← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

إذا ثبت هذا، فما خرج منهما من الفضولات، كالعرق والريق والدمع والمخاط، فهو طاهر. والقول الآخر: معفو عنه. فقد علمت أن الذي عليه الأكثرون من العلماء طهارة البغل والحمار وفضولاتهما. وأما فرخ بيضة المأكول: إن كان حياً فهو طاهر، وإن كان ميتاً أو دماً فهو نجس. ويجوز التدخن بروث الفرس، لأنه طاهر، بخلاف الحمار فإنه نجس، ودخان النجاسة نجس؛ وفيه تفصيل: قال في الكافي: دخان النجاسة نجس، فإن اجتمع منها شيء، أو لاقاها جسم صقيل فصار ماء فهو نجس، وما أصاب الإنسان من دخان النجاسة وغبارها فلم يجتمع منه شيء، ولا ظهر له صفة، فهو معفو عنه، لعدم إمكان التحرز منه. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن سؤر الحمار؟ فأجاب: عند المتقدمين من أهل العلم أنه طاهر لا ينجس، وعند المتأخرين أنه نجس. وسئل: عن زرق الصقر؟ فأجاب: وأما زرق الصقر فإنه نجس، لكن يعفى عن يسيره لمشقة التحرز منه؛ فإن مقتنى هذا الحيوان وأمثاله لا يكاد يسلم منه فعفي عن يسيره كالدم.

стр. 1507

باب الحيض سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن أقل الطهر، وأكثره؟ فأجاب: الجمهور على أن أقل الطهر بين الحيضتين: ثلاثة عشر يوماً، واختار شيخ الإسلام: أنه قد يكون أقل إذا كان عادة. وأكثر الحيض: خمسة عشر يوماً، وأقله: يوم وليلة؛ وأبو حنيفة يقول: أقله: ثلاثة أيام بلياليها، وأكثره: عشرة أيام. ومذهب مالك والشافعي في أكثر الحيض كمذهب أحمد، والشافعي كذلك في أقله، وأما مالك فيقول: لا حد لأقله. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل يجوز للحائض الجلوس في المسجد مع أمن التلويث؟ فأجاب: الحائض لا يحل لها الجلوس في المسجد ولو أمنت التلويث، بل تمنع من الجلوس فيه بالكلية؛ وقد نص الفقهاء على أن الحائض لا تجلس في المسجد، ولو بعد انقطاع الدم حتى تغتسل؛ وأما النفساء فحكمها حكم الحائض، والله أعلم. وسئل: هل يجوز وطء الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل؟

стр. 1508

فأجاب: لا يجوز ذلك حتى تغتسل أو تتيمم إن عدمت الماء، كما هو قول مالك والشافعي وأحمد؛ وهو معنى ما يروى عن الصحابة حيث قالوا في المعتدة: هو أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض عنده، وهو عشرة أيام، جاز وطؤها؛ والقول الأول هو الصواب، لأن الله تعالى قال: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٢] ، قال مجاهد يعني: ينقطع الدم؛ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢٢] اغتسلن بالماء. وسئل: عن المجدورة إذا حاضت وانقطع الدم ولم تغتسل، هل تصلي وتصوم ولا يلزمها إعادة؟ وكذلك هل يجب عليها الغسل من الجنابة والحيض إذا أصابها؟ فأجاب: المرأة إذا حاضت وهي مجدورة فإذا انقطع عنها الدم اغتسلت، فإن عجزت عن ذلك أو خافت الضرر تيممت ثم صلت وصامت، ولا يلزمها إعادة إذا برأت من مرضها؛ بل عليها أن تغتسل متى قدرت على الغسل بلا ضرر يلحقها. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن اغتسلت من الحيض فوطئها زوجها ثم رأى على ذكره أثر الدم؟ فأجاب: إذا اغتسلت من الحيض فوطئها، ثم رأى على ذكره أثر الدم، فالخطب في ذلك يسير إن شاء الله تعالى، لأن قصاراه أن الدم عاودها بعد الطهر، وذلك حيض عند

стр. 1509

الجمهور إذا لم تبلغ خمسة عشر يوماً، وقد وطئها في حال جريان الدم جاهلاً، فيكون معذوراً ولا إثم عليه، لقوله ﷺ " عفي لأمتي الخطأ والنسيان ". وأما الكفارة: ففيها خلاف هل تجب على العامد دون المخطئ والناسي، أم تجب على الجميع؟ والذي عليه الجمهور: أنه لا كفارة على الجميع، بل من تعمد ذلك أثم وليس عليه إلا التوبة. وعن أحمد في ذلك روايتان: إحداهما: كقول الجمهور، والثانية: عليه الكفارة إذا تعمد، لحديث ابن عباس المرفوع أنه " يتصدق بدينار، أو نصف دينار " ١، والحديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي، لكن مداره على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وقد قيل لأحمد: في نفسك منه شيء؟ قال: نعم، لأنه من حديث فلان، أظنه قال: عبد الحميد، وقال لو صح ذلك الحديث عن النبي ﷺ كنا نرى عليه الكفارة، وقال في موضع: ليس به بأس قد روى الناس عنه؛ فاختلاف الرواية في الكفارة مبني على اختلاف قول أحمد في الحديث، وهذه الروايتان عن أحمد في العامد، وأما الجاهل والناسي، فعلى وجهين للأصحاب: أحدهما: تجب، وهي المذهب لعموم الخبر. والثاني: لا تجب لعموم قوله ﷺ : " عفي لأمتي الخطأ والنسيان "؛ فعلى هذا، لو وطئ طاهراً فحاضت في أثناء وطئه فلا كفارة عليه، وعلى الأول عليه الكفارة.

стр. 1510

وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الوطء بعد الحيض قبل الغسل؟ فأجاب: الوطء بعد الحيض قبل الغسل، الظاهر أنه لا كفارة فيه. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الحامل إذا رأت الدم؟ فأجاب: إذا رأت الحامل الدم، فهذا ينظر في حال المرأة، فإذا كان ذلك ليس بعادة لها إذا حملت، فهذا لا تلتفت إليه، بل تصلي فيه وتصوم، وتكون حكمها حكم المستحاضة؛ وليس في هذا اختلاف. وإنما الاختلاف فيما إذا كان عادة المرأة أنها تحيض وهي حامل ويتكرر، ويأتيها في عادة الحيض، وتطهر في عادة الطهر؛ فهذا الذي اختلف فيه العلماء، والراجح في الدليل أنه حيض إذا كان على ما وصفنا، ولكنه قليل الوقوع، وكثير الوقوع على الصفة الأولى. فأنت، افهم الفرق بين من هو لها عادة متكررة، وبين من ليس لها عادة ويضطرب عليها الدم، فإنها تشتبه على كثير من الطلبة. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن المرأة إذا بلغت سن الإياس؟ وما قدر سن الإياس والدم يأتيها على عادتها، هل تصوم وتصلي وتقضي الصوم؟ أو لا بد من انقطاع الدم عنها؟ فأجاب: الإياس لا يقدر بشيء إلا إذا تغير الدم، أو انقطع، صامت ولا تقض.

