البزار، ويوسف بن عبد الله النمري، وابن قيم الجوزية، وأبو محمد ابن حزم، وغيرهم، على أنه موضوع، وسيأتيك كلامهم.
قال ابن القيم، ﵀: قولهم يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، جوابه من وجوه: أحدها: أن الحديث هذا قد روي من طريق الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها؛ قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، أن أبا عبد الله بن مفرح حدثهم: حدثنا محمد بن أيوب الصموت، قال: قال لنا البزار: وأما ما روي عن النبي ﷺ : " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ .
وهذا يوجب تقليد من ورث الجد مع الأخوة ومن أسقط الأخوة به معاً، وتقليد من قال: الحرام يمين ومن قال: هو طلاق، وتقليد من حرم الجمع بين الأختين بملك اليمين ومن أباحه، وتقليد من جوز للصائم أكل البرد ومن منع منه، وتقليد من قال: تعتد المتوفى عنها بأقصى الأجلين ومن قال بوضع الحمل، وتقليد من قال: يحرم على المحرم استدامة الطيب وتقليد من أباحه، وتقليد من جوز بيع الدرهم بالدرهمين وتقليد من حرمه، وتقليد من أوجب الغسل من
стр. 1402
الإكسال وتقليد من أسقطه، وتقليد من ورث ذوي الأرحام ومن أسقطهم، وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير ومن لم يره، وتقليد من منع تيمم الجنب ومن أوجبه، وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدة ومن لم يره ثلاثاً، وتقليد من أوجب فسخ الحج إلى العمرة ومن منع منه، وتقليد من أباح لحوم الحمر الأهلية ومن منع منه، وتقليد من رأى النقض بمس الذكر ومن لم يره، وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها ومن لم يره، وتقليد من وقف المولى عند الأجل ومن لم يقفه; وأضعاف أضعاف ذلك، مما اختلف فيه الصحابة.
فإن سوغت هذا، فلا تحتج بقول على قول، ومذهب على مذهب، بل اجعل الرجل مخيراً في الأخذ بأي قول شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذاهبكم، واتبع قول أحدهم، وإن لم تسوغوه، فأنتم أول مبطل لهذا الدليل، ومخالف له، وقائل بضد مقتضاه؛ وهذا مما لا انفكاك لكم عنه; الرابع: أن الاقتداء بهم اتباع القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا إليهما، فالاقتداء بهم يحرم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل، كما كان عليه القوم، ﵃. انتهى.
стр. 1403
وقال: أبو محمد ابن حزم في أثناء كلام له: وحدثت طائفة يكثرون الاعتراض بما روي مسنداً: " أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، وهذا خبر لو صح لكان مبطلاً لكل ما ينصره الحنفيون، والمالكيون، والشافعيون، لأنهم في كل مسألة من مسائل اختلافهم ينصرون قوله، ويبطلون خلافه من أقوال الصحابة، ﵃؛ فعلى هذا يبطلون الهدى، وإبطال الهدى ضلال.
ولكن إن حدث من يقول بهذا الخبر ويطرده، ويصوب كل قول روي عن أحد من الصحابة، ﵃، وإن ضاده غيره عن آخر منهم، فليعلم أولاً أنه خبر مكذوب، موضوع، باطل، لم يصح قط؛ وساق بالسند المتقدم إلى البزار، سألتم عما روي عن النبي ﷺ مما في أيدي العامة، يروونه عن النبي ﷺ أنه قال: " إنما مثل أصحابي كمثل النجوم، بأيها اقتدوا اهتدوا "، وهذا كلام لم يصح عن النبي ﷺ ، رواه عبد الرحيم بن زيد العمي عن أبيه عن سعيد بن المسيب عن ابن عمر، وإنما أتى ضعف هذا الحديث من قبل عبد الرحيم، لأن أهل العلم سكتوا عن الرواية لحديثه، والكلام أيضاً منكر عن النبي ﷺ ولم يثبت، والنبي ﷺ لا يبيح الاختلاف بعده بين أصحابه.
قلت: قف على قول البزار أن النبي ﷺ لا يبيح الاختلاف بعده بين أصحابه، تعرف موافقته لما قررناه قبل.
стр. 1404
ثم قال ابن حزم: قال ابن معين: عبد الرحيم بن زيد كذاب خبيث، ليس بشيء، وقال البخاري هو متروك؛ ورواه أيضاً: حمزة الجزري، وحمزة هذا ساقط هالك متروك؛ قال أبو محمد: بل هو مما يقطع على أنه كذب موضوع، لأن الصحابة، ﵃، اختلفوا، فحرم واحد منهم، وحلل آخر منهم ذلك الشيء الذي حرمه صاحبه، وأوجب بعضهم، وأبطل غيره منهم ما أوجب صاحبه.
فلو كان هذا الخبر صحيحاً، لكانت أحكام الله تعالى متضادة في الدين، مختلفة، حراماً وحلالاً، معاذ الله تعالى، فقد كذب بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٨٢] ، فصح أن الاختلاف ليس إلا من عند غير الله.
وأيضاً، فإنه لا يقدر أحد على اعتقاد تصحيح المتضادات معاً، ولا على القول والعمل بالمختلفات معاً; ونوه بعض فساقهم هاهنا فقال: وجدنا المرأة حلالاً لبعلها حراماً على غيره، وحراماً على بعلها حلالاً لغيره، فما ينكر؛ مثل هذا فتيا فقيه لعمرو، وفتيا فقيه آخر لزيد بمثلها، فقلنا: ينكر ذلك في حكم الله الذي: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٣] ، وإنما أنكر أشد النكير من حكم من دونه برأيه بغير نص.
стр. 1405
ثم قال أبو محمد: وأيضاً، فقد أبطل النبي ﷺ فتاوى قوم من الصحابة، كأبي السنابل بن بعكك في المتوفى عنها زوجها، وقد قال بعد ذلك بقول أبي السنابل ابن عباس وغيره، وأبطل قول من قال: حبط عمل عامر بن الأكوع; وقد أجمعت الأمة على أنه قد كان من بعض الصحابة، ﵃، أشياء مغفورة لهم: فقد رجم ماعز والغامدية، وهما والله من أهل الجنة. وقال مسطح ما قال، وهو بدري مقطوع له بالجنة، ولو أن امرأ يقول بذلك اليوم لكان كافراً؛ وقد جلد قدامة بن مظعون في الخمر، وهو بدري من أهل الجنة، أفيحل الأخذ بقول من اقتدى بشيء من هذه الأمور بهؤلاء المتقدمين فهو مهتد؟ حاشا لله، بل يكون من قال ذلك في بعضه كافراً، وفي بعضه فاسقاً، بخلاف الفضلاء المغفور لهم بعض ذلك، أو كله، الذين فازوا، ولو تصدق من بعدهم بمثل جبل أحد من ذهب، لم يبلغ نصف مد شعير يتصدق به أحدهم.
وفي صحيح مسلم عن عائشة، ﵂، قالت: "قدم رسول الله ﷺ لأربع مضين من ذي الحجة، أو خمس، فدخل علي رسول الله ﷺ وهو غضبان، وقلت: من أغضبك يا رسول الله؟ أدخله الله النار، فقال: أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر، فإذا هم يترددون؟ ولو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي حتى اشتريته، ثم أحل كما أحلوا " ١، قال أبو
стр. 1406
محمد، ﵀: فنعوذ بالله من شيء أغضب رسول الله ﷺ ومن كان من أولئك ففاضل مغفور له؛ ومن كان يتهم ويخطئ فلا يجوز أن يؤخذ من قوله وعمله، إلا من شهد له بالصحة، من لا يتهم في الشريعة، ولا يخطئ ولا يجوز فيها، وهو القرآن والسنة.
