فأقول: أخرجه الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأهل السنن وغيرهم، من حديث أبي هريرة مرفوعاً: " إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " ١، هذا لفظ مالك، والبخاري، وللشافعي نحوه؛ وللنسائي: " فلا يغمس يده في وضوئه حتى يغسلها ثلاثاً " ٢، وله والدارقطني: " فإنه لا يدري أين باتت يده منه " ٣. وللدارمي في الوضوء، ولأبي داود: " إذا استيقظ أحدكم من الليل " ٤، وكذا للترمذي، وفي الباب عن جابر وابن عمر، ﵃. ووجه تعميم اليدين بهذا الحكم - والله أعلم - لكونه مفرداً مضافاً، وهو يعم، وهو ظاهر على ما ذهب إليه الإمام أحمد تبعاً لعلي وابن عباس، والمحكي عن الشافعية والحنفية خلافه، ذكره في القواعد الأصولية؛ فعلى قولهم، لا يظهر لي وجهه، والله أعلم.
стр. 1472
باب الوضوء
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط الرابع - يعني من شروط الصلاة -: رفع الحدث، وهو الوضوء المعروف؛ وموجبه الحدث؛ وشروطه عشرة: الإسلام، والعقل، والتمييز، والنية، واستصحاب حكمها، بأن لا ينوي قطعها حتى تتم الطهارة، وانقطاع موجب، واستنجاء أو استجمار قبله، وطهورية الماء وإباحته، وإزالة ما يمنع وصوله إلى البشرة، ودخول وقت على من حدثه دائم لفرضه.
وأما فروضه فستة: غسل الوجه، ومنه المضمضة والاستنشاق، وحدّه طولاً من منابت شعر الرأس إلى الذقن، وعرضاً إلى فروع الأذنين، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح جميع الرأس ومنه الأذنان، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والترتيب، والموالاة؛ والدليل: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٦] . ودليل الترتيب: الحديث: "ابدؤوا بما بدأ الله به ". ودليل الموالاة: حديث صاحب اللمعة، عن النبي ﷺ أنه رأى رجلاً في قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء،
стр. 1473
فأمره بالإعادة. وواجبه التسمية مع الذكر.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الحناء في مواضع الوضوء؟
فأجاب: وأما الحناء، فيغسل إذا دخل وقت الصلاة.
سئل الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵏: إذا غسل يديه ثم استنجى، ثم أراد أن يتوضأ، فهل يغسل يديه بعد الاستنجاء وقبل الوضوء؟
فأجاب: هذه المسألة لم أرها في كلام أحد من الأصحاب، وإنما ذكروا استحباب غسلهما عند الوضوء، وإن تيقن طهارتهما، لعموم الأدلة؛ قاله في الإنصاف، وقيل: لا يغسلهما إذا تيقن طهارتهما، بل يكره، ذكره في الرعاية. وقال القاضي: إن شك فيهما غسلهما، وإن تحقق طهارتهما خُيِّر. انتهى. والأول هو قول أكثر أهل العلم، لأن عثمان وعلياً وعبد الله بن زيد، وصفوا وضوء رسول الله ﷺ وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثاً؛ لكن يقال: إذا غسل الإنسان كفيه عند الاستنجاء، ثم استنجى وتوضأ في الحين من غير فصل، وهو الصورة المسؤول عنها، فقد حصل المقصود من غسلهما قبل الوضوء؛ والفقهاء عللوا الأمر بغسلهما بإرادة نقل الماء إلى الأعضاء، ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء، وهذا حاصل بغسلهما قبل الاستنجاء.
стр. 1474
ويدل على هذا: أن عائشة وميمونة، ﵄، وصفتا وضوء رسول الله ﷺ وذكرتا أنه يغسل يديه قبل أن يستنجي، ولم يذكرا ذلك عند إرادته الوضوء، وفي لفظ حديث عائشة، ﵂: " كان رسول الله ﷺ إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يده، ثم يفرغ بيمينه على شماله فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوء الصلاة " ١، وحديث ميمونة: " أدنيت لرسول الله ﷺ غسله من الجنابة، فغسل كفيه مرتين أو ثلاثاً، ثم أدخل يده في الإناء، ثم أفرغ على فرجه فغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فدلكها دلكاً شديداً، ثم توضأ وضوء الصلاة، ثم أفرغ على رأسه " ٢، وذكر تمام غسله في كلا الحديثين، ولم يذكر أنه غسل كفيه بعد الغسل الأول؛ وهو دليل على ما ذكرنا.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قول الشيخ، ﵀: فإن الله أمر في الوضوء والتيمم بالمسح بالعضو لا مسح العضو.
فأجاب: مراده أن الأمر بالمسح بالعضو، أبلغ من مسح العضو، وأن الباء تقتضي أن يكون هناك شيء يمسح به العضو، بخلاف إذا لم تذكر الباء، وهذه الباء تسمى: باء الإلصاق، أي: إلصاق الفعل بالمفعول، إذ المسح إلصاق ماسح بممسوح، فكأنه قيل: ألصقوا المسح برؤوسكم، أي: المسح بالماء في الوضوء، وبالصعيد في التيمم، وهذا
стр. 1475
بخلاف ما لو قيل: امسحوا رؤوسكم، فإنه لا يدل على أن ثم شيئاً ملصقاً كما يقال: مسحت رأس اليتيم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن توضأ لنافلة، هل يصلى به الفرض؟ فأجاب: يصلي به ما شاء، فرضاً أو نفلاً؛ قال في الشرح الكبير: ولا بأس أن يصلي الصلوات بالوضوء الواحد، لا نعلم فيه خلافاً.
وسئل: عن الأذكار التي تقولها العامة عند الوضوء على كل عضو؟
فأجاب: لا يجوز، لأنه بدعة؛ قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: الأذكار التي تقولها العامة عند غسل كل عضو، لا أصل لها.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن يقرأ سورة القدر بعد الوضوء؟
فأجاب: أما قراءة سورة القدر بعد الوضوء، فلا أصل له.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن السلام على الذي يتوضأ، أو يستنجي؟
فأجاب: أما السلام على الذي يتوضأ، فلا أعلم فيه كراهة، فإذا سلم عليه، رد ﵇؛ وأما السلام على الذي يستنجي بالماء في المطهرة، فلا أعلم.
