يكون مجتهداً على ما كانت عليه الحال قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة، وأما بعد استقرار هذه المذاهب فتجوز تولية المقلد لأهلها، وينفذ قضاؤه. وليس في كلامه ما يدل على أنه يجب التقليد لهؤلاء الأئمة، بحيث أن يلزم الرجل أن يتمذهب بأحد هذه المذاهب الأربعة، ولا يخرج عن مذهب من قلده، كما قد يتوهم; بل كلامه يخالف ذلك، ولا يوافقه. وعبارته في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضاء من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة، فإنه قال يجوز ذلك؛ قال الوزير: والصحيح في هذه المسألة: أن قول من قال: لا يجوز تولية قاض حتى يكون من أهل الاجتهاد، فإنه إنما عنى به ما كانت الحال عليه قبل استقرار هذه المذاهب الأربعة التي أجمعت الأمة أن كل واحد منها يجوز العمل به، لأنه مستند إلى سنة رسول الله ﷺ . فالقاضي الآن، وإن لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يسعى في طلب الأحاديث، وابتغاء طرقها، ولا عرف من لغة الناطق بالشريعة ﷺ ما لا يعوزه معه معرفة ما يحتاج إليه فيه، وغير ذلك من شروط الاجتهاد، فإن ذلك مما قد فرغ منه،

стр. 1367

ودأب له فيه سواه، وانتهى له الأمر من هؤلاء الأئمة المجتهدين، إلى ما أراحوا به من بعدهم، وانحصر الحق في أقاويلهم، ودونت العلوم وانتهت إلى ما اتضح فيه الحق، فإذا عمل القاضي في أقضيته بما يأخذ عنهم، أو عن الواحد منهم، فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قول قاله. وعلى ذلك، فإنه إذا خرج من خلافهم، متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكنه، كان آخذاً بالحزم، وعاملاً بالأولى، وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف، وتوخى ما عليه الأكثر منهم، والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد، فإنه قد أخذ بالحزم والأحوط والأولى، مع جواز علمه أن يعمل بقول الواحد. إلا أنني أكره له أن يكون ذلك، من حيث إنه قد قرأ مذهب واحد منهم، أو نشأ في بلدة لم يعرف فيها إلا مذهب إمام واحد منهم، أو كان شيخه ومعلمه على مذهب فقيه من الفقهاء، فقصر نفسه على اتباع ذلك المذهب، حتى إنه إذا حضر عنده خصمان، وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الفقهاء الثلاثة فيه بحكم، نحو التوكيل بغير رضى الخصم، وكان الحاكم "حنفياً"، وقد علم أن مالكاً والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل، وأن أبا حنيفه يمنعه، فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة، إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة، بمجرد أنه قاله فقيه، هو في الجملة من فقهاء الأتباع له، ومن غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله، ولا أداه اجتهاده

стр. 1368

إلى أن أبا حنيفة أولى بالاتباع مما اتفق الجماعة عليه، فإني أخاف على هذا من الله بأنه اتبع في ذلك هواه، وأنه ليس من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٨] . وكذلك إن كان القاضي "مالكياً" فاختصم إليه اثنان في سؤر الكلب، فقضى بطهارته مع علمه بأن الفقهاء كلهم قضوا بنجاسته، فعدل إلى مذهبه؛ وكذلك إن كان القاضي "شافعياً" فاختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمداً، فقال أحدهما: هذا منعني بيع شاة مذكاة، فقال الآخر: إنما منعته من بيع الميتة، فقضى عليه بمذهبه، وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه. وكذلك: إن كان القاضي "حنبليا" فاختصم إليه اثنان، فقال أحدهما: لي عليه مال، فقال الآخر: كان له علي مال فقضيته، فقضى عليه بالبراءة من إقراره، مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه; فإن هذا وأمثاله، مما توخي اتباع الأكثرين فيه، أقرب عندي إلى الإخلاص، وأرجح في العمل؛ وبمقتضى هذا، فإن ولايات الحكام في وقتنا هذا صحيحة، وأنهم قد سدوا ثغراً من ثغور الإسلام، سده فرض كفاية. ولو أهملت هذا القول ولم أذكره، ومشيت على الطريق التي يمشي عليها الفقهاء، الذين يذكر كل منهم في كتاب إن

стр. 1369

صنفه، أو كلام إن قاله، أنه لا يصح أن يكون قاضياً إلا من كان من أهل الاجتهاد، ثم يذكر من شروط الاجتهاد أشياء، ليست موجودة في الحكام، فإن هذا كالإحالة، والتناقض، وكأنه تعطيل للأحكام، وسد لباب الحكم، وأن لا ينفذ حق، ولا يكاتب به، ولا يقام بينة، إلى غير ذلك من القواعد الشرعية. وهذا غير صحيح; بل الصحيح في المسألة: أن ولايات الحكام جائزة وأن حكوماتهم اليوم صحيحة نافذة، وولاياتهم جائزة شرعاً. انتهى كلام ابن هبيرة، رحمه الله تعالى. فقد تضمن هذا الكلام: أن تولية المقلد جائزة، إذا تعذرت تولية المجتهد، لأنه ذكر أن شروط الاجتهاد ليست موجودة في الحكام، وأن هذا كالإحالة، وكأنه تعطيل للأحكام، وسد لباب الحكم، فينفذ قضاء المقلد للحاجة، لئلا تتعطل الأحكام؛ وهكذا قال غير واحد من المتأخرين، الذين يذكرون أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً، يذكر هذا، ثم يذكر القول الثاني: أنه يجوز تولية المقلد للضرورة، كما ذكره متأخرو الحنابلة، والمالكية، والشافعية. وتضمن أيضاً كلام ابن هبيرة، أن إجماع الأئمة الأربعة حجة، وأن الحق لا يخرج عن أقوالهم؛ فلا يخرج

стр. 1370

القاضي عما أجمعوا عليه; فإن اختلفوا، فالأولى أن يتبع ما عليه الأكثر; وصرح بأنه يكره له أن يقضي بما انفرد به الواحد منهم عما عليه الثلاثة، لكونه مذهب شيخه أو أهل بلده، وذكر أنه يخاف على هذا أن يكون متبعاً لهواه. وتضمن كلامه أيضاً: أن الإجماع انعقد على تقليد كل واحد من المذاهب الأربعة دون من عداهم من الأئمة، لأن مذاهبهم مدونة، قد حررت، ونقحها أتباعهم، بخلاف أقوال غيرهم من الأئمة؛ فلأجل هذا جاز تقليدهم. فليس في كلامه إلا حكاية الإجماع على جواز تقليدهم، لا على وجوبه؛ بل صرح بأن القاضي لا ينبغي له الاقتصار على مذهب واحد منهم، لا يفتي إلا به. بل ذكر أن الأولى للقاضي أن يتوخى مواطن الاتفاق إن وجده، وإلا توخى ما عليه الأكثر، فيعمل بما قاله الجمهور، لا بما قاله الواحد منهم مخالفاً الأكثر. فقضية كلامه: أن المقلد لا يخرج عن أقوال الأئمة الأربعة، بل يجتهد في أقوالهم، ويتوخى ما عليه أكثرهم، إلا أن يكون للواحد منهم دليل، فيأخذ بقول من كان الدليل معه، فيكون من ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٨] ، وهذا من جنس ما أشرنا إليه فيما تقدم، من أن المقلد إذا كان نبيهاً، وله ملكة قوية، ونظر فيما تنازع فيه الأئمة، وأمعن النظر في أدلتهم وتعليلاتهم، تبين له