стр. 1511

وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: والإياس له حد، بل متى انقطع الحيض لأجل الكبر وأيست من عوده، فهي الآيسة. وأجاب: الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا بلغت فوق خمسين سنة وأتاها الدم، ففيها ثلاثة أقوال: الجمهور يقولون: متى بلغت خمسين فلا تجلس، بل تصوم وتصلي. والقول الآخر: إذا بلغت خمسين فلا تنظر إليه. وأما شيخ الإسلام وأبو حنيفة فيقولان: تجلس على عادة جلوسها في عادة حيضها، ولا تصوم حتى ينقطع عنها الدم، ولا تسمى آيسة حتى ينقطع عنها الدم، لقول الله تعالى: ﴿وَاللاَّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [سورة الطلاق آية: ٤] ؛ وقول شيخ الإسلام وأبي حنيفة هو الراجح، والعمل عليه. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عمن رأت الطهر ساعة ثم عاودها الدم؟ فأجاب: إذا رأت المرأة الطهر ساعة ثم عاودها الدم، فإن كان ذلك في العادة جلست عن الصلاة، سواء كان دماً أو صفرة أو كدرة، وإن كان بعد انقضاء العادة، فإن كان صفرة أو كدرة لم تلتفت إليه، وإن كان دماً أسود ففيه اختلاف بين العلماء: فبعضهم يقول: لا تلتفت إليه حتى يتكرر ثلاثاً، وبعضهم يقول: تجلس عن الصلاة حتى يبلغ خمسة عشر يوماً من أول الحيض؛ هذا هو الذي عليه الجمهور.

стр. 1512

سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن رأت النقاء في أيام الحيض؟ فأجاب: إذا رأت النقاء في أيام الحيض، فالمذهب أن النقاء طهر وإن لم تر معه بياضاً، فعليها أن تغتسل وتصلي؛ وفيه قول: أن البياض الذي يأتي المرأة عقب انقطاع الحيض هو الطهر، وهو الصحيح، وإليه يميل شيخنا، ﵀، فيما نرى، والله أعلم. سئل الشيخ حسن بن حسين بن محمد، رحمهم الله تعالى: عن دليل اشتراطهم دخول الوقت لمن حدثه دائم؟ فأجاب: دليل ما ذكروه من اشتراط دخول الوقت لمن حدثه دائم، كسلس البول، ودائم الريح، والجروح التي لا يرقى دمها، والقروح السيالة، هو: القياس على المستحاضة، بجامع العذر؛ وقد أسلفنا لك: أن القياس إذا صح، دليل مستقل بنفسه، ونحن نذكر حكم المسألة من كلامهم: قال في شرح المفردات، عند قول الناظم: وبدخول وقت طهر يبطلُ ... من بها استحاضة قد نقلوا لا بالخروج منه لو تطهرتْ ... للفجر لم يبطل بشمس طلعتْ يعني: أن المستحاضة ومن به سلس البول ونحوه، يتوضأ لوقت كل صلاة، إلا أن لا يخرج منه شيء؛ وهو قول أصحاب الرأي، لحديث عدي ابن ثابت عن أبيه عن جده في

стр. 1513

المستحاضة: "ت دع الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصوم وتصلي، وتتوضأ عند كل صلاة " ١، وعن عائشة، ﵂، قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي ﷺ ، فذكرت خبرها، ثم قال: " توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت " ٢، رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وقال: حسن صحيح. فإذا توضأ أحد هؤلاء قبل الوقت، ثم دخل الوقت بطلت طهارته، لأن دخوله يخرج به الوقت الذي توضأ فيه؛ والحدث مبطل للطهارة، وإنما عفي عنه مع الحاجة إلى الطهارة، ولا حاجة قبل الوقت. وإن توضأ بعد الوقت صح وضوؤه، ولم يؤثر فيه ما يتجدد من الحدث الذي لا يمكن التحرز منه. ولا تبطل الطهارة بخروج الوقت، إذا لم يدخل وقت صلاة أخرى؛ فمتى تطهرت لصلاة الصبح لم يبطل وضوؤها بطلوع الشمس، لأنه لم يدخل وقت صلاة أخرى؛ قال المجد في شرح الهداية: ظاهر كلام أحمد أن طهارة المستحاضة تبطل بدخول الوقت دون خروجه، قال أبو يعلى: تبطل بكل واحد منهما - ثم قال - والأول أولى. انتهى. ومشى على الثاني في الإقناع. والمشهور عند الحنفية: أنه يبطل بخروج الوقت لا بدخوله، فلو توضأت بعد طلوع الشمس لم يبطل حتى يخرج وقت الظهر. انتهى كلامه. وقال أبو العباس: أظهر قولي العلماء أن مثل هؤلاء يتوضؤون لوقت كل صلاة، ولكل صلاة.

стр. 1514

كتاب الصلاة: حكم ترك الصلاة وإخراجها عن وقتها سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: متى يؤمر المميز بالصلاة ... إلخ؟ فأجاب: العبادات كلها لا تجب إلا بعد البلوغ؛ وأما ولي الصغير فيجب عليه أمره، وتدريبه على العبادات إذا ميز وعقلها، ليعتادها ويألف الخير. وسئل: عمن جن وترك الصلاة ستة عشر يوماً؟ فأجاب: الذي جن وترك الصلاة ستة عشر يوماً، ثم بعد ذلك صحا، فإنه لا يقضي ما فاته على الصحيح. سئل الشيخ محمد بن عمر بن سليم: عمن أخر صلاة الفجر إلى وقت الظهر؟ فأجاب: الذي أخر صلاة الفجر إلى وقت الطهر آثم، لأن تأخير الصلاة عن وقتها حرام باتفاق العلماء. قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: اتفق المسلمون كلهم على أن عليه أن يصلي الظهر والعصر بالنهار، ويصلي

стр. 1515

الفجر قبل طلوع الشمس، لا يترك ذلك لصناعة، ولا لصيد ولا لهو، ولا لزراعة، ولا لجنابة ولا نجاسة، ولا غير ذلك؛ والنبي ﷺ أخر صلاة العصر يوم الخندق، لاشتغاله بجهاد الكفار، ثم صلاها بعد المغرب، فأنزل الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٨] ، أي: صلاة العصر؛ ولهذا قال جمهور العلماء: إن ذلك التأخير منسوخ لهذه الآية، فلم يجز تأخير الصلاة حال القتال، بل أوجب عليه الصلاة في الوقت حال القتال؛ هذا مذهب مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وعن أحمد رواية أخرى: يخير حال القتال بين الصلاة وبين التأخير، ومذهب أبي حنيفة: يشتغل بالقتال ويصلي بعد الوقت. وأما تأخير الصلاة لغير الجهاد، لصناعة أو زراعة أو عمل أو صيد، فلا يجوز ذلك عند أحد من العلماء، بل قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] ، قال طائفة من السلف: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، وقال بعضهم: هم الذين لا يؤدونها على الوجه المأمور به، وإن صلوها في الوقت. فتأخيرها عن الوقت حرام باتفاق العلماء، والعلماء متفقون على أن تأخير صلاة الليل إلى النهار، وصلاة النهار إلى الليل، بمنْزلة تأخير شهر رمضان إلى شوال؛ وإنما يعذر بالتأخير النائم والناسي، كما قال النبي ﷺ : " من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها؛ لا كفارة لها إلا ذلك " ١.