стр. 1476
باب المسح على الخفين
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يشترط تقدم الطهارة للجبيرة؟
فأجاب: المسألة فيها خلاف، والأظهر: أنه لا يشترط تقدم الطهارة للجبيرة؛ والمسح يكفي عن التيمم، والجمع بينهما أحسن، خروجا من الخلاف.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: دليلهم في اشتراط ذلك: القياس على الخف والعمامة، بجامع الحائل؛ فننظر: هل هذا القياس صحيح باجتماع أركان القياس الصحيح فيه، أو لا؟ وإنما يتضح ذلك بنقل عبارة أهل الأصول المحررة، وتمهيد قواعدهم المقررة؛ ولو ذهبنا لنقلها في هذا الموضع، لأدى بنا ذلك إلى التزام ما لا يلزم. إذا علمت ذلك، فما اعتمده متأخرو الأصحاب من هذا الاشتراط، هو إحدى الروايتين عن أحمد؛ والثانية: لا يشترط لمسح الجبيرة تقدم الطهارة، اختارها الخلال، وابن عقيل، وأبو عبد الله ابن تيمية في التلخيص، والموفق، وجزم به في الوجيز، للأخبار، والمشقة، لكون الجرح قد يقع في
стр. 1477
حال يتضرر منها; ففي اشتراط تقدم الطهارة لها، إفضاء إلى الحرج الموضوع.
وسئل: إذا سقطت الجبيرة بنفسها من غير برء، هل تنتقض الطهارة بذلك؟
فأجاب: قال في الفروع: إذا زالت الجبيرة فكالخف؛ وقيل: طهارته باقية قبل البرء، واختاره شيخنا مطلقاً، كإزالة شعر. انتهى. وعني بشيخه: أبا العباس ابن تيمية. قال العسكري: فلو خلع الجبيرة على طهارة، لم ينتقض وضوؤه بمجرد خلعها، وقال في الإقناع، والمنتهى، وشرح المفردات: وزوال جبيرة كخف. انتهى. وكذا عبر غيرهم بلفظ: زلت، وزوال، وكلا اللفظين أعم من أن يكون بفعل؛ فعلى هذا، إن كان سقوطها على طهارة، لم تنتقض الطهارة به، وإن كان بعد حدث، انتقضت؛ وعلى الثانية، هي باقية مطلقاً، ما لم يبرأ.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا شك هل مسح قبل الظهر، أو بعده، وقلنا ابتداء المدة من المسح؟
فأجاب: إذا شك هل مسح قبل الظهر أو بعده، لم تلزمه الإعادة، لأن الأصل المسح. وقيل: يلزمه إعادة الظهر، ويخلع من الغد قبل الظهر، فيرد كل شيء إلى أصله.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عمن نسي المسح على خفيه؟
فأجاب: إذا نسي المسح على خفيه، فعليه الإعادة، لأنه ترك عضوين.
стр. 1478
باب نواقض الوضوء
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: ونواقضه ثمانية: الخارج من السبيلين، والخارج الفاحش النجس من الجسد، وزوال العقل، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج باليد، قُبلاً كان أو دبراً، وأكل لحم الجزور، وتغسيل الميت، والردة عن الإسلام، أعاذنا الله من ذلك.
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن نقض الوضوء بالقيء؟
فأجاب: وأما نقض الوضوء بالقيء، ففيه خلاف؛ والمشهور عن أحمد: أنه ينقض إذا كان كثيراً، ولا ينقض اليسير منه; وذهب مالك، والشافعي، وغيرهما، إلى أنه لا ينقض الوضوء، ولو كثر، لكن يستحب الوضوء منه، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ﵀. وأما الخروج من الصلاة لأجل الخارج اليسير من القيء أو الدم، فإن كان يسيراً صلى ولم يقطع الصلاة، ولا إعادة عليه، لأنه روي عن الصحابة نحو ذلك؛ "فابن أبي أوفى بزق دماً، ثم قام فصلى "، "وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ "، وأبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه.
وأجاب الشيخ حمد بن عتيق، ﵀: القيء
стр. 1479
والرعاف لا ينقض إذا كان خفيفاً، ولا ينفتل من صلاته إذا كان يسيراً.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل ينقض النظر، أو مس المرأة بشهوة؟
فأجاب: النظر ليس بناقض، وأما المس فينقض الوضوء؛ وفرقوا، هل ينقض الماس والممسوس؟ أم الماس فقط؟ على روايتين؛ والأظهر من ذلك أنه ينقض الكل.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل ينقض مس فرج الحيوان؟
فأجاب: لمس فرج الحيوان غير الآدمي لا ينقض الوضوء، حياً ولا ميتاً، باتفاق الأئمة، وذكر بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي فيه وجهين؛ وإنما تنازعوا في مس فرج الإنسان خاصة، بظهر الكف وباطنه كله، الأصابع والراحة ; ومنهم من يقول: لا ينقض، كأبي حنيفة وأحمد في رواية عنه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا تيقن الطهارة، وشك في الحدث ... إلخ.
فأجاب: إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث، بنى على ما تيقنه.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: هل يمكن الصبي من اللوح ... إلخ؟
فأجاب: أما مس الصبي المكتوب من القرآن في اللوح فالمشهور في المذهب: أنه لا يجوز، لكن لا يمكن التحرز من ذلك؟ وفيه رواية عن أحمد بالجواز.
стр. 1480
باب الغسل
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: هل يكفي غسل اليد بنية القيام من نوم الليل، أو من الجنابة أو الأعلى يرتفع به الأدنى ... إلخ؟
فأجاب: النية هنا ليست مرادة للقيام، وإنما تراد لأجل النوم، فافهم. ولا يكفي نية غسلها من نوم الليل عن الجنابة كالعكس، على الأصح فيه، لأنهما أمران مختلفان، فيعتبر لكل منهما نية؛ أما على الوجه الثاني، وهو: أن غسلهما من النوم لا يفتقر إلى نية، فيجزي عنه نية الحدث الأكبر، وكذا على قول الجمهور، أنه لا يجب غسلهما من نوم الليل بل يستحب.
وقوله: أو الأعلى يرتفع به الأدنى، جوابه يظهر مما قبله. وقوله: وما الأعلى منهما؟ أقول: اتفقوا على أن ما يوجب الوضوء وحده يسمى أصغر، وما يوجب الغسل يسمى أكبر، ونصوا على أن الحدث الأصغر يقوم بالبدن كله، ويرتفع بغسل الأعضاء الأربعة بشرطه، فكيف يقال: إن غسل اليدين من نوم الليل أكبر، مع كونه خاصاً بالكفين، على أنه
стр. 1481
مختلف في وجوبه، والقائلون بالوجوب لم يسموه حدثاً، فافهم.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵏: إذا قلنا بما اعتمده المتأخرون من الروايات في هذه المسألة، واشترطنا النية لغسلهما، كما هو مقطوع به عندهم، فإن غسلهما بنية القيام من نوم الليل لا يرفع الحدث عنهما، لأنهم صرحوا بأن غسلهما من نوم الليل طهارة مفردة، يجوز تقديمها على الوضوء والغسل بالزمن الطويل، لكن وجوب غسلهما منه تعبدي غير معقول لنا، لاحتمال ورود النجاسة عليهما، وغسلهما لمعنى فيهما، لا كما يقوله بعضهم؛ وحكاه أبو الحسين ابن القاضي رواية عن أحمد، من أن غسلهما لإدخالهما في الإناء، فقد عرفت أنه لا بد لرفع الحدث عنهما من نية وفعل، على المذهب خاصة.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الوضوء للجنابة قبل الغسل، هل يجب؟
فأجاب: لا يجب، بل هو سنة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: هل يجوز غسل شعر رأس الرجل والمرأة مضفوراً لم ينقضاه؟
فأجاب: وأما غسل الجنابة فيجوز للرجل والمرأة أن يغسلا رؤوسهما من الجنابة وهو معقود، إذا وصل الماء إلى
стр. 1482
أصول الشعر، ويحثوا على رؤوسهما ثلاث حثيات من الماء، ويجوز لهما أن يغتسلا من إناء واحد.
