← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢١٣] . وأما الحكمة الأخرى، فذكرها أيضا في غير موضع، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٣] إلى قوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] . فقوله: ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٣] . وقوله: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [سورة النساء آية: ١٦٥] ، هما حكمة الله في إيجاد الخليقة، وإليهما ترجع كل حقيقة. فالواجب على من نصح نفسه أن يجعل معرفة هذا نصب عينيه. ومن تفاصيل هذه الجملة: أن الناس اختلفوا في التوحيد، فجاءت الكتب والرسل، ففصلوا الخصومة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . فشملت أصل الأمر، وأصل النهي، الذي هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. الثانية: أن الذين أقروا بالتوحيد، والبراءة من الشرك، اختلفوا: هل توجب هذه العداوة والمقاطعة؟ أو أنها كالسرقة والزنى؟ فحكم الكتاب بينهم بقوله: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال ﷺ : " إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء إن وليي الله والمؤمنون " ١.

стр. 177

الثالثة: أن الذين أقروا بأن الشرك أكبر الكبائر، اختلفوا: هل يقاتل من فعله إذا قال لا إله إلا الله؟ فحكم الكتاب بقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٥] . الرابعة: اختلفوا في الجماعة والفرقة، فذهب الصحابة ومن تبعهم إلى وجوب الجماعة وتحريم الفرقة، ما دام التوحيد والإسلام، لأنه لا إسلام إلا بجماعة، وذهب الخوارج، والمعتزلة: إلى الفرقة، وإنكار الجماعة، فحكم الكتاب بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٣] . الخامسة: اختلفوا في البدع، هل يستحسن منها ما كان من جنس العبادة؟ أم كل بدعة ضلالة؟ فحكم الكتاب بينهم، بقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٥٣] ، وقوله: " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "، فذكر ﷺ أن ما حدث بعده فليس من الدين، وأنه ضلالة. السادسة: أنهم اختلفوا في الكتاب، هل يجب تعلمه واتباعه على الآخرين لإمكانه، أم لا يجب، ولا يجوز العمل به لهم؟ فحكم الكتاب بينهم بالآيات التي لا تحصى،

стр. 178

منها قوله: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْراً مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْراً﴾ [سورة آية: ٩٩] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [سورة الزخرف آية: ٣٦] ، وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ الآية [سورة طه آية: ١٢٤] . السابعة: اختلفوا في العالم رفيع المقام في العلم والعبادة، إذا عمل تابع النص بخلافه، هل يجوز أم لا؟ فقيل: نعم، من قلد عالما لقي الله سالما. فحكم الكتاب بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] ، وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٣١] . وقوله: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٨٩] . وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً﴾ الآية [سورة النمل آية: ١٤] . وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١١٦] . فإذا عرفت هذه الآيات المحكمات، كما فسرها النبي ﷺ لعدي بن حاتم، من أن طاعة الأحبار والرهبان من دون الله عبادة لهم، وعرفت حال كثير من الناس وما يأمرون به، وما يدعون إليه، وتأملت كلام الله، تبين لك الهدى من الضلال.

стр. 179

(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب عن أحاديث الوعد والوعيد) وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن أحاديث الوعد والوعيد، وقول وهب بن منبه: " مفتاح الجنة لا إله إلا الله " إلخ، وحديث أنس "من صلى صلاتنا " ١ إلخ، فأجاب: ما قال الرسول ﷺ حق يجب الإيمان به، ولو لم يعرف الإنسان معناه؛ وفي القرآن آيات في الوعد والوعيد كذلك. وأشكل الكل على كثير من الناس من السلف ومن بعدهم، ومن أحسن ما قيل في ذلك: أمروها كما جاءت، معناه: لا تتعرضوا لها بتفسير. وبعض الناس تكلم فيها ردا لكلام الخوارج والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، أو يخلدون أصحابها في النار، أنه ينفي الإيمان عن بعض الناس، لكونه لا يتمه، كقوله للأعرابي: " صل فإنك لم تصل " ٢. والجواب الأول أصوب، وأهون، وأوسع، وهو الموافق لقوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٧] . إذا فهمت ذلك، فالمسألة الأولى واضحة، مراده الرد على من ظن دخول الجنة بالتوحيد وحده، بدون الأعمال، وأما إذا أتى به وبالأعمال، وأتى بسيئات ترجح على حسناته، أو تحبط عمله، فلم يتعرض وهب لذلك بنفي ولا إثبات، لأن السائل لم يرده.

стр. 180

وقوله: " من صلى صلاتنا " ١ إلخ فهو على ظاهره، ومعناه: كما لو عرف منه النفاق، فما أظهر يحمي دمه وماله، وإلا فمعلوم أن من صدق مسيلمة، أو أنكر البعث، أو أنكر شيئا من القرآن، وغير ذلك من أنواع الردة، لم يدخل في الحديث. (معنى حديث معاذ (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) وسئل عن معنى: قول النبي ﷺ في حديث معاذ: " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ٢ إلى قوله: " أفلا أبشر الناس؟ قال لا تبشرهم فيتكلوا " ٣ ومعنى: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " كيف الصواب؟ فأجاب: أما مسألة معاذ: فالمعنى عند السلف على ظاهره، وهو من الأمور التي يقولون: أمروها كما جاءت، أعني نصوص الوعد والوعيد، لا يتعرضون للمشكل منه. وأما قوله: " لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله " فتلك مسألة أخرى على ظاهرها، أن الله لو يستوفي حقه من عبده، لم يدخل أحد الجنة، ولكن كما قال تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٣٥] .