стр. 1371

الراجح من المرجوح، وحينئذ فيعمل بما ترجح عنده أنه الصواب، ولا يخرج بذلك عن التقليد. فإذا كان الرجل شافعياً أو حنبلياً، ونظر في كتب الخلاف، ووجد دليلاً صحيحاً قد استدل به مالك، فعمل بالدليل، كان هذا هو المناسب في حقه، فيجعل إماماً بإزاء إمام، ويسلم له الدليل بلا معارض؛ وليس هذا من الاجتهاد المطلق، بل هو من الاجتهاد المقيد؛ فهو يتبع الدليل، ويقلد الإمام الذي قد أخذ به. وأما الأخذ بالدليل، من غير نظر إلى كلام العلماء، فهو وظيفة المجتهد المطلق؛ وأما المقلد الذي لم تجتمع فيه الشروط، ففرضه التقليد وسؤال أهل العلم؛ قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول الله ﷺ ، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، أفيجوز أن يعمل بما شاء؟ ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا; لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم. انتهى كلامه. وأما إذا وجد الحديث قد عمل به بعض الأئمة المجتهدين ولم يعلم عند غيره حجة يدفع بها الحديث، فعمل به، كان قد عمل بالحديث وقلد هذا الإمام المجتهد في

стр. 1372

تصحيحه وعدم ما يعارضه، فيكون متبعاً للدليل، غير خارج عن التقليد. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: طالب العلم يمكنه معرفة الراجح من الكتب الكبار التي يذكر فيها مسائل الخلاف، ويذكر فيها الراجح، مثل كتاب "التعليق" للقاضي أبي يعلى، و"الانتصار" لأبي الخطاب، و "عمد الأدلة" لابن عقيل، و"تعليق القاضي" يعقوب البرزبيني، وأبي الحسن الزاغوني; ومما يعرف منه ذلك: كتاب "المغني" للشيخ أبي محمد، وكتاب "شرح الهداية" لجدنا أبي البركات. ومن كان خبيراً بأصول أحمد ونصوصه، عرف الراجح في مذهبه في عامة المسائل، ومن كان له بصر بالأدلة الشرعية، عرف الراجح في الشرع؛ وأحمد، ﵀، أعلم من غيره بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة، ﵃، والتابعين لهم بإحسان، ﵏، ولهذا لا يكاد يوجد له قول يخالف نصاً كما يوجد لغيره; ولا يوجد له قول ضعيف في الغالب إلا وفي مذهبه ما يوافق القول القوي، وأكثر مفاريده التي لا يختلف فيها مذهبه، يكون قوله فيها راجحاً. انتهى كلامه، ﵀. وهو موافق لما ذكره صاحب الإفصاح من أن القاضي عليه أن يتوخى إصابة الحق، فيتوخى مواطن الاتفاق، فيعمل

стр. 1373

بما اتفقوا عليه، فإن لم يكن الحكم متفقاً عليه، نظر فيما عليه الجمهور، إذا لم يكن مع مخالفهم دليل; فليس الناظر في كتب الخلاف، ومعرفة الأدلة بخارج عن التقليد; وليس في كلام صاحب الإفصاح ما يقتضي التمذهب بمذهب لا يخرج عنه؛ بل كلامه صريح في ضد ذلك. وهذه الشبهة ألقاها الشيطان على كثير ممن يدعي العلم، وصال بها أكثرهم، فظنوا أن النظر في الأدلة أمر صعب لا يقدر عليه إلا المجتهد المطلق، وأن من نظر في الدليل، وخالف إمامه لمخالفة قوله لذلك الدليل، فقد خرج عن التقليد، ونسب نفسه إلى الاجتهاد المطلق. واستقرت هذه الشبهة في قلوب كثير، حتى آل الأمر بهم إلى أن ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٥٣] ، وزعموا أن هذا هو الواجب عليهم، وأن من انتسب إلى مذهب إمام، فعليه أن يأخذ بعزائمه ورخصه، وإن خالف نص كتاب أو سنة؛ فصار إمام المذهب عند أهل مذهبه كالنبي في أمته، لا يجوز الخروج عن قوله، ولا تجوز مخالفته. فلو رأى واحداً من المقلدين قد خالف مذهبه، وقلد إماماً آخر في مسألة لأجل الدليل الذي استدل به، قالوا: هذا قد نسب نفسه إلى الاجتهاد، ونزل نفسه منْزلة الأئمة

стр. 1374

المجتهدين، وإن كان لم يخرج عن التقليد، وإنما قلد إماماً دون إمام آخر، لأجل الدليل، وعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . فالمتعصبون للمذاهب إذا وجدوا دليلاً ردوه إلى نص إمامهم، فإن وافق الدليل نص الإمام قبلوه، وإن خالفه ردوه واتبعوا نص الإمام، واحتالوا في رد الأحاديث بكل حيلة يهتدون إليها. فإذا قيل لهم: هذا حديث رسول الله، قالوا: أنت أعلم بالحديث من الإمام الفلاني؟! أمثال ذلك: إذا حكمنا بطهارة بول ما يؤكل لحمه، وحكم الشافعي بنجاسته، وقلنا له: قد دل على طهارته حديث العرنيين، وهو حديث صحيح. وكذلك حديث أنس في الصلاة في مرابض الغنم، فقال هذا المنجس لأبوال مأكول اللحم: أنت أعلم بهذه الأحاديث من الإمام الشافعي؟ فقد سمعها ولم يأخذ بها; فنقول له: قد خالف الشافعي في هذه المسألة من هو مثله، أو هو أعلم منه، كمالك والإمام أحمد، رحمهما الله، وغيرهما من كبار الأئمة، فنجعل هؤلاء الأئمة بإزاء الشافعي ونقول: إمام بإمام، وتسلم لنا الأحاديث، ونرد الأمر إلى الله والرسول عند