وسئل: عن المرأة المجدورة، إذا عجزت عن الغسل ... إلخ؟
فأجاب: المرأة إذا حاضت وهي مجدورة، فإذا انقطع عنها الدم اغتسلت، فإن عجزت عن ذلك، أو خافت الضرر، تيممت ثم صلت وصامت؛ ولا يلزمها إعادة إذا برأت من مرضها، بل عليها أن تغتسل متى قدرت على الغسل بلا ضرر يلحقها.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا نوى الغسل هل يرتفع ما دونه ... إلخ؟
فأجاب: نية الغسل لا يرتفع بها الحدث، لأنها ليست من الصور المعتبرة في الطهارة، وسنذكرها إن شاء الله تعالى. وقول السائل: أم لا بد من التخصيص بالفعل، أو بالنية، أو بهما؟ أقول: لا معنى للتخصيص بالفعل هنا دون نية أصلاً؛ والصور المعتبرة في الغسل ست: نية رفع الحدث الأكبر، نية رفع الحدثين، نية فعل الحدث ويطلق، نية استباحة أمر يتوقف على الوضوء والغسل معاً، نية أمر يتوقف على الغسل وحده، نية ما يسن له الغسل ناسياً للواجب؛ ففي هذه كلها يرتفع الأكبر، ويرتفع الأصغر أيضاً فيما عدا الأولى والأخيرتين، أفاده الشيخ عثمان.
стр. 1483
قلت: واختار شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، أنه يرتفع الأصغر في الأولى أيضاً. وهذه الست يتأتى نظيرها في الأصغر، ويزيد بأنه يرتفع إذا قصد بطهارته ما تسن له الطهارة ذاكراً الحدث، فافهم الفرق بين البابين، فإنه مهم جداً، قاله الشيخ عثمان. انتهى ملخصاً.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن محمد، ﵏: إذا نوى من عليه موجب أكبر رفعه بغسله، فإنه يرتفع المنوي وما كان من جنسه، ووصفه، كما إذا نوت من عليها غسل حيض وجنابة رفع الحدثين، فيرتفعان معاً بنية رفع أحدهما بالغسل، لتداخلهما وتساويهما موجباً وحكماً، وكما إذا نوى رفع الحدث وأطلق، ونوى الصلاة ونحوها، مما يحتاج لوضوء وغسل، ويسقط الترتيب والموالاة، لكون البدن فيه بمنْزلة العضو الواحد. وأما الحدث الأصغر، فلا يرتفع بنية الأكبر فقط، لما بينهما من تباين الأوصاف، واختلاف الأصناف التي لا يجامعها تداخل؛ هذا منصوص أحمد، والمعتمد عند أكثر أصحابه، وهو من مفردات مذهبه. قال ناظمها:
والغسل للكبرى فقط لا يرفع ... صغرى وإن نوى ففيه ينفع
قال في شرحه: وإن نوى بالغسل الطهارة الكبرى، أي: رفع الحدث الأكبر، لم يرتفع حدثه الأصغر، لقول
стр. 1484
رسول الله ﷺ : " وإنما لكل امرئ ما نوى " ١، وهذا لم ينو الوضوء؛ هذا الصحيح من المذهب، وعليه جماهير الأصحاب، وقطع به كثير منهم. انتهى. وحكى في الفروع والمبدع والإنصاف، عن الأزجي وأبي العباس ابن تيمية: الأصغر يرتفع بنية الأكبر، وجزم به ابن اللحام في الاختيارات، لأنه أدرج الأصغر في الأكبر، فيدخل فيه ويضمحل معه، ومبنى الطهارة على التداخل، فماهية الأصغر انعدمت بانعدام أجزائها، وسواء تقدم الأصغر الأكبر أو تأخر عنه. وروى البيهقي عن عمر أنه كان يقول: "وأي وضوء أتم من الغسل إذا أجنب الفرج، وعن يحيى بن سعيد قال: "سئل سعيد بن المسيب: عن الرجل يغتسل من الجنابة، يكفيه ذلك من الوضوء؟ قال: نعم "، واستأنسوا - أعني القائلين بدخوله في الأكبر - بحديث جابر بن عبد الله ﵁: " أن أهل الطائف قالوا: يا رسول الله، إن أرضنا باردة، فما يجزينا من غسل الجنابة؟ فقال: أما أنا، فأفرغ على رأسي ثلاثاً "، وبقوله ﷺ لأم سلمة، ﵂: " إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين " ٢، أو قال: "فإذا أنت قد طهرت " ٣، رواهما مسلم؛ لكن الدلالة من هذين الحديثين ليست بصريحة.
стр. 1485
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الجنب إذا أصابه المطر حتى غسل بدنه وأنقاه، هل يرتفع حدثه؟
فأجاب: نعم يرتفع إذا نوى رفع الحدث عند إصابة المطر، لحديث: "إنما الأعمال بالنيات " ١.
سئل الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: عن الجنب الذي يأتي الخبرا الكبيرة من الماء، والثغب، ويجلس على جاله، ثم يغرف على جسده، وينفصل ماؤه في الثغب الذي هو يغتسل فيه، هل ذلك جائز، أم لا؟
فأجاب: الجنب الذي يتناول الماء من الثغب إن كان يقدر على الاغتسال، من غير رجوع المنفصل إلى الثغب، بأن يحفر له حفيرة، أو يجعل بينه وبين الماء حداداً، فيفعل ذلك؛ فإن لم يقدر، فلا عليه إلا ما يقدر عليه، و ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٦] ، و ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] ؛ هذا إذا كان الماء كثيراً، وأما إذا كان دون القلتين، فلا.