وأيضاً، فإن من حرم من الصحابة شيئاً فقد خطأ من حلله، ومن حلله فقد خطأ من حرمه، ومن أوجب منهم شيئاً فقد خطأ من لم يوجبه، ومن لم يوجبه فقد خطأ من أوجبه؛ هذا موجود نصاً حتى إن ابن عباس، ﵄ دعا إلى المباهلة باللعنة عند الحجر الأسود لمن خالفه. فلو كان ما قالوه في الفتيا، أو فيما يتعلق بها صواباً، وقد خطأ بعضهم بعضاً، لكان كلهم مخطئاً، لأن المخطئ لصاحبه منهم مصيب عند هذا؛ وأطال الكلام، ﵀، وفيما ذكرناه عنه كفاية.
وأما دعوى هذا المفتي: أن عثمان بن سعيد الدارمي ذكره في كتاب الرد على الجهمية، فأول الحديث وما فيه من الرد على الجهمية شاهد له، وقصده منه وجوب متابعة الإجما؛، ومثل هذا يذكر في المتابعات والشواهد، ويتسامحون فيه لأن الاعتماد على غيره، وأما قول: "أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم "، فالجملة ليست من مراد الدارمي، ولا فيها ما يقصده من الرد، فإن الحجة في قول
стр. 1407
الصحابي إذا لم يخالفه غيره؛ وينبغي النظر في كلام الدارمي وسياقه حتى يظهر مراده; ثم الاحتجاج بالحديث نوع، والحكم عليه بالصحة نوع آخر، يعرف من فن المصطلح، ولا ينبغي أن يتكلم في هذا من لا يدري اصطلاحهم.
وأما قوله: إن عمر بن عبد العزيز، قال: "ما يسرني أن أصحاب رسول الله ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة "، فالاحتجاج بهذا على مدح الخلاف، وتصويب المختلفين، من أعجب الأشياء عند من استصحب أصول الكتاب والسنة، وعرف ما في الاختلاف والافتراق من المفاسد؛ وأهل العلم لهم من الأعذار إذا اجتهدوا، ما لا يخفى على طالب العلم، وقد ذكر شيخ الإسلام في كتابه رفع الملام ما فيه كفاية لمن وفقه الله.
وإنما الشأن فيمن مدح الاختلاف، وجعله من الدين الذي أمر الله به ورسوله، وقول عمر يريد به، ﵀: أن اختلافهم من أدلة الرخصة في الاجتهاد، وطلب الحق من مظانه ومعدنه؛ فمن أتى بعدهم ورزق فهماً في كتاب الله وسنة رسوله، فلا عليه أن يأخذ بذلك، ويدع التقليد، لأن الصحابة مضوا على ذلك وسنوه لمن بعدهم، ويشهد له قول علي ﵁ لمن سأله، هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: "لا، والذي برأ النسمة، وفلق الحبة؛ ما خصنا رسول الله ﷺ بشيء إلا ما في هذه الصحيفة، أو فهماً يؤتيه الله
стр. 1408
من يشاء "، وكان في الصحيفة: العقل، وفك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.
والمقصود: أن الفهم عن الله ورسوله ﷺ من أجلّ النعم وأشرفها، وهو مراد عمر؛ ويشهد لهذا قول عمر نفسه: "لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ". وإنما يعرف هذه النعمة ويشكرها، أهل العلم بالله ودينه وشرعه، الذين يستنبطون الأحكام، ويستخرجونها من نصوص الكتاب والسنة. وفي المثل السائر: كم ترك الأول للآخر، ومائدة الله مبسوطة لعباده المؤمنين، ليست ممنوعة ولا محظورة، ولا يزال يهب من العلوم والفهوم، ما لم يخطر على بال كثير من أهل الدعاوي والرسوم، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٣] ، فهو سبحانه يرفع درجة عبده بالفهم والعلم، ومصدر ذلك عن حكمته وعلمه.
اللهم إنا نتوسل إليك بما توسل به عبادك الصالحون، وأولياؤك المقربون، أن تجعل لنا من الفهم عنك، وعن رسولك ما نبلغ به منازل الصديقين، ونحشر به في زمرة العلماء العاملين، ونكتب به في ديوان السلف الصالحين. وما أحسن ما قيل:
لكل بني الدنيا مراد ومقصد ... وإن مرادي صحة وفراغُ
لأبلغ في علم الشريعة مبلغاً ... يكون به لي في الجنان بلاغُ
стр. 1409
وبنحوه ما قلناه في كلام عمر، يقال في قول القاسم بن محمد، إن صح عنه؛ وأما قول الليث بن سعد: أهل العلم أهل توسعة، فليس معناه أنهم يأخذون بكل قول، من غير نظر للتحقيق والتأصيل، بل المراد: أنهم يراعون قاعدة اليسر، ورفع الحرج، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج آية: ٧٨] ، فيسقط الوجوب للعجز؛ وقد يسقط بالجهل والنسيان، بل وبالمشقة في بعض الصور، ويباح المحظور لمقتضٍ راجح. وليس المقصود أنهم يأخذون بالرخص، ويتبعون مسائل الخلاف؛ قال بعضهم: من تتبع الرخص تزندق. وقد أنكر الليث، ﵀، على الإمام مالك مسائل معروفة، ورسالته إليه حكاها العلامة ابن القيم في إعلام الموقعين.
ثم المقرر في كتب الأصول والفقه: أن لا حجة في مسائل النّزاع، إلا بالكتاب والسنة، والإجماع، والقياس قد قيل فيه ما قيل; هذا هو المقرر عند أهل العلم سلفاً وخلفاً، ثم جاء في هذه الأوقات من يحتج بكل قول رآه، ويمكن كل أحد أن يورد مثل هذه الأقوال، فإن كانت حجة في محل النزاع، تعذر إقامة الدليل والبرهان على كل مخالف ومنازع.
وأما قوله: قال: شرف الدين البوصيري، فذكر هذا اللقب هنا ظاهر في مراغمة عباد الله الموحدين المؤمنين، الذين أنكروا قوله في منظومته المشهورة:
стр. 1410
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك.................
الأبيات
وقد عرف وعهد هذا وأمثاله عن الرجل، ونقل عنه ما هو أبلغ وأشد من هذا، وإلى الله تصير الأمور، وعنده تنكشف السرائر، وتبدو مخبآت الضمائر،: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢٧] . ونسأل الله أن يمن علينا وعلى هذا الرجل بتوبة نصوح، تمحو ما كان قبل ذلك.
وقد رأيت لهذا فيما كتبه على كتاب التوحيد، نقلاً عن تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] : وأن العبادة هي: موافقة القدر والقضاء وجريانهما على العبد، وأن ابن عباس قال: كفر الكافر تسبيح؛ فنعوذ بالله من الخذلان. ثم أي حجة في قول البوصيري، لو كان هذا يعقل، وقد مضت القرون المفضلة والتي بعدها إلى القرن السادس، ولم يعرف هذا عندهم، بل يختارون للقضاء غالباً، من له معرفة بالكتاب والسنة، وأقوال الأئمة، ومعرفة لغة العرب وعلوم الآلة.