стр. 181

(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب عن محل الإيمان، وكونه يزيد وينقص) سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، قال السائل: تفكرت فى الإيمان وقوته وضعفه، وأن محله القلب، وأن التقوى ثمرته ومركبة عليه، فبقوته تقوى، وبضعفه تضعف. فأجاب: قولك إن الإيمان محله القلب، فالإيمان بإجماع السلف محله القلب، والجوارح جميعا، كما ذكر الله في سورة الأنفال، وغيرها. وأما كون الذي في القلب، والذي في الجوارح، يزيد وينقص، فذلك شيء معلوم، والسلف يخافون على الإنسان إذا كان ضعيف الإيمان من النفاق، أو سلب الإيمان كله. (العلاقة بين الإيمان والإسلام) وسئل أيضا: عن الإيمان، والإسلام، هل هما نوع واحد؟ أو نوعان؟ فأجاب: ذكر العلماء أن الإسلام إذا ذكر وحده، دخل فيه الإيمان، كقوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٠] ، وكذلك الإيمان إذا أفرد، كقوله في الجنة: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ [سورة الحديد آية: ٢١] ، فيدخل فيه الإسلام. وإذا ذكرا معا كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٥] ، فالإسلام الأعمال الظاهرة، والإيمان الأعمال الباطنة، كما في الحديث: " الإسلام علانية، والإيمان في القلب " ١.

стр. 182

وقوله في الحديث: " أخرجوا من النار من في قلبه " ١ إلخ، يوافق ما ذكرناه، فإن الإيمان أعلى من الإسلام، فيخرج الإنسان من الإيمان إلى الإسلام الذي ينفعه، وإن كان ناقصا، كما في آية الحجرات، وفيها: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً﴾ [سورة الحجرات آية: ١٤] . وحقيقة الأمر: أن الإيمان يستلزم الإسلام قطعا، وأما الإسلام فقد يستلزمه، وقد لا يستلزمه، أما قوله: " لا يؤمن أحدكم حتى " ٢ إلى آخره، ففسر بأن المراد اعتقاد ذلك بالقلب، والعمل بذلك الاعتقاد، فإذا كان في القلب ضده، وكرهه، وصار الكلام والعمل بمقتضى الأمر الممدوح، فهو ذاك. وذكر أيضا، في الإيمان بالله، والإيمان بالرسل: أن ههنا غاية ووسيلة ; فأما الغاية: فهو الإيمان بالله، وأما الوسيلة فهو الإيمان بالرسل، الإيمان بالله مثل الماء، والإيمان بالرسل: مثل الدلو والرشا.

стр. 183

(جواب الشيخ ابن عبد الوهاب عن قول القائل كل ذنب عصى الله به شرك) وسئل ﵀: عمن خالف شيئا من واجبات الشريعة، ماذا يقع؟ وما معنى: كل ذنب عصي الله به شرك؟ وهل يقع في جزء من الكفر؟ وما ذلك الكفر؟ أهو كفر بالله؟ أو بآلائه، مع صغره؟ وما معنى قول من قال: كفر دون كفر؟ وقول من قال: كفر نعمة؟ أي نعمة أيضا؟ وماذا ترى في الرؤيا التي ذكرت لك؟ فأجاب: الشرك والكفر نوع، والكبائر نوع آخر، والصغائر نوع آخر. ومن أصرح ما فيه، حديث أبي ذر، فيمن لقي الله بالتوحيد، قوله: " وإن زنى وإن سرق " ١ مع أن الأدلة كثيرة. وإذا قيل: من فعل كذا وكذا، فقد أشرك أو كفر، فهو فوق الكبائر. وما رأيت جاء مخالفا ما ذكرت لك، فهو بمعنى الذي أخفى من دبيب النمل، وقول القائل: كفر نعمة، خطأ، رده الإمام أحمد وغيره. ومعنى كفر دون كفر: أنه ليس يخرج من الملة مع كبره. والرؤيا: أرجو أنها من البشرى المذكورة، لكن الرؤيا تسر المؤمن، ولا تضره.

стр. 184

(أقسام الناس بعد الهجرة) وله أيضا: رحمه الله تعالى: اعلم رحمك الله: أن الله منذ بعث محمدا ﷺ وأعزه بالهجرة والنصر، صار الناس ثلاثة أقسام: قسم: مؤمنون، وهم الذين آمنوا به ظاهرا وباطنا، وقسم: كفار، وهم الذين أظهروا الكفر به، وقسم: منافقون، وهم الذين آمنوا به ظاهرا، لا باطنا. ولهذا افتتح الله سورة البقرة، بأربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وثلاث عشرة في صفة المنافقين. وكل واحد من الإيمان، والكفر، والنفاق، له دعائم وشعب، كما دل عليه الكتاب والسنة، وكما فسره علي بن أبي طالب ﵁ في الحديث المأثور عنه. فمن النفاق ما هو أكبر، يكون صاحبه في الدرك الأسفل من النار، كنفاق عبد الله بن أبي، وغيره، مثل أن يظهر تكذيب الرسول، أو جحود بعض ما جاء به، أو بغضه، أو عدم اعتقاد وجوب اتباعه، أو المسرة بانخفاض دينه، أو المساءة بظهور دينه، ونحو ذلك، مما لا يكون صاحبه إلا عدوا لله ورسوله. وهذا القدر موجود في زمن الرسول ﷺ ، وما زال بعده أكثر منه على عهده، لكون موجبات الإيمان على عهده أقوى، فإذا كانت مع قوتها والنفاق موجود، فوجوده فيما

стр. 185

دون ذلك أولى به، وهذا ضرب النفاق الأكبر، والعياذ بالله. وأما النفاق الأصغر، فهو: نفاق الأعمال، ونحوها، مثل أن يكذب إذا حدث، ويخلف إذا وعد، أو يخون إذا اؤتُمن، للحديث المشهور في الصحيحين عنه ﷺ قال: " آية المنافق: ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتُمن خان، وإن صلى وصام، وزعم أنه مسلم " ١ ومن هذا الباب: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، لقوله ﷺ " من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة من النفاق " ٢ رواه مسلم. وقد أنزل الله سورة براءة، التي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين، كما قاله ابن عباس ﵄، قال: (هي الفاضحة، ما زالت تنْزل، "ومنهم ومنهم"، حتى ظنوا أن لا يبقى أحد إلا ذكر فيها) ، وعن المقداد بن الأسود قال: (هي سورة البحوث، لأنها بحثت عن سرائر المنافقين) ، وقال قتادة: (هي المثيرة، لأنها أثارت مخازي المنافقين) . وهذه السورة نزلت في آخر مغازي رسول الله ﷺ يوم غزوة تبوك، وقد أعز الله الإسلام وأظهره، فكشف فيها عن أحوال المنافقين ووصفهم فيها بالجبن والبخل، فأما الجبن فهو ترك الجهاد، والبخل عن النفقة في سبيل الله، وقال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ الآية [سورة آل عمران آية

