قبل الغروب، وتصلي الظهر والعصر. وكذلك إذا رأت الطهر قبل طلوع الفجر فتغتسل وتصلي المغرب والعشاء، وإذا رأت الطهر قبل طلوع الشمس فتغتسل وتصلي الفجر.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن قضاء الفوائت بالتيمم ... إلخ؟
فأجاب: أما المجدور الذي عليه صلوات فائتة، هل يقضيها إذا قدر بالتيمم؟ فالأمر كذلك يلزمه القضاء بالتيمم، والقضاء واجب على الفور، ويتيمم، ويقضي الفوائت ولا يؤخرها حتى يقدر على الماء، لأن الواجب لا يؤخر عن وقته. وأما قولك: هل يصلي كل وقت مع وقته؟ فليس الأمر كذلك، بل ذكروا أنه يجب عليه القضاء متتابعاً إلا أن يضر به ذلك بحيث لا يقدر، فيقضيها بحسب الاستطاعة، في وقتين، أو ثلاثة، أو يومين، أو ثلاثة؛ وعبارتهم: ومن فاتته صلوات لزمه قضاؤها على الفور مرتباً، ما لم يتضرر بذلك في بدنه، أو يشتغل به عن معيشة هو محتاج إليها.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما قضاء الفوائت، فالمشهور وجوب القضاء على الفور مرتباً، قَلَّتِ الفوائت أو كثرت. وإذا صلى الحاضرة قبل الفائتة، فإن كان ناسياً للفائتة سقط الترتيب، ويصلي الفائتة ولا يقضي الحاضرة، لأن الترتيب يسقط بالنسيان. انتهى.
стр. 1542
وسئل الشيخ حسين بن الشيخ محمد، ﵏: عمن صلى محدثاً، أو صلى صلاة فاسدة ثم صلى بعدها صلوات صحيحة قبل أن يقضي تلك الصلاة الفاسدة، ما حكم الترتيب؟
فأجاب: هذه المسألة فيها تفصيل: فإن كان لم يذكر الصلاة الفاسدة إلا بعد فراغه من الصلاة فليس عليه ترتيب، لأن الترتيب يسقط بالنسيان، قَلَّتِ الصلوات أو كثرت، لقوله ﵇: " عفي لأمتي الخطأ والنسيان " ١. وإن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، كما لو ذكر أن عليه صلاة الظهر وقد شرع في صلاة العصر، فإنه يتم العصر؛ ثم هل يجب عليه إعادة العصر، فيه قولان للعلماء، والأحوط: الإعادة كما هو المشهور عن أحمد، لأنه ﵇ عام الأحزاب " صلى المغرب، فلما فرغ قال: هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ قالوا: يا رسول الله ما صليتها، فأمر المؤذن فأقام الصلاة فصلى العصر، ثم صلى بعدها المغرب " ٢، رواه أحمد.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن صلى ناسياً حدثه ... إلخ؟
فأجاب: من صلى صلاة ناسياً حدثه بالصلوات الخمس، ولم يذكر إلا بعد ما صلى الظهر، فإنه يعيد الفجر فقط؛ قال في الفروع لما ذكر أن الترتيب يسقط بالنسيان على
стр. 1543
الأصح، قال: وقال أبو المعالي وغيره: تبين بطلان الصلاة الماضية كالنسيان، ولما ذكر أيضاً أن المذهب عدم سقوط الترتيب بالجهل بالوجوب، قال: فلو صلى الظهر، ثم الفجر جاهلاً، ثم العصر في وقتها، صحت عصره لاعتقاده ألا صلاة عليه، كمن صلاها ثم تبين له أنه صلى الظهر بلا وضوء أعاد الظهر، والله أعلم.
وجدت بخط الشيخ عبد اللطيف بن الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵏، وعليه ختمه ما نصه: ذكر ابن عقيل فيمن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة روايتين: إحداهما: يسقط الترتيب، لأنه اجتمع واجبان لا بد من تفويت أحدهما، فكان مخيراً فيهما. والثانية: لا يسقط؛ قال شيخنا: وهذه الرواية أحسن وأصح، إن شاء الله تعالى.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن القضاء وقت النهي؟
فأجاب: من نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك، ولو في وقت النهي، للحديث.
