والحقيقة: هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له في اصطلاح التخاطب. والتأويل: صرف اللفظ عن حقيقته إلى مجازه، أو قصره على بعض مدلولاته لقرينة اقتضتها؛ وقد يكون قريباً، فيكفي فيه أدنى مرجح، وبعيداً فيحتاج إلى الأقوى، ومتعسفاً فلا يقبل. والاجتهاد: استفراغ الفقيه الوسع في تحصيل ظن بحكم شرعي. والفقيه: من يتمكن من استنباط الأحكام الشرعية عن أدلتها، وأماراتها التفصيلية؛ وإنما يتمكن من ذلك من حصل ما يحتاج إليه فنه من علوم الغريب، والأصول، والكتاب والسنة، ومسائل الإجماع. والتقليد: هو اتباع قول الغير من دون حجة ولا شبهة؛ ولا يجوز التقليد في الأصول ولا في العلميات، ويجب في العملية المحضة الظنية، والقطعية على غير المجتهد، ولا يجوز له تقليد غيره مع تمكنه من الاجتهاد، ولو أعلم منه ولو صحابياً، ولا فيما يخصه، ويحرم بعد أن اجتهد اتفاقاً.
[الرخصة والعزيمة]
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى: عن قول الفقهاء في الرخصة: إنها ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح، وضدها العزيمة؟
فأجاب: اعلم أن العزيمة شرعاً: حكم ثابت بدليل شرعي خال عن معارض راجح؛ فقوله بدليل شرعي: احتراز عما ثبت بدليل عقلي، وقوله: خال عن معارض، احتراز عما ثبت بدليل شرعي، لكن لذلك الدليل معارض مساو، أو
стр. 1437
راجح، لأنه إن كان المعارض مساوياً لزم الوقوف، وانتفت العزيمة، ووجب طلب المرجح الخارجي، وإن كان راجحاً لزم العمل بمقتضاه وانتفت العزيمة، وثبتت الرخصة، كتحريم الميتة عند عدم المخمصة؛ فالتحريم فيها عزيمة، لأنه حكم ثبت بدليل شرعي خال عن معارض; فإذا وجدت المخمصة حصل المعارض لدليل التحريم، وهو راجح عليه حفظاً للنفس؛ فجاز الأكل وحصلت الرخصة.
وأما الرخصة: فهي ما ثبت على خلاف دليل شرعي، لمعارض راجح، فقوله: ما ثبت على خلاف دليل شرعي احتراز عما ثبت على وفق الدليل، فإنه لا يكون رخصة بل عزيمة، كالصوم في الحضر، وقوله: لمعارض راجح، احتراز عما كان لمعارض غير راجح، بل إما مساوياً فيلزم الوقوف على حصول المرجح، أو قاصراً عن مساواة الدليل الشرعي، فلا يؤثر وتبقى العزيمة بحالها. وعلى التعريف المذكور، يدخل في العزيمة الأحكام الخمسة الثابتة بالأدلة الشرعية، ويدخل في الرخصة ما عارض تلك الأحكام وخالفها لمعارض راجح عليها، كأكل الميتة عند المخمصة.
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: وأما الحديث إذا ذكره بعض المقبولين، ونسبه إلى الصحاح أو المسانيد، فقد ذكر أنه يجوز العمل به، ولو لم يوقف على الأصل، وأظن بعضهم حكى الإجماع على جواز العمل به.
стр. 1438
المسند، والمرسل، أيهما أقوى؟
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: عن المسند والمرسل، أيهما أقوى؟
فأجاب: المسند أقوى من المرسل، وذلك أن المسند: ما اتصل سنده إلى رسول الله ﷺ . فإذا كان السند كلهم ثقات، وليس فيهم شذوذ، فأجمع العلماء على الاحتجاج به إذا لم يعارضه مثله، أو أقوى منه. وأما المرسل: فهو ما رواه التابعي عن النبي ﷺ ، كقول الحسن: قال رسول الله ﷺ كذا، وقول محمد بن شهاب الزهري: قال رسول الله ﷺ ، وقول عطاء: قال رسول الله ﷺ ؛ فسقط رجل بينه وبين رسول الله ﷺ . وكثير من أهل العلم لا يحتج بالمرسل إلا إذا اتصل وأسند من وجه صحيح. فإذا كان كذلك، تبين لك: أن المسند أقوى وأصح من المرسل بكثير. وقولك: ما معناهما؟ فيتبين لك ذلك من جواب المسألة قبلها. ومن أصح المراسيل عندهم، مراسيل سعيد بن المسيب القرشي المدني عالم المدينة؛ وقيل: إنه أعلم التابعين وأفضلهم.
إذا جاء خبران عن النبي ﷺ : أحدهما يدل على الأمر،
والآخر يدل على النهي، أيهما أرجح؟
وسئل: إذا جاء خبران عن النبي ﷺ : أحدهما يدل على الأمر، والآخر يدل على النهي، أيهما أرجح؟
فأجاب: الراجح ما صح سنده عن النبي ﷺ بنقل العدول الثقات الضابطين؛ فإن قدر اتحادهما في الصحة، فإن أمكن معرفة الآخر منهما أخذ بالآخر لأنه هو الناسخ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل رسول الله ﷺ أو قوله؛ فإن لم
стр. 1439
يمكن معرفة ذلك، وأمكن الجمع بينهما فذاك؛ فإن لم يكن ذلك أخذ بالأحوط، والذي عليه الأكثرون من العلماء والفقهاء.
الغريب والمتصل
وسئل الشيخ أحمد بن ناصر: عن الغريب والمتصل؟
فأجاب: الغريب: الذي ليس له إلا سند واحد، كما يقول الترمذي في بعض الأحاديث: هذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه؛ وقد يكون صحيحاً إذا كان رواته موثقين، وقد يكون ضعيفاً؛ فعلى كل تقدير هو ضعف في الحديث. والمتصل: هو ما اتصل سنده إلى منتهاه، سواء كان مرفوعاً أو موقوفاً أو مقطوعاً؛ فيخرج المرسل، والمنقطع، والمعضل.
الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الفرق بين المرفوع والمسند والمتصل؟
فأجاب: اعلم أن المرفوع: ما أضيف إلى النبي ﷺ قولاً أو فعلاً أو حكماً؛ واشترط الخطيب البغدادي: كون المضيف صحابياً، والجمهور على خلافه. والمسند: هو المرفوع، فهو مرادف له؛ وقد يكون متصلاً، كمالك عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ ، وقد يكون منقطعاً، كمالك عن الزهري، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ ؛ إذ الزهري لم يسمع من ابن عباس، فهو مسند منقطع؛ وقد صرح ابن عبد البر بترادفهما؛ والانقطاع يدخل عليهما جميعاً.