стр. 1375

تنازع هؤلاء الأئمة، ونتبع الإمام الذي أخذ بالنص، ونعمل بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، فنمتثل ما أمر الله به؛ وهذا هو الواجب علينا. ولسنا في هذا العمل خارجين عن التقليد، بل خرجنا من تقليد إمام، إلى تقليد إمام آخر، لأجل الحجة التي أدلى بها من غير معارض لها ولا ناسخ؛ فالانتقال من مذهب إلى مذهب آخر، لأمر ديني، بأن تبين له رجحان قول على قول، فيرجع إلى القول الذي يرى أنه أقرب إلى الدليل، مثاب على فعله، بل واجب على كل أحد، إذا تبين له حكم الله ورسوله، في أمر، أن لا يعدل عنه، ولا يتبع أحداً في مخالفة حكم الله ورسوله؛ فإن الله فرض على الخلق طاعته وطاعة رسوله ﷺ في كل حال، كما تقدم ذكره. وقد ذكرنا أن الشافعي، ﵀، قال: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس؛ وأما الانتقال من مذهب إلى مذهب، لمجرد الهوى، أو لغرض دنيوي، فهذا لا يجوز، وصاحبه يكون متبعاً لهواه. وقد نص الإمام أحمد، ﵀، على أنه: ليس لأحد أن يعتقد الشيء واجباً، أو محرماً، ثم يعتقده غير واجب أو محرم، بمجرد هواه، وذلك مثل: أن يكون طالباً للشفعة بالجوار، فيعتقدها أنها حق، ويقول: مذهب أبي حنيفة في

стр. 1376

هذه المسألة أرجح من مذهب الجمهور، ثم إذا طلبت منه الشفعة بالجوار، اعتقد أنها ليست ثابتة، وقال: مذهب الجمهور في هذه المسألة أرجح. ومثل من يعتقد: إذا كان أخاً مع جد، أن الإخوة تقاسم الجد، كما هو مذهب الأئمة الثلاثة، فإذا كان جد، مع أخ، اعتقد أن الجد يسقط الإخوة كما هو مذهب أبي حنيقة؛ فهذا ونحوه لا يجوز، وصاحبه مذموم، بل يجب عليه أن يعتقد الحق فيما له وعليه، ولا يتبع هواه، ولا يتبع الرخص؛ فمتبع الرخص مذموم، والمتعصب للمذهب مذموم، وكلاهما متبع هواه. والمتعصبون لمذاهب الأئمة تجدهم في أكثر المسائل قد خالفوا نصوص أئمتهم، واتبعوا أقوال المتأخرين من أهل مذهبهم، فهم يحرصون على ما قاله الآخر، فالآخر; وكلما تأخر الرجل أخذوا بكلامه، وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه; فأهل كل عصر إنما يقضون بقول الأدنى فالأدنى إليهم، وكلما بعد العهد، ازداد كلام المتقدمين هجراً ورغبة عنه، حتى إن كتب المتقدمين لا تكاد توجد عندهم، فإن وقعت في أيديهم، فهي مهجورة. فالحنابلة قد اعتمدوا على ما في الإقناع، والمنتهى، ولا ينظرون فيما سواهما، ومن خالف مذهب المتأخرين، فهو عندهم مخالف لمذهب أحمد، ﵀، مع أن كثيراً من

стр. 1377

المسائل التي جزم بها المتأخرون مخالفة لنصوص أحمد، يعرف ذلك من عرفه، وتجد كتب المتقدمين من أصحاب أحمد مهجورة عندهم؛ بل قد هجروا كتب المتوسطين، ولم يعتمدوا إلا على كتب المتأخرين. ف "المغني" و "الشرح" و "الإنصاف" و "الفروع" ونحو هذه الكتب، التي يذكر فيها أهلها خلاف الأئمة، أو خلاف الأصحاب، لا ينظرون فيها؛ فهؤلاء في الحقيقة أتباع الحجاوي وابن النجار، لا أتباع الإمام أحمد. وكذلك متأخرو الشافعية، هم في الحقيقة أتباع ابن حجر الهيتمي صاحب "التحفة" وأضرابه من شراح المنهاج؛ فما خالف ذلك من نصوص الشافعي، لا يعبؤون به شيئاً. وكذلك متأخرو المالكية، هم في الحقيقة: أتباع خليل، فلا يعبؤون بما خالف مختصر خليل شيئاً، ولو وجدوا حديثاً ثابتاً في الصحيحين، لم يعملوا به إذا خالف المذهب، وقالوا: الإمام الفلاني أعلم منا بهذا الحديث، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٥٣] ؛ وكل أهل مذهب اعتمدوا على كتب متأخريهم، فلا يرجعون إلا إليها، ولا يعتمدون إلا عليها. وأما كتب الحديث، كالأمهات الست، وغيرها من كتب

стр. 1378

الحديث، وشروحها، وكتب الفقه الكبار، التي يذكر فيها خلاف الأئمة وأقوال الصحابة والتابعين، فهي عندهم مهجورة، بل هي في الخزانة مسطورة، للتبرك بها لا للعمل. ويعتذرون بأنهم قاصرون عن معرفتها، فالأخذ بها وظيفة المجتهدين، والاجتهاد قد انطوى بساطه من أزمنة متطاولة، ولم يبق إلا التقليد، والمقلد يأخذ بقول إمامه، ولا ينظر إلى دليله وتعليله. ولم يميزوا بين المجتهد المطلق، الذي قد اجتمعت فيه شروط الاجتهاد، فهو يستقل بإدراك الأحكام الشرعية من الأدلة الشرعية من غير تقليد ولا تقييد، وبين المجتهد في مذهب إمامه أو في مذاهب الأئمة الأربعة، من غير خروج عنها؛ فهو ملتزم لمذهب إمام من الأئمة، وينظر في كتب الخلاف، ويمعن النظر في الأدلة، فإذا رأى الدليل بخلاف مذهبه، قلد الإمام الذي قد أخذ بالدليل؛ فهو اجتهاد مشوب بالتقليد. فينظر إلى ما اتفقوا عليه ويأخذ به، فإن اختلفوا نظر في الأدلة؛ فإن وجد مع أحدهم دليلاً أخذ بقوله، فإن لم يجد في المسألة دليلاً من الجانبين، أخذ بما عليه الجمهور،

стр. 1379

فإن لم يجد ذلك، بل قوي الخلاف عنده من الجانبين، التزم قول إمامه، إذا لم يترجح عنده خلافه. فأكثر المقلدين لا يميزون بين المجتهد المستقل من غيره، وجعلوهما نوعاً واحداً; وهذا غلط واضح; فإن من كان قاصراً في العلم، لا يستقل بأخذ الأحكام من الأدلة، بل يسأل أهل العلم، كما نص عليه الإمام أحمد، ﵀، في رواية ابنه عبد الله؛ وقد ذكرناه فيما تقدم. وأما الاجتهاد المقيد بمذاهب الأئمة، وتوخي الحق بما دل عليه الدليل، وبما عليه الجمهور، فهذا هو الذي لا ينبغي العدول عنه، وهو الذي ذكره صاحب الإفصاح. وأما لزوم التمذهب بمذهب بعينه بحيث لا يخرج عنه، وإن خالف نص الكتاب أو السنة، فهذا مذموم غير ممدوح؛ وقد ذمه صاحب الإفصاح كما تقدم ذكره، بل قد ذمه الأئمة، ﵃. قال الشافعي، قدس الله روحه: طالب العلم بلا حجة، كحاطب ليل، يحمل حزمة حطب وفيها أفعى تلدغه، وهو لا يدري. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلناه؛ وقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب، لقول إبراهيم النخعي، أنه