стр. 1544
فصل
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط السادس: ستر العورة، أجمع أهل العلم على فساد صلاة من صلى عرياناً وهو يقدر؛ وَحَدُّ عورة الرجل: من السرة إلى الركبة، والأَمَة كذلك، والحرة كلها عورة إلا وجهها، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣١] ، أي: عند كل صلاة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن يصلي مكشوف الرأس ... إلخ؟
فأجاب: الذي يصلي وهو مكشوف الرأس، فلا أرى عليه بأساً؛ وستر الرأس في الصلاة ليس بواجب، لأن الرأس ليس بعورة في حق الرجل، وإنما هو عورة في حق المرأة. فإذا عرفت أن الذي يصلي ورأسه مكشوف أن صلاته جائزة، فالذي يصلي وعلى رأسه قلنسوة أولى وأحرى.
وسئل: عن المجدور هل يصلي في سلبه؟
فأجاب: المجدور إذا كان في أسلابه نجاسة لزمه أن يصلي في غيرها، فإن عجز عن غيرها بحيث أنه لم يكن له
стр. 1545
إلا سلب واحد، ولا يقدر على غيره والذي عليه لا يقدر على أن يحفظه عن النجاسة، فإنه يصلي فيه ولا يصلي عرياناً. ولكن كثيرا من الناس يتساهل في هذا: فتجد من يقدر أن ينْزع سلبه ويصلي في غيره لا يفعل ذلك، وهذا أمر كبير؛ بل تجد من الناس من يقدر على الوضوء والغسل من الجنابة، ولا يغتسل ولا يتوضأ، ويعدل إلى التيمم بلا مشقة. ومنهم من يصلي قاعداً مع قدرته على القيام. وكل هذه أمور خطرة على العوام؛ فينبغي لطالب العلم أن يفطنهم لما يجب عليهم من هذا، ويبين لهم حالة العذر التي تباح فيها الرخصة.
وأجاب أيضاً: إن كانت النجاسة في ثيابه، وقدر على خلعها ويلبس ثياباً طاهرة، وجب عليه ذلك، لقوله ﷺ : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " ١، فإن لم يقدر على خلعها صلى فيها، ولا إعادة عليه في أصح القولين.
وأجاب بعضهم: وأما مسألة من حضرته الصلاة وليس عنده إلا ثوب نجس أو ثوب حرير، فقال في الشرح: ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً صلى فيه، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة. قال الشافعي: يصلي عرياناً؛ والمفتى به الأول.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما إذا صلى إنسان في ثوب نجس، لكونه لا يجد غيره، أو على بدنه نجاسة لا يمكنه إزالتها، فهذا يصلي على حسب حاله؛ وهل يجب عليه
стр. 1546
إعادة أم لا؟ فقد حكوا فيمن لم يجد إلا ثوباً نجساً، وصلى فيه، هل عليه إعادة؟ حكوا في المسألة قولين للعلماء، هما روايتان عن أحمد، والمشهور عن أحمد أنه يعيد.
سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن المرأة إذا بلغت هل تصلي بغير خمار؟
فأجاب: من بلغت - يعني حاضت - فلا تجزيها الصلاة إلا بخمار.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عمن صلى وعلى رأسه عمامة حرير؟
فأجاب: المشهور في مذهب الحنابلة صحة الصلاة - بخلاف ما إذا ستر عورته بحرير فإنها لا تصح -، وقال بعض أهل العلم بعدم الصحة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل تصح الصلاة في النعل؟
فأجاب: وأما الصلاة في النعل فجائزة إذا لم يكن فيها نجاسة.