وسئل: ما صفة غسل الجنب في البير، والثغب؟ هل له أن يغمس جميع بدنه في وسطه، ويغتسل فيه؟ أم يكون خارج الماء؟ أم غير ذلك؟ وهل إذا فعل ذلك إنسان أجزأه؟
стр. 1486
وهل ينهى عن ذلك من فعله؟ أو مما يؤمر به؟ أم هذا جائز؟
فأجاب: الجنب إذا انغمس في ماء دائم: ثغب، أو ركية، أو غيرهما، مذهب الحنابلة: أن الماء يكون مستعملاً، ولا يرتفع الحدث؛ هذا إذا كان دون القلتين. ومذهب الشافعي: أنه يرتفع حدثه، ويكون الماء مستعملاً. ومذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: ارتفاع حدثه، أما إذا كان الماء كثيراً، فهو كما ذكرنا لك في المسألة قبلها.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إذا احتلم الرجل في المنام، ووجب عليه الغسل، وأراد أن يجامع قبل الاغتسال لأجل أنه يريد أن يغتسل، هل يجامع على هذه الحال قبل الاغتسال؟
فأجاب: الرجل إذا أراد معاودة الجماع قبل الاغتسال، فله المعاودة قبل الاغتسال، قل أو كثر، لما ثبت أن النبي ﷺ طاف على نسائه بغسل واحد.
وسئل: إذا وطئ الرجل امرأته، ووجب عليه الغسل، أو احتلم، هل له أن يجامع مرتين، أو أكثر قبل الاغتسال، ويجعل ذلك بغسل واحد؟ وكذلك إذا جامع في البيت، ثم خرج، ثم رجع وأراد المعاودة قبل الاغتسال، هل له ذلك، أم لا؟ وهل يفرق بين الخارج، وعدمه؟
стр. 1487
فأجاب: أما الجماع بعد الاحتلام وقبل الغسل، فحكمه عند أهل العلم حكم الوطء، وأما من جهة الطب فأنا قد سمعت أن الأطباء يكرهونه، ويذكرون فيه بعض الضرر; وأما الذي يجامع ثم يخرج من البيت، ثم يعود فيجامع، فهذا أمر جائز، وسواء فيه من خرج ومن لم يخرج.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن يمنعه الحياء من الغسل ... إلخ؟
فأجاب: وأما الجنب الذي عنده ماء، ويمنعه الحياء من الغسل، فإنه يستر عورته ويغتسل، وحياؤه مذموم في الشرع في مثل هذا، ويحرم عليه تأخير الغسل إذا خاف خروج الوقت; ولو كان عزباً ويخاف من ظنهم، فإنه يحصل له أجر من جهتين، من فعل المأمور به، ومن غيبتهم له.
وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عمن اغتسل عرياناً بين الناس؟
فأجاب: ومن اغتسل عرياناً بين الناس لم يجز، وإن كان وحده جاز; وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستتراً، لأن للماء سكاناً.
стр. 1488
باب التيمم
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يجوز التيمم مع وجود الماء؟
فأجاب: التيمم لا يجوز إلا عند عدم الماء، قال الله تعالى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾ الآية [سورة النساء آية: ٤٣] .
وسئل: هل التراب بدل لكل ما يفعل بالماء؟
فأجاب: أما التراب فهو بدل لكل ما يفعل بالماء؛ فمن عجز عن استعمال الماء، أو عدم الماء، فالصعيد الطيب له طهور.
وسئل: هل التيمم عند عدم الماء مبيح أو رافع؟
فأجاب: الذي عليه الأكثر أنه مبيح.
سئل بعضهم: إذا خاف برد الماء، هل يتيمم ... إلخ؟
فأجاب: نعم، يتيمم، لحديث عمرو بن العاص، لما بعث في غزوة ذات السلاسل، وصلى بأصحابه وهو جنب بسبب البرد، ولم ينكر عليه ﷺ ؛ قال في الشرح الكبير: وإن خاف البرد، ولم يمكنه استعمال الماء على وجه يأمن الضرر،
стр. 1489
تيمم في قول أكثر العلماء. انتهى. ومما يستدل به لذلك: قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٢٩] ، وحديث عمرو بن العاص.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما الرجل إذا احتلم أو جامع وخشي برد الماء، فإن أمكنه تسخينه والاغتسال به لزمه ذلك؛ فإن خاف الضرر باستعماله غسل ما لا يتضرر به، وتيمم للباقي وصلى، ويكون قد فعل ما أمر به من غير تفريط منه ولا عدوان.
سئل الشيخ سعيد بن حجي، ﵀: عمن أصاب ثوبه أو بدنه نجاسة، وعدم الماء، هل يتيمم؟
فأجاب: قال الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى: أما التيمم للنجاسة على الثوب، فلا نعلم به قائلاً من العلماء؛ وإن كانت النجاسة في البدن، فهل يتيمم لها؟ فيه قولان، هما روايتان عن أحمد: إحداهما: لا يتيمم لها، وهذا قول جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة والشافعي - إلى أن قال - لما كان عاجزاً عن إزالة النجاسة سقط وجوب إزالتها، وجازت الصلاة معها بدون تيمم. انتهى ملخصاً. وقال في الكافي: في وجوب الإعادة روايتان: إحداهما: لا تجب، لقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء " ١، قياساً على التيمم، والأخرى: تجب الإعادة.
стр. 1490
وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الرجل يكون معه ماء قليل، وفي بدنه أو ثوبه نجاسة، والماء لا يكفي لغسل الجميع؟
فأجاب: يغسل به النجاسة، ويتيمم للباقي.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد: هل يشترط الترتيب والموالاة بين الوضوء والتيمم؟
فأجاب: قال في المبدع: وإن كان حدث الجريح أصغر، راعى الترتيب والموالاة، ويعيد غسل الصحيح عند كل تيمم في وجه، وفي الآخر: لا ترتيب ولا موالاة؛ فعلى هذا، لا يعيد الغسل إلا إذا أحدث. انتهى. والأول هو الذي اعتمده المتأخرون، فأوجبوا الترتيب والموالاة بين الوضوء والتيمم، لاشتراط الترتيب في الوضوء، فلا ينقله عن عضو حتى يكمله غسلاً وتيمماً، عملاً بقضية الترتيب؛ فعلى هذا: لا يضر نداوة التراب في يديه، كما هو ظاهر كلامهم، وصرح به الشافعية. وحكى في الفروع عن المجد: أن قياس المذهب أن الترتيب سنة، وحكى في الإنصاف وغيره عن أبي العباس: ينبغي أن لا يرتب.
وقال غيره: لا تلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره، قال: والفصل بين أبعاض الوضوء بتيمم بدعة، وجزم به ابن اللحام في الاختيارات، والنفس تميل إلى ما قال، لا سيما وقد حكى هو وغيره من فقهاء الحديث: أن الأصل في العبادات التوقيف، فلا يشرع منها إلا ما
стр. 1491
شرعه الله، اللهم إلا أن يكون بين إيجاب الترتيب والموالاة من الأدلة الشرعية رابط خفى علينا، ففوق كل ذي علم عليم.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: وأما اشتراط الترتيب بين الوضوء والتيمم، إذا كان في بعض أعضاء الوضوء جرح مما يتيمم له، فالذي يظهر لي عدم وجوب الموالاة، فيعيد التيمم إذا خرج الوقت الذي تيمم فيه لبعض أعضاء الوضوء فقط، والله أعلم.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن التيمم بالرمل؟
فأجاب: أما التيمم بالرمل وتراب المسجد، فلا بأس به. وأجاب الشيخ حمد بن عتيق: التيمم بالرمل لا بأس به، للحديث: " أيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره " ١.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن قول شارح الزاد: أو عدل شعير، ٢ ونحوه.