стр. 1516

وأما الجنب، والمحدث، ومن عليه نجاسة، إذا عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله، لمرض أو برد، فإنه يتيمم ويصلي في الوقت وجوباً، ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي في غير الوقت باغتسال، قال النبي ﷺ : " الصعيد الطيب طهور المسلم، ولو لم يجد الماء عشر سنين؛ فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك، فإنه خير لك " ١. فكل ما يباح بالماء يباح بالتيمم عند عدم الماء، أو عدم القدرة على استعماله؛ فإذا تيمم للصلاة يقرأ القرآن داخل الصلاة وخارجها، وإن كان جنباً. وقال شيخ الإسلام أيضاً: ومن امتنع عن الصلاة بالتيمم فإنه من جنس اليهود والنصارى؛ فإن التيمم إنما أبيح لهذه الأمة خاصة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي " ٢. قال: ومما يزيد ما تقدم وضوحاً، قول النبي ﷺ لعمران بن الحصين: " صل قائماً، فإن لم تسطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب " ٣. فتبين بهذا: أن المريض يصلي في الوقت على حسب حاله، قاعداً أو على جنب، إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائماً؛ هذا مما اتفق عليه العلماء، وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة، كما أن صيام شهر رمضان أوجب في

стр. 1517

وقته ليس لأحد أن يؤخره عن وقته؛ لكن يجوز الجمع بين الظهر والعصر بعرفة وبين المغرب والعشاء، وبين الظهر والعصر عند كثير من العلماء للسفر والمرض ونحو ذلك من الأعذار. وأما تأخير صلاة النهار إلى الليل، والليل إلى النهار، والفجر بعد طلوع الشمس، فلا يجوز ذلك لمرض ولا لسفر، ولا لشغل ولا لصناعة باتفاق العلماء، قال عمر ﵁: "الجمع بين الصلاتين لغير عذر من الكبائر "، وفي وصية أبي بكر لعمر، ﵄: "إن لله حقاً بالنهار لا يقبله بالليل، وحقاً بالليل لا يقبله بالنهار "؛ ومن ظن أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء، خير من الصلاة في الوقت بالتيمم، فهو جاهل ضال. سئل أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر: عمن ترك الصلاة كسلاً من غير جحود لها؟ فأجابوا: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، كما روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة قال: قال رسول الله ﷺ : " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " ١، وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " ليس بين العبد وبين الشرك والكفر إلا ترك الصلاة " ٢، وعن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال ترْكه كفر إلا الصلاة، رواه الترمذي؛ فدلت

стр. 1518

هذه الأحاديث: على أن ترك الصلاة كفر مستقل، من غير اقترانه بجحد الوجوب؛ وذلك لأن جحد الوجوب لا يختص بالصلاة وحدها، فإن من جحد شيئاً من فرائض الإسلام فهو كافر بالإجماع. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: اختلف العلماء، ﵏، في تارك الصلاة كسلاً من غير جحود: فذهب أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، ومالك، إلى أنه لا يحكم بكفره; واحتجوا بما رواه عبادة. وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه، وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن المبارك والنخعي، والحكم وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي، وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين، إلى أنه كافر، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعاً، وذكره في كتاب الزواجر عن جمهور الصحابة والتابعين. وقال الإمام محمد بن حزم: سائر الصحابة والتابعين ومن بعدهم يكفِّرون تارك الصلاة مطلقاً، ويحكمون عليه بالارتداد، وذكر الأحاديث - ثم قال - وعن عبد الله بن شقيق قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ لا يرون شيئاً من الأعمال ترْكه كفر غير الصلاة. فهذه الأحاديث كما ترى صحيحة في كفر تارك الصلاة، مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب الجمهور من التابعين ومن بعدهم؛ ثم إن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة

стр. 1519

كسلاً، إلا أبا حنيفة والزهري وداود، فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة حتى يموت أو يتوب. واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة، وذكر الأدلة - ثم قال - وأما كلام الفقهاء: فقال الشيخ علي الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضاً أخره لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، قتل بالسيف حداً على المشهور. وقال ابن حبيب وجماعة خارج المذهب كافراً، واختاره ابن عبد السلام. فانظر تصريحهم: أن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك، وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب وابن عبد السلام اختارا أنه يقتل كافراً. وقال الأذرعي في كتاب قوت المحتاج في شرح المنهاج: من ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر إجماعاً، وإن تركها كسلاً قتل حداً على الصحيح. والصحيح قتله بصلاة واحدة، بشرط إخراجها عن وقت الضرورة؛ فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلاً، وأن الربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئاً، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وقال الشيخ أحمد بن الهيتمي: إن ترك الصلاة جاحداً وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلاً مع اعتقاد وجوبها قتل، لآية: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ [سورة التّوبة آية: ٥ و١١] ، وخبر "أمرت "؛ فانظر كلامه في قتل تارك الصلاة كسلاً، وأن الآية والحديث شرطان في الكف عن القتل. وقال في الإقناع وشرحه: من جحد وجوبها كفر؛ فإن تركها تهاوناً وتكاسلاً لا جحوداً يهدده، فإن

стр. 1520

أبى أن يصليها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله. فتأمل كلامه في ترك الصلاة من غير جحود أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً. انتهى كلامه ملخصاً. وأجاب أيضاً: وأما تارك الصلاة مع إقراره بوجوبها، فاختلف العلماء فيه: فبعضهم يقول: يقتل حداً بعد ما يستتاب، وبعضهم يقول: يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً؛ وهذا هو الصواب الذي تدل عليه السنة، وهو قول جمهور السلف من الصحابة والتابعين، بل قد نقل إسحاق بن راهويه الإجماع على أنه كافر. والدليل على كفره ما في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: " بين العبد وبين الكفر والشرك ترك الصلاة " ١، وفي صحيح مسلم أيضاً عن النبي ﷺ أنه قال: " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر " ٢. وفي المسند أنه ﷺ ذكر الصلاة فقال: " من أتى بها كانت له نوراً ونجاة يوم القيامة، ومن لم يأت بها لم تكن له نوراً ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف " ٣، وفي المسند عنه ﷺ أنه قال: " من ترك الصلاة متعمداً فقد برئت منه ذمة رسول الله ﷺ " ٤. وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [سورة مريم آية: ٥٩] ، قال: هم الذين يؤخرونها عن وقتها، ولو تركوها لكانوا كفاراً.