وأما جعل أربعة قضاة من أتباع الأئمة الأربعة، فهذا محدث؛ ونص أحمد على أن من شروط القاضي أن يكون مجتهداً، عارفاً بالكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين؛ فما مدحه البوصيري من نصب المقلدين خلاف ما عليه أهل العلم، من اشتراط الاجتهاد في القاضي. وسيأتيك عن هذا ما نقل عن الإمام أحمد وغيره، أنه لا يفتي إلا العالم بأقوال العلماء؛ وهذا مدح المقلدين، وجعل مدح البوصيري
стр. 1411
حجة على ذلك، وزعم أنهم هم أركان الشريعة وطبائعها، فناقض أول الورقة آخرها، شعراً:
حجج تهافت كالزجاج تخالها ... حقاً وكل كاسر مكسورُ
وأما احتجاجه بقول النووي: العلماء إنما ينكرون ما أجمع عليه، وأما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لأن على أحد المذهبين: كل مجتهد مصيب؛ قال: وهذا هو المختار عند كثير من المحققين أو أكثرهم. انتهى ما حكاه.
فيقال في جوابه: أنت لم تستكمل عبارة النووي، بل تصرفت فيها، وأخذت ما تهوى وتركت بقية العبارة، لأنه عليك، مع اتصالها وتقييد بعضها ببعض؛ قال النووي - بعد ما تقدم -: لكن إن أريد به على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو حسن محبوب، مندوب إلى فعله برفق؛ فإن العلماء متفقون على الحث إلى الخروج من الخلاف، إذا لم يلزم منه إخلال بالسنة، أو وقوع في خلاف آخر، ثم ذكر كلام الماوردي فيمن تولى الحسبة، وذكر الخلاف في حمله الناس على مذهب غيره، ثم قال: ولذلك قالوا: ليس للمفتي ولا للقاضي، أن يعترض على من خالفه، إذا لم يخالف نصاً، أو إجماعاً أو قياساً جلياً، والله أعلم؛ هذا كلام النووي.
فقد استبان لك أن مراده: إذا لم يظهر دليل، ولم
стр. 1412
يترجح جانب الإنكار، بكتاب أو سنة، أو إجماع أو قياس جلي؛ والأمانة في نقل العلم مشترطة، والخيانة فيه أعظم من الخيانة في المال ونحوه، ثم هو احتجاج بما لا يجدي، ولا يثبت به حكم شرعي، فإن الأحكام تؤخذ عن الله ورسوله، وما أجمع عليه سلف الأمة وأئمتها.
وأما أقوال الآحاد من العلماء، فليست بحجة إذا لم يقترن بها دليل شرعي، وما زال أهل العلم يردون على من هو أجل منه؛ قال مالك: ما منا إلا راد ومردود عليه، إلا صاحب هذا القبر، يعني رسول الله ﷺ . وقال ابن عباس: "أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟! يوشك أن تنْزل عليكم حجارة من السماء، ". وقال عمر ﵁: "أيها الناس، ألا إن أصحاب الرأي أعداء السنة، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، وثقلت عليهم أن يعوها، واستحيوا إذا سألهم الناس أن يقولوا: لا ندري، فعاندوا السنن برأيهم، فضلوا وأضلوا كثيراً "؛ وهذا ظاهر.
وإن كان قوله هو أو مثله حجة عند هذا المفتي، عارضناه بمن هو أجل منه، وأعلم بشهادة أهل العلم، فإن أقوال أهل العلم تذكر وتورد في المعارضات والالتباس، والعلم بها من أسباب الفهم عن الله ورسوله؛ وقد ثبت عن الصحابة ومن بعدهم من الأئمة، من الإنكار في مسائل الخلاف والتعزير على ذلك ما يعز حصره، فإن القوم قصدوا
стр. 1413
تجريد المتابعة للرسول ﷺ والوقوف مع سنته، ولم يلتفتوا إلى خلاف أحد؛ بل أنكروا على من خالف السنة، كائناً من كان، كما أنكروا على من منع التمتع بالعمرة، وعلى من أتم في السفر، وعلى من أباح وطء المرتدة بملك اليمين، وعلى من حرق الغالية، مع أن القائلين بهذه الأقوال هم أفضل الأمة وخيرها، ولا يدانيهم من بعدهم في علم ولا غيره.
وهذه العبارة فاسدة من جهة قوله: كل مجتهد مصيب؛ وقد رد هذا غير واحد من المحققين، وفي كتب الأصول من بيان فساده ما لا يخفى على طالب العلم؛ وقد أشار ابن تيمية إلى ذلك في بعض كتبه، فإن أراد قائل هذا، رفع الإثم والحرج عمن اجتهد، وأن هذا معنى الإصابة، فهذا له وجه، لكن ليس الكلام في كون المجتهد مصيباً للحكم الشرعي، أو مخطئاً له، فقول النووي: هذا هو المختار عند المحققين أو أكثرهم، خلاف التحقيق؛ بل المحققون على خلاف ما قال.
ومن هذا الباب، نقل هذا المفتي عن صاحب كتاب الحجة على تارك المحجة، ونقله عن البيهقي، والحسن الحلبي، والقاضي حسين، وإمام الحرمين، فهؤلاء ليسوا بحجة، وليسوا من أصحاب الوجوه في مذاهبهم؛ فسرد هذا العدد لا يجدي شيئاً، وكون هؤلاء ذكروا أن اختلاف الأمة رحمة، لا يفيد صحته، وقد تقدم ذكر الحديث، ومجرد روايته ليس بحجة، والحجة في تصحيحه، وهؤلاء ليسوا من
стр. 1414
أئمة النقد والتصحيح، كالبخاري، ومسلم، وأصحاب السنن والمسانيد الثمانية، وكيحيى بن سعيد، ويحيى بن معين، وابن المديني، وأبي حاتم، وأمثالهم.
وقد انتقد على الجويني في مسائل الصفات وغيرها من أصول الدين، ما يعرفه أهل العلم بأقوال الناس ومذاهبهم، فإن كان قوله هو وأمثاله حجة، لزم ترك ما عليه الإمام أحمد، وما عليه السلف والأئمة، في كثير من مسائل توحيد الصفات؛ بل قد انتقدوا على البيهقي ما يعرفه أهل المعرفة بهذا الشأن. وبالجملة، كل ما ذكر هذا من أدلته، لا يفيده شيئاً عند النقد، وإنما هو مجرد بهرج وحكاية; وأما قوله في حديث: "أصحابي كالنجوم ... إلخ ": إن البيهقي قد أسنده في المدخل، فهذا تكرير منه، وإلا فهو بعينه ما تقدم.
وأما قوله: قد صنف أحد أعيان الشافعية كتابا سماه: "رحمة الأمة في اختلاف الأئمة"، فالاستدلال بهذا عجيب جداً، وصاحب هذا الكتاب رجل من أهل حلب متأخر، ليس من أعيان الشافعية، واسمه: محمد بن عبد الرحمن بن الحسين، قاضي صفد، وإنما قصد المفتي البهرجة والترويج، في نسبة هذا الكلام إلى رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن المصنف قصد بهذه التسمية نفس الاطلاع على الاختلاف، والفرق بينهما ظاهر.
وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ
стр. 1415
مِنْ حَرَجٍ﴾ [سورة الحج آية: ٧٨] ، أن العلماء يذكرون الخلاف، فهو يشير بهذا إلى أن الآية تدل على جواز الأخذ بكل قول من أقوال العلماء، وأن هذا هو رفع الحرج، ومن نسب هذا إلى كتاب الله، وجعله دالاً عليه، فقد قال على الله ما لا يعلمه، وخالف ما أجمع عليه المفسرون وأهل العلم في هذه الآية; وحكاية هذا عنه تكفي في رده، وأنه ممن يقول على الله وكتابه ورسوله بغير علم ولا برهان. وأما تشنيعه بعد ذلك على خصمه، ونسبته إلى الجهل، فهذا عليه لا له؛ وباب الدعوى واسع، أوسع من المشرق إلى المغرب، يسلكه كل أحد، عاقلاً أو سفيهاً، محقاً أو مبطلاً، عالماً أو جاهلاً.