فأجاب: هو ما كان له غبار يعلق باليد.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵏: هل يتيمم لكل صلاة؟
فأجاب: وأما التيمم، فيصلي به ما لم يحدث كما يصلي بالماء؛ والاحتياط أن يتيمم لكل صلاة.
وسئل: إذا مر إنسان بالماء في الوقت، فلم يستعمله وصلى بالتيمم، هل يعيد؟
فأجاب: إذا مر المسافر بالماء في الوقت، فلم يستعمله
стр. 1492
وصلى بالتيمم، فالمسألة فيها خلاف بين الفقهاء، وفيها وجهان للأصحاب؛ والمذهب: أنه لا إعادة عليه، لأنه في تلك الحالة عادم للماء.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق، رحمهما الله: إذا وجد الجنب الماء في غير وقت الصلاة وقد نسي حدثه، ثم جاوز الماء، فلما دخل وقت الصلاة إذا هو عادم للماء، هل تصح صلاته بالتيمم؟
فأجاب: نعم، تصح صلاته بالتيمم.
وسئل بعضهم: عن رجل في سفر، ودخل وقت الظهر وهو عادم الماء، فأخر الظهر ناوياً التأخير إلى العصر، فوجد الماء في وقت الظهر ولم يستعمله، وعدم الماء وقت العصر، هل يعيد؟
فأجاب: المشهور عند الحنابلة أن مثل هذا لا إعادة عليه، لأنه يجوز له تأخير صلاة الظهر إلى وقت العصر إذا كان ناوياً الجمع؛ قال في الشرح الكبير: وإذا كان معه ماء فأراقه قبل الوقت، أو مر بماء قبل الوقت فتجاوزه وعدم الماء في الوقت، صلى بالتيمم من غير إعادة، وهو قول الشافعي. وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت كقولنا، وإلا صلى بالتيمم وعليه الإعادة، لأنه مفرط؛ ولنا أنه لم يجب عليه استعماله، أشبه ما لو ظن أنه يدرك الماء في الوقت.
وفي شرح منصور على المنتهى: ومن في الوقت أراقه،
стр. 1493
أي: الماء، أو مر به وأمكنه الوضوء منه ولم يفعل، وهو يعلم أنه لا يجد غيره، أو باعه، أو وهبه في الوقت لغير من يلزمه بذله له، حرم عليه ذلك، ولم يصح العقد من بيع أو هبة لتعلق حق الله تعالى بالمعقود عليه، فلم يصح نقل الملك فيه كأضحية معينة؛ ثم إن تيمم لعدم غيره، ولم يقدر على رد المبيع والموهوب، وصلى، لم يعد، لأنه عادم للماء حال التيمم، أشبه ما لو فعل ذلك قبل الوقت. انتهى. فإذا كان لا يعيد إذا مر به في الوقت ولم ينو الجمع، فكيف إذا كان ناوياً للجمع؟ والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: عن قوله ﷺ في شأن الرجل الذي صلى بالتيمم ولم يعد لما وصل إلى الماء: " أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك " ١، وقال للذي أعاد: " لك الأجر مرتين " ٢ ... إلخ؟
فأجاب: لا شك أن الذي لم يعد قد أصاب الحكم الشرعي، بدليل قوله ﷺ : " أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك " ٣؛ وأما الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل، يثاب على الصلاة الأولى والثانية، وهي كونه صلى الثانية مجتهداً، فأثيب على اجتهاده للصلاة الثانية كما أثيب الأول؛ ومن المعلوم أن الفريضة أفضل من التطوع من جنسه وغير جنسه، إلا في أربعة أشياء ليس هذا محل ذكرها ٤.
стр. 1494
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن عدم الماء والتراب ... إلخ؟
فأجاب: إذا عدم الجميع، فإنه يصلي على حسب حاله.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا دخل الوقت على عادم الماء، فهل الأفضل التأخير؟
فأجاب: إذا دخل الوقت على عادم الماء، فمال في الشرح: يستحب تأخير التيمم لآخر الوقت لمن يرجو وجود الماء؛ روي ذلك عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي. وقال الشافعي - في أحد قوليه -: التقديم أفضل.
وأجاب الشيخ حمد بن عتيق: يستحب تأخير التيمم آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء؛ وروي عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي، وقال الشافعي - في أحد قوليه -: التقديم أفضل.
وسئل أيضاً: الرجل يتيمم وهو يدرك الماء في آخر الوقت؟
فأجاب: هو مخير.
وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: إذا تحقق وجود الماء آخر الوقت، هل يتيمم أول الوقت ويصلي أو لا؟
فأجاب: يتيمم ويصلي أول الوقت.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: الحاقن أيما أفضل: يصلي بوضوء، أو يحدث ثم يتيمم؟
стр. 1495
فأجاب: صلاته بالتيمم بلا احتقان أفضل من صلاته بالوضوء مع الاحتقان؛ فإن هذه الصلاة مع الاحتقان مكروهة منهي عنها، وأما صلاة المتيمم فصحيحة بلا كراهة بالاتفاق.
وسئل أيضاً: عن صفة تيمم مقطوع اليد؟
فأجاب: مقطوع اليد يمكنه أن يضرب بيده على التراب، ثم يضعها على ثوبه أو بعض بدنه، ويقلبها على ظاهرها وباطنها ماسحاً لها، ويقلب أصابعه.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن صفة تيمم من في إحدى يديه علة؟ فأجاب: يتيمم ولو بواحدة - يعني السالمة - ويمسحها بأطراف أصابع المعتلة، أو بأسفل كفها، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [سورة التغابن آية: ١٦] .
стр. 1496
باب إزالة النجاسة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل يجزئ إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات؟
فأجاب: في هذه المسألة ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجوز للحاجة كما هو قول ثالث لمالك وأحمد؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: والسنة قد جاءت بالأمر بالماء في قوله: " اغسليه بالماء " ١، وقوله في آنية المجوس: " ثم اغسلوها بالماء "، وقوله فى حديث الأعرابي الذي بال في المسجد: " صبوا على بوله ذنوباً من ماء " ٢، فأمر بالإزالة بالماء في قضايا معينة، ولم يأمر أمراً عاماً بأن تزال النجاسة بالماء؛ وقد أذن بإزالتها بغير الماء في مواضع، منها الاستجمار بالأحجار، ومنها قوله في النعلين: "ثم ليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور "، ومنها قوله في الذيل: "يطهره ما بعده " ٣، وذكر لها نظائر؛ قلت: وهذا القول هو الصواب إن شاء الله تعالى.