стр. 186

: ١٨٠] . وقال: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الأنفال آية: ١٦] . فأما وصفهم فيها بالجبن والفزع، فقد قال تعالى: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً﴾ [سورةالتوبه آية: ٥٦] ، يلجؤون إليه، مثل المعاقل والحصون ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾ يغورون فيها كما يغور الماء ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ هو الذي يتكلف الدخول إليه، ولو بكلفة ومشقة ﴿لَوَلَّوْا إِلَيْهِ﴾ عن الجهاد ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٧] ، أي: يسرعون إسراعا لا يردهم شيء، كالفرس الجموح، الذي إذا حمل لم يرده اللجام. وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٥] ، فحصر المؤمنين فيمن آمن وجاهد، وقال تعالى: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيتين [سورة التوبة آية: ٤٤] ، فهذا إخبار من الله أن المؤمن لا يستأذن في ترك الجهاد، وإنما يستأذن الذين لا يؤمنون بالله، فكيف بالتارك من غير استئذان؟ ! فقال في وصفهم بالشح: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٤] إلى قوله: ﴿وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٥٤] ، فإذا كان هذا مذمة الله ﵎ لمن أنفق وهو كاره، فكيف بمن ترك النفقة رأسا؟ !

стр. 187

وقد أخبر أن المنافقين لما قربوا من المدينة، تارة يقولون للمؤمنين: هذا الذي جرى علينا بشؤمكم، فأنتم الذين دعوتم الناس إلى هذا الدين، وقاتلتم عليه، وخالفتموهم. وتارة يقولون: أنتم الذين أشرتم علينا بالمقام هنا، وإلا لو كنا قد سافرنا لما أصابنا هذا، وتارة يقولون: أنتم مع قلتكم وضعفكم، تريدون أن تكسروا العدو، وقد غركم دينكم. وتارة يقولون: أنتم مجانين لا عقل لكم، تريدون أن تهلكوا أنفسكم، وتهلكوا الناس معكم. وتارة يقولون أنواعا من الكلام المؤذي. فأخبر الله عنهم بقوله : ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢٠] . فوصفهم ﵎ بثلاثة أوصاف: الأول: أنهم لفزعهم منهم يحسبون الأحزاب لم ينصرفوا عن البلد، وهذا حال الجبان، الذي في قلبه مرض؛ فإن قلبه يبادر إلى تصديق الخبر المخوف، وتكذيب خبر الأمن. الوصف الثاني: أن الأحزاب إذا جاؤوا، تمنوا أن لا يكونوا بينكم، بل في البادية بين الأعراب، ﴿يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢٠] ، أي شيء خبر المدينة؟ وأي شيء خبر الناس؟ الوصف الثالث: أن الأحزاب إذا أتوا وهم فيكم لم يقاتلوا إلا قليلا وهذه الأوصاف الثلاثة منطبقة على كثير من الناس.

стр. 188

(هل يخلد أحد من أهل التوحيد في النار) سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر رحمهم الله تعالى: هل عندكم أنه ما يلبث موحد في النار، أم لا؟ فأجابوا: الذي نعتقده دينا، ونرضاه لإخواننا المسلمين، مذهبا، أن الله ﵎: لا يخلد أحدا فيها من أهل التوحيد، كما تظاهرت عليه الأدلة، من الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. قال الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية ﵀: تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ : " بأنه يخرج من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه من الإيمان ما يزن شعيرة " ١، وفي لفظ (ذرة) ولكنها جاءت مقيدة بالقيود الثقال، كقوله: " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ٢، وفي رواية " صادقا من قلبه " ٣ انتهى. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة من أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن اتبعهم بإحسان من سلف الأمة وأئمتها. ولا يخالف في ذلك إلا الخوارج والمعتزلة القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار. والجواب عن الآيات التي احتجوا بها تحتاج إلى بسط طويل.

стр. 189

(أنواع الشرك) وسئل أيضا أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحمد بن ناصر رحمهم الله تعالى عن الشرك بالله: ما هو الأكبر الذي ذم فاعله، وماله حلال لأهل الإسلام، ولا يغفر لمن مات عليه؟ وما هو الأصغر؟. فأجابوا: قد ذكر العلماء ﵏: أن الشرك نوعان: أكبر، وأصغر. فالأكبر: أن يجعل لله ندا من خلقه، يدعوه كما يدعو الله، ويخافه كما يخاف الله، ويرجوه كما يرجو الله، ويتوكل عليه في الأمور، كما يتوكل على الله. والحاصل: أن من سوى بين الله وبين خلقه في عبادته، ومعاملته، فقد أشرك بالله الشرك الأكبر، الذي لا يغفره، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٥] إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٧] . وقال تعالى عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة آية: ٩٨] . قال بعض المفسرين: والله ما ساووهم بالله في الخلق والرزق والتدبير، ولكن ساووهم في المحبة والإجلال والتعظيم، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] ، أي: يعدلون به في العبادة.