стр. 1440
وقيل: إن المسند: ما وصل إسناده إلى الصحابي ولو موقوفاً عليه؛ فالمسند والمتصل سواء، إذ هذا بعينه هو تعريف المتصل، فعلى هذا يفارق المرفوع بقولنا: ولو موقوفاً، فبينه وبين المرفوع على هذا القول عموم وخصوص وجهي، يجتمعان فيما اتصل سنده ورفع إلى النبي ﷺ ، وينفرد المرفوع في المنقطع المرفوع، وينفرد المسند في الموقوف؛ والأكثر على التعريف الأول؛ والعموم والخصوص الوجهي كذلك يجري أيضاً بين المتصل والمرفوع، كما يعرف مما تقدم. وأما قولك: أيهما أصح؟ فاعلم: أن الصحة غير راجعة لهذه الأوصاف باعتبار حقيقتها؛ وإنما الصحة والحسن والضعف أوصاف تدخل على كل من المرفوع والمسند والمتصل، فمتى وجدت، حكم بمقتضاها لموصوفها، لكن المرفوع أولى من المتصل إذا لم يرفع، ومن المسند على القول الثاني إذا لم يرفع أيضاً، لا من حيث الصحة، بل من حيث رفعه إلى النبي ﷺ ؛ وأما الصحة فقد ينفرد بها بعض هذه الأقسام لا من حيث ذاته، والمرفوع إذا لم يبلغ درجة الصحة احتج به في الشواهد والمتابعات كما عليه جمع، والله أعلم وصلى الله على محمد.
أصح الأسانيد
قال الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ﵀: اختلف العلماء في أصح الأسانيد: فقال الإمام
стр. 1441
محمد بن إسماعيل البخاري أصح الأسانيد: مالك عن نافع مولى ابن عمر عن ابن عمر ﵃. القول الثاني: قول الإمام أحمد، ﵀: أصحها: الزهري عن سالم بن عبد الله عن أبيه، ﵄. الثالث: قول عبد الرزاق بن همام اليماني: أصحها: ما رواه زين العابدين علي بن الحسين عن أبيه حسين عن علي، ﵃. الرابع: قول عمرو بن علي الفلاس: أصحها: ما رواه محمد بن سيرين البصري عن عبيدة السلماني الكوفي عن علي ﵁. الخامس: قول يحيى بن معين: أصحها: ما رواه سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم النخعي عن علقمة بن وقاص عن ابن مسعود، ﵃ أجمعين. قال زكريا الأنصاري في شرح ألفية العراقي: والصواب: عدم التعميم مطلقاً، بل يقال: أصح أسانيد ابن عمر: الزهري عن سالم عن أبيه، وأصح أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، ﵃ أجمعين، وأصح أسانيد المدنيين: مالك عن نافع عن ابن عمر، وأصح أسانيد المصريين: الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر، ﵃، وأصح أسانيد اليمانيين: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة، ﵃. قال: وأوهى أسانيد أبي هريرة: السري بن إسماعيل
стр. 1442
عن داود بن يزيد الأودي عن أبيه عن أبي هريرة، وأوهى أسانيد ابن مسعود: شريك عن أبي فزارة عن أبي زيد عن ابن مسعود ﵁، وأوهى أسانيد أنس: داود بن المحبر عن أبيه عن أبان بن عياش عن أنس ﵁.
الفرق بين: حدثنا، وأخبرنا، وأنبأنا
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن الفرق بين حَدَّثَنا وأخبرنا وأنبأنا؟
فأجاب: بينهما فرق اصطلاحي عند المحدثين: فإذا قال المحدث: حدثنا، حمل على السماع من الشيخ، وإذا قال أخبرنا حمل على سماع الشيخ؛ فلفظ الإخبار أعم من التحديث، فكل تحديث إخبار ولا ينعكس، قاله ابن دقيق العيد. وأنبأنا من حيث اللغة واصطلاح المتقدمين بمعنى: أخبرنا، إلا في عرف المتأخرين، فهو للإجازة كعنه، فلما كثر واشتهر استغنى المتأخرون عن ذكره؛ قاله خاتمة المحدثين ابن حجر العسقلاني، والله أعلم.
قول من يقول من المصنفين: رواه الجماعة أو الخمسة ... إلخ
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول مَن يقول من المصنِّفين: رواه الجماعة أو الخمسة ... إلخ؟
فأجاب: المراد بالخمسة: الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. والجماعة: هؤلاء الخمسة المذكورون مع البخاري ومسلم؛ هذا اصطلاح صاحب المنتقى. وإذا قالوا في الحديث مرفوعا،: فالمراد: أنه مرفوع إلى النبي ﷺ من قوله، وضده الموقوف: وهو قول الصحابي
стр. 1443
نفسه. والحديث الغريب: الذي ما يروى إلا من طريق واحد. وإذا قالوا فيه: ليِّن، فهو ضد القوي. وإذا قالوا: على شرط الشيخين، فالمراد بالشيخين البخاري ومسلم، وشرطهما معروف. وإذا قالوا: على شرطهما، أو شرط البخاري، أو مسلم، فالمراد: أن رجال هذا السند يروي لهم البخاري، أو مسلم. وأما أصحاب الرأي، فهم عند المتقدمين: فقهاء الكوفة، كأبي حنيفة وأصحابه، سموا أصحاب الرأي لأنهم توسعوا في القياس، والسلف يسمون القياس رأياً؛ وجميع الأئمة يعتمدون القياس، لكن أهل الكوفة توسعوا فيه، فخصوا بهذا الاسم.
ومن جواب الشيخ سليمان بن علي بن مشرف، قال: وأما أصحاب الرأي فهم خمسة: أبو حنيفة، وزفر، ومحمد بن الحسن، وعثمان البتي، وربيعة؛ وسبب تسميتهم بذلك لأنهم إذا لم يجدوا في المسألة نصاً قاسوها، فإذا أجمعوا عليها بما يرون أثبتوها. انتهى.
هل ينسخ القرآن بعضه بعضاً
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: هل ينسخ القرآن بعضه بعضاً؟ وهل ينسخ السنة، والسنة تنسخه؟
فأجاب: الذي عليه أئمة أهل العلم أن القرآن ينسخ بعضه بعضاً، وفيه آيات معروفة منسوخة، والآية التي نسختها معروفة؛ يعرف ذلك من طلبه من مظانه. وكذلك القرآن ينسخ
стр. 1444
السنة. وأما نسخ القرآن بالسنة، فالذي عليه المحققون من العلماء، أن السنة لا تنسخ القرآن، لكن السنة تفسر القرآن، وتبينه، وتفصل مجمله، لأن الله امتن على أزواج نبيه بالكتاب والحكمة، فقال: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٤] ؛ قال كثير من العلماء: كان جبرائيل ينْزل على النبي ﷺ بالسنة، كما ينْزل عليه بالقرآن، ولا يسمون ذلك نسخاً، بل تفسيراً له وتوضيحاً وتشريعاً للأمة، لأن الله ضمن لنبيه ﷺ جمع القرآن في صدره وبيان معناه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [سورة القيامة آية: ١٧-١٩] .
الرواية بالمعنى للكتاب والسنة
وسئل: هل تجوز الرواية بالمعنى للكتاب والسنة؟
فأجاب: أما قراءة القرآن بالمعنى، فما علمت أحداً يجوز ذلك، وكيف يجوز تغيير كلام الله، وتغيير نظمه الذي أعجز الله به جميع الخلق، وجعله آية ودلالة باهرة على نبوة محمد ﷺ ؟ هذا لا يقوله أحد. وأما رواية الحديث بالمعنى، فهذا مما اختلف فيه العلماء؛ فأجازه طائفة، ومنعه كثيرون من أهل الحديث، والفقهاء وغيرهم.