стр. 1521

وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: المشهور في مذهب الإمام أحمد، أن من ترك الصلاة تهاوناً وكسلاً يكفر، ويقتل كفراً إذا دعي إليها فأصر؛ ومنها صلاة الجمعة، نصوا على أن من تركها تهاوناً وكسلاً ولو مرة واحدة أنه يكفر؛ ويوجد أناس في أطراف البلدان يتركونها مراراً، وهذا أمر عظيم وخطره كبير، وقد يكون الإنسان كافراً مرتداً بترك فريضة وهو لا يشعر. فاحذروا، رحمكم الله، التهاون بمثل هذه الأمور الخطيرة، التي إذا وقعت من سفيه ضرت العامة إذا تركوه عليها. وأعظم الناس خطراً في مثل هذه الأمور: الأمراء والنواب، إذا تركوا القيام بما أوجب الله عليهم من القيام بأمر الله على الداني والقاصي، والقريب والبعيد، والعدو والصديق كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٣٥] ؛ وهذا هو الواجب على ولاة الأمور، فنسأل الله لنا ولكم التوفيق.

стр. 1522

باب الأذان قال الشيخ حمد بن معمر، ﵀: قد صرح العلماء، ﵏، أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتَلون؛ قال الأجهوري في شرح المختصر في فضل الأذان: قال المازري: في الأذان معنيان: أحدهما: إظهار الشعائر، والتعريف بأن الدار دار إسلام؛ وهو فرض كفاية، يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه إن عجزوا عن قهرهم على إقامته إلا بالقتال. والثاني: الدعاء للصلاة والإعلام بوقتها؛ وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر، لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع الأذان أغار، وإلا أمسك. وقال ابن حجر الهيتمي في باب الأذان والإقامة: سنة، وقيل فرض كفاية، فيقاتل أهل بلد تركوهما، بحيث لم يظهر الشعار. وقال في الإقناع وشرحه: وإن تركوهما، أي: الأذان والإقامة، أهل بلد، قوتلوا، أي: قاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فيقاتَلون على تركهما كسلاً. فتأمل كلامهم في أهل البلدان إذا تركوا الأذان والإقامة، أنهم يقاتَلون بمجرد ترك ذلك؛ فهذا كلام

стр. 1523

المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن أخذ الأجرة على الأذان؟ فأجاب: وأما أخذ الأجرة على الأذان، فقال ﷺ لبعض أصحابه اتخذ مؤذناً، لا يأخذ على أذانه أجراً. انتهى. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: ذكر أن التكبير مناسب في الأذان، لأنه مشروع على الأمكنة العالية، كقوله: إذا هبطنا سبحنا، وإذا علونا كبرنا. سئل ابنه: الشيخ عبد الله بن محمد، رحمهما الله، عن عدد كلمات الأذان؟ فأجاب: الثابت أن الأذان خمس عشرة كلمة: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله؛ فهذا هو الثابت أن رسول الله أمر بلالاً أن يؤذن به، كما ذكر ذلك أهل السنن والمسانيد. وأما "حي على خير العمل"، فليس بثابت، ولا عمل عليه عند أهل السنة. وأجاب أيضاً: الذي يقول في الأذان: حي على خير

стр. 1524

العمل، ينكر عليه، ويعلم أن هذا من مبتدعات الرافضة، التي ما ورد عن النبي ﷺ فيها شيء، ولا عن أهل بيته، ولا عن أصحابه، ﵃ أجمعين. والذي يفعله عقب ما يعلم، يؤدب الأدب الذي يزجره وأمثاله. سئل الشيخ علي بن الشيخ محمد: عن قول المؤذن: الصلاة خير من النوم، وما الدليل على ذلك؟ فأجاب: دليله ما روى أهل السنن: قال: كان بلال إذا أذن أيقظ رسول الله ﷺ لصلاة الفجر، فقيل له: إن رسول الله ﷺ نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، ورفع بها صوته، قال ابن المسيب: فأدخلت هذه الكلمة في أذان الفجر؛ واتفق الأئمة الأربعة على استحباب ذلك. وأجاب أيضاً: وما ذكرت من جهة مسألة التثويب في أذان الفجر، هل هو في الأول، أو في الثاني؟ وما الموجب لكونه عندنا في الثاني؟ على أن في سنن أبي داود ما يدل على كونه فى الأول، فإن الأمر عندنا في ذلك على السعة؛ فإذا جعله في الأول أو في الثاني، فالكل - إن شاء الله - حسن، ولكن الأحسن لمن أراد الاقتصار في التثويب على أحد الأذانين أن يكون في الأول، لما ذكرت من الحديث. وأحسن منهما التّثويب

стр. 1525

في الأذانين، جمعاً بين الأحاديث، وعملاً بظاهر إطلاقات الفقهاء. فأما ما يدل على أن التثويب في الأول: فالحديث الذي ذكرت في سنن أبي داود، دليل على ذلك، وفي رواية للنسائي: " الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، في أذان الأول من الصبح " ١. قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود: وهاتان الروايتان صريحتان في أن التثويب بالصلاة خير من النوم، مخصوص بالأذان الأول، دون الثاني، لأن الأذان الأول إنما شرع لإيقاظ النائم، كما في الحديث: "ليوقظ نائمكم " ٢، وأما الثاني: فإنما هو للإعلام بدخول الوقت لمن أراد أن يصلي في أول الوقت، ولكون المصلين فيه غالباً قد استيقظوا بالأذان الأول، واستعدوا للصلاة بالوضوء وغيره. انتهى. ولكن قوله: إن الروايتين صريحتان في التخصيص بالأول، ليس كذلك، بل ظاهرتان. وأما ما يدل على أنه في الثاني، فقال ابن ماجة في سننه: حدثنا عمر بن رافع، حدثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن بلال: " أنه أتى النبي ﷺ يؤذنه بصلاة الفجر، فقيل هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، فأقرت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك " ٣، صحيح الإسناد، وفيه انقطاع؛ ووجه الاستدلال به على أنه في الثاني: أن بلالاً إنما كان يؤذن النبي ﷺ بالصلاة بعد طلوع الفجر، فإذا طلع الفجر جاءه بلال فآذنه بالصلاة، لا يقال إن هذه في أذان بلال، وبلال إنما كان يؤذن قبل الفجر،