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن حكم نجاسة الكلب، والخنْزير ... إلخ؟
فأجاب: أما نجاسة الكلب والخنْزير وما تولد منهما، إذا أصابت غير الأرض، فيجب غسلها سبعاً إحداهن بالتراب،
стр. 1497
سواء من ولوغه أو غيره، لأنهما نجسان وما تولد منهما، لقوله ﷺ : " إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً " ١، متفق عليه، ولمسلم: " أولاهن بالتراب " ٢. وأما النجاسات على الأرض، فيطهرها أن يغمرها بالماء فيذهب عينها ولونها، لقوله ﷺ : " صبوا على بول الأعرابي ذنوباً من ماء " ٣، متفق عليه. وأما باقي النجاسات، ففيه عن أحمد ثلاث روايات: الأولى: تغسل سبعاً، والثانية: ثلاثاً، والثالثة: تكاثر بالماء حتى تذهب عينها ولونها من غير عدد، لقول النبي ﷺ : " اغسليه بالماء " ٤، ولم يذكر عدداً؛ وهذا مذهب الشافعي، واختاره شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، ﵀، وهو المفتى به عندنا.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: عن قوله: نحو تراب؟
فأجاب: نحو التراب هو كل جامد منق، كالأشنان والصابون والسدر.
وسئل: هل تفتقر إزالة النجاسة إلى نية؟
فأجاب: لا تقتقر إلى نية، بل متى زالت النجاسة بالماء طهر المحل لأنها من التروك، بخلاف الأوامر فإنها تفتقر إلى نية، لقوله ﵇: " إنّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " ٥ الحديث، لكن عليه أن يزيل النجاسة عن أعضائه، وعن بدنه قبل الغسل.
стр. 1498
سئل بعضهم: إذا وقعت فأرة في دهن وألقيت منه ... إلخ؟
فأجاب: إذا وقعت فأرة في دهن أو غيره، وألقيت قبل أن تتغير أحد أوصافه الثلاثة، فهو طاهر.
سئل الشيخ حمد بن ناصر: عن صفة الخل؟
فأجاب: صفة الخل يذكر أهل العلم أنه يعمل من التمر، أو العنب، أو غيرهما، ويطرح فيه ملح أو شيء حامض حتى لا يتخمر، ويذكرون أن هذا صفة الخل المباح؛ وعندنا ناس يعملونه على ما ذكرنا لك.
وسئل: عن القيء؟
فأجاب: أما القيء فالمشهور أنه نجس.
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن حكم قيء الغلام؟
فأجاب: حكم قيئه حكم بوله إلا أنه أخف منه، صرح به في الإقناع وغيره، وهو ظاهر الروض وغيره.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن حكم الدم المحتقن في جوف الذبيحة؟
فأجاب: أما الدم المحتقن في جوف الذبيحة، فقال في الإنصاف وغيره - نقلاً عن القاضي-: إن الدم الذي يبقى في خلل اللحم بعد الذبح، وفي العروق مباح؛ قال الشيخ تقي الدين: لا أعلم خلافاً في العفو عنه، وأنه لا ينجس المرقة،
стр. 1499
بل يؤكل معها، والله أعلم. قالوا: فظاهر كلام القاضي في الخلاف، وابن الجوزي، أن المحرم هو الدم المسفوح، كما دلت عليه الآية الكريمة، قال أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ دَماً مَسْفُوحاً﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٥] ، أي: مهراقاً سائلاً؛ قال ابن عباس، ﵄: "يريد ما يخرج من الحيوانات وهي حية، وما يخرج من الأوداج عند الذبح ". وممن قال بطهارة بقية الدم، وإن ظهرت حمرته: المجد في شرحه، والناظم، وصاحب الفائق، وغيرهم، والله أعلم.
وأجاب الشيخ، عبد الله أبا بطين: وأما دم الذبيحة الذي يبقى في مذبحها ولحمها بعد الذبح، فإنه طاهر، لأن الله إنما حرم الدم المسفوح، والمسفوح هو الذي يسيل؛ فالذي ليس بمسفوح ليس بحرام، وحله يدل على طهارته.
سئل الشيخ محمد بن محمود: إذا خرج اللبن متغيراً بدم، هل هو نجس؟
فأجاب: الدم نجس، فإذا ظهر أثره في اللبن نجس به، وإن كان الأثر يسيراً، لأن المائعات ما يعفى فيها عن يسير النجاسة.
وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز بن محمد، ﵀: عن اللبن إذا كان فيه خطوط دم، هل يحرم؟
فأجاب: خطوط الدم تذهب بالتركيد، فيجوز زل الحليب والدم يهراق.
стр. 1500
وأجاب الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي، ﵀: وأما الحليب المتغير بالدم، فالظاهر أنه إذا خلا من حمرة الدم ولو بالتركيد، فلا بأس إن شاء الله تعالى.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن حكم موضع النجاسة إذا خفي في الثوب؟
فأجاب: وأما الثوب إذا خفي موضع النجاسة فيه، وجب غسل ما يتيقن به زوالها إن أمكن إذا أراد الصلاة.
وسئل: عن المذي؟
فأجاب: وأما المذي فنجس يجب عليه غسله عند الجمهور، لحديث علي قال فيه: " يغسل ذكره ثم يتوضأ " ١، وعن أحمد رواية: يجزئ نضحه، لحديث سهل، اختاره الشيخ تقي الدين.
وسئل عن اشتراط بعضهم: أن طهارة المني لا تكون إلا بعد استنجاء، أو استجمار، وكذا رطوبة فرج المرأة ... إلخ؟
فأجاب: أما القول بطهارة المني فهو مذهب أحمد والشافعي، لكن الشافعية يشترطون: كون خروجه بعد الاستنجاء بالماء؛ والحنابلة يقولون بطهارته ولو كان خروجه بعد استجمار بالحجر ونحوه، فإن لم يتقدمه استجمار شرعي،
стр. 1501
ففي النفس منه شيء، ولم أر من صرح بحكمه والحالة هذه. واستدلوا على طهارة رطوبة فرج المرأة، بدلالة السنة على طهارة المني ولو كان من جماع، لحديث عائشة، ﵂: أنها كانت تفرك المني من ثوب رسول الله إذا كان يابساً، وهو ﷺ لا يحتلم، والحديث مطلق، ومني الرجل في الجماع يباشر رطوبة فرج المرأة، فدل على طهارتها؛ لكن صرح الشافعي: بأن رطوبة فرج المرأة إذا انفصلت عن محلها تنجس ما أصابته، ولم أر لأصحابنا تصريحاً بذلك، والله أعلم.
وأجاب بعضهم: وأما المني ففيه اختلاف، والأحسن فيه العمل بالحديث، وهو إن كان رطباً غسل، وإن كان يابساً فرك، ولا يتبين لي فيه نجاسة، وهو مذهب الشافعي.
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن الترعة ١؟
فأجاب: الترعة يغسل الذي أصاب سلبه منها.