[معنى الاشتقاق وما يراد به عند المحققين]
قال الشيخ: عبد اللطيف، رحمه الله تعالى، في أثناء جواب له: فأما مسألة الاشتقاق فينبغي أولاً أن يسأل هذا: ما معنى
стр. 1445
الاشتقاق؟ وما يراد به عند المحققين؟ وإن زعم أنه أخذ الأسماء من مصادرها، وأن المصادر متقدمة، فهذا يلزم عليه سبق مادة أخذ منها الاسم، ومجرد القول بهذا لا يرتضى عند المحققين من أئمة الهدى. فإن عرف ذلك، وأجابك عن معنى الاشتقاق على الوجه الذي أشرنا إليه، فأخبره أن البصريين والكوفيين اختلفوا في الاسم من حيث هو، هل هو مشتق من السمو، أو من السمة؟ ذهب البصريون إلى الأول، والكوفيون إلى الثاني. وأصله عند البصريين: سمو على وزن فعل، فحذفت لام الكلمة وهي الواو، ثم سكن أوله تخفيفاً، ثم أتي بهمزة الوصل توصلاً بالنطق بالساكن، فصار اسماً. وعليه، فوزنه افع، ففيه إعلالات ثلاثة وهي: الحذف، ثم الإسكان، ثم الإتيان بهمزة الوصل. وأما على مذهب الكوفيين، فأصله: وسم على وزن فعل، حذفت فاء الكلمة وهي الواو اعتباطاً، ثم عوض عنها همزة الوصل. وعلى هذا، فوزنه اعل. ويسأل عن معنى الإعلال وما يقابله، وعن الاشتقاق الأكبر والأصغر والكبير، وعن معنى الاشتقاق الأكبر، مع المباينة في أكثر الحروف ما معناه؟ فإذا أجابك عن هذا، فأجبه عن سؤاله، وإلا فكيف يسأل عن التفاصيل من أضاع القواعد والجمل.
стр. 1446
ثم قال، ﵀: وأما ما فيه من جهة اللسان العربي، فإن "هل" لا تقابل بـ"أم" لأن ما يقابل بـ"أم" همزة الاستفهام، كما يعلم من محله. وأما قوله: لا تثبت من الرسول، فإن الإثبات يتعدى بـ"عن" لا بـ"من". وكذلك قوله: ولا ممن يعتبر بهم، فإن الاعتبار نوع، والاعتداد نوع آخر، فيعتد بالصالحين وأهل العلم، والاعتبار لا يختص بهم، بل لما ذكر فعل بني النضير بأنفسهم وديارهم قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر آية: ٢] .
[الترشيح والإطلاق والتجريد، ما يراد به عند أهل الفن]
وأما قول السائل: سؤال عن الترشيح والإطلاق أيهما أبلغ؟ وكذلك الإطلاق والتجريد، فينبغي ان يسأل عن الترشيح والإطلاق والتجريد، ما يراد به عند أهل الفن؟ فإن عبارته تفيد عدم معرفته، إذ لا مقابلة بين الترشيح، والإطلاق، والتجريد، في الأبلغية؛ فسؤاله نص ظاهر في جهله. فإن الترشيح يراد به: تقوية الشبه بين المشبه والمشبه به، بأن يذكر ما هو من خواص المشبه به، كقوله: انشبت المنية أظفارها؛ فإن هذا فيه ذكر التقوية بما هو من خواص المشبه به، وهي الأظفار، فالترشيح قوى المعنى المراد. وأما الإطلاق في الاستعارة، فيقابله التقييد. والتجريد معناه: أن يتجرد المتكلم من نفسه مخاطباً، كقول الشاعر:
стр. 1447
يؤدون التحية من بعيد ... إلى قمر من الإيوان بادِ
والبلاغة تختلف باختلاف الأحوال، فتوصف بها الكلمة والكلام والمتكلم؛ وحقيقتها: مطابقة الكلام مقتضى الحال، فإن كان الحال يقتضي الترشيح فهو أبلغ، وإلا فلكل مقام مقال. وأما الإخبار عن الاسم بـ"الذي"، فهو كثير في القرآن وغيره، قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، فأخبر بـ"الذي" عن اسمه الشريف الذي هو أعرف المعارف، و"الذي" اسم أيضاً، بخلاف ما يفيده السؤال. وأما الإخبار عن الاسم بـ"أل" فكقول الشاعر:
ما أنت بالحكم الّترضى حكومته ... ....................................
وكذا كل فعل مضارع دخلت عليه "أل". وأما الإخبار عن اسم من الأسماء بـ"الذين"، فكقوله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٢] . وأما الإخبار بـ"الذين"، فكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٩] ، وقال: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ [سورة النساء آية: ١٦] . وأما الكل، والكلي، فالكل يراد به الجميع، كقوله: "كل المؤمنين يدخلون الجنة"، والكلي ما يقع على الأكثر والغالب، كقولك: "كل بني تميم يحملون الصخرة العظيمة".
стр. 1448
[أما بالتخفيف تأتي على وجهين]
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهما الله تعالى، عن "أما" بالتخفيف؟ فأجاب: "أما" بالتخفيف تأتي على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف تنبيه، كما في قوله: "أما إني لم أكن في صلاة". ويكثر ذلك قبل القسم كما في قوله:
أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمرُ
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها لا يروعهما الذعرُ
وقال الآخر:
أما والذي حجت له العيس وارتمى ... لمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوماً أدلن لي ... على أم عمرو دولة لا أقيلها
وقال الآخر:
أما يستفيق القلب أن ما بدا له ... توهم صيف من سعاد ومربع
أخادع عن إطلالها العين أنه ... متى تعرف الأطلال عيني تدمع
عهدت بها وحشاً عليها براقع ... وهذي وحوش أصبحت لم تبرقع
وهذا إذا قصد به تنبيه المخاطب لما بعدها، والإشارة إلى أن ما بعدها مما يهتم به ويلتفت إليه، كما في قوله ﷺ : " ألا لعنة الله على اليهود والنصارى " ١، " ألا هل بلغت؟ " ٢، " ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب " ٣، وكقول الشاعر:
ألا لا يجهلنْ أحدٌ علينا ... ....................................