стр. 1526

كما في الصحيح: " إن بلالاً يؤذن بليل " ١، لأن ذلك في بعض الأوقات لا في كل السنة؛ يدل على ذلك ما روى سعيد بن منصور في سننه، قال: حدثنا أبو عوانة عن عمران بن مسلم قال: "قال سويد بن غفلة: اذهب إلى مؤذننا رباح، فمره أن لا يثوب إلا في صلاة الفجر بعد الفجر، إذا فرغ من أذان الفجر فليقل: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، وليقل في آخر أذانه وإقامته: لا إله إلا الله والله أكبر، هذا أذان بلال "، فهذا مرسل يدل على أن بلالاً يؤذن بعد الفجر، وأنه يثوب في أذانه. وقال ابن أبي شيبة: حدثنا وكيع عن جعفر بن برقان، عن شداد مولى عياض بن عامر، عن بلال أن النبي ﷺ قال: " لا يؤذن حتى يرى الفجر هكذا، ومد يديه " ٢، حدثنا أبو خالد عن حجاج عن طلحة عن سويد عن بلال قال: "كان لا يؤذن حتى ينشق الفجر "؛ فهذا يدل على أن بلالاً يؤذن بعض الأوقات بعد طلوع الفجر بلا ريب، وأيضاً: فإنه كان يسافر ويغزو مع النبي ﷺ حيث لا يوجد ابن أم مكتوم، وكان هو المؤذن، فلا بد من أذانه بعد طلوع الفجر. وقد ثبت أنه كان يقولها في أذانه، فتعين عدم الإنكار على من جعلها في الأول، أو الثاني؛ أما الأول: فلأن ظاهر حديث أبي محذورة يدل

стр. 1527

عليه، وأما الثاني: فلما ذكرنا من الآثار وغيرها أيضاً؛ فلا يجوز الإنكار لأنها مسألة اجتهاد، وأما كون جعلها في الأول أحسن لمن أراد الاقتصار، فلأن الحديث فيه دلالة أظهر من كونها في الثاني، وأما كون الجمع بينهما أحسن فلأن فيه جمعاً بين هذه الآثار، وعملاً بإطلاقات الفقهاء؛ فإن الفقهاء من الحنابلة قالوا: ويقول في أذان الصبح: الصلاة خير من النوم، فظاهره أنه يقوله في الأذانين، لأن كليهما أذان الصبح. وقال النواوي من الشافعية في شرح المهذب: ظاهر إطلاق الأصحاب أنه لا فرق بين الأول والثاني، وصرح بتصحيحه في التحقيق. وقال الأسنوي مثله أيضاً؛ ففي هذا العمل بالأحاديث جميعاً، والله أعلم. سئل الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود: عن ألفاظ الأذان، هل ورد من طريق مقبول: حي على خير العمل؟ فأجاب: لم نقف على شيء من ذلك، بل الذي ثبت في الصحاح والمساند والسنن: أذان بلال، المشهور عند الناس اليوم، وأذان أبي محذورة، وفيه زيادة على أذان بلال، وليس في لفظ الأذانين شيء من ذلك فيما وقفنا عليه. ولو فرض أنه ورد في حديث ضعيف، لم يجز أن يترك الحديث المشهور، أو يزاد فيه شيء لم يصح عند أهل الحديث ونقاده، كالبخاري، ومسلم، وأهل السنن، والله أعلم.

стр. 1528

قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها: رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان، سواء كان آيات أو صلاة على النبي ﷺ أو ذكرا أو غير ذلك بعد أذان، أو في ليلة جمعة، أو رمضان أو العيدين؛ فكل ذلك بدعة مذمومة. وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة من التذكير والترحيم ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة. سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري عن النداء بـ"جاءت الراجفة"؟ فأجاب: يكتفى بالأذان، لأن النداء بقول: "جاءت الراجفة" ما نقل عن النبي ﷺ ، ولا نعلم أحداً فعله، لا من الصحابة ولا من غيرهم؛ فالله أعلم بمراد رسول الله ﷺ . وقد شق ﷺ الجريدة بين قبرين، فلما لم يفعله أحد من الصحابة حملناه على الخصوصية، ومسألة النداء بـ"جاءت الراجفة" تشبه ذلك، فإن نقل عن أحد من الصحابة فهي سنة بلا شك، وإلا فالأولى ترك ذلك. وأما انتياب المكان المرتفع للنداء بها، فلم يحفظ عن النبي ﷺ أنه فعله، لأنه ليس يؤذن للصلاة بنفسه، بل كان مؤذنه بلالاً، وابن أم مكتوم. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الأذان إلى غير القبلة؟ فأجاب: قال في الشرح: قال ابن المنذر: أجمع أهل

стр. 1529

العلم على أن من السنة أن يستقبل القبلة في الأذان. وكره طائفة من أهل العلم الكلام في الأذان، وقال الأوزاعي: لا نعلم أحداً يقتدى به فعله، ورخص فيه سليمان بن صرد، وغيره. قيل لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم، قال: في الإقامة؟ قال: لا. وعن الأوزاعي: إذا تكلم في الإقامة أعادها؛ وأكثر أهل العلم أنها تجزئ، قياساً على الأذان. انتهى. فظهر: أن استقبال القبلة في الأذان سنة، وأن تركه لا يبطله، وأن الكلام في الأذان والإقامة مكروه، وأن فعل المكروه لا يبطلها. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الأذان قبل الوقت في غير الفجر؟ فأجاب: أما الأذان قبل الوقت فلا يجزئ، بل يعاد في الوقت. سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الإمام إذا لم يسمع الإقامة، هل تجزئ؟ فأجاب: إن كان أمر المقيم ولا سمعها فقد أجزأت، وإن كان بغير أمره ولا سمعها فتعاد. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عمن إذا سمع النداء قام ... إلخ؟ فأجاب: قال في الإقناع: يستحب أن لا يقوم إذا أخذ المؤذن في الأذان، بل يصبر قليلاً لأن في التحرك عند النداء

стр. 1530

تشبهاً بالشيطان، فلعل مراده قوله ﷺ : " إذا نودي بالصلاة، أدبر وله ضراط حتى لا يسمع التأذين " ١، رواه البخاري ومسلم. وسئل: إذا سمع النداء وهو يقرأ القرآن، أو يسبح، هل يقطع ويجيب أم لا؟ فأجاب: قال في الأذكار إذا كان يقرأ القرآن، أو يسبح أو يقرأ حديثاً، أو علماً آخر، أو غيره، فإنه يقطع جميع هذه ويجيب المؤذن، ثم يعود إلى ما كان فيه، وحيث لم يتابعه حتى فرغ المؤذن، يستحب أن يتدارك المتابعة ما لم يطل الفصل. وقال في الإقناع: فيقطع التلاوة ويجيب لأنه يفوت والقراءة لا تفوت. انتهى. فظهر أن المختار قطع القراءة، ومتابعة المؤذن، وأنه إذا لم يتابعه يتدارك بالقضاء إن لم يطل الفصل. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن مجيب المؤذن هل يجوز له الكلام بين كلمات الإجابة أو يكره؟ فأجاب: لم أر في ذلك كلاماً لأحد، والظاهر عدم الكراهة، مع أن الأولى عندي أن لا يشوبه بغيره من الكلام، بخلاف تالي القرآن، فالذي أرى كراهة الإجابة بين الكلمات أو الآيات، فلا يدخل بين أبعاضه ذكراً غير متعلق بالقراءة، كسؤال عند آية رحمة واستعاذة عند آية عذاب، يدل لذلك