وأما قوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ الآية [سورة الأنبياء آية: ٧٨] ، فهذه الآية حجة عليه؛ فإن الله خص سليمان بالإفهام، فبطل قوله: كل مجتهد مصيب، لأن هذه من حجج أهل العلم على أن المصيب واحد، وهي أيضاً حجة في ترك التقليد، وحجة في نقض حكم الحاكم إذا لم يوافق، وهذا أبلغ من مجرد الإنكار؛ وقد ترجم النسائي بهذا، فقال: باب نقض حكم الحاكم إذا لم يطابق; وهذا هو معنى قول الحسن: لولا هذه الآية ما اجترأ أحد منا على الفتيا؛ وقد استدل هذا بقول الحسن على أن الاختلاف رحمة، وهو يدل على خلافه.
стр. 1416
وأما قول الإمام أحمد: الذي يفتي الناس يتقلد أمراً عظيماً ... إلخ، فهذا المفتي ينقل من أقوال العلماء ما هو عليه لا له، وما يهدم أصله ويرد قوله، وهو لا يشعر؛ وهذا من نصر الله للحق، وإظهاره على لسان من يجادل فيه ويماحل. فقول الإمام أحمد يرد على من قال: الاختلاف رحمة، لا يتجه إلا على القول بأن الاختلاف نقمة لا رحمة، فحينئذ يخاف على المفتي، ويتقلد أمراً عظيماً؛ هذا وجه التعظيم والتحذير في كلام أحمد، ويشهد له قوله: ينبغي لمن أفتى أن يكون عالماً بقول من تقدمه، وإلا فلا يفتي; يريد أن العلم بأقوال العلماء سبب للإصابة، ومعرفة الحق في نفس الأمر، وليس المقصود أنه يأخذ بكل قول ويفتي به، فيكون اختلافهم رحمة كما زعمه هذا. وكذلك فيه رد لقول من قال: كل مجتهد مصيب، لأنه إذا اجتهد فلا محذور عليه، فلا يتجه قوله: يتقلد أمراً عظيماً، يدل عليه قوله بعده: من تكلم في شيء ليس له فيه إمام أخاف عليه الخطأ; وكلام الإمام من جنس واحد في ذم الخطإ والاختلاف، ولو كان الاختلاف ممدوحاً ورحمة لم يكن لهذا الخوف معنى.
وهذا المفتي دائماً يضع كلام أهل العلم في غير موضعه، ويزيل بهجته وطلاوته; وأعجب من هذا: أنه حكى عبارة الفروع، وهي قوله: وليس لحاكم أو غيره أن يبتدي الناس بقهرهم على ترك ما يسوغ، وإلزامهم برأيه اتفاقاً، فلو جاز هذا لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرق والاختلاف؛
стр. 1417
فقف على هذا وانظر هذه العبارة، وطابق بينها وبين ما يدعيه هذا من مدح الاختلاف وأنه رحمة، وانظر ما بينهما من التباين والتخالف؛ من ذلك أنه منع الحكام كالمفاتي ونحوهم من إلزام بمذاهبهم السائغة، وفي هذا أن قوله الذي منع من الإلزام به ليس برحمة، بل ولا يحكم عليه بأنه صواب، وإلا فما المانع من إلزام الناس بالرحمة والصواب؟ وفيه أن المنهي عنه الإلزام بترك ما يسوغ، ومن خالف كتاباً أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً، فقوله غير سائغ، فيلزم بترك ما لا يسوغ ويتعين عليه ذلك، وعند هذا المفتي: أن كل الاختلاف رحمة فلا إنكار فيه.
وقوله: فلو جاز هذا لجاز لغيره مثله، وأفضى إلى التفرق والاختلاف، يقال للمفتي أنقذه الله من أوحاله: متى كان التفرق والاختلاف عندك مذموماً، حتى تورد هذه العبارة؟! فإن مذهبك إلى أن التفرق والاختلاف رحمة، وهذا نص في ذمه وأنه ليس برحمة، ولذلك نهى عنه؛ فينبغي للرجل إن فاته العلم أن يتعقل ما يقول، أو يدع الناس من شره.
وكذلك ما نقله أبو الحارث عن الإمام أحمد من أنه لا يجوز الاختيار، إلا لعالم بالكتاب والسنة مميز فيهما، يقال في جوابه: فأين اختلاف العلماء الذي هو رحمة؟ أما أفادت الرحمة جواز الاختيار؟ هذا أقل أحوال الرحمة، فكيف حصر الإمام أحمد الجواز لعالم بالكتاب والسنة مميز فيهما، والاختلاف الذي هو رحمة قد شاع وذاع، وملأ البقاع؟! قد
стр. 1418
ضيق الإمام أحمد على زعمك واسعاً يا أخا العرب; ويعجبني قول ربيعة بن عبد الرحمن: إن بعض من يفتي ببلدنا أحق بالحبس من اللصوص، وإذا فشا الجهل وعهد لم تنكره قلوب الأكثرين؛ فسبحان من منع وحجب من شاء من عباده أن يصيب الحق أو يعرفه، في كل قولة أوردها، أو نكتة بحثها.
وأما قوله: وما ذكرناه هو الذي أوجب قول العلماء، لا إنكار في مسائل الاختلاف، فبهذا صح أن اختلاف الصحابة رحمة، وكذلك الأئمة، لأن اختلافهم تابع لاختلاف الصحابة. انتهى. فهذا الكلام كلام واه ساقط، هجنته تكفي عن جوابه، ولا يقوله من شم رائحة العلم وعرف شيئاً مما هنالك. فأما زعمه أن العلماء قالوا: لا إنكار في مسائل الاختلاف، فالحكاية غير صحيحة، والمعنى فاسد: أما عدم الصحة، فالمعروف عن بعضهم قوله: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، ولم يقل مسائل الاختلاف؛ فالنقل غير صحيح، وفي عبارته أنه أضاف القول بذلك إلى العلماء، وهذا مفرد مضاف، فيعم جميع العلماء، والجمهور على إنكار هذا، فكيف ينسب إليهم؟ سبحان الله ما أحسن الحياء!
ثم اعلم: أن المحققين منعوا من قول: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وأوردوا عن الصحابة فمن بعدهم من الأئمة وعلماء الأمة من الإنكار ما لم يمكن حصره؛ قال شيخ الإسلام أبو العباس، ﵀: قولهم: مسائل الاجتهاد لا إنكار فيها، ليس بصحيح؛ فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى
стр. 1419
القول بالحكم، أو العمل. أما الأول، فإذا كان القول يخالف سنة، أو إجماعاً قديماً، وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه منكر بمعنى ضعفه، عند من يقول: المصيب واحد، وهم عامة السلف والفقهاء; وأما العمل، إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضاً، بحسب درجات الإنكار، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة. وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً، أو مقلداً. انتهى.
وقال في الفروع: وفي كلام الإمام أحمد وبعض الأصحاب، ما يدل على أنه إن ضعف الخلاف أنكر فيها، وإلا فلا; وللشافعية أيضاً خلاف، ولهم وجهان في الإنكار على من كشف عن فخذيه؛ قال ابن هبيرة في قول حذيفة، وقد رأى رجلاً لا يتم ركوعه ولا سجوده: "ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمداً ﷺ "، فيه: أن إنكار المنكر في مثل هذا يغلظ له لفظ الإنكار؛ قال في حاشية الإقناع:، قال الشيخ في قولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، أي: المسائل التي ليس فيها دليل بحسب العمل به، وجوباً ظاهراً، مثل حديث لا معارض له من جنسه ... إلى آخر عبارته.