стр. 190

ولهذا اتفق العلماء كلهم على أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، فقد كفر لأن هذا كفر عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . ثم شهد عليهم بالكذب والكفر، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] . فهذا حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله، وقال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] . وقد أنكره الله في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلا لمن أذن له أن يشفع فيه، ورضي قوله، وعمله، وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء، فإنه سبحانه يأذن في الشفاعة لهم، حيث لم يتخذوا من دون الله شفيعا، فيكون أسعد الناس بشفاعة الشفعاء صاحب التوحيد، الذي حقق قول لا إله إلا الله. والشفاعة التي أثبتها الله ورسوله هي: الشفاعة الصادرة عمن أذن له، لمن وحّده، والشفاعة التي نفاها الله: الشركية التي يظنها المشركون، فيعاملون بنقيض قصدهم، ويفوز بها الموحدون. فتأمل قوله ﷺ لأبي هريرة، وقد سأله: " من أسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ١، فجعل أعظم الأسباب التي ينال بها الشفاعة تجريد التوحيد، عكس ما اعتقد المشركون، أن الشفاعة تنال

стр. 191

باتخاذهم شفعاء وعبادتهم وموالاتهم من دون الله، فقلب النبي ﷺ زعمهم الكاذب، وأخبر أن سبب الشفاعة تجريد التوحيد، فحينئذ يأذن الله للشافع أن يشفع فيه. ومن جهل المشرك اعتقاده إن اتخذ من دون الله شفيعا أن يشفع له وينفعه، كما يكون عند خواص الملوك والولاة، ولم يعلموا أن الله لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يأذن في الشفاعة إلا لمن رضي قوله وعمله، كما قال تعالى في الفصل الثاني: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] . وبقي فصل ثالث، وهو: أنه ما يرضى من القول والعمل إلا التوحيد، واتباع الرسول، وعن هاتين الكلمتين يسأل الأولون والآخرون، كما قال أبو العالية: (كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟) . فهذه ثلاثة أصول، تقطع شجرة الشرك من قلب من وعاها وعقلها: فالأول: أنه لا شفاعة إلا بإذنه. والثاني: أنه لا يأذن إلا لمن رضي قوله وعمله. والثالث: أنه لا يرضى من القول والعمل إلا توحيده واتباع رسوله. وقد قطع سبحانه الأسباب التي يتعلق بها المشركون قطعا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا، أو شفيعا فهو كمثل العنكبوت اتخذت بيتا، فقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ

стр. 192

مِنْ ظَهِير وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ٍ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] . فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له به من النفع. والنفع لا يكون إلا لمن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه ; فإن لم يكن مالكا كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا كان معينا وظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا كان شفيعا عنده؟ فنفى المراتب الأربع، نفيا مرتبا منتقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشرك، والمظاهرة، والشفاعة التي يطلبها المشرك؛ وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي: الشفاعة بإذنه. فكفى بهذه الآية برهانا، ونورا، وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها. والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن. ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، أو شر منهم، أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك. ولكن الأمر كما قال عمر بن الخطاب ﵁: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية والشرك ". وما عابه القرآن وذمه، ووقع فيه

стр. 193

وأقره، ودعا إليه، وصوبه وحسنه، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه، فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة؛ ويبدع الرجل بتجريد التوحيد، ومتابعة الرسول، ومفارقة أهل الهوى والبدع. ومن له بصيرة وقلب حي يرى عيانا، والله المستعان. والكلام في هذه المسألة يحتاج إلى بسط طويل، ليس هذا محله، وإنما نبهناك على ذلك تنبيها، يعرف به كل من نور الله قلبه حقيقة الشرك، الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وحرم الجنة على فاعله. ولكن من أعظم أنواعه، وأكثره وقوعا في هذه الأزمان: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، كما ذكره المفسرون، عند قوله تعالى، حكاية عن قوم نوح: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٣] . إن هذه أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا، عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، كما ذكر البخاري في صحيحه، في تفسير سورة نوح، وكما ذكر غيره من أهل العلم، والله أعلم. وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والحلف بغير الله، كما ذكر عن النبي ﷺ أنه قال: " من حلف بغير الله فقد

стр. 194

أشرك " ١. ومن ذلك قول الرجل: ما شاء الله وشئت، وهذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، وما لي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: " ما شاء الله وشئت، فقال: أجعلتني لله ندا، قل ما شاء الله وحده " ٢. وهذه اللفظة أخف من غيرها من الألفاظ. وقد يكون هذا شركا أكبر، بحسب حال قائله ومقصده. وهذا الذي ذكرنا متفق عليه بين العلماء - رحمهم الله تعالى - أنه من الشرك الأصغر، كما أن الذي قبله متفق عليه أنه من الشرك الأكبر. (التوبة من الشرك) واعلم أن التوبة مقبولة منهما، ومن سائر الذنوب قطعا، إذا صحت التوبة، واستكملت شروطها. لكن ابن عباس ﵄، ومن تبعه، قال: " لا تقبل توبة القاتل ". وقد ناظر ابن عباس أصحابه، وخالفه جمهور العلماء في ذلك، وقالوا: التوبة تأتي على كل ذنب، فكل ذنب يمكن التوبة منه، وتقبل، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر آية: ٥٣] ، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [سورة طه آية: ٨٢] . فإذا تاب هذا القاتل، وآمن، وعمل صالحا، فإن الله غفار له.