سئل الشيخ عبد العزيز بن الشيخ حمد بن ناصر، رحمهما الله: عن المنفصل عن محل الاستنجاء وما في معناه؟
فأجاب: الحمد لله، هذه المسألة بني حكمها على
стр. 1502
القول في محل النجاسات المعفو عنها، كمحل الاستجمار بعد الإنقاء، وأسفل الخف والحذاء إذا أصابته نجاسة ودلك حتى أنقى؛ فإن قيل: إنه طاهر، فما انفصل عنه طاهر، وإن قيل: نجس فنجس إذا كان المنفصل قليلاً. وقلنا: ينجس بالملاقاة وإن لم يتغير بالنجاسة؛ والمذهب المشهور عند الأصحاب: أن محل الاستجمار نجس، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. فلو قعد المستجمر في ماء قليل نجسه، ولو عرق كان عرقه نجساً. وعن أحمد رواية أخرى: أنه طاهر، وذكره في الإنصاف قول جماعة من الأصحاب منهم ابن حامد؛ قال في المغني: ظاهر كلام أحمد أن محل الاستجمار بعد الإنقاء طاهر، فإن أحمد بن الحسن قال: سألت أبا عبد الله عن الرجل يبول ويستجمر ويستبرئ، يعرق في سراويله؟ قال: إذا استجمر ثلاثاً فلا بأس. وسأله رجل: إذا استنجيت من الغائط يصيب ذلك الماء مني موضعاً آخر، فقال أحمد: قد جاء في الاستنجاء بثلاثة أحجار، فاستنج أنت بثلاثة أحجار، ثم لا تبال ما أصابك من ذلك الماء.
واحتج أبو محمد لهذا القول، بقول النبي ﷺ : " لا تستنجوا بعظم ولا بروث، فإنهما لا يطهران " ١، قال: فمفهومه أن غيرهما يطهر، قال: ولأن الصحابة كان الغالب عليهم الاستجمار، حتى إن جماعة منهم أنكروا الاستنجاء بالماء، وسماه بعضهم بدعة، وبلادهم حارة؛ والظاهر أنهم لا
стр. 1503
يسلمون من العرق، فلم ينقل عنهم توقي ذلك، ولا الاحتراز منه، ولا ذكر لذلك أصل; وقد نقل عن ابن عمر أنه بالمزدلفة فأدخل يده فنضح فرجه من تحت ثيابه، وعن إبراهيم النخعي نحو ذلك، ولولا أنهما اعتقدا طهارته ما فعلا ذلك. انتهى.
وفي الاقناع: أن مني الآدمي طاهر، ولو خرج بعد الاستجمار، قال في شرحه: لعموم ما سبق، قال في الإنصاف: سواء كان من احتلام أو جماع، من رجل أو امرأة، لا يجب فيه فرك ولا غسل - ثم قال - وقيل: مني المستجمر نجس دون غيره، فعبارة الإقناع صريحة في طهارته بعد أثر الاستجمار، ولكن كلام صاحب الإنصاف ظاهر فيه؛ هذا مع أنهم صرحوا: أن محل الاستجمار نجس يعفى عنه في محله دون غيره، واستثنوا هذه الصورة لما ذكرنا من حجة القول الثاني، وهو لازم لهم في بقية صور المسألة لاتحاد العلة.
وأما أسفل الخف والنعل إذا أصابته نجاسة، فالمذهب عند المتأخرين أنه لا يكفي فيه إلا الغسل بالماء؛ وهو رواية عن الإمام أحمد، وعنه: يجزي دلكه بالأرض، اختاره الموفق، والمجد، والشيخ تقي الدين، لما روى أبو داود عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا وطأ أحدكم الأذى بخفيه، فطهورهما التراب " ١، وفي أحاديث أخر. وعن أحمد رواية ثالثة: يجب غسله من البول والعذرة دون غيرهما، والأول أولى
стр. 1504
لعموم الأدلة عليه؛ فهل يطهر بالدلك أو يصير معفواً عنه في محله دون غيره، الذي عليه أكثر أهل العلم: أنه لا يطهر بل يصير معفواً عنه في محله فقط، فلو لاقى غيره من المائعات، فله حكم غيره من المتنجسات. وعن أحمد: أنه يطهر بذلك، اختاره ابن حامد في جماعة من الأصحاب، ومال إليه في المغني، قال في الإنصاف: وهو من مفردات المذهب، ووجهه ما قدمناه من الدليل، فقوله: طهورهما التراب ظاهر في ذلك.
سئل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ: هل عظم الآدمي طاهر؟
فأجاب: الصحيح أنه طاهر إذ لا موجب لتنجيسه، وكذلك عظم الميتة، لأن المقتضي للتنجيس الدم في العظام؛ وأظن هذا اختيار الشيخ تقي الدين وابن القيم وغيرهما، ويحكى عن أبي حنيفة، ﵏، والله أعلم.
سئل الشيخ سعيد بن حجي، رحمه الله تعالى: عن عَرَق الحمار والبغل والتدخن بالروث.
فأجاب: اعلم أن في طهارة البغل والحمار في مذهب الحنفية والحنابلة خلافاً يطول ذكره، والحاصل: أن فيهما عن أحمد روايتين: إحداهما: أنهما نجسان، فعليها يعفى عن ريقهما وعرقهما وما تولد منهما، غير الخارج من سبيلهما فهو نجس. والثانية: أنهما طاهران، اختاره الموفق، لأنه ﷺ كان
стр. 1505
يركبهما ويركبان في زمانه، ولأنه لا يمكن التحرز منهما لمقتنيهما فكانا طاهرين كالسنور. انتهى من المبدع. وقال في المغني: الصحيح عندي طهارة البغل والحمار، لأنه ﵇ كان يركبهما، ويركبان في عصر الصحابة، ولو كانا نجسين لبينه ﷺ . انتهى.
وقال في الإنصاف: ومال الشيخ تقي الدين إلى طهارة البغل والحمار. انتهى. وروى الدارقطني: " أنتوضأ مما أفضلت الحمر؟ فقال ﵊: نعم " ١. اهـ. وروى ابن ماجة من حديث أبي سعيد معناه، وفيه قال: " لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غبر طهور " ٢، وقول عمر: "يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد عليها وترد علينا "، رواه مالك. انتهى من المبدع. وقد اختار طهارة البغل والحمار المالكية والشافعية.
وقال في العناية شرح الهداية للحنفية - لما ذكر الخلاف في سؤر البغل والحمار-: وسؤر البغل والحمار مشكوك فيه، وأبو طاهر أنكر أن يكون شيء من أحكام الله مشكوكاً فيه، وقال: سؤر الحمار طاهر؛ والشافعي يجعله طاهراً وطهوراً، لأن كل حيوان ينتفع بجلده فسؤره طهور عنده. قال القدوري: عرق الحمار طاهر في الرواية المشهورة، وكذا سؤره، وروى عن ابن عباس أنه قال "لا بأس بالتوضي بسؤر البغل والحمار ". انتهى كلام صاحب العناية ملخصاً.