وقول هذا المفتي: فبهذا صح أن اختلاف الصحابة،
стр. 1420
رضي الله عنهم، رحمة، وكذا الأمة ... إلخ، فالمقدمة باطلة، والتأصيل فاسد، والتفريع عليه أبطل وأفسد، وجميع ما تقدم لا يدل على هذه الدعوى; وقولهم: لا إنكار في مسائل الاجتهاد، لم يعرف هذا غوره ومغزاه، وأن المراد منه: أن لا يقال على الله وعلى رسوله وعلى كتابه إلا الحق، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٩] ؛ وإذا لم يكن للمنكر مستند سوى رأيه واجتهاده، فلا يسوغ له الإنكار، لأنه لا يجب على غيره المصير إليه والأخذ به، بخلاف الكتاب والسنة والإجماع؛ هذا مرادهم، وهذا لا ينتج ولا يصحح أن اختلاف الصحابة والأمة رحمة.
وقوله: وكذا الأمة، يدخل فيه كل خلاف في الأصول والفروع، حتى من أفتى بجهل، وقال على الله ما لا يعلم؛ كل هذا رحمة على رأي هذا المفتي، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] ، فجعل القول عليه تعالى بغير علم في الدرجة العليا، فإن في الآية الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، فهو أكبر من الشرك؛ وهذا يقول: وكذا اختلاف الأمة.
وأيضاً، فهذه العبارة تأتي على جميع ما نقل عن الإمام
стр. 1421
أحمد، وعن النووي وغيره، بالهدم والإبطال، كما تقدمت الإشارة إليه؛ فكيف ينقل عن أحمد أنه لا يفتي إلا العالم، وقد صوب كل مفت، وجعل خلافه رحمة؟
وأما قوله: فبهذا يتضح خطأ هذا المتكلم الجاهل ... إلى آخر العبارة، بما فيها من التعريف بمن نقل خصمه كلامهم، فهذا الرجل مولع بمسبة أهل العلم، وعيبهم وتجهيلهم؛ ومن عادة أهل البدع إذا أفلسوا من الحجة، وضاقت عليهم السبل، تروحوا إلى عيب أهل السنة وذمهم، ومدح أنفسهم؛ والواجب أن يتكلم الإنسان بعلم وعدل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٨] . وهذا الرجل يحمل خشبته منذ سنين، ولا يجد من يصلبه، وأهل السنة والحديث في كل مكان وزمان، هم محنة أهل الأرض، يمتاز أهل السنة والجماعة بمحبتهم، والثناء عليهم، ويعرف أهل البدع والاختلاف، بعيبهم وشنايتهم، وما أحسن ما قيل في إمام السنة، شعراً:
أضحى ابن حنبل محنة مأمومة ... وبحب أحمد يعرف المتنسكُ
وإذا رأيت لأحمد متنقّصاً ... فاعلم بأن ستوره ستهتّكُ
وما ذكره عن المناوي: أن شرط الإنكار أن يكون مجمعاً عليه، فمنقوض بما صح عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم
стр. 1422
والتابعين وتابعيهم، في كل مصر وعصر، وما تقدم عن النووي وغيره، يرد هذا ويبطله، وأدلة إبطاله أكثر من أن تحصر. ونحيل طالب العلم، شريف النفس والهمة، على ما نجده من كلام أهل العلم والدين، وهو قريب المأخذ، سهل التناول؛ وفي النفس من هذا شيء، فإن صح، فالجواب ما تقدم من كلام النووي وغيره، من أن المخالف للكتاب والسنة ينكر عليه، وهل كلام النووي على هذا يتعين إحساناً للظن به؟
ثم إطلاق هذا، وأخذه على عمومه، فيه من تعطيل ما أمر الله به ورسوله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ما لا يخفى؛ بل هو سد لهذا الباب، وهدم لهذا الأصل، بل إطلاق هذا فيه تخطئة أصحاب رسول الله ﷺ ومن بعدهم من أهل العلم، وفيه تخطئة الإمام، لأنه أنكر كثيراً من مسائل الخلاف التي لم يجمع عليها، بل أنكر بعض الأقوال التي قال بها من قال من الصحابة؛ ومن لم يعرف معنى الكلام، وما يترتب عليه من الأحكام، فالسكوت حسبه. ثم ذكر عن ابن حجر، وابن فرج الأندلسي، من هذا النوع ما لا يفيد شيئاً، ثم زعم أن أصحاب الإمام أحمد نصوا على أنه لا إنكار في مسائل الاختلاف، وتقدم ما فيه، وأن بعضهم قال: مسائل الاجتهاد، لا مسائل الخلاف، وفرق بين العبارتين، وما أحسن ما قيل شعراً:
وليس كل خلاف جاء معتبراً ... إلا خلاف له حظ من النظرِ
стр. 1423
ثم استدل بقول صاحب الفروع: وتصح الصلاة خلف من خالف في فروع، ولا أدري ما وجه الاستدلال إن كان يظن أن الصلاة خلف المخالف تقتضي مدح الخلاف، وتصويب من ذهب إليه، فهذا الظن لا يصدر من سليم العقل، فضلاً عن طالب العلم. وما ذكره عن حمزة الجزري، تقدم ما فيه، مع أن المراد إذا لم يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً، وهذا مراد من أطلق؛ وعبارة هذا الرجل ودعواه، أعم من هذا، فالدليل أخص من المدعى، ولا ينهض للاستدلال إلا عكس هذا، بأن يكون الدليل أعم من المدعى.
وقول عمر بن عبد العزيز تقدم جوابه، لكن هذا المفتي زاد هنا بقوله: ولو اختلفوا فأخذ رجل بقول أحدهم أخذ بالسنة، فإن هذا من لبس هذا الرجل لا من كلام عمر، فإنه أجل من أن يقول هذا، ولم ينقله أحد فيما علمنا، والمحفوظ عنه قوله: لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله ﷺ ، وتقدم هذا؛ والمفتي عافاه الله وجد كتباً، وهجم على ما فيها من غير نظر وأهلية للتحقيق والتأصيل، ولهذا ينقل أقوالاً متضادة يرد بعضها بعضاً؛ وقد رغب عمر عن كثير من الأقوال أن يأخذ بها، لرجحان الدليل، كما يعرفه من عرف شيئا من سيرته وعلمه. ١
стр. 1424
وقال أيضاً الشيخ: عبد اللطيف، في جواب له: والواجب على المكلفين في كل زمان ومكان: الأخذ بما صح وثبت عن رسول الله ﷺ ، ولا لأحد أن يعدل عن ذلك إلى غيره؛ ومن عجز عن ذلك في شيء من أمر دينه، فعليه بما كان عليه السلف الصالح، والصدر الأول، فإن لم يدر شيئاً من ذلك، وصح عنده عن أحد الأئمة الأربعة المقلدين الذين لهم لسان صدق في الأمة، فتقليدهم سائغ حينئذ؛ فإن كان المكلف أنزل قدراً، وأقل علماً، وأنقص فهماً من أن يعرف شيئاً من ذلك، فليتق الله ما استطاع، وليقلد الأعلم من أهل زمانه، أو من قبلهم، خصوصاً من عُرف بمتابعة السنة، وسلامة العقيدة، والبراءة من أهل البدع، فهؤلاء أحرى الناس، وأقربهم إلى الصواب، وأن يلهموا الحكمة، وتنطق بها ألسنتهم؛ فاعرف هذا، فإنه مهم جداً.