стр. 1449
وكما في قوله:
ألا ليت حظي من عطاياك أنني ... علمت وراء الرمل ما أنت صانعُ
والثاني بمعنى: "حقاً" أو "أحق"، وزعم بعض الناس أنها تكون حرف عرض بمعنى "لولا"، فيختص بالفعل كما في قولك: أما يقوم، أما يقعد، ونحوه. و"أما" نحو: أما كان فيهم من يفهم؟ فالهمزة للاستفهام، وما: حرف نفي؛ وليست مما نحن فيه، فتنبه! وأما قولك: ما وجه نصب "عدد خلقه ورضى نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته"؟ فاعلم: أن نصب هذه المصادر على أنها نعت لـ"سبحان"، لأنه اسم محذوف العامل وجوباً، لكونه بدلاً من اللفظ بفعل مهمل، كقول الشاعر:
ثم قالوا تحبها قلت بهراً ... عدد الرمل والحصى والترابِ
فبهرا هنا: اسم منصوب على المفعولية المطلقة، لكونه هنا بمعنى "عجباً" لكن فعله مهمل غير مستعمل، فلذلك حذف وجوباً. وعدد الرمل في البيت: نعت له، ويحتمل أن عدداً وما عطف عليه نصب على المفعولية المطلقة. والعامل يقدر "سبحته" أو "نزهته"، فهو كقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [سورة النور آية: ٤] ، لأن "سبحان": علم على معنى التنْزية والبراءة، أو على لفظه فلا يعمل في المفعول؛ ويمكن أن يقال: لا حاجة إلى هذا التقدير، لأن الاسم قد يعمل لما فيه من رائحة الفعل، ويكون النصب لسبحان، ويقويه قول ابن مالك:
стр. 1450
بمثله أو فعل أو وصف نصبْ ... وكونه أصلاً لهذين انتخبْ
وأما "زنة" فمعناها الموازنة والثقل، بخلاف "ما" إذا كان من بعده الفعل مستعملاً، كقوله:
أذلاّ إذا شب العدى نار حربهم ... وزهواً إذا ما يجنحون إلى السلمِ
وقول الآخر:
خمولاً وإهمالاً وغيرك مولع ... بتثبيت أسباب السيادة والمجدِ
استعمال الماضي موضع المضارع
وسئل أيضاً: الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن استعمال الماضي موضع المضارع؟
فأجاب: مسألة استعمال الماضي موضع المضارع لهم فيها وجهان: أحدهما: أن في استعمال الصيغة الماضية بدل المضارعية تنبيهاً وإشارة إلى تحقيق النفي في الحال والاستقبال، كتحقيق مضي الماضي من الأفعال والأحوال، وذلك باستعارة ما وضع للماضي لما قصد به الحال والاستقبال، تقوية وتأكيداً لمضمون الجملة المنفية؛ وذلك شائع في لسانهم، وفي التنْزيل: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ [سورة النحل آية: ١] ، ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ﴾ ، والمعنى: يأتي، ويقول. ومنه استعمال المضارع بدل الماضي، إشارة إلى التجدد والاستمرار شيئاً فشيئاً، فقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣٣] ، ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ [سورة الحجر آية: ٩٧] ، ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
стр. 1451
الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [سورة الأحزاب آية: ١٨] ، والمعنى: قد علمنا، ومنه قول الأعشى:
وأرى من عصاك أصبح محرو ... باً وكعب الذي يطيعك عالِ
ولقد أسبي الفتاة فتعصي ... وكل واش يريد جزم حبالِ
يريد: رأيت وسبيت. والوجه الثاني: أن الكلمة إن دلت على معنى في نفسها، واقترنت بزمان ففعل، فإن كان الزمان الذي دلت عليه ماضياً فالفعل ماض، وإن كان للحال والاستقبال فالفعل مضارع، وإن كان مستقبلاً فقط فالفعل أمر، كما هو مقرر في موضعه؛ فلو عبر بالمضارع وقال: لا ألبس، مثلاً، لاحتمل أنه قصد النفي في الحال فقط، أو فيما يستقبل فقط، لأن ذلك جرى في لسانهم، ومنه ﴿لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٩٢] ، ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٤٧] ، واحتمل وقوع استثناء يعقبه، فلما عبر بالماضي زال الاحتمال، وانقطع التوقع، وقصد المعنى الأصلي، وهو النفي في الماضي، لئلا يتوهم النفي في الحال والاستقبال؛ تقول: لا لبست، لا ضربت، لا ظلمت، قاصداً الحال والاستقبال، بخلاف: ما ضربت، ما لبست، فإنها للنفي في الماضي. وقولك: ما معنى النفي في قولهم: لا قتلت الميت؟ فالذي في الحلف بالطلاق وتعلقه بالمستحيل: "لأقتلن" بلام التوكيد الموطئة للقسم، والفعل بعدها مؤكد بنون التوكيد الثقيلة، ولا نفي فيها؛ فتنبه!
стр. 1452
باب الطهارة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
كتاب الطهارة أحكام المياه
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، بعد ذكره القواعد التي تدور الأحكام عليها مثلاً يحتذى عليه - وقد تقدمت - ١: باب المياه. فنقول: قال بعض أهل العلم: الماء كله طهور إلا ما تغير بنجاسة أو خرج عنه اسم الماء، كماء ورد أو باقلا ونحوه. وقال آخرون: الماء ثلاثة أنواع: طهور، وطاهر، ونجس؛ والدليل عليه قول النبي ﷺ : " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم " ٢؛ فلولا أنه يفيد منعاً لم ينه عنه. ودليله من النظر: أنه لو وكله في شراء ماء، فاشترى ماء مستعملاً، أو متغيراً بطاهر، لم يلزمه قبوله؛ فدل على أنه لا يدخل في الماء المطلق.
قال الأولون: النبي ﷺ " نهى أن يغتسل الرجل في الماء الدائم " ٣، وإن عصى وفعل فالقول في نجاسة الماء لا تعرض لها في الحديث بنفي ولا إثبات، وعدم قبول الموكل لا يدل؛ فلو اشترى له ماء من ماء البحر لم يلزمه قبوله، ولو اشترى له ماء متقذراً طهوراً لم يلزمه قبوله؛ فانتقض ما قلتموه. فإن
стр. 1453
كنتم معترفين أن هذه الأدلة لا تفيدكم إلا الظن، وقد ثبت أن"الظن أكذب الحديث "، فقد وقعتم في المحرم يقيناً أصبتم أم أخطأتم، لأنكم أتيتم بظن مجرد، فإن قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [سورة النساء آية: ٤٣] كلام عام من جوامع الكلم، فإن دخل فيه هذا خالفتم النص، وإن لم يدخل فيه وسكت عنه الشارع لم يحل الكلام فيه، وعصيتم قوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ١٠١] ؛ وكذلك إذا حرفتم هذا اللفظ العام الجامع، مع قوله ﷺ : " الماء طهور لا ينجسه شيء " ١، وتركتم هذه الألفاظ الواضحة العامة، وزعمتم أن الماء ثلاثة أنواع بالأدلة التي ذكرتموها، وقعتم في طريق أهل الزيغ، في ترك المحكم واتباع المتشابه. فإن قلتم: لم يتبين لنا أنه طهور، وخفنا أن النهي يؤثر فيه، قلنا: قد جعل الله لنا منه مندوحة، وهو الوقف، وقول: لا ندري، وألحق بمسألة المتشابهات؛ وأما الجزم بأن الشرع جعل هذا طاهراً غير مطهر، فقد وقعتم في القول بلا علم، والبحث عن المسكوت عنه، واتباع المتشابه، وتركتم قوله: "وبينهما مشتبهات ".
المسألة الثانية: قولهم: إن الماء الكثير ينجسه البول والعذرة لنهيه ﵇ عن البول فيه، فيقال لهم: الذي ذكر النهي عن البول إذا كان راكداً، وأما نجاسة الماء وطهارته فلم يتعرض لها، وتلك مسألة أخرى يستدل عليها بدليل آخر،
стр. 1454
وهو قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [سورة النساء آية: ٤٣] ، وهذا ماء، وقول النبي ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة، وهي يلقى فيها الحيض وعذرة الناس: " الماء طهور لا ينجسه شيء " ١؛ فمن ترك هذا المحكم، وقع في القول بلا علم واتبع المتشابه، لأنه لا يجزم أن النبي ﷺ أراد نجاسة الماء لما نهى عن البول فيه، وإنما غاية ما عنده الظن؛ فإن قدرنا أن هذا لا يدخل في العموم الذي ذكرنا، وتكلم فيه بالقياس، فقد خالف قوله: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠١] ؛ وإن تعلل بقوله: لم يبن لي دخوله في العموم، وأخاف لأجل النهي عن نجاسته، قيل لك مندوحة عن القول بلا علم، وهو إلحاقه بالمتشابهات، ولا تزعم أن الله شرع نجاسته وحرم شربه.