стр. 1380

يستتاب، فكيف بمن ترك قول رسول الله ﷺ لقول من هو دون إبراهيم أو مثله؟! قال جعفر الفريابي: حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني الهيثم بن جميل، قلت لمالك بن أنس ﵁: يا أبا عبد الله، إن عندنا قوماً وضعوا كتباً، يقول أحدهم: حدثنا فلان عن فلان، عن عمر بن الخطاب ﵁ بكذا وكذا، وفلان عن إبراهيم بكذا، ويأخذ بقول إبراهيم; قال مالك: وصح عندهم قول عمر؟ قلت: إنما هي رواية، كما صح عندهم قول إبراهيم، فقال: هؤلاء يستتابون. وقال أبو عمر بن عبد البر: يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك؟ فإنهم لم يقلدوا. فإن قال: قلدت، لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله، وسنة رسول الله ﷺ لم أحصها; والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني. قيل له: أما العلماء إذا أجمعوا على تأويل شيء من الكتاب، أو حكاية عن رسول الله ﷺ ، أو اجتمع رأيهم على شيء، فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم، دون بعض؛ فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض، وكلهم عالم؟ ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه.

стр. 1381

فإن قال: قلدته لأني أعلمه على صواب، قيل له: علمت ذلك من كتاب الله، أو سنة رسوله ﷺ ، أو إجماع؟ فإن قال: نعم، أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل؛ وإن قال: قلدته لأنه أعلم مني، قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقاً كثيراً، ولا تخص من قلدته، إذ علتك فيه أنه أعلم منك. فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس، قيل له: فهو إذاً أعلم من الصحابة، ﵃؛ فكفى بقول مثل هذا قبحاً; فإن قال: أنا أقلد بعض الصحابة، قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت منهم أفضل ممن أخذت بقوله، على أن القول لا يصح بفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه. وقد ذكر ابن معين عن عيسى بن دينار عن القاسم عن مالك، قال: ليس كلما قال الرجل قولاً - وإن كان له فضل - يتبع عليه، لقوله : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [سورة الزمر آية: ١٨] . فإن قال: قصري وقلة علمي تحملني على التقليد، قيل له: أما من قلد فيما ينزل به من أحكام الشريعة عالماً يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره به، فمعذور، لأنه قد أتى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله، لإجماع

стр. 1382

المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة، لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك. ولكن من كانت هذه حاله، هل يجوز له الفتوى في شرائع دين الله؟ فيحمل غيره على إباحة الفروج، وإراقة الدماء، واسترقاق الرقاب، وإزالة الأملاك، يصيرها إلى غير من كانت في يده بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن صاحبه يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما يخالفه فيه؛ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى، لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بذلك جهلاً ورداً للقرآن، قال الله : ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٨] . وقد أجمع العلماء: على أن ما لم يتبين ولم يستيقن، فليس بعلم; وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئاً؛ ثم ذكر حديث ابن عباس ﵁: "من أفتى بفتيا، وهو يعمى عنها، كان إثمها عليه "، موقوفاً ومرفوعاً، قال: وثبت عن النبي ﷺ : " إياكم والظن! فإن الظن أكذب الحديث " ١، قال: ولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد. انتهى كلام أبي عمر، رحمه الله تعالى. فتأمل ما في هذا الكلام من الرد على من يقول

стр. 1383

بلزوم التمذهب بمذهب من هذه المذاهب الأربعة، لا يخرج عن ذلك المذهب، ولو وجد دليلاً يخالفه، لأن الإمام صاحب المذهب أعلم بمعناه، ويجعل هذا عذراً له في رد الحديث، أو ترك العمل به إذا خالف المذهب. وتأمل قوله: لا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد؛ ومراده إذا كان المقلد قادراً على الاستدلال، وأما العاجز عنه، فهو كالأعمى يقلد في جهة القبلة، فهو معذور إذا كان عاجزا. وقد حكى الإمام أبو محمد ابن حزم الإجماع على أنه لا يجوز التزام مذهب بعينه، لا يخرج عنه، فقال: أجمعوا على أنه لا يجوز لحاكم ولا لمفت تقليد رجل، فلا يحكم ولا يفتي إلا بقوله. انتهى. فحكاية الإجماع من هذين الإمامين، أعني أبا عمر بن عبد البر، وأبا محمد ابن حزم كاف في إبطال قول المتعصبين للمذهب؛ والله أعلم، ونسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فيمن ترك العمل بالحديث الصحيح، إذا خالف المذهب: هذا من محدثات الأمور، التي ما أنزل الله بها من سلطان، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا

стр. 1384

تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] . وهذا أصل عظيم من أصول الدين; قال العلماء، ﵏: كل يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . وهذا القول الذي يقوله هؤلاء، يفضي إلى هجران الكتاب والسنة، وتبديل النصوص; والتقليد المفضي إلى هذا الإعراض عن تدبر الكتاب والسنة، فيه شبه بمن قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] . وأهل الاجتهاد من العلماء، وإن كانوا معذورين باجتهادهم، إنما هو في معنى أدلة الكتاب والسنة، وينهون عن تقليدهم؛ فالأئمة، ﵏، اجتهدوا، ونصحوا; قال الشافعي، ﵀: إذا صح الحديث بخلاف قولي، فاضربوا بقولي الحائط؛ فهو مذهبي. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: ما قولكم أدام الله النفع بعلومكم، فيمن اعتمد على كتب المتأخرين، من غير التفات إلى ما خالفها، من نصوص القرآن والسنة، وكلام السلف، والعلماء المتقدمين؟ ورأى أن

стр. 1385

ما حوته هو الذي شرعه الله لرسوله، وأوجب أن يعبد به؟ وإن قيل له في ذلك، قال: قد اختار هذه الكتب من هو أعلم منا، وأبصر بشريعة محمد ﷺ . وما يقال في مثل هذا؟ وما يخاف عليه منه؟ فأجاب: لا ريب، أن الله سبحانه فرض على عباده طاعته، وطاعة رسوله، قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [سورة النور آية: ٥٤] ، ولم يوجب الله سبحانه على الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما يأمر به، إلا رسول الله ﷺ ؛ قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن المقلد ليس معدوداً من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله; وقال الشافعي، رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. انتهى. وقال ابن هبيرة في الإفصاح: اتفقوا على أنه لا يجوز أن يولى القضا من ليس من أهل الاجتهاد، إلا أبا حنيفة فإنه قال: يجوز ذلك. وقال الشيخ أبو محمد في المغني: يشترط في