стр. 195

فصل: (ذكر مراتب الدين الثلاث) وأما قول السائل: هل للتوحيد والإيمان مرتبتان، وحقيقتان، ومجازان، يقابل كل واحد واحدة من مراتب الشرك والكفران، يتعلق بأحدهما دون الآخر النقص والبطلان، ويخرج بفعل بعض قواعد الشرك، أو ترك بعض قواعد التوحيد، عن دائرة الإسلام، لا دائرة الإيمان، أو بالعكس؟ فاعلم رحمك الله أن العلماء ذكروا أن الدين على ثلاث مراتب: المرتبة الأولى: مرتبة الإسلام، وهي المرتبة الأولى التي يدخل فيها الكافر أول ما يتكلم بالإسلام، ويذعن، وينقاد له. المرتبة الثانية: مرتبة الإيمان، وهي أعلى من المرتبة الأولى، لأن الله تعالى نفى عمن ادعى الإيمان أول وهلة، وأثبت لهم الإسلام، فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٥-١٤] ، فأنكر سبحانه عليهم ادعاءهم الإيمان، وأخبر أنهم لم يبلغوا هذه المرتبة إذ ذاك. وفي الحديث الصحيح، حديث

стр. 196

سعد، لما قال للنبي ﷺ : ما لك عن فلان؟ فوالله لأراه مؤمنا فقال: (أو مسلما) . المرتبة الثالثة: الإحسان، وهي أعلى المراتب كلها، وقد تضمن حديث جبريل هذه المراتب كلها، لما سأله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، فأخبره ﷺ بذلك، ثم قال: " هذا جبريل يعلمكم أمر دينكم " ١. فقد ينفى عن الرجل الإحسان، ويثبت في الإيمان، وينفى عنه الإيمان، ويثبت في الإسلام، كما في قوله ﵇: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ٢. ولا يخرجه عن مرتبة الإسلام إلا الكفر بالله، والشرك المخرج من الملة. وأما المعاصي والكبائر، كالزنى والسرقة وشرب الخمر وأشباه ذلك، فلا يخرجه عن دائرة الإسلام عند أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج، والمعتزلة، الذين يكفرون بالذنوب، ويحكمون بتخليده في النار. واحتج أهل السنة والجماعة على ذلك بحجج كثيرة، من الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة، والتابعين. فمن ذلك: ما رواه محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا وهب بن جرير بن حازم، حدثنا أبي، عن الفضيل، عن أبي جعفر محمد بن علي، أنه سئل عن قول النبي ﷺ : " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ٣. فقال أبو جعفر: هذا الإسلام، ودوّر دائرة واسعة، وهذا

стр. 197

الإيمان، ودور دائرة صغيرة، في وسط الكبيرة ; فإذا زنى أو سرق خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرج من الإسلام إلا الكفر بالله، انتهى. قال: وإن الله جعل اسم الإيمان اسم ثناء وتزكية ومدحة، وأوجب عليه الجنة، فقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ [سورة آية: ٤٤] ، وقال: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [سورة يونس آية: ٢] . وقال: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ﴾ [سورة الحديد آية: ١٢] . وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٧٢] . قالوا: وقد توعد الله بالنار أهل الكبائر، فدل ذلك على أن اسم الإيمان زال عمن ألم بكبيرة، قالوا: ولم نجده تعالى أوجب الجنة باسم الإسلام، فثبت: أن اسم الإسلام ثابت له على حاله، واسم الإيمان زائل عنه. فإن قيل: أليس ضد الإيمان الكفر؟ فالجواب: إن الكفر ضد أصل الإيمان، لأن للإيمان أصلا وفروعا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان، الذي هو ضد الكفر. فإن قيل: الذي زعمتم أن النبي ﷺ أزال عنه اسم الإيمان، هل بقي معه من الإيمان شيء؟ قيل: نعم. أصله ثابت، ولولا ذلك لكفر.

стр. 198

فإن قيل: كيف أمسكتم عن اسم الإيمان أن تسموا به الفاسق، وأنتم تزعمون أن أصل الإيمان معه، وهو التصديق بالله ورسوله؟ قلنا: لأن الله ورسوله، وجماهير المسلمين، يسمون الأشياء بما علمت عليها من الأسماء، فيسمون الزاني فاسقا، والقاذف فاسقا، وشارب الخمر فاسقا، ولم يسموا واحدا من هؤلاء تقيا، ولا ورعا ; وقد أجمع المسلمون أن فيه أصل التقوى والورع، وذلك أنه يتقي أن يكفر، أو يشرك بالله، وكذلك يتقي أن يترك الغسل من الجنابة والصلاة، ويتقي أن يأتي أمه، فهو في جميع ذلك متق. وقد أجمع المسلمون من الموافقين والمخالفين أنه لا يسمى تقيا ولا ورعا إذا كان يأتي بالفجور، مع أن أصل التقوى والورع باق. انتهى ; يريد باق من ادعائه الأصل، كتورعه عن إتيان المحارم، ثم لا يسمونه متقيا، ولا ورعا، مع إتيانه بعض الكبائر، بل يسمونه فاسقا، وفاجرا، مع علمهم أنه قد اتقى بعض التقوى والورع، فمنعهم من ذلك أن اسم التقى اسم ثناء وتزكية، وأن الله قد أوجب عليه المغفرة والجنة; قالوا: فلذلك لا نسميه مؤمنا ونسميه فاسقا، وزانيا، وإن كان في قلبه أصل اسم الإيمان، لأن الإيمان أصل أثنى الله به على المؤمنين، وزكاهم به، وأوجب لهم الجنة.

стр. 199

ثم قال: مسلم، ولم يقل: مؤمن ; قالوا: ولو كان أحد من المسلمين الموحدين يستحق أن لا يكون في قلبه إيمان وإسلام، كان أحق الناس به أهل النار، الذين يخرجون منها، لأنه صح عن النبي ﷺ أن الله يقول: "أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " ١ فثبت أن شر المسلمين في قلبه إيمان. ولما وجدنا الأمة تحكم بالأحكام التي ألزمها الله المسلمين، ولا يكفرونهم، ولا يشهدون لهم بالجنة، ثبت أنهم مسلمون، تجري عليهم أحكام المسلمين، وأنهم لا يستحقون أن يسموا مؤمنين، إذا كان الإسلام مثبتا للملة التي يخرج بها المسلم من جميع الملل، ويزول عنه اسم الكفر، ويثبت له أحكام المسلمين. والمقصود معرفة ما قدمناه، من أن للدين ثلاث مراتب: أولها الإسلام، وأوسطها الإيمان، وأعلاها الإحسان. ومن وصل إلى العليا فقد وصل إلى التي قبلها؛ فالمحسن مؤمن، والمؤمن مسلم، وأما المسلم فلا يجب أن يكون مؤمنا. وهذا التفصيل الذي أخبر به النبي ﷺ في حديث جبريل جاء به القرآن، فجعل الأمة على هذه الأوصاف الثلاثة ; فقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ الآية [سورة فاطر آية: ٣٢] . فالمسلم الذي لم يقم بواجب