стр. 1531

قول من قال من العلماء: إن القارئ إذا سمع الأذان يقدم إجابة المؤذن على القراءة، لأن ذلك يفوت، والقراءة لا تفوت، ولم يقولوا يجمع بينهما. سئل الشيخ سعيد بن حجي: ما يقول إذا سمع المؤذن؟ فأجاب: قال في الشرح: يستحب لمن سمع المؤذن أن يقول كما يقول، إلا في الحيعلة فإنه يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله؛ وهذا مستحب لا نعلم فيه خلافاً، ثم يقول: "اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمداً الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته " ١، رواه البخاري. انتهى. وقال بعض العلماء: كذلك عند الإقامة. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عمن يمر بالمسجد بعد الأذان ... إلخ؟ فأجاب: الذي يمر بالمسجد بعد الأذان فلا يتعداه حتى يصلي، إلا أن يكون في طريقه مسجد آخر يصلي فيه فهذا لا بأس به، إلا أن يكون قد دخل المسجد بعد الأذان، فلا يخرج منه حتى يصلي فيه.

стр. 1532

باب شروط الصلاة قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: شروط الصلاة تسعة: الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، ودخول الوقت، واستقبال القبلة، والنية. الشرط الأول: الإسلام، وضده الكفر؛ والكافر عمله مردود ولو عمل أي عمل، والدليل: قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٧] ، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٢٣] . الثاني: العقل، وضده الجنون؛ والمجنون مرفوع عنه القلم حتى يفيق، والدليل: الحديث: " رُفع القلم عن ثلاثة: النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق، والصغير حتى يبلغ ". الثالث: التمييز، وضده الصغر، وحدّه سبع سنين؛ ثم يؤمر بالصلاة لقوله ﷺ : " مروا أبناءكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع " ١.

стр. 1533

وقال: الشرط السابع: دخول الوقت، والدليل من السنة: حديث جبريل ﵇، أنه أم النبي ﷺ في أول الوقت، وفي آخره، ثم قال: يا محمد الصلاة ما بين هذين الوقتين، والدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٣] ، أي: مفروضاً في الأوقات. ودليل الأوقات: قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٨] . وسئل ابنه: الشيخ عبد الله: عن أوقات الصلوات الخمس؟ فأجاب: وقت صلاة الصبح: إذا طلع الفجر المعترض الأبيض، وآخره: عند طلوع الشمس. والظهر: إذا زالت الشمس، وآخر وقتها: إذا صار ظل كل شيء مثله من غير ظل الزوال. ووقت صلاة العصر: من خروج وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله مرتين. والمغرب: إذا غربت الشمس. والعشاء: إذا غاب الشفق، وآخره: ثلث الليل. وأجاب أيضاً: وأما الصلاة فوقت النهار لا أعرف ضبطه بالأقدام، لأن الأقدام تختلف اختلافاً كثيراً مع تغير الفصول. والموجود في كلام الرسول ﷺ أن وقت الظهر: إذا زالت الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. ووقت العصر: بعد ذلك إلى

стр. 1534

أن يصير ظل كل شيء مثليه؛ ويعرف ذلك في جميع الأيام بأن ينصب عوداً في مكان مستو، فما دام ظل العود ينقص فالشمس لم تزل حتى يزيد، فإذا زاد فقد زال الظل. سئل بعضهم: عن المواقيت، وحديث جبريل، وكلام أهل العلم فيهما، فإن الحاجة داعية إلى ذلك؟ فأجاب: الأصل في المواقيت، الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: قال الله : ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [سورة الروم آية: ١٧-١٨] ، قال ابن عباس، ﵄: أراد بـ: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ صلاة المغرب والعشاء، و ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ صلاة الصبح، ﴿وَعَشِيّاً﴾ صلاة العصر، ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ صلاة الظهر. وأما السنة: عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ " جاءه جبريل، فقال له: قم فصلّه، فصلى الظهر حين زالت الشمس. ثم جاءه العصر فقال: قم فصلّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله. ثم جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلى المغرب حين وجبت الشمس. ثم جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلى العشاء حين غاب الشفق. ثم جاءه الفجر فقال: قم فصلّه، فصلى الفجر حين برق الفجر، أو قال سطع الفجر.

стр. 1535

ثم جاءه من الغد للظهر، فقال: قم فصلّه، فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله. ثم جاءه العصر، فقال: قم فصلّه، فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه. ثم جاءه المغرب وقتاً واحداً لم يزل عنه. ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل، أو قال ثلث الليل فصلى العشاء. ثم جاءه: حين أسفر جداً، فقال: قم فصلّه، فصلى الفجر. ثم قال: ما بين هذين الوقتين وقت " ١، رواه أحمد والنسائي، والترمذي بنحوه، وقال البخاري: هو أصح شيء في المواقيت. فتأمل أيها المسترشد: ما في هذا الحديث من البيان لمواقيت الصلاة، فإنه صرح لكل صلاة ثلاثة أحوال: أول، وأوسط، وآخر. فالأول للفضيلة، والأوسط هو المختار، والآخر للجواز، إلا المغرب فإن وقته واحد. فأما أول وقت الظهر: فإنه في أول زوال الشمس إلى جهة المغرب، ويمتد وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. فإذا زال الظل عن ذلك ولو قدر عرض إصبع، دخل وقت العصر، وامتد إلى غروب الشمس. وهكذا سائر الأوقات بين الوقتين حاجز، إلا الفجر والظهر؛ لكن مما ينبغي معرفة الظل، الذي به دخول الوقت، أنه ظل الزوال الزائد على الظل الذي قبله، فإن الله جعل في السماء بروجاً، كما قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [سورة البروج آية: ١] ، وقد ذكرها أهل التفسير أنها اثنا عشر