وقال الشيخ: عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف، بعد كلام له: ولو كان هنا عناية بما استقر عليه الحال، في زمن الدعوة الإسلامية، وعلمائنا ومشايخنا، ﵏، لكان بهم قدوة ولنا فيهم أسوة، خصوصاً بعدما فهموا من تقريرات شيخهم محمد، ﵀، وقوله في رسائله أكثر ما في الإقناع والمنتهى، مخالف لنص أحمد، فضلاً عن نص رسول الله ﷺ ؛ يعرف ذلك من عرفه.
وقال الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، رحمهما
стр. 1425
الله: واختيار بعض المتأخرين لا يقضي بأولويته، ولا رجحانه؛ ولو ذهب المخالف إلى الأخذ بكل ما صححوه، وإلزام الناس بجميع ما رجحوه لأوقعهم في شباك، وأفضى بهم إلى مفاوز الهلاك؛ وهذا على سبيل التنبيه، والإشارة تكفي اللبيب.
وقال الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف، وفقه الله تعالى: ونعتقد أن الله أكمل لنا الدين، وأتم نعمته على العالمين، ببعثة محمد الرسول الأمين، خاتم الأنبياء والمرسلين، صلاة الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين؛ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣]- إلى أن قال- وإذا بانت لنا سنة صحيحة عن رسول الله ﷺ عملنا بها، ولا نقدم عليها قول أحد كائناً من كان؛ بل نتلقاها بالقبول والتسليم، لأن سنة رسول الله ﷺ في صدورنا أجل وأعظم من أن نقدم عليها قول أحد؛ فهذا الذي نعتقده وندين الله به.
وقال الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمهم الله تعالى:
نور الشريعة يهدي قلب ملتمسٍ ... للحق من ساطع للأنوار مقتبسِ
والجهل والصدف عن نهج الهدى كفلا ... لا شك للشخص بالخذلان والفلسِ
وبالشقا والردى والبعد عن سبل ... تفضي إلى جنة المأوى بملتمسِ
فخذ بنص من التنزيل أو سنن ...
جاءت عن المصطفى الهادي بلا لبسِ
стр. 1426
وسنة الخلفاء الراشدين فهم ... أكرِمْ بم لمريد الحق من قبسِ
فإن خير الأمور السالفات على ... نهج الهدى والهدى يبدو لمقتبِسِ
والشر في بدع في الدين منكرة ... تحلو لدى كل أعمى القلب منتكسِ
فاصغ للحق واردد ما سواه على ... أربابه من أخي نطق وذي خرسِ
وقال الشيخ: سليمان بن سحمان، رحمه الله تعالى: فالواجب على من نصح نفسه، وأراد نجاتها، وكان من أهل العلم: أن ينظر القول الذي يدل عليه الكتاب والسنة من الأقوال المتنازع فيها، اتباعاً لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ؛ فإن طاعة الله ورسوله واجبة على كل أحد في كل حال; وأقوال أهل الإجماع، والمفتين، والحكام وغيرهم، إنما اتبعت لكونها تدل على طاعة الله ورسوله، وإلا فلا تجب طاعة مخلوق لم يأمر الله بطاعته؛ وطاعة الرسول طاعة لله. وهذا حقيقة التوحيد الذي يكون كله لله؛ وإذا عرف أن القول قد قاله بعض أهل العلم، ومعه دلالة الكتاب والسنة، كان هو الراجح؛ وإن كان قد قال غيره ممن هو أكبر من قائل ذلك القول، فإن ذلك القول هو الذي ظهر أن فيه طاعة الله ورسوله ﷺ .
سئل بعضهم: هل إجماع الصحابة حجة، أم لا؟
فأجاب: إجماعهم حجة قاطعة، يجب الأخذ بها بإجماع أهل العلم؛ واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ
стр. 1427
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ١١٥] ، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٠] ، وقوله في أعظم سورة في القرآن: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦-٧] ، وهم أصحاب رسول الله ﷺ ، ورضى الله عنهم.
وقول الواحد منهم، فهو حجة عند العلماء، يأخذ به الإمام أحمد وغيره، إذا لم يخالفه مثله؛ وأما إذا خالفه غيره من الصحابة، فليس قول أحدهما على الآخر حجة.
стр. 1428
فصل: في أصول الفقه
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، رحمه الله تعالى: عن صفة الواجب وحدّه، والمسنون وحَدِّه، والمكروه وحدّه، والحرام وحدّه؟
فأجاب: الحمد لله رب العالمين، الواجب في الشرع: ما ذم تاركه إذا تركه قصداً، وأثيب فاعله. وهو يرادف الفرض عند الحنابلة، والشافعية، وأكثر الفقهاء؛ وعن أحمد رواية: أن الفرض آكد من الواجب، وهو قول أبي حنيفة. وأما المسنون فهو: ما أثيب فاعله، ولم يذم تاركه؛ والسنة في اللغة: الطريقة والسيرة، وإذا أطلقت في الشرع، فإنما يراد
стр. 1429
بها: ما أمر به النبي ﷺ وندب إليه قولاً وفعلاً، ما لم ينطق به الكتاب العزيز.
وأما المكروه فهو: ضد المندوب، وهو لغة: ضد المحبوب، وشرعا: ما مدح تاركه ولم يعاقب فاعله؛ ومنه ما نهى عنه الشارع لرجحان تركه على فعله، كالصوم في السفر إذا وجدت المشقة في الصوم، ونحو ذلك. وأما المكروه، فهو في عرف المتأخرين: ما نهي عنه نهي تنْزيه، ويطلق على الحرام أيضاً، وهو كثير في كلام المتقدمين، كالإمام أحمد وغيره، كقول الإمام أحمد: أكره المتعة، والصلاة في المقابر، وهما محرمان؛ وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [سورة الإسراء آية: ٣٨] .
والحرام فهو: ضد الحلال، وهو: ما حرمه الله في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ ، من ترك الواجبات، وفعل المحرمات. وأصل التحريم في اللغة: المنع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [سورة القصص آية: ١٢] ، وَحَدُّه شرعاً: ما ذم فاعله، ولو قولاً، كالغيبة والنميمة ونحوهما مما يحرم التلفظ به، أو عمل القلب، كالنفاق والحقد ونحوهما.
[الفرق بين المندوب والمستحب والباطل والفاسد]
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن
стр. 1430
الفرق بين المندوب، والمستحب، والمباح، والجائز، والباطل، والفاسد، والصحيح، والمكروه؟
فأجاب: اعلم أن جميع الأحكام الشرعية لا تخلو، إما أن تكون واجبة، أو مستحبة، أو مباحة، أو مكروهة، أو محرمة؛ يعني: منها ما هو كذا، ومنها ما هو كذا ... إلخ. وهذه هي الأحكام الخمسة المشهورة عند أهل العلم. فالواجب: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه؛ وضده الحرام، وهو: ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله. والمستحب يرادف المندوب، والمسنون عند الأصوليين والفقهاء، ويقابل المكروه؛ فالمستحب وما يرادفه، هو: ما يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه، والمكروه: ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله. والخامس: المباح، وهو: ما لا يثاب على فعله، ولا يعاقب على تركه في الجملة؛ وقد يثاب على فعله مع النية الصالحة، إذا أراد به الاستعانة على الطاعة.
وأما الفرق بين الباطل والفاسد، فإن الذي عليه الأصوليون: أنهما مترادفان; وقال أبو حنيفة: الباطل ما نهي عنه لذاته، كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد ما نهي عنه لوصف فيه، ولولا ذلك الوصف لصح، كالربا، إنما حرم الفضل فيه، وهو الفضل فيما يحرم فيه الفضل، والنساء فيما يحرم بيع بعضه ببعض نسيئة مثلاً، والله أعلم.