стр. 200

الإيمان: هو الظالم لنفسه، والمقتصد: هو المؤمن المطلق الذي أدى الواجب، وترك المحرم، والسابق بالخيرات هو المحسن الذي عبد الله كأنه يراه. وقد ذكر سبحانه تقسيم الناس في المعاد إلى هذه الثلاثة الأقسام في سورة: (الواقعة) ، (والمطففين) ، (وهل أتى) ، وقال أبو سليمان الخطابي ﵀: فأكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة، فأما الزهري فقال: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، واحتج بالآية. وذهب غيره إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، واحتج بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة الذّاريات آية: ٣٦] . قال: والصحيح من ذلك أن يقيد الكلام في هذا ولا يطلق ; وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال؛ ولا يكون مؤمنا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنا ; وإذا حملت الأمر على هذا، استقام لك تأويل الآيات، واتحد القول فيها، ولم يختلف شيء منها. قال الشيخ تقي الدين: والذي اختاره الخطابي هو قول من فرق بينهما، كأبي جعفر، وحماد بن زيد، وعبد الرحمن بن مهدي، وهو قول أحمد بن حنبل، وغيره، وما علمت أحدا من المتقدمين خالف هؤلاء، وجعل نفس

стр. 201

الإسلام نفس الإيمان ; ولهذا كان عامة أهل السنة على هذا الذي قاله هؤلاء كما ذكره الخطابي، وكذلك ذكر أبو قاسم التيمي الأصبهاني، وابنه محمد، شارح مسلم، وغيرهما أنه المختار عند أهل السنة، وأنه لا يطلق على السارق والزاني اسم مؤمن، كما دل عليه النص. فصل: (تفاضل الناس في التوحيد والإيمان) إذا تمهدت هذه القاعدة، تبين لك أن الناس يتفاضلون في التوحيد، تفاضلا عظيما، ويكونون فيه على درجات بعضها أعلى من بعض. فمنهم من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، كما دلت عليه النصوص الصريحة الصحيحة، ومنهم من يدخل النار، وهم العصاة، ويمكثون فيها على قدر ذنوبهم، ثم يخرجون منها لأجل ما في قلوبهم من التوحيد والإيمان؛ وهم في ذلك متفاوتون، كما في الحديث الصحيح، لقول النبي ﷺ : " أخرجوا من النار من قال لا إله إلا الله، وفي قلبه من الخير ما يزن برة " ١ وفي لفظ: " شعيرة"، وفي لفظ: " ذرة "، وفي لفظ: " حبة خردل من إيمان "٢. ومن تأمل النصوص، تبين له أن الناس يتفاضلون في التوحيد والإيمان، تفاضلا عظيما، وذلك بحسب ما في قلوبهم من الإيمان بالله، والمعرفة الصادقة، والإخلاص، واليقين، والله أعلم.

стр. 202

فصل: (فضائل أهل بيت النبي ﷺ وأما السؤال عما ورد في فضائل أهل بيت النبي ﷺ ؟ فنقول: قد صح في فضائل أهل البيت أحاديث كثيرة، وأما كثير من الأحاديث التي يرويها من صنف في فضائل أهل البيت، فأكثرها لا يصححه الحفاظ ; وفيما صح في ذلك كفاية. وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٣] . وقول من قال: إن الإرادة أزلية لا تبدل، وأن " إنما " للحصر، وغير ذلك، فنقول: قد ذكر أهل العلم أن الآية لا تدل على عصمتهم من الذنوب، يدل على ذلك أن أكابر أهل البيت كالحسن، والحسين، وابن عباس لم يدّعوا لأنفسهم العصمة، ولا استدل أحد منهم بهذه الآية على عصمتهم. وقد ذكر العلماء أن الإرادة في كتاب الله على نوعين: إرادة قدرية، وإرادة شرعية؛ فالإرادة القدرية لا تبدل ولا تغير، والإرادة الشرعية قد تغير وتبدل. فمن الأول قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [سورة الإسراء آية: ١٦] ، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ [سورة الرعد آية: ١١] ، وقوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ الآيتين [سورة القصص آية: ٥٦-] .

стр. 203

ومن الثاني، قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٦] . فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٣] ، كقوله: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٦] ، وكقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٥] ، وكقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٦] . فإن إرادة الله في هذه الآية متضمنة لمحبة الله، فذكر المراد ورضاه به، وأنه شرعه للمؤمنين وأمرهم به، ليس في ذلك خلف هذا المراد، لا أنه قضاؤه وقدره. والدليل على ذلك أن النبي ﷺ بعد نزول هذه الآية قال: " اللهم أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس، وطهرهم تطهيرا " ١، فطلب من الله إذهاب الرجس والتطهير، فلو كانت الآية تقتضي إخبار الله بأنه أذهب عنهم الرجس وطهرهم، لم يحتج إلى الطلب والدعاء، وهذا على قول القدرية أظهر ; فإن إرادة الله عندهم لا تتضمن وجوب المراد، بل قد يريد ما لا يكون، ويكون ما لا يريد، فليس في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ﴾ أنه قدر ما يدل على وقوعه. ومن العجب أن الشيعة يحتجون بهذه الآية، على عصمة أهل البيت، ومذهبهم في القدر من جنس مذهب