стр. 1536

برجاً، والشمس تنْزل في كل برج أياماً معلومة عند أهل المعرفة. الحمل تنزله ٣١ يوماً، والثور تنْزله ٣١ يوماً، والجوزاء ٣١ يوماً، والسرطان ٣١ يوماً، والأسد ٣١ يوماً، والسنبلة ٣١ يوماً، والميزان ٣١ يوماً، والعقرب ٣١ يوماً، والقوس ٢٩ يوماً، والجدي ٢٩ يوماً، والدلو ٣٠ يوماً، والحوت ٣٠ يوماً، وفي كل برج للظل حكم غير حكم الأول. فالظل الذي قبل الزوال يزيد وينقص بحسب منْزلة الشمس في هذه البروج؛ فإذا كانت الشمس في برج السرطان - وهو أول بروج فصل الصيف - فينتهي علوها الشاخص لا ظل له، ولو يزيد ظله عرض إصبع دخل وقت الظهر. وإذا كانت الشمس في برج الجدي - وهو أول بروج فصل الشتاء - فالظل حينئذ ثمانية أقدام، وإذا زاد ولو شيئاً يسيراً دخل وقت الظهر، والشمس في منتهى الانحطاط. والحاصل: أن أول وقت الظهر: زوال الشمس، وآخره: إذا صار ظل كل شيء مثله، غير الظل الذي قبل الزوال. وأول وقت العصر: إذا زاد الظل عن مثله ولو شيئاً يسيراً غير الظل الذي قبل الزوال؛ وإنما يعرف هذا من له اعتناء بأقوال العلماء المبلغين عن رسول الله ﷺ هديه.

стр. 1537

قال صاحب تحفة الحبيب: إذا أردت معرفة الزوال، فاعتبرها بقامتك، أو شاخص تقيمه في أرض مستوية، وعلم على رأس الظل، فما زال الظل ينقص من الخط، فهو قبل الزوال، وإن أخذ الظل في الزيادة علم أن الشمس زالت. قال العلماء: وقامة كل إنسان ستة أقدام ونصف، والله أعلم. وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: تجب معرفة أوقات الصلاة، لأنها من شروطها؛ قال في الإفصاح: اختلفوا في وقت وجوب الصلاة: فقال مالك، والشافعي، وأحمد: تجب بأول وقت الظهر إذا زالت الشمس، وأنه لا يجوز أن يصلي قبل الزوال. انتهى. وقال الموفق في الكافي: الأولى: الظهر، لما روى أبو برزة قال: " كان رسول الله ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، يعني تزول " ١، متفق عليه. وأول وقتها: إذا زالت الشمس، وآخره: إذا صار ظل كل شيء مثله، بعد القدر الذي زالت الشمس عليه، لما روى ابن عباس عن النبي ﷺ قال: " أمني جبرئيل عند البيت مرتين، فصلى بي الظهر في المرة الأولى حين زالت الشمس والفيء مثل الشراك، ثم صلى بي المرة الأخيرة حين صار ظل كل شيء مثله، وقال: الوقت ما بين هذين " ٢، رواه أبو داود والترمذي وحسنه؛ ويعرف زوال الشمس بطول الظل بعد تناهي قصره.

стр. 1538

وقال الشارح - يعني صاحب الشرح الكبير على المقنع -: والظهر هي الأولى، ووقتها: من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بعد الذي زالت عليه الشمس؛ ومعنى زوال الشمس: ميلها عن وسط السماء، وإنما يعرف ذلك بطول الظل بعد تناهي قصره، لأن الشمس حين تطلع يكون الظل طويلاً، وكلما ارتفعت الشمس قصر الظل، فإذا مالت عن كبد السماء شرع في الطول، فذلك علامة زوال الشمس؛ فمن أراد معرفة ذلك فليقدر ظل شيء، ثم ليصبر قليلاً ثم يقدر ثانيا، فإن نقص لم يتحقق، وإن زاد فقد زالت الشمس، وكذلك إن لم ينقص، لأن الظل لا يقف فيكون قد نقص. وتعجيلها في غير شدة الحر والغيم أفضل، بغير خلاف علمناه؛ ويستحب تأخيرها في شدة الحر، قال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلاد الحارة، ومساجد الجماعات. فأما صلاة الجمعة فلم ينقل أنه ﷺ أخرها، بل كان يعجلها. ثم العصر وهي الوسطى، وأول وقتها: من خروج وقت الظهر، وآخره: إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى ظل الزوال. انتهى. وهو قول مالك، والشافعي; وعنه: ما لم تصفر الشمس. قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها لوقتها، وتعجيلها أفضل بكل حال. انتهى. وقال في الكافي: تعجيلها أفضل بكل حال، لقول

стр. 1539

أبي برزة في حديثه: " كان رسول الله ﷺ يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية "، متفق عليه ١. وقد نظم بعض العلماء معرفة وقت الظهر والعصر، فقال: أيا سائلي عن زائد الظل والقصر ... وظل زوال هاك وصفاً على العصرِ فخذ أنت عوداً ذا اعتدال وطوله ... كشبر وإن زاد القياس على الشبرِ ومن بعد فانصبه بأرض سوية ... لتعلم كون الظل في دائم الدهرِ فما زال في نقص فزده بنقصه ... إلى أن تراه واقفاً زائد القدر فأول وقت للزوال زيادة ... وحين زوال الشمس من أول الظهر وكن عارفاً للظل كم قد مضى له ... لتعلم تحقيق الصواب من القدر وصف سبعة الأقدام فوق الذي مضى ... فذلك حقاً أول الوقت للعصر وقال في الإقناع: طول ظل كل إنسان سبعة أقدام بقدم نفسه تقريباً، إلا ثلث قدم. انتهى. فقد عرفت، رحمك الله، مما مر أن أول وقت الظهر: الزوال بالإجماع، وأن الزوال يعرف بطول الظل بعد تناهي قصره، وأن آخره: إذا صار ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال، وأن تعجيلها أفضل بكل حال إلا ما استثني، وأن أول وقت العصر: من حين خروج وقت الظهر، وأن تعجيلها أفضل بكل حال.