стр. 1431
وإن كانت فاسدة، كالنكاح بغير ولي، ونحو ذلك، فالغالب أن الفقهاء يعبرون عن مثل هذا بالفاسد، لكون التعبير جارياً على القوانين، والذي يعبر منهم بالفاسد يقال باطل؛ فتدبر، والله أعلم.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: ما الفرق بين الباطل والفاسد عند الأصوليين ... إلخ؟
فأجاب: هما مترادفان عند الأصوليين، والفقهاء من الحنابلة والشافعية. وقال أبو حنيفة: إنهما متباينان؛ فالباطل عنده: ما لم يشرع بالكلية، كبيع المضامين والملاقيح، والفاسد: ما شرع أصله ولكن امتنع لاشتماله على وصف محرم كالربا. وعند الجمهور: كل ما كان منهياً عنه، إما لعينه أو وصفه، ففاسد وباطل؛ لكن ذهب بعض الفقهاء من الحنابلة إلى التفرقة بين ما أجمع على بطلانه، وما لم يجمع عليه، فعبروا عن الأول بالباطل، وعن الثاني بالفاسد، ليتميز هذا من هذا، لكون الثاني تترتب عليه أحكام الصحيح غالباً، أو أنهم قصدوا الخروج من الخلاف في نفس التعبير، لأن من عادة الفقهاء من أهل المذاهب مراعاة الخروج من الخلاف؛ وبعضهم يعبر بالباطل عن المختلف فيه، مراعياً للأصل، ولعل من فرق بينهما في التعبير، لا يمنع من تسمية المختلف فيه باطلاً، فلا اختلاف، ومثل ذلك: خلافهم في الفرض والواجب.
стр. 1432
قال في القواعد الأصولية: إنهما مترادفان شرعاً في أصح الروايتين عن أحمد؛ اختارها جماعة منهم ابن عقيل، وقاله الشافعية. وعن أحمد: الفرض آكد؛ اختارها جماعة، وقاله الحنفية. فعلى هذه الرواية، الفرض: ما ثبت بدليل مقطوع به، وذكره ابن عقيل عن أحمد، وقيل: ما لا يسقط في عمد ولا سهو. وحكى ابن عقيل عن أحمد رواية: أن الفرض ما لزم بالقرآن، والواجب ما كان بالسنة؛ وفائدة الخلاف: أنه يثاب على أحدهما أكثر، وأن طريق أحدهما مقطوع به والآخر مظنون؛ ذكره القاضي وذكرهما ابن عقيل على الأول، وقال غير واحد: والنّزاع لفظي. وعلى هذا الخلاف: ذكر الأصحاب مسائل فرقوا فيها بين الفرض والواجب.
تعارض الأصل والظاهر
مسألة: في تعارض الأصل والظاهر.
قال ابن رجب، ﵀، في قواعده: إذا تعارض معنا أصلان، عملنا بالأرجح منهما لاعتضاده بما يرجحه؛ فإن استويا خرج في المسألة وجهان غالباً. وإذا تعارض الأصل والظاهر، فإن كان الظاهر حجة يجب قبولها شرعاً، كالشهادة والرواية أو الأخبار، فهو مقدم على الأصل بغير خلاف، وإن لم يكن كذلك، بل كان مستنده العرف والعادة الغالبة والقرائن، أو غلبة الظن ونحو ذلك، فتارة يعمل بالأصل ولا يلتفت إلى هذا الظاهر، وتارة يعمل بالظاهر ولا يلتفت إلى الأصل، وتارة يخرج في المسألة
стр. 1433
خلاف؛ فهذه أربعة أقسام.
ومن صور الأول: إخبار الثقة العدل بالكلب ولغ في هذا الإناء. ومن صور الثاني: إذا تيقن الطهارة أو النجاسة في ماء، أو ثوب، أو أرض، أو بدن، وشك في زوالها، وكذلك في النكاح والطلاق، فإنه يبنى على الأصل، إلا أن يتبين زواله. ومن صور الثالث: النوم المستثقل ينقض الوضوء، لأنه مظنة خروج الحدث، وإن كان الأصل عدم الخروج وبقاء الطهارة. والرابع يكون غالباً عند تقاوم الظاهر والأصل وتساويهما؛ فمن صوره: لو أدخل الكلب رأسه في إناء فيه ماء، وشك هل ولغ فيه أو لا، وكان فمه رطباً، فهل يحكم بنجاسة الماء لأن الظاهر ولوغه؟ أم بطهارته لأنها الأصل؟ على وجهين. انتهى ملخصاً، وفيه نوع تصرف من خط الشيخ عبد الرحمن بن حسن، نقله عنه الشيخ حمد بن عتيق.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: وأما القياس إذا صح، فهو أحد أدلة الأصول الخمسة، التي هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستصحاب؛ فكل واحد من هذه الخمسة دليل مستقل بنفسه، إلا أنه وقع من بعض الأصوليين خلاف في الاستصحاب. وقال ابن عبد الهادي: ذكره المحققون إجماعاً، فالتحق بالأصول
стр. 1434
الأربعة. وقد عرف القياس اصطلاحاً بأنه: حمل فرع على أصل في حكم، بجامع بينهما؛ قال ابن عبد الهادي: وأركانه أربعة: الأصل، والفرع، وحكم الأصل، والوصف الجامع. انتهى. قال أبو العباس ابن تيمية، رحمه الله تعالى: لا تناقض دلالة القياس إذا كانت صحيحة. انتهى.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: القواعد جمع قاعدة، وهي: حكم كلي ينطبق على جزئيات لتعرف أحكامها ١. الواجب: ما يستحق الثواب بفعله، والعقاب بتركه. والحرام بالعكس، أي: ما يستحق العقاب بفعله، والثواب بتركه. والمندوب: ما يستحق الثواب بفعله، ولا عقاب بتركه. والمكروه بالعكس، أي: ما يستحق الثواب بتركه، ولا عقاب في فعله. والمباح: ما لا ثواب ولا عقاب في فعله ولا تركه. والفرض، والواجب: مترادفان، خلافاً للحنفية.
وينقسم الواجب إلى: فرض عين، وفرض كفاية، وإلى معين ومخير، وإلى مطلق وموقت، والموقت إلى مضيق
стр. 1435
وموسع. والمندوب والمستحب مترادفان. والمسنون أخص منهما. والجائز يطلق على: المباح وعلى الممكن، وعلى ما يستوي فعله وتركه عقلًا، وعلى المشكوك فيه. والرخصة: ما شرع لعذر مع بقاء مقتضى التحريم; والعزيمة بخلافها. والاعتقاد: هو الجزم بالشيء من دون سكون النفس؛ فإن طابق فصحيح كاعتقاد أن الله مستو على عرشه بائن من خلقه، والفاسد عكسه، لأنه اعتقاد الشيء على غير ما هو عليه. وقد يطلق الجهل على عدم العلم. والدليل: ما يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بالغير، وهو المدلول؛ وأما ما يحصل عنده الظن فهو ما قد يسمى دليلاً توسعاً.
والأصل: ما يبنى عليه غيره، والفرع عكسه. والفقه: معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد. والمسنون: ما لازمه النبي ﷺ أو أمر به، مع بيان كونه غير واجب؛ وقد تطلق السنة على الواجب، نحو: عشر من السنة. والمجاز: هو الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له في اصطلاح التخاطب لعلاقة مع قرينة، وهو نوعان: مرسل، كاليد للنعمة، والعين للرؤية، واستعارة كالأسد للرجل الشجاع؛ وقد يكون مركباً، كما يقال للمتردد في أمر: أراك تقدم رجلاً وتؤخر أخرى؛ وقد يقع في الإسناد، مثل جد جده، ولاستيفاء الكلام في إبدالك من آخر.