стр. 1506
إذا ثبت هذا، فما خرج منهما من الفضولات، كالعرق والريق والدمع والمخاط، فهو طاهر. والقول الآخر: معفو عنه. فقد علمت أن الذي عليه الأكثرون من العلماء طهارة البغل والحمار وفضولاتهما. وأما فرخ بيضة المأكول: إن كان حياً فهو طاهر، وإن كان ميتاً أو دماً فهو نجس. ويجوز التدخن بروث الفرس، لأنه طاهر، بخلاف الحمار فإنه نجس، ودخان النجاسة نجس؛ وفيه تفصيل: قال في الكافي: دخان النجاسة نجس، فإن اجتمع منها شيء، أو لاقاها جسم صقيل فصار ماء فهو نجس، وما أصاب الإنسان من دخان النجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء، ولا ظهر له صفة، فهو معفو عنه، لعدم إمكان التحرز منه.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن سؤر الحمار؟
فأجاب: عند المتقدمين من أهل العلم أنه طاهر لا ينجس، وعند المتأخرين أنه نجس.
وسئل: عن زرق الصقر؟
فأجاب: وأما زرق الصقر فإنه نجس، لكن يعفى عن يسيره لمشقة التحرز منه؛ فإن مقتنى هذا الحيوان وأمثاله لا يكاد يسلم منه فعفي عن يسيره كالدم.
стр. 1507
باب الحيض
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن أقل الطهر، وأكثره؟
فأجاب: الجمهور على أن أقل الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يوماً، واختار شيخ الإسلام: أنه قد يكون أقل إذا كان عادة. وأكثر الحيض: خمسة عشر يوماً، وأقله: يوم وليلة؛ وأبو حنيفة يقول: أقله: ثلاثة أيام بلياليها، وأكثره: عشرة أيام. ومذهب مالك والشافعي في أكثر الحيض كمذهب أحمد، والشافعي كذلك في أقله، وأما مالك فيقول: لا حد لأقله.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يجوز للحائض الجلوس في المسجد مع أمن التلويث؟ فأجاب: الحائض لا يحل لها الجلوس في المسجد ولو أمنت التلويث، بل تمنع من الجلوس فيه بالكلية؛ وقد نص الفقهاء على أن الحائض لا تجلس في المسجد، ولو بعد انقطاع الدم حتى تغتسل؛ وأما النفساء فحكمها حكم الحائض، والله أعلم.
وسئل: هل يجوز وطء الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل؟
стр. 1508
فأجاب: لا يجوز ذلك حتى تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء، كما هو قول مالك والشافعي وأحمد؛ وهو معنى ما يروى عن الصحابة حيث قالوا في المعتدة: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض عنده، وهو عشرة أيام، جاز وطؤها؛ والقول الأول هو الصواب، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٢] ، قال مجاهد يعني: ينقطع الدم؛ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٢] اغتسلن بالماء.
وسئل: عن المجدورة إذا حاضت وانقطع الدم ولم تغتسل، هل تصلي وتصوم ولا يلزمها إعادة؟ وكذلك هل يجب عليها الغسل من الجنابة والحيض إذا أصابها؟
فأجاب: المرأة إذا حاضت وهي مجدورة فإذا انقطع عنها الدم اغتسلت، فإن عجزت عن ذلك أو خافت الضرر تيممت ثم صلت وصامت، ولا يلزمها إعادة إذا برأت من مرضها؛ بل عليها أن تغتسل متى قدرت على الغسل بلا ضرر يلحقها.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن اغتسلت من الحيض فوطئها زوجها ثم رأى على ذكره أثر الدم؟
فأجاب: إذا اغتسلت من الحيض فوطئها، ثم رأى على ذكره أثر الدم، فالخطب في ذلك يسير إن شاء الله تعالى، لأن قصاراه أن الدم عاودها بعد الطهر، وذلك حيض عند
стр. 1509
الجمهور إذا لم تبلغ خمسة عشر يوماً، وقد وطئها في حال جريان الدم جاهلاً، فيكون معذوراً ولا إثم عليه، لقوله ﷺ " عفي لأمتي الخطأ والنسيان ". وأما الكفارة: ففيها خلاف هل تجب على العامد دون المخطئ والناسي، أم تجب على الجميع؟ والذي عليه الجمهور: أنه لا كفارة على الجميع، بل من تعمد ذلك أثم وليس عليه إلا التوبة.
وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: كقول الجمهور، والثانية: عليه الكفارة إذا تعمد، لحديث ابن عباس المرفوع أنه " يتصدق بدينار، أو نصف دينار " ١، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي، لكن مداره على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، لأنه من حديث فلان، أظنه قال: عبد الحميد، وقال لو صح ذلك الحديث عن النبي ﷺ كنا نرى عليه الكفارة، وقال في موضع: ليس به بأس قد روى الناس عنه؛ فاختلاف الرواية في الكفارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث، وهذه الروايتان عن أحمد في العامد، وأما الجاهل والناسي، فعلى وجهين للأصحاب: أحدهما: تجب، وهي المذهب لعموم الخبر. والثاني: لا تجب لعموم قوله ﷺ : " عفي لأمتي الخطأ والنسيان "؛ فعلى هذا، لو وطئ طاهراً فحاضت في أثناء وطئه فلا كفارة عليه، وعلى الأول عليه الكفارة.
стр. 1510
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الوطء بعد الحيض قبل الغسل؟
فأجاب: الوطء بعد الحيض قبل الغسل، الظاهر أنه لا كفارة فيه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الحامل إذا رأت الدم؟
فأجاب: إذا رأت الحامل الدم، فهذا ينظر في حال المرأة، فإذا كان ذلك ليس بعادة لها إذا حملت، فهذا لا تلتفت إليه، بل تصلي فيه وتصوم، وتكون حكمها حكم المستحاضة؛ وليس في هذا اختلاف. وإنما الاختلاف فيما إذا كان عادة المرأة أنها تحيض وهي حامل ويتكرر، ويأتيها في عادة الحيض، وتطهر في عادة الطهر؛ فهذا الذي اختلف فيه العلماء، والراجح في الدليل أنه حيض إذا كان على ما وصفنا، ولكنه قليل الوقوع، وكثير الوقوع على الصفة الأولى. فأنت، افهم الفرق بين من هو لها عادة متكررة، وبين من ليس لها عادة ويضطرب عليها الدم، فإنها تشتبه على كثير من الطلبة.
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن المرأة إذا بلغت سن الإياس؟ وما قدر سن الإياس والدم يأتيها على عادتها، هل تصوم وتصلي وتقضي الصوم؟ أو لا بد من انقطاع الدم عنها؟
فأجاب: الإياس لا يقدر بشيء إلا إذا تغير الدم، أو انقطع، صامت ولا تقض.