стр. 1386

القاضي أن يكون من أهل الاجتهاد; وبهذا قال مالك، والشافعي، وبعض الحنفية; وقال بعضهم: يجوز أن يكون عامياً فيحكم بالتقليد، لأن الغرض منه فصل الخصومات، فإذا أمكنه ذلك بالتقليد، جاز، كما يحكم بقول المقومين. ولنا قول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٩لا] ، ولم يقل بالتقليد; وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] . وروى بريدة عن رسول الله ﷺ قال: " القضاة ثلاثة: اثنان في النار، وواحد في الجنة: رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل جار في الحكم فهو في النار " ١، رواه ابن ماجة. قال: والعامي يقضي على جهل، ولأن الحكم آكد من الفتيا، لأنه فتيا وإلزام، والمفتي لا يجوز أن يكون مقلداً، فالحكم أولى. وقال في الإنصاف: ويشترط في القاضي أن يكون مجتهداً؛ هذا المذهب - إلى أن قال - واختار في الترغيب: ومجتهد في مذهب إمامه للضرورة; واختار في الإفصاح والرعاية: ومقلداً. قلت: وعليه العمل من مدة طويلة، وإلا لتعطلت أحكام الناس. انتهى. وذكر ابن القيم - في مسألة التقليد في الفتيا - ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز الفتوى في التقليد، لأنه ليس بعلم، وأن المقلد لا يطلق عليه اسم عالم؛ وهذا قول أكثر

стр. 1387

الأصحاب، وهو قول جمهور الشافعية. والثاني: أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فيجوز أن يقلد غيره من العلماء، إذا كانت الفتوى لنفسه، ولا يجوز أن يقلد العالم فيما يفتي به لغيره; وهذا قول ابن بطة وغيره من أصحابنا. والقول الثالث: أنه يجوز ذلك عند الحاجة والضرورة، ولكن قد دعت الحاجة والضرورة إليه من زمان طويل لا سيما في هذا الوقت. وحينئذ فيقال: التقليد ثلاثة أنواع: أحدها: التقليد بعد قيام الحجة وظهور الدليل، فهذا لا يجوز، كما قال الشافعي، ﵀: أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس. النوع الثاني: التقليد مع القدرة على الاستدلال والبحث عن الدليل، بأن يكون متأهلاً لذلك، فهذا مذموم أيضاً، لقدرته وتمكنه من معرفة الدليل. النوع الثالث: التقليد السائغ، وهو نوعان: أحدهما: من كان من العوام الذين لا معرفة لهم بالحديث والفقه، وليس لهم نظر في كلام العلماء، فهؤلاء لهم التقليد بغير خلاف؛ فإذا وقعت له حادثة استفتى من علمه عالماً عدلاً، ورآه منتصباً للإفتاء والتدريس؛ واشترط الشيخ تقي الدين مع ذلك الاستفاضة بأنه أهل للفتيا. النوع الثاني: من كان متأهلًا لبعض العلوم، قد تفقه في مذهب من

стр. 1388

المذاهب، وتبصر في بعض كتب متأخري الأصحاب، كالإقناع، والمنتهى عند الحنابلة، لكنه قاصر النظر عن معرفة الدليل، ومعرفة الراجح من كلام العلماء، فهذا له التقليد أيضاً؛ إذ لا يجب عليه إلا ما يقدر عليه و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] . ونصوص العلماء على جواز التقليد لمثل هذا كثيرة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٤٣] ، وقال النبي ﷺ : " ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال " ١؛ ولكن هذا لا ينبغي له التسرع إلى إفتاء غيره، فإن دعت الحاجة إلى فتواه، فهو إخبار عن مذهب إمامه الذي ينتسب إليه، لا فتيا؛ قاله جماعة من الأصحاب; وعليه أن يتقي الله ما استطاع، فإن كان له فهم قوي وإدراك، بحيث إذا نظر المسائل الخلافية، ورأى أدلة كل من المختلفين، وكان فيه ذكاء وفطنة، يدرك بها الراجح من المرجوح فيما يراه، عمل بما ترجح عنده؛ فإذا كان طالب العلم متمذهباً بأحد المذاهب الأربعة، ثم رأى دليلاً مخالفاً لمذهب إمامه، وذلك الدليل قد أخذ به بعض أئمة المذاهب، ولم يعلم له معارضاً، فخالف مذهبه وتبع ذلك الإمام الذي أخذ بالدليل، كان مصيباً؛ بل هذا هو الواجب عليه، ولا يخرج بذلك عن التقليد، فهو مقلد لذلك الإمام، فيجعل إماماً بإزاء إمام، ويبقى له الدليل بلا معارض.

стр. 1389

قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: من كان متبعاً لإمام فخالفه في بعض المسائل، لقوة الدليل، أو لكون أحدهما أعلم أو أتقى، فقد أحسن; وقال في موضع آخر: بل يجب عليه، وإن أحمد نص على ذلك. انتهى. وعلى كل حال، فلا ينبغي التسرع والجسرة بقول: هذا حلال، هذا حرام، هذا واجب؛ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [سورة النحل آية: ١١٦] ؛ فمن عرف أحوال السلف، وهيبتهم الإفتاء، مع علمهم وفضلهم، أفاده ذلك اتهام فهمه، وعدم التسرع إلى الفتوى، لأنه يخبر عن الله تعالى، والمقلد: إنما يحكي عن غيره، فالأولى إذا دعت الضرورة إلى فتواه، أن يقول: ذكر أصحاب المذهب الفلاني، أو ذكر في الكتاب الفلاني: كذا، وكذا. وأما قول القائل: قد اختار هذه الكتب وما حوته، من هو أعلم منا، فيقال: حق، هم أعلم منا، لكن لا يلزم من ذلك تقليدهم في كل ما وضعوه; فإذا قال كل أهل مذهب هذه المقالة، في كتب من تقدمهم، فالمصيب عند الله واحد، فمن هو الذي يجب اتباعه؟! فإذا اختلفت المذاهب في حكم مسألة، فالمصيب منهم واحد، والمجتهد المخطئ إذا كان أهلاً مأجور على اجتهاده، ولا يجوز له تقليده إذا بان له خطؤه، مع كونه أعلم ممن بعده، والله