стр. 204

القدرية، الذين يقولون: إن الله قد أراد إيمان كل من على وجه الأرض فلم يقع مراده. وأما على قول أهل السنة والتحقيق فهو ما تقدم، وهو أن يقال: الإرادة في كتاب الله نوعان: إرادة شرعية دينية، تتضمن محبته ورضاه، وإرادة كونية قدرية، تتضمن خلقه وتقديره. فالأولى كقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ٢٦] . والثانية كقوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١٢٥] . وقوله: ﴿وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [سورة هود آية: ٣٤] . ومثل ذلك كثير في القرآن. فالله تعالى قد أخبر أنه يريد أن يتوب على المؤمنين ويطهرهم، وفيه من تاب، وفيه من لم يتب، وفيه من تطهر، وفيه من لم يتطهر، فإذا كانت الآية ليس فيها دلالة على وقوع ما أراده من التطهير، وإذهاب الرجس، لم يلزم بمجرد الآية ثبوت ما ادعاه هؤلاء. ومما يبين أن أزواج النبي ﷺ مذكورات في الآية، قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٠-٣١] إلى قوله: ﴿وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ

стр. 205

لَطِيفاً خَبِيراً﴾ [سورة آية: ٣٣-٣٤] . فالخطاب كله لأزواج النبي ﷺ وفيهن الأمر والنهي، والوعد والوعيد، لكن لما كان ما ذكره سبحانه أنه يعمهن، ويعم غيرهن من أهل البيت، جاء لفظ التزكية، فقال: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٣] . والذي يريد الله من حصول إذهاب الرجس وحصول التطهير، فهذا الخطاب وغيره، ليس مختصا بأزواجه، بل هو يتناول لأهل البيت كلهم، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين أخص من غيرهم بذلك ; وكذلك خصهم النبي ﷺ بالدعاء لهم، ولهذا كما أن قوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٨] ، نزل بسبب مسجد قباء، ولكن الحكم يتناوله ويتناول ما هو أحق منه بذلك، وهو مسجد المدينة. وفي الصحيح: " أن النبي ﷺ سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى، فقال: هو مسجدي هذا " ١. وفي الصحيح: " أنه كان يأتي قباء كل سبت، راكبا وماشيا، وكان يقوم في مسجده يوم الجمعة، ويأتي قباء يوم السبت " ٢ وكلاهما مؤسس على التقوى. وهكذا أزواجه، وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، كلهم من أهل البيت، لكن علي وفاطمة، والحسن والحسين، أخص بذلك من أزواجه ; فلهذا خصهم بالدعاء.

стр. 206

فصل: (ذكر ما يطلق عليه اسم الآل) وأما قولكم: ومن يطلق عليه اسم الآل؟ فنقول: قد تنازع العلماء في آل محمد مَنْ هم؟ فقيل: هم أمته، وهذا قول طائفة من أصحاب مالك، وأحمد وغيرهم. وقيل: المتقون من أمته ; ورووا حديثا: " آل محمد كل تقي " رواه الخلال، وتمامه في فوائده، وهو حديث لا أصل له. والصحيح أن آل محمد هم أهل بيته، وهذا هو المنقول عن الشافعي وأحمد، لكن هل أزواجه من آله؟ على قولين هما روايتان عن أحمد، والصحيح أن أزواجه من آله، فإنه قد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه علمهم الصلاة عليه: " اللهم صل على محمد، وأزواجه، وذريته " ١؛ ولأن امرأة إبراهيم من آله وأهل بيته، وامرأة لوط من آله وأهل بيته، والآية المذكورة، تدل على أنهن من أهل بيته. وأما الأتقياء من أمته فهم أولياؤه، كما ثبت في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إن وليي الله، وصالح المؤمنين " ٢. فأولياؤه المتقون، بينه وبينهم قرابة الدين، والإيمان، والتقوى؛ والقرب بين القلوب والأرواح أعظم من القرب بين الأبدان. وأما أقاربه ففيهم المؤمن والكافر، والبر والفاجر؛ ومن كان فاضلا منهم، كعلي وجعفر، والحسن والحسين، وابن عباس، فتفضيلهم لما فيهم من الإيمان والتقوى؛ وهم أولياؤه

стр. 207

بهذا الاعتبار لا مجرد النسب ; فأولياؤه قد يكونون أعظم درجة من آله، وأنه إذا صلى على آله تبعا لم يقتض ذلك أن يكونوا أفضل من أوليائه، وهم أفضل من أهل بيته، وإن لم يدخلوا في الصلاة معه تبعا، فالمفضول قد يختص بأمر، ولا يكون أفضل من الفاضل، وأزواجه ممن يصلى عليهن، كما ثبت ذلك في الصحيحين، وقد ثبت باتفاق العلماء كلهم أن الأنبياء أفضل منهم، والله أعلم. فصل: (الكلام عن الحروب التي وقعت بين الصحابة) وسئلوا عن الحروب التي وقعت بين الصحابة ﵃؟ فأجابوا: فصل: وأما الحروب التي وقعت بين الصحابة، فالصواب فيها قول أهل السنة والجماعة، وهو الذي نعتقده دينا ونرضاه مذهبا؛ وهو السكوت عما شجر بينهم، والترضي عنهم، وموالاتهم، ومحبتهم كلهم، رضوان الله عليهم أجمعين. وذلك أن الله ﵎، أخبر أنه قد رضي عنهم، ومدحهم في غير آية من القرآن ; وإنما فعلوا ما فعلوه من الحروب والقتال بتأويل، ولهم من الحسنات العظيمة الماحية للذنوب ما ليس لغيرهم. ونعتقد أن عليا ﵁ أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ أنه قال: " تمرق مارقة على حين فرقة من الناس، يقتلهم أقرب

стр. 208

الطائفتين إلى الحق " ١. فخرج الخوارج، أهل النهروان، الحرورية، في وقت حرب علي ومعاوية، فقتلهم أمير المؤمنين علي ﵁ وأصحابه، بحروراء، قرب الكوفة، بعدما أغاروا على الناس، وسفكوا الدم الحرام، واستباحوا دماء المسلمين وأموالهم. فأرسل إليهم علي ﵁ ابن عباس، ووعظهم، وذكرهم، وكشف شبهتهم، فرجع كثير منهم، وخرج بقيتهم على علي ﵁ حتى قتلهم عن آخرهم. وأمر بالمخدج أن يلتمس، فالتمس، فوجدوه على النعت الذي نعته رسول الله ﷺ إحدى يديه مثل ثدي المرأة، فسجد علي ﵁ شكرا لله. فبذلك ثبت أن عليا أقرب إلى الحق من معاوية. وما أحسن ما قال عمر بن عبد العزيز ﵁ لما سئل عن الحروب التي وقعت بين الصحابة، فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، أفلا أطهر لساني من الكلام، أو نحو ذلك.