стр. 1540

سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الشفق هل هو الحمرة الساطعة؟ فأجاب: وما ذكرت من حال غلط بعض الناس في معرفة الشفق، فعلى ما ذكرت، يسمعون أن الشفق الحمرة، ويظنونه حمرة ساطعة؛ وإنما هو بياض تخالطه حمرة، ثم تذهب ويبقى بياض خالص، والذي بينهما زمن قليل؛ ولهذا قال في المغني: يستدل بغيبة البياض على مغيب الحمرة، فيعتبر غيبة البياض، لدلالته على مغيب الحمرة لا لنفسه. سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن صلاة النساء بعد الزوال قبل الأذان؟ فأجاب: وأما صلاة النساء بعد الزوال قبل الأذان، فدخول الوقت شرط في صحة الصلاة، فإذا حصل شرطها صحت لا سيما في حق النساء، لأنهن لا تجب عليهن الجماعة. وأما قولك عن بعض العامة: ما لهن صلاة إلا بعد فراغ الرجال من صلاتهم، فلا أصل لذلك. سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن المرأة إذا رأت الدم في آخر الوقت؟ فأجاب: تجب عليها الصلاة إذا طهرت، وإذا رأت الطهر قبل غروب الشمس فعليها أن تغتسل وتصلي إذا أمكنها

стр. 1541

قبل الغروب، وتصلي الظهر والعصر. وكذلك إذا رأت الطهر قبل طلوع الفجر فتغتسل وتصلي المغرب والعشاء، وإذا رأت الطهر قبل طلوع الشمس فتغتسل وتصلي الفجر. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن قضاء الفوائت بالتيمم ... إلخ؟ فأجاب: أما المجدور الذي عليه صلوات فائتة، هل يقضيها إذا قدر بالتيمم؟ فالأمر كذلك يلزمه القضاء بالتيمم، والقضاء واجب على الفور، ويتيمم، ويقضي الفوائت ولا يؤخرها حتى يقدر على الماء، لأن الواجب لا يؤخر عن وقته. وأما قولك: هل يصلي كل وقت مع وقته؟ فليس الأمر كذلك، بل ذكروا أنه يجب عليه القضاء متتابعاً إلا أن يضر به ذلك بحيث لا يقدر، فيقضيها بحسب الاستطاعة، في وقتين، أو ثلاثة، أو يومين، أو ثلاثة؛ وعبارتهم: ومن فاتته صلوات لزمه قضاؤها على الفور مرتباً، ما لم يتضرر بذلك في بدنه، أو يشتغل به عن معيشة هو محتاج إليها. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما قضاء الفوائت، فالمشهور وجوب القضاء على الفور مرتباً، قَلَّتِ الفوائت أو كثرت. وإذا صلى الحاضرة قبل الفائتة، فإن كان ناسياً للفائتة سقط الترتيب، ويصلي الفائتة ولا يقضي الحاضرة، لأن الترتيب يسقط بالنسيان. انتهى.

стр. 1542

وسئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد، ﵏: عمن صلى محدثاً، أو صلى صلاة فاسدة ثم صلى بعدها صلوات صحيحة قبل أن يقضي تلك الصلاة الفاسدة، ما حكم الترتيب؟ فأجاب: هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كان لم يذكر الصلاة الفاسدة إلا بعد فراغه من الصلاة فليس عليه ترتيب، لأن الترتيب يسقط بالنسيان، قَلَّتِ الصلوات أو كثرت، لقوله ﵇: " عفي لأمتي الخطأ والنسيان " ١. وإن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، كما لو ذكر أن عليه صلاة الظهر وقد شرع في صلاة العصر، فإنه يتم العصر؛ ثم هل يجب عليه إعادة العصر، فيه قولان للعلماء، والأحوط: الإعادة كما هو المشهور عن أحمد، لأنه ﵇ عام الأحزاب " صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر، ثم صلى بعدها المغرب " ٢، رواه أحمد. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن صلى ناسياً حدثه ... إلخ؟ فأجاب: من صلى صلاة ناسياً حدثه بالصلوات الخمس، ولم يذكر إلا بعد ما صلى الظهر، فإنه يعيد الفجر فقط؛ قال في الفروع لما ذكر أن الترتيب يسقط بالنسيان على

стр. 1543

الأصح، قال: وقال أبو المعالي وغيره: تبين بطلان الصلاة الماضية كالنسيان، ولما ذكر أيضاً أن المذهب عدم سقوط الترتيب بالجهل بالوجوب، قال: فلو صلى الظهر، ثم الفجر جاهلاً، ثم العصر في وقتها، صحت عصره لاعتقاده ألا صلاة عليه، كمن صلاها ثم تبين له أنه صلى الظهر بلا وضوء أعاد الظهر، والله أعلم. وجدت بخط الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵏، وعليه ختمه ما نصه: ذكر ابن عقيل فيمن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة روايتين: إحداهما: يسقط الترتيب، لأنه اجتمع واجبان لا بد من تفويت أحدهما، فكان مخيراً فيهما. والثانية: لا يسقط؛ قال شيخنا: وهذه الرواية أحسن وأصح، إن شاء الله تعالى. سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن القضاء وقت النهي؟ فأجاب: من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، ولو في وقت النهي، للحديث.

стр. 1544

فصل قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط السادس: ستر العورة، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو يقدر؛ وَحَدُّ عورة الرجل: من السرة إلى الركبة، والأَمَة كذلك، والحرة كلها عورة إلا وجهها، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣١] ، أي: عند كل صلاة. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن يصلي مكشوف الرأس ... إلخ؟ فأجاب: الذي يصلي وهو مكشوف الرأس، فلا أرى عليه بأساً؛ وستر الرأس في الصلاة ليس بواجب، لأن الرأس ليس بعورة في حق الرجل، وإنما هو عورة في حق المرأة. فإذا عرفت أن الذي يصلي ورأسه مكشوف أن صلاته جائزة، فالذي يصلي وعلى رأسه قلنسوة أولى وأحرى. وسئل: عن المجدور هل يصلي في سلبه؟ فأجاب: المجدور إذا كان في أسلابه نجاسة لزمه أن يصلي في غيرها، فإن عجز عن غيرها بحيث أنه لم يكن له

стр. 1545

إلا سلب واحد، ولا يقدر على غيره والذي عليه لا يقدر على أن يحفظه عن النجاسة، فإنه يصلي فيه ولا يصلي عرياناً. ولكن كثيرا من الناس يتساهل في هذا: فتجد من يقدر أن ينْزع سلبه ويصلي في غيره لا يفعل ذلك، وهذا أمر كبير؛ بل تجد من الناس من يقدر على الوضوء والغسل من الجنابة، ولا يغتسل ولا يتوضأ، ويعدل إلى التيمم بلا مشقة. ومنهم من يصلي قاعداً مع قدرته على القيام. وكل هذه أمور خطرة على العوام؛ فينبغي لطالب العلم أن يفطنهم لما يجب عليهم من هذا، ويبين لهم حالة العذر التي تباح فيها الرخصة. وأجاب أيضاً: إن كانت النجاسة في ثيابه، وقدر على خلعها ويلبس ثياباً طاهرة، وجب عليه ذلك، لقوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ١، فإن لم يقدر على خلعها صلى فيها، ولا إعادة عليه في أصح القولين. وأجاب بعضهم: وأما مسألة من حضرته الصلاة وليس عنده إلا ثوب نجس أو ثوب حرير، فقال في الشرح: ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة. قال الشافعي: يصلي عرياناً؛ والمفتى به الأول. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما إذا صلى إنسان في ثوب نجس، لكونه لا يجد غيره، أو على بدنه نجاسة لا يمكنه إزالتها، فهذا يصلي على حسب حاله؛ وهل يجب عليه
следующие страницы →