стр. 1547
فصل
قال الشيخ حسين وإبراهيم وعبد الله وعلي، أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والشيخ حمد بن ناصر، ﵏: علامة القزية مغفول عنها مدة طويلة، وسبب الغفلة عدم استحضارنا أنها حرير، وأنها مما نهى عنه رسول الله ﷺ ، ثم تبين لنا أنها حرير، ونبيكم ﷺ أخبر أن لبس الحرير حرام على الرجال، وأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة، ولم يرخص إلا في موضع أصبعين أو ثلاث، أو أربع؛ هذا ثابت في أحاديث صحيحة ليس لها معارض.
ففي الصحيحين عن ابن عمر، ﵄، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة " ١، رواه البخاري ومسلم. وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها " ٢، قال الترمذي: حديث صحيح، وفي البخاري عن حذيفة قال: " نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير والديباج، وأن يجلس عليه " ٣، وفي الصحيحين أيضاً عن عمر ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن
стр. 1548
لبس الحرير إلا هكذا، ورفع لنا رسول الله ﷺ إصبعيه الوسطى والسبابة وضمهما " ١، وفي صحيح مسلم عنه: أن رسول الله ﷺ " نهى عن لبس الحرير إلا موضع اصبعين" أو ثلاث أو أربع ٢.
فهذه أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ في النهي عن لبس الحرير، إلا في هذا القدر اليسير، وهو موضع إصبعين، وفي الحديث الذي عند مسلم: " أو ثلاث أو أربع "، وما زاد على ذلك فلا يباح ٣. ويكون عندكم معلوماً: أنا طالعنا كتب الحديث وشروحها، وكلام السلف والأئمة، فوجدنا كلامهم على ما ذكرنا.
ونص الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، على أن علم الحرير لا تجوز الزيادة فيه على أربع أصابع مضمومة، وأما: ما زاد على أربع الأصابع فلا يباح؛ وكذلك سناجيف الجوخة، وسناجيف القباء وأمثاله، والكلاه والطربوش، كل هذا حكمه حكم العلم، لا تجوز الزيادة فيه على أربع أصابع، فمن زاد على هذا القدر الذي رخص فيه رسول الله ﷺ فقد أساء وتعدى وظلم.
ويكون عندكم معلوما أيضاً: أن علامة القطنية مثل القزية ما يزاد فيها على قدر أربع أصابع، لأن الحكم عند أكثر أهل العلم على ما ظهر من الحرير؛ فإن كان الظاهر الحرير والسدى قطن، فهو عندهم مثل الحرير الخالص، لأنهم يعتبرون الظهور ولا يعتبرون الوزن، ومن اعتبر الوزن فقد خالف ظواهر الأدلة. واستدلوا على ذلك بأن النبي ﷺ "نهى
стр. 1549
عن حلة السيراء، ونهى عن القسي " ١ وهو ثياب مضلعة بالحرير فنهى عنها، ولم يعتبر الوزن بل جعل الحكم للظهور. فالذي نوصيكم به: تقوى الله تعالى وطاعته، وطاعة رسوله فيما أمر به، وفيما نهى عنه؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، ولا يعارض بقول أحد من الناس أو فعله. ومن أشد ما يكون خطراً على الإنسان مثل أن يقول: علامة القطنية متقدم حدوثها ولبسها فلان ولبسها فلان؛ وهذا أمر عظيم وخطره خطر كبير، ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ١٥] .
والواجب على من سمع حكم الرسول ﷺ : المبادرة إلى طاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه زجر؛ فلا يحل أن يعارض كلام الرسول ﷺ بكلام أحد ولا فعله، وكل أحد ولو كان من أعلم الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ . قال ابن عباس، ﵄، للذي عارض الحديث بقول أبي بكر وعمر: "يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر ". وقال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ، أتدري ما
стр. 1550
الفتنة؟ الفتنة: الشرك؛ لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
فالواجب على الإنسان: حفظ لسانه عما يهلكه وهو لا يدري، كما في الحديث عن النبي ﷺ : " إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً، يهوى بها في النار أبعد مما بين المشرق والمغرب " ١. وأما من كان عنده علم عن الله، أو عن رسوله في هذه المسألة، أو في غيرها، فيعرضه علينا ونقبله، ونرجع إلى الحق؛ فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، ونسأل الله العظيم: أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم.