ومن ذلك: فضلة المرأة، زعم بعضهم أنه لا يرفع الحدث، وولدوا عليه من المسائل ما يشغل الإنسان، ويعذب الحيوان. وقال كثير من أهل العلم، أو أكثرهم: إنه مطهر رافع للحدث. فإن لم يصح الحديث فلا كلام، كما يقوله البخاري وغيره؛ وإن قلنا بصحة الحديث، فنقول: في صحيح مسلم حديث أصح منه أن النبي ﷺ " توضأ واغتسل بفضل ميمونة " ٢؛ وهذا داخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [سورة النساء آية: ٤٣] قطعاً، وداخل في قوله: " طهور لا ينجسه شيء " ٣، وإنما نهي الرجل عن استعمال الماء نهي تنْزيه وتأديب إذا قدر على غيره، للأدلة القاطعة التي ذكرنا. فإذا قال من منع من استعماله: أخاف أن النهي إذا سلمتم صحته يفسد الوضوء، قلنا: إذا خفت
стр. 1455
ذلك فألحقه بالمتشابهات، ولا تقل على الله بلا علم، ولا تولد مسائل كثيرة سكت الشارع عنها في صفة الخلوة وغيرها.
ومن ذلك: الماء الذي دون القلتين، إذا وقعت فيه نجاسة، فكثير من أهل العلم أو أكثرهم على أنه طهور، داخل في تلك القاعدة الجامعة: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [سورة النساء آية: ٤٣] ؛ وسئل النبي ﷺ عن الماء إذا وقعت فيه نجاسة؟ فقال: " الماء طهور لا ينجسه شيء " ١، لكن حمله الآخرون على الكثير، لقوله: " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " ٢؛ قال الأولون: إن سلكنا في الحديث مسلك من قدح فيه من أهل الحديث فلا كلام، ولكن نتكلم فيه على تقدير ثبوته، ونحن نقول بثبوته، لكن لا يدل على ما قلتموه، ومن زعم أن القليل ينجس فقد قال ما لا يعلم قطعاً، لأن اللفظ صرح أنه إن كثر لا يحمل الخبث، ولم يتكلم فيما دون، فيحتمل أنه ينجس على ما ذكرتم، ويحتمل أنه أراد إن كان دونهما فقد يحمل وقد لا يحمل؛ فإذا لم تقطع على مراده بالتحديد، فقد حرم الله القول عليه بلا علم، وإن زعمتم أن أدلتنا لا تشمل هذا فهو باطل، فإنها عامة، وعلى تقدير ذلك يكون من المسكوت عنه، الذي نهينا عن البحث عنه.
فلو أنكم قلتم كمن قال من كرهه من العلماء: أكرهه ولا أستحبه مع وجود غيره، ونحو هذه العبارة التي يقولها من شك في نجاسته، ولم يجزم بأن حكم الشرع نجاسة هذا
стр. 1456
الماء، كنتم قد أصبتم وعملتم بقول نبيكم ﷺ ، سواء كان في نفس الأمر طاهراً أم لا؛ فإن من شك في شيء وتورع عنه، فقد أصاب، ولو تبين بعد ذلك أنه حلال.
وعلى كل حال: فمن زعم أن النبي ﷺ الذي أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم، أراد أن يشرع لأمته أن كل ماء دون القلتين بقلال هجر، إذا لاقى شيئاً نجساً أنه يتنجس، ويصير شربه حراماً، ولا يقبل صلاة من توضأ به، ولا من باشره شيء منه، حتى يغسله، ولم يبين ذلك لهم حتى أتاه أعرابي يسأل عن الماء بالفلاة ترده السباع التي تأكل الميتات، ويسيل فيه من ريقها ولعابها، فأجابه بقوله: " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث " ١، أراد بهذا اللفط أن يبين لأمته، أنه إذا بلغ خمسمائة رطل بالعراقي لا ينجس إلا بالتغير، وما نقص نجس بالملاقاة، وصار كما وصفنا، فمن زعم ذلك فقد أبعد النجعة، وقال ما لا يعلم، وتكلم فيما سكت عنه، واتبع المتشابه، وجعل المتشابه من الحرام البين.
ونسأل الله أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى، ويعلمنا الكتاب والحكمة، ويرينا الحق حقاً ويوفقنا لاتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويوفقنا لاجتنابه، ولا يجعله علينا ملتبساً فنضل؛ وهذه القواعد في جميع أنواع العلوم الدينية عامة، وفي علم الفقه من كتاب الطهارة إلى باب الإقرار خاصة.
стр. 1457
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: عما إذا كان الماء دون القلتين، ووقعت فيه نجاسة، هل ينجس بمجرد وقوع النجاسة؟ أو بالتغير؟
فأجاب: إذا لم يتغير الماء بالنجاسة لم ينجس، سواء كان قليلاً أو كثيراً؛ وهو قول مالك وأهل المدينة، وهو إحدى الروايات عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه. وفي المسألة نحو خمسة أقوال، وهذا هو الذي نختار؛ والدليل عليه: ما رواه الترمذي وغيره عن أبي سعيد، فقال: " أن النبي ﷺ قيل: له أنتوضأ من بئر بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض، ولحوم الكلاب والنتن؟ فقال: الماء طهور لا ينجسه شيء " ١، صححه الإمام أحمد، رحمه الله تعالى. وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " الماء طهور لا ينجسه شيء " ٢، وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه ولونه وطعمه " ٣، رواه ابن ماجة، وضعفه أبو حاتم؛ وللبيهقي: "الماء طهور، إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة تحدث فيه ".
وسئل: عن الماء الذي يجوز الطهارة به ويرفع الحدث؟
فأجاب: هو كل ماء طاهر باق على ما خلقه الله عليه ولم يتغير، فإن تغير بالنجاسة طعمه أو لونه أو ريحه لم تجز الطهارة به.
стр. 1458
وسئل أيضاً: عن ماء راكد فوق القلتين، بال فيه إنسان وحان وقت الصلاة واضطر إليه، هل يتوضأ منه؟
فأجاب: إذا بال الإنسان في ماء راكد، وحان وقت الصلاة، إذا اضطر إليه ولم يجد غيره وهو فوق القلتين ولم تغيره رائحة النجاسة، فالظاهر أنه يتوضأ منه ويرتفع به حدثه.
وسئل: إذا تردت بهيمة في بئر، وتغيرت رائحة الماء، هل يجوز استعماله؟
فأجاب: متى علم بتغير رائحة الماء، لم يجز له استعماله ولا تباح به الصلاة.
وسئل: عمن حضرته الصلاة، ولم يجد إلا ماء زمزم، فهل يجوز له استعماله ... إلخ؟
فأجاب: المسألة فيها خلاف، والظاهر أنه يجوز له استعماله من غير كراهة؛ وأما إذا وجد غيره، ففيه ثلاث روايات: الأولى: لا يكره، والثانية: يكره، والثالثة: يكره الغسل دون الوضوء، اختارها الشيخ.