стр. 1390

سبحانه إنما أمر بالرد عند التنازع، إلى كتابه، وسنة رسوله ﷺ . فمن قال: إن ما أودع في بعض الكتب المصنفة، هو الذي يجب اتباعه، فهو مخطئ يخاف عليه العقوبة في قلبه; ولازم هذه المقالة: أنه إذا وجد عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه ما يخالف بعض ما فيها، أن الذي في هذه الكتب هو الواجب الاتباع، دون ما جاء عن الرسول ﷺ ؛ بل كثير منهم يصرحون بذلك ويلتزمونه، مع أنه مخالف للكتاب، والسنة; فهو مخالف لقول الأئمة الأربعة الذين صنفت هذه الكتب على مذاهبهم، لأنهم نهوا عن تقليدهم. قال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول بقولنا، حتى يعلم من أين قلناه; وصرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول إبراهيم النخعي، أنه يستتاب; وقال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط; وقال الإمام أحمد: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكاً، ولا الشافعي، ولا الثوري، وتعلموا كما تعلمنا، وقال: لا تقلد دينك الرجال، فإنهم لن يسلموا أن يغلطوا. وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة آية: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد

стр. 1391

بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. ويقال أيضاً لمن قال: وضع هذه الكتب من هو أعلم منا، إذا كان ممن ينتسب إلى الحنابلة، فوضع كتب الشافعية، والمالكيه، والحنفية من هو أعلم منك، فما الذي أوجب اتباع بعضها دون بعض؟! فلو قال صاحب هذه المقالة: أنا أعلم أن التقليد ليس بعلم، وأن الواجب اتباع سنة رسول الله ﷺ ، لكن قصور أفهامنا وضعف إدراكنا أوجب لنا التقليد، وألجأت الضرورة إليه؛ فلو تبين لي في بعض ما قلدت فيه أنه مخالف للسنة، اتبعت السنة; وهذا هو الواجب علي، لكني قليل التمييز، لقصور فهمي، وأعتقد أن الواجب اتباع السنة، ولا عذر لأحد في مخالفتها إذا ثبتت عنده. وقائل ذلك يرجى له السلامة; وهذا كله في غير أصول الدين، فأما أصول الدين، من التوحيد، ومعرفة الرسالة، وسائر الأصول، فلا يجوز فيها التقليد عند جميع العلماء; فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم، رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم; والله أعلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه وسلم.

стр. 1392

[رد الشيخ عبد اللطيف قول ابن منصور اختلاف الأمة رحمة] وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى، في رده على عثمان بن منصور مدحه الاختلاف، وزعمه أنه رحمة، وإيجابه صوم يوم الشك: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له; وأشهد: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له; وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فقد وقفت على كلام، كتبه بعض من يدعي العلم، في مسألة اختلاف الأمة، يزعم أنه رحمة، ويشنع على من ذمه; وقال: الرحمة في الجماعة والاتفاق؛ فرأيت له من الكلام في هذه المباحث، ما يوجب للمؤمن المعافى مما ابتلي به هذا، أن يكثر من حمد الله وشكره، ومن سؤال العافية; وأي بلية أعظم من القول على الله بلا علم؟! وخلوّ الذهن من العلم، وعدم الشعور بشيء منه أخف ضرراً، وأقل خطراً مما ابتلي به هذا الرجل، من تحريف الكلم، والخروج عما عليه أهل العلم، وما يعرفه أهل هذه الصناعة من العدل والإنصاف، ومصاحبة التقوى، فيما يعانونه من الأحكام والفتوى; ومن نظر في كلام هذا من

стр. 1393

أهل العلم والبصيرة، وتأمل أبحاثه واستدلاله في الإفتاء وتسطيره، عرف أنه أجنبي من هذه الصناعة، معدم من تلك التجارة والبضاعة. وقد يتزيا بالهدى غير أهله ... ويستصحب الإنسان من لا يلائمهْ لكنه، عافاه الله، يخرج عما عليه أهل التحقيق والعلم، ويظن أنه من ذوي الإصابة والفهم، ويتجاسر على تجهيل مشائخ الإسلام، ويعرض عند ذكرهم بقبيح المنطق والكلام؛ وهذا أعدل شاهد ودليل على أنه لم يتأهل للتوقيع عن الله ورسوله، والتسجيل; وعن عائشة ﵂ قالت: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا متفحشاً. انتهى. وإنما يلجأ إلى مثل هذا ناقص العلم والدين، إذا أفلس من الأدلة والبراهين، وقد نبهنا هنا على بعض ما في رسالته، مما يتعلق بالعلم وأبحاثه، وأعرضنا عما فيه من الغيبة والبهت، وفضول الكلام، الذي لا يصدر عن العقلاء من العوام.

стр. 1394

فصل فأما مدحه الاختلاف وزعمه أنه رحمة، فالعبارة فيها عموم لا يخفى، وهي متناولة مدح جميع أهل الشقاق والأهواء، الذين تواترت النصوص النبوية بذمهم وعيبهم، ودلت عليه الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [سورة البينة آية: ٤] ، وقوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٥٣] ، والزبر: الكتب، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١٥٩] ، وقال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ الآية [سورة هود آية: ١١٨-١١٩] . وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] ، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢١٣] ، ونحو هذه الآيات التي فيها إطلاق ذم الاختلاف، وعيب أهله، وخروجهم عما جاءت به الرسل.

стр. 1395

وفي الحديث: " افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة: كلها في النار، إلا واحدة " ١، وحديث العرباض بن سارية قال: " صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الغداة، فأقبل علينا، ووعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها الأعين، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً مجدعاً؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً. فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ! وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة ". وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: هجرت إلى رسول الله ﷺ يوماً، فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية، فخرج رسول الله ﷺ يرى في وجهه الغضب، قال: " إنما أهلك من كان قبلكم اختلافهم في الكتاب " ٢، أخرجه مسلم. وعن أبي هريرة ﵁ قال: " خرج رسول الله ﷺ ونحن نتنازع في القدر، فغضب حتى كأنما في وجهه حب الرمان حمرة من الغضب، فقال: أبهذا أمرتكم؟ أم بهذا أرسلت إليكم؟ وإنما أهلك من كان قبلكم كثرة التنازع في أمر دينهم، واختلافهم على أنبيائهم ". وقال ابن سيرين: كانوا يقولون: "ما دام على الأثر، فهو

стр. 1396

على الطريق "، وعن جابر بن عبد الله: " أن رسول الله ﷺ كان إذا فرغ من خطبته قال: إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها " ١، وزاد في طريق آخر: " وكل بدعة ضلالة " ٢، وقال ابن مسعود ﵁: "اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم؛ وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار "، وعنه: "إنكم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحْدِثون ويحدث لكم؛ فإذا رأيتم ذلك، فعليكم بالهدى الأول ". كتب عمر بن عبد العزيز إلى الناس: "أنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ". وعن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله ﷺ قال: " لتتبعنّ سنن من كان قبلكم، شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ٣، ومثله عن أبي هريرة ﵁. وقال علي لعبيدة السلماني: "اقضوا ما كنتم تقضون، فإني أكره الخلاف". جمع عثمان ﵁ الناس على حرف واحد، وألزمهم القراءة به، عن رأي واتفاق من الصحابة، خشية الاختلاف في القرآن. فهذه الآيات الكريمات، وهذه الأحاديث النبويات دلت على ذم الاختلاف، وعيبه، وتحريمه، والتشديد فيه، والوعيد عليه بالنار، وبلغت من الشهرة، والتواتر، وقبول أهل العلم لها، واحتجاجهم بها، ما يورث العلم الضروري أن رسول الله ﷺ قالها وصدرت عنه؛ وإن زعم هذا المفتي أنه