ثم كتب الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى الإخوان: هذا كتاب آل الشيخ، تشرفون على ما فيه من الأدلة التي لا تنكر في مسألة العلامة التي تجعل في العبي وغيرها من الحرير، فيكون عندكم معلوماً أن إخوانكم من أهل الدرعية، عملوا على ما في الورقة، فأنتم اعملوا على مثل ما عملوا؛ ومن وجد دليلاً يخالف ما فيها، فالحق مقبول متبوع، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.
وأجاب أيضاً: الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: أما لبس الحرير فذكر العلماء: أنه يباح لبسه وقت الملاقاة للعدو، كما يباح للتبختر في المشي عند ملاقاة العدو، كما صح بذلك الخبر عن رسول الله ﷺ أنه رأى رجلاً يتبختر بين
стр. 1551
الصفين، فقال: "إن هذه المشية يبغضها الله، إلا في هذا الموضع " ١.
وسئل: عن علامة القطنية؟
فأجاب: وما سألت عنه من علامة القطنية، فإذا غطيت بخرقة أو صوف وخيطت عليها من داخل العباءة ومن ظاهرها، فلا بأس، لأنها تصير حشواً.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى: الأحاديث النبوية والآثار السلفية قد تواترت بتحريم الحرير على ذكور الأمة، فمنها ما أخرجه: الإمام أحمد، والترمذي، والنسائي، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي? وحرم على ذكورها " ٢. ولأبي داود والنسائي وابن ماجة، عن علي ﵁ قال: " رأيت النبي ﷺ أخذ حريراً فجعله في يمينه، وذهباً فجعله في شماله، ثم قال: إن هذين حرام على ذكور أمتي " ٣، زاد ابن ماجة: "حل لإناثهم ". وللبخاري ومسلم والنسائي، عن حذيفة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " ٤. ولأحمد والنسائي، عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله " ٥. وللبخاري ومسلم وأهل السنن، عن عمر بن الخطاب
стр. 1552
رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما يلبس الحرير من لا خلاق له " ١، زاد البخاري وابن ماجة والنسائي في رواية: " في الآخرة "، والخلاق: النصيب، وقيل: الحظ، أي: لا نصيب له ولا حظ له في الآخرة. وللإمام أحمد والنسائي، عن المقدام بن معد يكرب ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن الحرير والذهب وسائر النمور " ٢. وللدارمي والطيالسي عن أبي عبيدة ابن الجراح ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إن الله بدأ هذا الأمر بنبوة ورحمة، وكائن خلافة ورحمة، وكائن ملكاً عضوضاً، وكائن عتواً وجبرية وفساداً في الأمة، يستحلون الفروج والخمور والحرير، ويرزقون مع ذلك وينصرون حتى يلقوا الله "، قال الحافظ السخاوي، ﵀: حديث حسن. فهذه الأحاديث، منها ما هو صريح في التحريم، ومنها ما هو ظاهر فيه؛ وما لم أذكره من الأحاديث أضعاف ما ذكرت.
وقد أجمع العلماء، ﵏: على تحريم الحرير على الرجال سلفاً وخلفاً، وذكر عن ابن الزبير ﵁ تحريمه على الرجال والنساء، وحكى غير واحد من العلماء بعد ابن الزبير ﵁ الإجماع على تحريمه على الرجال دون النساء. قال أبو عمر بن عبد البر، رحمه الله تعالى: أجمع المسلمون على تحريم الحرير، يعني على الرجال. وسيأتي في حديث عمر، ما يبين تحريمه إلا ما استثني؛ وأَحْسَنَ من
стр. 1553
قال من العلماء، ﵏: إذا لم تفد هذه الأحاديث التحريم، فما في الدنيا محرم.