وسئل بعضهم: عن الماء المتنجس بالتغير وهو كثير، إذا حوض وترك حتى صفا، هل يطهر؟
فأجاب: الذي ذكر الفقهاء أن الماء المتنجس بالنجاسة، إذا تغير طعمه أو لونه أو ريحه، فإنه لا يطهر حتى يزول التغير بنَزحه، أو بمكاثرته بالماء، أو بزوال تغيره بنفسه
стр. 1459
إذا كان كثيراً؛ والكثير عند الحنابلة وغيرهم: ما كان قلتين فأكثر، وأما التراب: فالمشهور عندهم أنه لا يطهره، لأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره أولى؛ قال في الفروع: وقيل بلى، وأطلق في الإيضاح روايتين، وللشافعي قولان؛ فعلى هذا، إذا زال عنه أثر النجاسة بالكلية، ولم يبق فيه لون، ولا طعم، ولا ريح، فإنه يطهر لزوال النجاسة منه، كالخمرة إذا انقلبت بنفسها خلاً، وكذلك النجاسة إذا استحالت.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا بلغ الماء قلتين، ووقع فيه بول آدمي، أو عذرته؟
فأجاب: وأما ما بلغ قلتين فأكثر، إذا وقع فيه بول آدمي أو عذرته، فعند أكثر العلماء أنه لا فرق بين بول الآدمي وعذرته، وبين سائر النجاسات؛ وهو إحدى الروايتين عن أحمد. وعن أحمد رواية أخرى: أن الماء ينجس ببول الآدمي وعذرته، إلا أن يكون مثل المصانع التي بطريق مكة ونحوها، لحديث أبي هريرة " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " ١. والجمهور يخصون هذا الحديث بحديث القلتين، ويقوي ذلك: أن بول الآدمي لا يزيد على بول الكلب، وهو لا ينجس القلتين؛ فيجمع بين الحديثين: بأن يحمل حديث أبي هريرة على ما دون القلتين، مع أن الحديث ليس فيه صراحة بأنه ينجس بالبول فيه؛ والقول بأن حكم بول الآدمي كغيره هو الصحيح إن شاء الله تعالى.
стр. 1460
وأما الفرق بين الجاري وغيره، ففيه خلاف؛ والمشهور في المذهب أنه لا فرق بين الجاري وغيره، فينجس القليل إذا لاقته النجاسة وإن كان جارياً؛ وعن أحمد رواية أخرى: أن الجاري لا ينجس إلا بالتغير، اختارها جماعة من الأصحاب، وهو مذهب أبي حنيفة. كما أن في أصل المسألة رواية مشهورة اختارها ابن عقيل والشيخ تقي الدين وغيرهما: أن الماء مطلقاً لا ينجس إلا بالتغير وفاقاً لمالك، وعلى القول بأنه لا فرق بين الجاري وغيره، إذا كان مجموع الجاري يبلغ قلتين لم ينجس إلا بالتغير على المذهب؛ وهذا أيضاً لو خالطه مستعمل كثير لم يؤثر، وإن كان مجموع الجاري لا يبلغ قلتين وخالطه مستعمل، لو قدرنا أن هذا المستعمل المخالط أحمر أو أصفر مثلاً، ولم يغير الطهور تغيراً كثيراً، لم يضره؛ وقد نص أحمد فيمن انتضح من وضوئه في إنائه لا بأس.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الماء إذا كان قدره أربعين صاعاً أو أكثر، ووجد فيه أثر كلب، هل يجوز الوضوء منه؟
فأجاب: يجوز الوضوء منه، لأن الصحيح من أقوال العلماء أن الماء لا ينجس إلا أن يتغير بالنجاسة؛ قال في الشرح: الرواية الثانية: لا ينجس الماء إلا بالتغير؛ روي عن حذيفة وأبي هريرة وابن عباس، ومالك وابن المنذر، وهو قول
стр. 1461
الشافعي، لقوله ﷺ لما سئل عن بئر بضاعة: " الماء طهور لا ينجسه شيء " ١، رواه أبو داود والنسائي، والترمذي وحسنه، وصححه أحمد، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، والشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى.
وسئل: عن الماء القليل إذا خالطته نجاسة ولم تغيره؟
فأجاب: الذي يترجح عندنا طهارته، وأنه لا ينجس إلا بالتغير؛ لكن الاحتياط حسن، نفعله خروجاً من الخلاف.
وسئل: عن تغير الماء بزبل ما يؤكل لحمه؟
فأجاب: هو طاهر عند جمهور العلماء، كمالك وأحمد بن حنبل؛ وقد دل على ذلك الأدلة الشرعية الكثيرة، كما قد بسط القول في ذلك، وذكر فيه بضعة عشر حجة؛ وإن تيقن أن تغيره بنجاسة فإنه ينجس، وإن شك هل الروث روث ما يؤكل لحمه، أو ما لا يؤكل لحمه، ففيه قولان في مذهب أحمد وغيره.
وسئل أيضاً: عن ماء وردت عليه إبل وغنم وهو كثير، وتغير بأبوالها، هل يسلب ذلك طهوريته؟
فأجاب: الماء إذا خالطه بول أو روث طاهر فلا يضره، إذا كان باقياً على إطلاقه، وما تلقيه الريح والسيول يعفى عنه.
стр. 1462
وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الجثجاث أو غيره إذا وضع في اللزاء ١ أو غيره؟
فأجاب: لا بأس بالماء الذي يجعل فيه جثجاث، والذي يتغير، مثل ماء الألزية، من الظل الذي يجعل عليه إذا أصابه المطر.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀، عن البرك، هل يغتسل فيها ... إلخ؟
فأجاب: والبرك الذي فيها ماء ساكن، لا يغتسل فيها من الجنابة؛ والأحسن أن يأخذ الماء ويغتسل به خارجاً، أو يستنجي به؛ وأما غسل الأعضاء فلا بأس به.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى: ينبغي التنبيه على أمر مهم عمت به البلوى ويتعين إنكاره، وهو الاستنجاء في البرك ونحوها، وفيه خطر عظيم لا سيما على الرواية المشهورة في مذهب أحمد، اختارها أكثر المتقدمين والمتوسطين، وهي: أن الماء ينحس بملاقاة بول الآدمي، وعذرته المائعة أو الجامدة إذا ذابت فيه، واستدلوا بحديث أبي هريرة مرفوعاً: " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة " ٢؛ والنهي يقتضي الفساد. وعلى كلا الروايتين هو كالبول، لأنه في معنى البول؛ وقد نص العلماء أنه مثل البول، كالحافظ العراقي في التقريب وغيره، فيتعين لذلك أن تعلنوا بالنهي على رؤوس الأشهاد في مجامع الناس،
стр. 1463
لما فيه من خطر التنجيس، والوقوع في المنهي عنه من تقذير الماء.