стр. 1397

أراد خصوص أهل السنة والفتوى، فهو لا يعرف لما خرج من بين شفتيه حقيقة، ولا معنى; فإن عبارته صريحة في العموم، والحكم به في مقام البحث والإفتاء مسطور معلوم. وأهل العلم يبحثون مع المتكلم، ويحكمون بما دل عليه كلامه، من النص والعموم الظاهر، ولا بحث فيما انطوت عليه الضمائر، وأخفته السرائر؛ بل ذلك أمره إلى الله، كما يعرفه ذوو العلم والبصائر; وفي الحديث: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله " ١؛ وهذا الوجه كاف في إبطال عبارته وردها، لأنه أطلق مدح ما أطلق الله ورسوله ذمه وعيبه، وفي هذا من الخروج عما دلت عليه النصوص، ما لا يخفى على أهل العلم والفتوى. ويقال أيضاً: لو سلمنا أنه أراد خلاف أهل العلم والفتوى، لا أهل البدع والأهواء، فهو ضال مخطئ في فتواه، لأن ما تقدم من النصوص عام لكل اختلاف وقع في الأصول والفروع؛ والفقيه يعرف بفقهه وفطنته، ما قرره أهل العلم الأصوليون وغيرهم، من اعتبار العمومات القرآنية، والألفاظ النبوية؛ وبعضهم جزم أن العموم نص في الحكم، لكنهم يتكلمون ويبحثون في المخصصات. وقد أجمعوا على أن لا تخصيص لكتاب الله وسنة رسوله بقول أحد، كائناً من كان، إلا رسول الله ﷺ ؛ وعندهم من الأحكام الثابتة في الأصول والفروع بعمومات النصوص، ما

стр. 1398

لا يمكن حصره؛ والفقيه يعرف ذلك في كتب أصول الدين، وكتب فروعه، من كتاب الطهارة إلى آخر العتق والإقرار. وقد أجمعوا على أنه لا تخصيص بالحديث الضعيف، وأنه لا يصلح أن يكون مخصصاً، ولا ينهض لذلك، لأنه نوع نسخ، والناسخ يشترط فيه المساواة في الحجة والقوة والدلالة؛ بل قال بعض العلماء لا يثبت به حكم شرعي، والقياس أولى منه، لكن أحمد يقول: الحديث الضعيف خير من القياس؛ والضعيف عندهم ما قصرت رتبته عن الصحيح والحسن. وأما ما احتج به هذا من أن النووي ذكر عن الخطابي قوله: جاء الحديث، أو روى "أن اختلاف أمتي رحمة "، فهذا ليس بحجة بالإجماع؛ فإن على من نسب إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أن يصحح ما نسب وما ادعى، ويثبته بطريق تثبت به الأحكام، وإلا فمجرد الدعوى لا يفيد ولا يجدي; ولو فتح هذا الباب وأعطي الناس بدعواهم، لذهبت أحكام هذه الشريعة، وادعى كل مخالف ما ينصر دعواه، وفي الحديث: " من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار " ١. والخطابي قال: قد روي، ولم يتعرض لتصحيح ولا تضعيف، والنووي عزاه إلى الخطابي وخرج من عهدته؛ فأخذه وتلقيه بالقبول، ومصادمة النصوص له والحالة هذه، طريقة أحمق متهوك، لا يعقل شيئاً في هذا الباب، والأولى به أن يساس بسياسة الدواب.

стр. 1399

وقد تكلم الديبع والسيوطي، على هذا الحديث بما يكفي ويشفي، وكشفوا عن وجه الصواب، وكذا السخاوي في المقاصد الحسنة والديبع في تمييز الطيب من الخبيث فيما يجري على ألسنة العوام من الحديث; بل صرح جمع من صيارفة الفن، بأنه لا أصل له؛ وأبو سليمان الخطابي لم يدع الصحة، لكنه جرى على ألسنة قوم عزب عنهم ضبط الحقائق، بل أورد الديبع في مختصر المقاصد، ما حاصله: خرج عبد الله بن أحمد، من حديث النعمان بن بشير مرفوعاً، بإسناد لا بأس به: "الجماعة رحمة، والفرقة عذاب " ١، أورده مستشهداً به على رد الأول؛ فاعرف هذا، ولا تلتفت إلى من لا عناية له ولا دراية بهذه الصنعة. وقال شيخنا، ﵀، - في أثناء كلام له -: وأما قولهم: واختلافهم رحمة، فهذا باطل؛ بل الرحمة في الجماعة، والفرقة عذاب، قال تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [سورة هود آية: ١١٨-١١٩] . لما سمع عمر أن ابن مسعود وأُبَيّاً اختلفا في صلاة الرجل في الثوب الواحد، صعد المنبر وقال: "اثنان من أصحاب رسول الله ﷺ اختلفا، فعن أي فتياكم يصدر المسلمون؟ لا أجد اثنين اختلفا بعد مقامي هذا، إلا فعلت وفعلت "؛ لكن قد روي عن بعض التابعين أنه قال: "ما أحسب اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ إلا رحمة للناس، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة "،ومراده غير ما نحن فيه، ومع هذا فهو قول مستدرك، لأن الصحابة بأنفسهم ذكروا أن اختلافهم عقوبة وفتنة.

стр. 1400

وأما قوله في حديث: " أصحابي كالنجوم ": وروى البيهقي من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، فقد أسقط منه السند؛ وانظر ما النكتة في ذلك، هل هو الجهل أو التدليس؟ ثم قد عارض البيهقي من هو أجل منه باتفاق الأمة، ونص على أنه موضوع كما سيأتي، فأي مزية رجحت حكاية البيهقي وروايته، على غيره ممن هو أجل منه من أئمة النقد والتصحيح. ثم البيهقي بتنبيهه على ضعفه خرج من عهدته وأدى ما عليه، وهو يعلم أن الحديث الضعيف لا تقوم به حجة، ولا تثبت به أحكام شرعية عند المحققين. وأما أنت فتعرضت لهدم الأصول به، ومخالفة أهل العلم; فإن من أكبر أصولهم وقواعدهم: رد مسائل النّزل إلى الكتاب والسنة، وأن لا يحكم بأنها أهدى إلا بشاهدي عدل من الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] ، والشرط يفيد انتفاء العمل إذا انتفى الجواب، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٠] . ونص أهل الأصول، وأهل الحديث، على أن قول الصحابي ليس بحجة إذا خالفه من هو مثله؛ والبيهقي وغيره إذا ذكروا الحديث وسكتوا عنه، لا يحكم عليه بالصحة عندهم، ولا بأنه حجة، إلا إذا بينوا ذلك وصححوه، فكيف إذا جزموا بضعفه؛ وهذا الحديث، قد نص الحافظ أبو بكر