وخرج الإمام أحمد، رحمه الله تعالى، عن أنس بن مالك ﵁ " أن أكيدر دومة أهدى إلى النبي ﷺ جبة سندس أو ديباج - قبل أن ينهى عن الحرير - فلبسها، فتعجب الناس منها، فقال: والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن منها " ١، وهذا الحديث صريح بأن الحرير قد أبيح أولاً ثم نهي عنه. وأخرج الإمام أحمد من حديث مبارك بن فضالة بن عبيد، عن الحسن البصري، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا يرجو أن يلبسه في الآخرة " ٢؛ قال الحسن، ﵀: "فما بال أقوام يبلغهم هذا عن نبيهم، فيجعلون الحرير في ثيابهم وبيوتهم ". والأحاديث الواردة في تحريم الحرير والوعيد فيه أكثر من أن يتسع لها هذا المختصر، وكفى بهذه الأحاديث زاجراً لمن نهى النفس عن الهوى.
قال في شرح المنتقى: وقد عرفت مما سلف من الأحاديث الواردة في تحريم الحرير بدون تقييد، بالظاهر منها تحريم ماهية الحرير، سواء وجدت منفردة أو مختلطة بغيرها؛ ولا يخرج عن التحريم إلا ما استثناه الشارع من مقدار الأربع الأصابع من الحرير الخالص، وسواء وجد ذلك القدر مجتمعاً
стр. 1554
كما في القطعة الخالصة، أو مفرقاً كما في الثوب المشوب. انتهى. وهذا الذي ذكره هو التحقيق، وعليه تجتمع الأحاديث الصحيحة الصريحة؛ فيجب الانقياد لها والتسليم، وتقديمها على كل رأي، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٦] . وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] .
وهذا السراج المنير الذي بعثه الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، لما شرع لأمته اجتناب الحرير وحرمه على ذكورها، بين لنا مقدار ما يحل منه فيما صح عنه؛ فروى البخاري في صحيحه بسنده عن قتادة، قال: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: أتانا كتاب عمر بن الخطاب ﵁ ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان: "أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير إلا هكذا، وأشار بإصبعيه اللتين تليان الإبهام " ١، قال: فيما علمنا، إنه يعني الأعلام، ورواه من طريق الزهري عن عاصم.
قال الحافظ، ﵀: ولم يقع في رواية أبي عثمان في الصحيح، إلا ذكر الأصبعين، لكن وقع عند أبي داود في هذا الحديث: أن النبي ﷺ " نهى عن الحرير، إلا هكذا
стр. 1555
وهكذا: أصبعين أو ثلاثاً أو أربعاً " ١. ولمسلم من طريق سويد بن غفلة - بضم المعجمة والفاء - أن عمر ﵁ خطب فقال: " نهى رسول الله ﷺ عن لبس الحرير، إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع " ٢. وهذا الذي دلت عليه الأحاديث هو المقرر في كتب الأحكام لأئمة الإسلام، ولم يوجد عنهم ما يخالفه; ومن ظن أن في كتبهم ما يناقض ذلك، فقد ظن بهم سوءاً، ونسبهم إلى الجهل، وإنما أُتِيَ من قِبل سوء فهمه وقلة علمه، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٩-١٢٠] .
وأنا أذكر طرفاً من كلام الفقهاء في مذهب الإمام أحمد: قال في الإنصاف: ويباح علَم الحرير إذا كان أربع أصابع فما دونها، يعني مضمومة؛ هذا المذهب ونص عليه، وجزم به في المغني والشرح.
وقال في المبدع: ويباح علَم الحرير إذا كان أربع أصابع فما دونها، وفي شرح العمدة: وتعتبر الأصابع عرضاً لا طولاً؛ قلت: القياس بالطول يدخل في المباح ما ليس منه، فلهذا نصوا على أن القياس بعرض الأصابع لا بطولها. وفي جمع الجوامع: ولبنة الجيب، وسجف الفراء، كالعلَم في الإباحة والقدر، وفي حاشية المنتهى على قول المتن: "لا فوق أربع أصابع، يعني: أن ما
стр. 1556
ذكر من العلم والرقاع والسجف ولبنة الجيب، إنما يباح إذا كان أربع أصابع معتدلة مضمومة فما دون، لا إذا كانت أكثر. قلت: ومثل هذا في الفروع، والكافي وغيرهما من كتب الأصحاب، لا اختلاف بينهم في ذلك.