وسئل: عن غمس يد القائم من نوم الليل، هل يسلب الماء الطهورية؟
فأجاب: اعلم أن أحمد نص في رواية أخرى على أن غمسهما في الماء القليل لا يسلبه الطهورية، واختاره من أصحابه الخرقي، والموفق، وأبو البركات ابن تيمية، وابن أبي عمر في شرح المقنع، وجزم به في الوجيز وفاقاً لأكثر الفقهاء، وقال في شرح مسلم: الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهي تنْزيه، لا نهي تحريم؛ فلو خالف وغمس لم يفسد الماء، ولم يأثم الغامس؛ وأما الحديث فمحمول على التنْزيه.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى، عن قول شارح الزاد: غير تراب ونحوه، ما نحوه؟
فأجاب: اعلم أن نحو التراب هنا، ما كان من الأجزاء الأرضية، كالرمل والنورة، أو من المائعات الطاهرة، وكذا كل ما لا يدفع النجاسة عن نفسه، فإنه لو أضيف أحد هذه الأشياء إلى الماء الكثير المتنجس لم يطهر بإضافته إليه، لكون المضاف لا يدفع عن نفسه، فعن غيره أولى، ولو زال به التغير على أظهر الوجهين.
стр. 1464
باب الاستنجاء
وسئل الشيخ عبد اللطيف عن قول شارح الزاد، نقلاً عن صاحب النظم: وتحرم القراءة في الحش وسطحه، وهو متوجه على حاجته؟
فأجاب: اعلم أن قوله: متوجه، من كلام صاحب الفروع، ومعناه: أن التحريم يتوجه إذا كان المتخلي جالساً على حاجته بهذا القيد؛ فافهم ذلك وتفطن؛ والكلام في التحريم والكراهة، وبيان المختار، يستدعي بسطاً طويلاً.
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن السلام على المتخلي؟
فأجاب: أما السلام على الذي فى الخلاء فمكروه، ولا يرد على المسلِّم.
وسئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن السلام على المستجمر ورده؟
فأجاب: الظاهر عدم كراهية ذلك، وإنما يكره ذلك في حق المتخلي. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: وأنا أضرب
стр. 1465
لك مثلاً بمسألة واحدة، وهي مسألة الاستجمار ثلاثاً فصاعدا من غير عظم ولا روث؛ وهو كاف مع وجود الماء، عند الأئمة الأربعة وغيرهم، وهو إجماع الأمة لا خلاف في ذلك، ومع هذا لو يفعله أحد لصار هذا عند الناس أمراً عظيماً، ولنهوا عن الصلاة خلفه وبدعوه، مع إقرارهم بذلك لأجل العادة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: الاستجمار بثلاثة أحجار أو أكثر، إذا أزال الإنسان بذلك النجاسة وبلتها يكفي عن الاستنجاء باتفاق العلماء، لكن الاستنجاء بالماء مع الاستجمار أفضل وأكمل؛ والاستجمار لا يحتاج إلى نية للصلاة، لأنه من التروك، والتروك لا تحتاج إلى نية.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن كراهية بعض الناس الاستجمار في الأرض لأنه خلق منها؟ فأجاب: هذا وسواس شيطاني ما يلتفت إليه.
стр. 1466
باب السواك وسنن الفطرة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الختان؟
فأجاب: أما الختان فهو أخذ القلفة، ومن زاد على ذلك فقد خالف المشروع، فيؤدب ويضرب. وأجاب أيضاً: وأما مسألة بعض الناس، الذين ختانهم بالسلخ، فهذا لا يجوز في دين الإسلام؛ فأنتم انهوا الناس عن فعل هذا، وأغلظوا عليهم الكلام، وأخبروهم أن من فعل هذا يؤدب أدباً بليغاً. وأجاب أيضاً: وكذلك من اختتن غير ختان السنة، فإن كان فعله وهو جاهل فلا أدب عليه.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن قص الشارب وحفه؟
فأجاب: قص الشارب وحفه سنة مؤكدة، ويكره تركه؛ وصرح بعضهم بوجوب القص، فيكون عدم القص محرماً، لحديث: " من لم يأخذ شاربه فليس منا " ١.
وأجاب أيضاً: وأما قصه على اختلاف بينهم في الأول، ى سوى ابن حزم، فإنه حكى الإجماع على أن قص الشارب
стр. 1467
وإعفاء اللحية فرض، واستدل عليه بحديث زيد بن أرقم المرفوع: " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " ١؛ قال في الفروع: وهذه الصيغة تقتضي عند أصحابنا التحريم، قال: وعبر أصحابنا وغيرهم بالاستحباب؛ وأما أمره ﷺ بذلك مخالفة للمجوس والمشركين، فلا يلزم منه الوجوب، لأن مخالفتهم قد تكون واجبة، وقد تكون غير واجبة، كقوله ﷺ : " إن اليهود لا يصبغون فخالفوهم " ٢، وكأمره بالصلاة في النعال والخفاف مخالفة لليهود.
وسئل: عن أخذ الرجل من طول لحيته إذا كانت دون القبضة؟
فأجاب: الظاهر الكراهة، لقول النبي ﷺ : " أعفوا اللحى " ٣، وفي حديث آخر: " أرخوا اللحى "؛ والسنة عدم الأخذ من طولها مطلقاً، وإنما رخص بعض العلماء في أخذ ما زاد عن القبضة لفعل ابن عمر ﵁، وبعض العلماء يكره ذلك، لقول النبي ﷺ : " أعفوا اللحى ". وأما حلق ما على الخدين من الشعر فلا شك في كراهته، لمخالفة قول النبي ﷺ : " أعفوا اللحى "؛ واللحية في اللغة: اسم للشعر النابت على الخدين والذقن؛ ومعنى قوله: " أعفوا اللحى " أي: وفروها واتركوها على حالها، مع أنه ورد حديث في النهي عن ذلك، فروى الطبراني عن ابن
стр. 1468
عباس ﵄، عن النبي ﷺ قال: " من مثل بالشعر ليس له عند الله خلاق " ١؛ قال الزمخشري، معناه: صيره مثلة بأن نتفه، أو حلقه من الخدود، أو غيره بسواد، وقال في النهاية، مثل بالشعر: حلقه من الخدود، وقيل نتفه أو تغييره بسواد؛ فهذا الحديث ظاهر في تحريم هذا الفعل، والله أعلم.
وقال أصحابنا: يباح للمرأة حلق وجهها وحفه، ونص أحمد على كراهة حف الرجل شعر وجهه، والحف أخذه بالمقراض، والحلق بالموسى؛ فإذا كره الحف فالحلق أولى بالكراهة، ويكفي في ذلك أنه مخالف لسنة النبي ﷺ في قوله: "أعفوا اللحى "، وفي الحديث: " وفروا اللحى، خالفوا المشركين " ٢.
وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن معنى عقد اللحية في حديث: " إن من عقد لحيته ... " ٣ ... إلخ؟
فأجاب: عقد اللحية لا أعلمه، لكن ذكر في الآداب كلاماً يقتضي أنه شيء يفعله بعض الناس في الحرب على وجه التكبر.
стр. 1469
سئل أبناء الشيخ محمد، وحمد بن ناصر: عن حلق بعض شعر الرأس، وترك بعضه؟
فأجابوا: الذي تدل عليه الأحاديث: النهي عن حلق بعضه وترك بعضه؛ فأما تركه كله فلا بأس إذا أكرمه الإنسان، كما دلت عليه السنة الصحيحة. وأما حديث كليب فهو يدل على الأمر بالحلق عند دخوله في الإسلام، إن صح الحديث، ولا يدل على أن استمرار الحلق سنة. وأما تعزير من لم يحلق وأخذ ماله فلا يجوز، وينهى فاعله عن ذلك، لأن ترك الحلق ليس منهياً عنه، وإنما نهى عنه ولي الأمر، لأن الحلق هو العادة عندنا، ولا يتركه عندنا إلا السفهاء، فنهي عن ذلك نهي تنْزيه، لا نهي تحريم، سداً للذريعة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الحناء إذا اختضب به الرجل؟
فأجاب: الحناء لا بأس به إذا اختضب به الرجل في يديه، ورجليه، غير قاصد للتشبه بالنساء، ولا يريد به الزينة.