стр. 209

(مذهب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأبناؤه في الصحابة) وسئل أيضا أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر ﵏ عن مذهبهم في الصحابة ﵃؟ فأجابوا: مذهبنا في الصحابة هو مذهب أهل السنة والجماعة، وهو أن أفضلهم بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، وأفضلهم بعد أبي بكر عمر، وأفضلهم بعد عمر عثمان، وأفضلهم بعد عثمان علي ﵃. ومنْزلتهم في الخلافة كمنْزلتهم في الفضل. وقد نازع بعض أهل السنة في أفضلية عثمان على علي، فجزم قوم بتفضيل علي على عثمان، ولكن الذي عليه الأئمة الأربعة وأتباعهم هو الأول. قال الذهبي ﵀: تواتر عن علي ﵁ أنه قال: " خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وخيرهم بعد أبي بكر عمر " انتهى. ثم بعد هؤلاء الأربعة في الفضيلة، عند أهل السنة: الستة بقية العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل بيعة الرضوان، ثم بقية الصحابة ﵃.

стр. 210

فصل: (هل سبق كتاب من الله في المعاصي أنها ستقع) وأما قولكم: هل سبق كتاب من الله في المعاصي أنها ستقع؟ فنقول: قد سبق بذلك الكتاب، وجرى به القلم، وعلم سبحانه ما خلقه عاملوه قبل أن يعملوه، وتواترت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ في الصحيحين والسنن والمسانيد وغيرها ; ودل عليه كتاب الله، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر آية: ٤٩] ، و ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢] . وهذا يعم الذوات والهيئات والجواهر والأعراض. وثبت في الصحيحين من حديث عمران بن حصين: عن رسول الله ﷺ أنه قال: " كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، فخلق السماوات والأرض، وأثبت في الذكر كل شيء " ١. وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: " جف القلم بما أنت لاق " ٢. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة " ٣. وهذا الأصل هو أحد الأصول الستة التي في حديث جبريل لما سأل محمدا ﷺ عن الإيمان فقال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره

стр. 211

وشره " ١. وهذا أجمع عليه أهل السنة والجماعة. ولم يخالف في ذلك إلا مجوس هذه الأمة القدرية، فأنكروا أن يكون الله قدر أفعال العباد، أو شاء وقوعها منهم، وزعموا أن الأمر أنف، أي مستأنف، وزعموا أن الله لا يقدر يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وإنما ذلك إلى العباد. وقد خرجوا في أواخر عهد الصحابة، وتبرأ منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب لما خرجوا في زمانه، وأنكر مذهبهم وعقيدتهم، وكذلك غيره من الصحابة، والقصة في ذلك محررة في صحيح مسلم. وأول من قال هذا القول معبد الجهني بالبصرة. والله سبحانه يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهو الحكم العدل، الذي تنَزه عن الظلم والفحش، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٤٩] . وقال:﴾ وماربك بظلام للعبيد ﴿ [سورة فصلت آية: ٤٦] . وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَمَاظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٧٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْما﴾ [سورة طه آية: ١١٢] ، وفي حديث أبي ذر الغفاري ﵁ الإلهي، عن رسول الله ﷺ مما يرويه عن ربه قال: " إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " ٢ الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه. وقد سئل رسول الله ﷺ عن هذه المسألة بعينها، فأجاب بما شفى وكفى، فروى مسلم في صحيحه عن عمران بن

стр. 212

حصين ﵁: " أن رجلا من جهينة، أو مزينة، قال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه؟ أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم " ١. وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَ﴾ [سورة الشمس آية: ٧-٨] . وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله، والله أعلم. فصل: (هل القدر في الخير والشر على العموم جميعا من الله) وأما قولكم: هل القدر في الخير والشر على العموم جميعا من الله، أم لا؟ فنقول: القدر في الخير والشر على العموم، كما تقدم ذكره عن علي ﵁ قال: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد، فقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها في الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال: فقال رجل، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ

стр. 213

وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل آية: ٥-٦-٧-٨-٩-١٠] ". وفي الحديث " اعملوا فكل ميسر، أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ١ الآيتين " والله أعلم. (عقيدة الشيخ ابن عبد الوهاب في العمل في العبادة) وسئل أيضا ابنا الشيخ محمد، حسين وعبد الله، عن عقيدة الشيخ في العمل في العبادة. فأجابا: عقيدة الشيخ - رحمه الله تعالى - التي يدين الله بها، هي عقيدتنا وديننا الذي ندين الله به، وهو عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، وعرض أقوال العلماء على ذلك، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله. وهذا هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] . أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة، ليس هذا موضع بسطها.

стр. 214

وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل وترك مذهبه، كان هذا مستحبا، بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه؛ فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ﵃ أجمعين. قال الإمام مالك ﵀: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . وقال الشافعي ﵀ لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط، وفي لفظ: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك ; لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال لبعض أصحابه: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي، وتعلموا كما تعلمنا. وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع. وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة، يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو أنه يجوز العمل به، لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم ;

стр. 215

ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله ﷺ حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة ; وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها، قديما وحديثا. والذي ننكر هو التعصب للمذهب، وترك اتباع الدليل، إذا تبين هذا، فهذا الذي أنكرناه، وأنكره العلماء في القديم والحديث، والله أعلم.
следующие страницы →