стр. 1436
والحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب. والتأويل: صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو قصره على بعض مدلولاته لقرينة اقتضتها؛ وقد يكون قريباً، فيكفي فيه أدنى مرجح، وبعيداً فيحتاج إلى الأقوى، ومتعسفاً فلا يقبل. والاجتهاد: استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي. والفقيه: من يتمكن من استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها، وأماراتها التفصيلية؛ وإنما يتمكن من ذلك من حصل ما يحتاج إليه فنه من علوم الغريب، والأصول، والكتاب والسنة، ومسائل الإجماع. والتقليد: هو اتباع قول الغير من دون حجة ولا شبهة؛ ولا يجوز التقليد في الأصول ولا في العلميات، ويجب في العملية المحضة الظنية، والقطعية على غير المجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره مع تمكنه من الاجتهاد، ولو أعلم منه ولو صحابياً، ولا فيما يخصه، ويحرم بعد أن اجتهد اتفاقاً.
[الرخصة والعزيمة]
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى: عن قول الفقهاء في الرخصة: إنها ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح، وضدها العزيمة؟
فأجاب: اعلم أن العزيمة شرعاً: حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح؛ فقوله بدليل شرعي: احتراز عما ثبت بدليل عقلي، وقوله: خال عن معارض، احتراز عما ثبت بدليل شرعي، لكن لذلك الدليل معارض مساو، أو
стр. 1437
راجح، لأنه إن كان المعارض مساوياً لزم الوقوف، وانتفت العزيمة، ووجب طلب المرجح الخارجي، وإن كان راجحاً لزم العمل بمقتضاه وانتفت العزيمة، وثبتت الرخصة، كتحريم الميتة عند عدم المخمصة؛ فالتحريم فيها عزيمة، لأنه حكم ثبت بدليل شرعي خال عن معارض; فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التحريم، وهو راجح عليه حفظاً للنفس؛ فجاز الأكل وحصلت الرخصة.
وأما الرخصة: فهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح، فقوله: ما ثبت على خلاف دليل شرعي احتراز عما ثبت على وفق الدليل، فإنه لا يكون رخصة بل عزيمة، كالصوم في الحضر، وقوله: لمعارض راجح، احتراز عما كان لمعارض غير راجح، بل إما مساوياً فيلزم الوقوف على حصول المرجح، أو قاصراً عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر وتبقى العزيمة بحالها. وعلى التعريف المذكور، يدخل في العزيمة الأحكام الخمسة الثابتة بالأدلة الشرعية، ويدخل في الرخصة ما عارض تلك الأحكام وخالفها لمعارض راجح عليها، كأكل الميتة عند المخمصة.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: وأما الحديث إذا ذكره بعض المقبولين، ونسبه إلى الصحاح أو المسانيد، فقد ذكر أنه يجوز العمل به، ولو لم يوقف على الأصل، وأظن بعضهم حكى الإجماع على جواز العمل به.
стр. 1438
المسند، والمرسل، أيهما أقوى؟
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: عن المسند والمرسل، أيهما أقوى؟
فأجاب: المسند أقوى من المرسل، وذلك أن المسند: ما اتصل سنده إلى رسول الله ﷺ . فإذا كان السند كلهم ثقات، وليس فيهم شذوذ، فأجمع العلماء على الاحتجاج به إذا لم يعارضه مثله، أو أقوى منه. وأما المرسل: فهو ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، كقول الحسن: قال رسول الله ﷺ كذا، وقول محمد بن شهاب الزهري: قال رسول الله ﷺ ، وقول عطاء: قال رسول الله ﷺ ؛ فسقط رجل بينه وبين رسول الله ﷺ . وكثير من أهل العلم لا يحتج بالمرسل إلا إذا اتصل وأسند من وجه صحيح. فإذا كان كذلك، تبين لك: أن المسند أقوى وأصح من المرسل بكثير. وقولك: ما معناهما؟ فيتبين لك ذلك من جواب المسألة قبلها. ومن أصح المراسيل عندهم، مراسيل سعيد بن المسيب القرشي المدني عالم المدينة؛ وقيل: إنه أعلم التابعين وأفضلهم.
إذا جاء خبران عن النبي ﷺ : أحدهما يدل على الأمر،
والآخر يدل على النهي، أيهما أرجح؟
وسئل: إذا جاء خبران عن النبي ﷺ : أحدهما يدل على الأمر، والآخر يدل على النهي، أيهما أرجح؟
فأجاب: الراجح ما صح سنده عن النبي ﷺ بنقل العدول الثقات الضابطين؛ فإن قدر اتحادهما في الصحة، فإن أمكن معرفة الآخر منهما أخذ بالآخر لأنه هو الناسخ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل رسول الله ﷺ أو قوله؛ فإن لم
стр. 1439
يمكن معرفة ذلك، وأمكن الجمع بينهما فذاك؛ فإن لم يكن ذلك أخذ بالأحوط، والذي عليه الأكثرون من العلماء والفقهاء.
الغريب والمتصل
وسئل الشيخ أحمد بن ناصر: عن الغريب والمتصل؟
فأجاب: الغريب: الذي ليس له إلا سند واحد، كما يقول الترمذي في بعض الأحاديث: هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وقد يكون صحيحاً إذا كان رواته موثقين، وقد يكون ضعيفاً؛ فعلى كل تقدير هو ضعف في الحديث. والمتصل: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً؛ فيخرج المرسل، والمنقطع، والمعضل.
الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل؟
فأجاب: اعلم أن المرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أو حكماً؛ واشترط الخطيب البغدادي: كون المضيف صحابياً، والجمهور على خلافه. والمسند: هو المرفوع، فهو مرادف له؛ وقد يكون متصلاً، كمالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وقد يكون منقطعاً، كمالك عن الزهري، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ؛ إذ الزهري لم يسمع من ابن عباس، فهو مسند منقطع؛ وقد صرح ابن عبد البر بترادفهما؛ والانقطاع يدخل عليهما جميعاً.
стр. 1440
وقيل: إن المسند: ما وصل إسناده إلى الصحابي ولو موقوفاً عليه؛ فالمسند والمتصل سواء، إذ هذا بعينه هو تعريف المتصل، فعلى هذا يفارق المرفوع بقولنا: ولو موقوفاً، فبينه وبين المرفوع على هذا القول عموم وخصوص وجهي، يجتمعان فيما اتصل سنده ورفع إلى النبي ﷺ ، وينفرد المرفوع في المنقطع المرفوع، وينفرد المسند في الموقوف؛ والأكثر على التعريف الأول؛ والعموم والخصوص الوجهي كذلك يجري أيضاً بين المتصل والمرفوع، كما يعرف مما تقدم. وأما قولك: أيهما أصح؟ فاعلم: أن الصحة غير راجعة لهذه الأوصاف باعتبار حقيقتها؛ وإنما الصحة والحسن والضعف أوصاف تدخل على كل من المرفوع والمسند والمتصل، فمتى وجدت، حكم بمقتضاها لموصوفها، لكن المرفوع أولى من المتصل إذا لم يرفع، ومن المسند على القول الثاني إذا لم يرفع أيضاً، لا من حيث الصحة، بل من حيث رفعه إلى النبي ﷺ ؛ وأما الصحة فقد ينفرد بها بعض هذه الأقسام لا من حيث ذاته، والمرفوع إذا لم يبلغ درجة الصحة احتج به في الشواهد والمتابعات كما عليه جمع، والله أعلم وصلى الله على محمد.
أصح الأسانيد
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ﵀: اختلف العلماء في أصح الأسانيد: فقال الإمام