وسئل: عن الوشم؟
فأجاب: أما الوشم فهو حرام فعله، وصح أن النبي ﷺ " لعن الواشمة والمستوشمة " ١؛ فالمرأة التي تفعل الوشم تؤدب وتضرب إلى أن تنتهي.
стр. 1470
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد: عن قولهم: إذا استعمل الماء ولم يدخل يده في الإناء لم يصح وضوؤه، وفسد الماء ... إلخ؟
فأجاب: فساد الماء هنا سلب طهوريته، فما حصل في يده قبل غسلها ثلاثاً بنية من نوم ليل فسد وإن لم يدخلها الإناء، هذا معنى ما جزم به في الإقناع والمنتهى وشرح الزاد. وقال الشيخ عثمان في حاشية المنتهى: ومعنى قوله: وفسد الماء، أي: الذي حصل في يده، وهو مبني فيما يظهر على القول بأن حصوله في بعضها كحصوله في كلها، كما اختاره جمع؛ أما على الصحيح فينبغي صحة الوضوء ونحوه، حيث لم يحصل في جميع اليد. انتهى؛ وهو مفرع على ما هو الصحيح من المذهب أن غسلهما لمعنى فيهما. وقال في الشرح: وذكر أبو الحسن رواية أنه لأجل إدخالها الإناء، فيصح وضوؤه، ولم يفسد الماء إذا استعمله من غير إدخال.
وسئل: هل يكفي غسل إحدى اليدين؟
فأجاب: الذي مشى عليه العلماء، ﵏، أن هذا الحكم يتعلق باليدين معاً، فلا تختص به اليمنى دون الشمال، مع أن الوارد في الحديث الإفراد؛ فلنذكر الحديث ببعض ألفاظه، منسوباً إلى مخرجيه إن شاء الله تعالى،
стр. 1471
فأقول: أخرجه الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأهل السنن وغيرهم، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " ١، هذا لفظ مالك، والبخاري، وللشافعي نحوه؛ وللنسائي: " فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً " ٢، وله والدارقطني: " فإنه لا يدري أين باتت يده منه " ٣. وللدارمي في الوضوء، ولأبي داود: " إذا استيقظ أحدكم من الليل " ٤، وكذا للترمذي، وفي الباب عن جابر وابن عمر، ﵃. ووجه تعميم اليدين بهذا الحكم - والله أعلم - لكونه مفرداً مضافاً، وهو يعم، وهو ظاهر على ما ذهب إليه الإمام أحمد تبعاً لعلي وابن عباس، والمحكي عن الشافعية والحنفية خلافه، ذكره في القواعد الأصولية؛ فعلى قولهم، لا يظهر لي وجهه، والله أعلم.
стр. 1472
باب الوضوء
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط الرابع - يعني من شروط الصلاة -: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف؛ وموجبه الحدث؛ وشروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية الماء وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه.
وأما فروضه فستة: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق، وحدّه طولاً من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضاً إلى فروع الأذنين، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس ومنه الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة؛ والدليل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٦] . ودليل الترتيب: الحديث: "ابدؤوا بما بدأ الله به ". ودليل الموالاة: حديث صاحب اللمعة، عن النبي ﷺ أنه رأى رجلاً في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء،
стр. 1473
فأمره بالإعادة. وواجبه التسمية مع الذكر.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الحناء في مواضع الوضوء؟
فأجاب: وأما الحناء، فيغسل إذا دخل وقت الصلاة.
سئل الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵏: إذا غسل يديه ثم استنجى، ثم أراد أن يتوضأ، فهل يغسل يديه بعد الاستنجاء وقبل الوضوء؟
فأجاب: هذه المسألة لم أرها في كلام أحد من الأصحاب، وإنما ذكروا استحباب غسلهما عند الوضوء، وإن تيقن طهارتهما، لعموم الأدلة؛ قاله في الإنصاف، وقيل: لا يغسلهما إذا تيقن طهارتهما، بل يكره، ذكره في الرعاية. وقال القاضي: إن شك فيهما غسلهما، وإن تحقق طهارتهما خُيِّر. انتهى. والأول هو قول أكثر أهل العلم، لأن عثمان وعلياً وعبد الله بن زيد، وصفوا وضوء رسول الله ﷺ وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثاً؛ لكن يقال: إذا غسل الإنسان كفيه عند الاستنجاء، ثم استنجى وتوضأ في الحين من غير فصل، وهو الصورة المسؤول عنها، فقد حصل المقصود من غسلهما قبل الوضوء؛ والفقهاء عللوا الأمر بغسلهما بإرادة نقل الماء إلى الأعضاء، ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، وهذا حاصل بغسلهما قبل الاستنجاء.
стр. 1474
ويدل على هذا: أن عائشة وميمونة، ﵄، وصفتا وضوء رسول الله ﷺ وذكرتا أنه يغسل يديه قبل أن يستنجي، ولم يذكرا ذلك عند إرادته الوضوء، وفي لفظ حديث عائشة، ﵂: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يده، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوء الصلاة " ١، وحديث ميمونة: " أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ على فرجه فغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوء الصلاة، ثم أفرغ على رأسه " ٢، وذكر تمام غسله في كلا الحديثين، ولم يذكر أنه غسل كفيه بعد الغسل الأول؛ وهو دليل على ما ذكرنا.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول الشيخ، ﵀: فإن الله أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو.
فأجاب: مراده أن الأمر بالمسح بالعضو، أبلغ من مسح العضو، وأن الباء تقتضي أن يكون هناك شيء يمسح به العضو، بخلاف إذا لم تذكر الباء، وهذه الباء تسمى: باء الإلصاق، أي: إلصاق الفعل بالمفعول، إذ المسح إلصاق ماسح بممسوح، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برؤوسكم، أي: المسح بالماء في الوضوء، وبالصعيد في التيمم، وهذا
стр. 1475
بخلاف ما لو قيل: امسحوا رؤوسكم، فإنه لا يدل على أن ثم شيئاً ملصقاً كما يقال: مسحت رأس اليتيم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن توضأ لنافلة، هل يصلى به الفرض؟ فأجاب: يصلي به ما شاء، فرضاً أو نفلاً؛ قال في الشرح الكبير: ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد، لا نعلم فيه خلافاً.
وسئل: عن الأذكار التي تقولها العامة عند الوضوء على كل عضو؟
فأجاب: لا يجوز، لأنه بدعة؛ قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: الأذكار التي تقولها العامة عند غسل كل عضو، لا أصل لها.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن يقرأ سورة القدر بعد الوضوء؟
فأجاب: أما قراءة سورة القدر بعد الوضوء، فلا أصل له.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن السلام على الذي يتوضأ، أو يستنجي؟
فأجاب: أما السلام على الذي يتوضأ، فلا أعلم فيه كراهة، فإذا سلم عليه، رد ﵇؛ وأما السلام على الذي يستنجي بالماء في المطهرة، فلا أعلم.