стр. 1401

البزار، ويوسف بن عبد الله النمري، وابن قيم الجوزية، وأبو محمد ابن حزم، وغيرهم، على أنه موضوع، وسيأتيك كلامهم. قال ابن القيم، ﵀: قولهم يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، جوابه من وجوه: أحدها: أن الحديث هذا قد روي من طريق الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها؛ قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، أن أبا عبد الله بن مفرح حدثهم: حدثنا محمد بن أيوب الصموت، قال: قال لنا البزار: وأما ما روي عن النبي ﷺ : " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ . وهذا يوجب تقليد من ورث الجد مع الأخوة ومن أسقط الأخوة به معاً، وتقليد من قال: الحرام يمين ومن قال: هو طلاق، وتقليد من حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين ومن أباحه، وتقليد من جوز للصائم أكل البرد ومن منع منه، وتقليد من قال: تعتد المتوفى عنها بأقصى الأجلين ومن قال بوضع الحمل، وتقليد من قال: يحرم على المحرم استدامة الطيب وتقليد من أباحه، وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين وتقليد من حرمه، وتقليد من أوجب الغسل من

стр. 1402

الإكسال وتقليد من أسقطه، وتقليد من ورث ذوي الأرحام ومن أسقطهم، وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير ومن لم يره، وتقليد من منع تيمم الجنب ومن أوجبه، وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدة ومن لم يره ثلاثاً، وتقليد من أوجب فسخ الحج إلى العمرة ومن منع منه، وتقليد من أباح لحوم الحمر الأهلية ومن منع منه، وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ومن لم يره، وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها ومن لم يره، وتقليد من وقف المولى عند الأجل ومن لم يقفه; وأضعاف أضعاف ذلك، مما اختلف فيه الصحابة. فإن سوغت هذا، فلا تحتج بقول على قول، ومذهب على مذهب، بل اجعل الرجل مخيراً في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذاهبكم، واتبع قول أحدهم، وإن لم تسوغوه، فأنتم أول مبطل لهذا الدليل، ومخالف له، وقائل بضد مقتضاه؛ وهذا مما لا انفكاك لكم عنه; الرابع: أن الاقتداء بهم اتباع القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا إليهما، فالاقتداء بهم يحرم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل، كما كان عليه القوم، ﵃. انتهى.

стр. 1403

وقال: أبو محمد ابن حزم في أثناء كلام له: وحدثت طائفة يكثرون الاعتراض بما روي مسنداً: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وهذا خبر لو صح لكان مبطلاً لكل ما ينصره الحنفيون، والمالكيون، والشافعيون، لأنهم في كل مسألة من مسائل اختلافهم ينصرون قوله، ويبطلون خلافه من أقوال الصحابة، ﵃؛ فعلى هذا يبطلون الهدى، وإبطال الهدى ضلال. ولكن إن حدث من يقول بهذا الخبر ويطرده، ويصوب كل قول روي عن أحد من الصحابة، ﵃، وإن ضاده غيره عن آخر منهم، فليعلم أولاً أنه خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصح قط؛ وساق بالسند المتقدم إلى البزار، سألتم عما روي عن النبي ﷺ مما في أيدي العامة، يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما مثل أصحابي كمثل النجوم، بأيها اقتدوا اهتدوا "، وهذا كلام لم يصح عن النبي ﷺ ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضاً منكر عن النبي ﷺ ولم يثبت، والنبي ﷺ لا يبيح الاختلاف بعده بين أصحابه. قلت: قف على قول البزار أن النبي ﷺ لا يبيح الاختلاف بعده بين أصحابه، تعرف موافقته لما قررناه قبل.

стр. 1404

ثم قال ابن حزم: قال ابن معين: عبد الرحيم بن زيد كذاب خبيث، ليس بشيء، وقال البخاري هو متروك؛ ورواه أيضاً: حمزة الجزري، وحمزة هذا ساقط هالك متروك؛ قال أبو محمد: بل هو مما يقطع على أنه كذب موضوع، لأن الصحابة، ﵃، اختلفوا، فحرم واحد منهم، وحلل آخر منهم ذلك الشيء الذي حرمه صاحبه، وأوجب بعضهم، وأبطل غيره منهم ما أوجب صاحبه. فلو كان هذا الخبر صحيحاً، لكانت أحكام الله تعالى متضادة في الدين، مختلفة، حراماً وحلالاً، معاذ الله تعالى، فقد كذب بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] ، فصح أن الاختلاف ليس إلا من عند غير الله. وأيضاً، فإنه لا يقدر أحد على اعتقاد تصحيح المتضادات معاً، ولا على القول والعمل بالمختلفات معاً; ونوه بعض فساقهم هاهنا فقال: وجدنا المرأة حلالاً لبعلها حراماً على غيره، وحراماً على بعلها حلالاً لغيره، فما ينكر؛ مثل هذا فتيا فقيه لعمرو، وفتيا فقيه آخر لزيد بمثلها، فقلنا: ينكر ذلك في حكم الله الذي: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٣] ، وإنما أنكر أشد النكير من حكم من دونه برأيه بغير نص.

стр. 1405

ثم قال أبو محمد: وأيضاً، فقد أبطل النبي ﷺ فتاوى قوم من الصحابة، كأبي السنابل بن بعكك في المتوفى عنها زوجها، وقد قال بعد ذلك بقول أبي السنابل ابن عباس وغيره، وأبطل قول من قال: حبط عمل عامر بن الأكوع; وقد أجمعت الأمة على أنه قد كان من بعض الصحابة، ﵃، أشياء مغفورة لهم: فقد رجم ماعز والغامدية، وهما والله من أهل الجنة. وقال مسطح ما قال، وهو بدري مقطوع له بالجنة، ولو أن امرأ يقول بذلك اليوم لكان كافراً؛ وقد جلد قدامة بن مظعون في الخمر، وهو بدري من أهل الجنة، أفيحل الأخذ بقول من اقتدى بشيء من هذه الأمور بهؤلاء المتقدمين فهو مهتد؟ حاشا لله، بل يكون من قال ذلك في بعضه كافراً، وفي بعضه فاسقاً، بخلاف الفضلاء المغفور لهم بعض ذلك، أو كله، الذين فازوا، ولو تصدق من بعدهم بمثل جبل أحد من ذهب، لم يبلغ نصف مد شعير يتصدق به أحدهم. وفي صحيح مسلم عن عائشة، ﵂، قالت: "قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة، أو خمس، فدخل علي رسول الله ﷺ وهو غضبان، وقلت: من أغضبك يا رسول الله؟ أدخله الله النار، فقال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون؟ ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي حتى اشتريته، ثم أحل كما أحلوا " ١، قال أبو
следующие страницы →