واعلم: أن موضع الأربع الأصابع، هو ما يتسع لوضعها فيه بغير زيادة ولا نقصان طولاً وعرضاً، فلو زاد الحرير عما توضع عليه الأصابع الأربع، يصلح أن يكون موضعاً لغيرها من الأصابع، فيقال: موضع خمس، أو ست مثلاً، وهكذا كل ما زاد؛ وتخصيص بعض من لا علم عنده، العرض بالحكم، دون الطول، تحكم بلا دليل ولا مستند أصلاً، فلو طولب بالدليل فليس إلى وجوده من سبيل، على أن هذه المحارم التي كثر فيها الحرير، الزيادة فيها على المباح متحققة طولا ًوعرضاً.
فصل
ويزيد هذا بياناً، ما خرجه البخاري وأبو داود والنسائي، عن عمر بن الخطاب ﵁: "أنه رأى حلة سيراء تباع فقال: يا رسول الله، لو ابتعتها تلبسها للوفد إذا أتوك، والجمعة؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما يلبس هذا من لا خلاق له " ١. ولمسلم عن علي ﵁ قال: "أهديت لرسول الله ﷺ حلة سيراء فبعث بها إلي فلبستها، فعرفت
стр. 1557
الغضب في وجهه، وقال: إني لم أعطكها لتلبسها " ١، فأمرني فأطرتها بين نسائي؛ قال أبو داود: السيراء: المضلع بالقز، وقال في النهاية: السيراء بكسر السين، وفتح الياء، ومد: نوع من البرود يخالطه حرير، كالسيور. وفي شرح البخاري للعيني، عن الأصمعي والخليل وآخرين: أنها ثياب فيها خطوط من حرير أو قز. انتهى.
قلت: وأنت ترى هذه المحارم مضلعة بالحرير الخالص، لأن السدى كله حرير، واللحمة مضلعة بحرير، فهي أشد من السيراء؛ فإن ضلوع الحرير في السيراء إنما هو في اللحمة الظاهرة فقط، وهذا ظاهر من تفسير العلماء للسيراء، وفيها أمر زائد على ما في السيراء أيضاً، وهو ما يترك من السدى للأهداب، فإنه ذراع في ذراعين من كلا جانبيها من الحرير الخالص.
وقد عرفت من الأحاديث الصحيحة: أن رسول الله ﷺ لم يبح من الحرير إلا موضع أربع أصابع فما دون، قال الحافظ في شرح البخاري: وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى، فالزائد عليه حرام عند أهل العلم من الفقهاء وغيرهم، لقوة الدليل قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٣٦] .
стр. 1558
فصل
وقد تقدم أن الحكم يتناول الخالص، والمشوب المنسوج بغيره، على الصحيح من أقوال العلماء، ﵏، وعند بعضهم: أن المشوب المختلط بغير المنسوج، يعتبر بالقلة والكثرة، كما هو مذكور في كتب الفقه في مذهب أحمد، وأبي حنيفة، والشافعي، ولهم طريقان: أحدهما: أن الاعتبار بالوزن، وهذا هو المشهور عند الشافعية، والأول ذكره صاحب التحفة عن القفال وجمع من متقدميهم، وذكره الزيلعي في شرح الكنْز عن بعض الحنفية، وهو المشهور عند متأخري الحنابلة.
فإن استوى فوجهان، اختلف الترجيح عند بعضهم، قال ابن عقيل: الأشبه أن يحرم لعموم الخبر، قال: وهو الأشبه بكلام أحمد، ﵀، ولأن النصف كثير، وليس تغليب التحليل بأولى من التحريم. قلت: وهذان الطريقان ضعيفان عند المحققين، كما تقدم بيانه عن شارح المنتقى، من أنه لا يباح من الحرير إلا مقدار أربع أصابع، سواء وجد ذلك مجتمعاً أو مفرقاً، ونسب هذا القول إلى شيخ الإسلام ابن دقيق العيد.
قلت: ومثله للشيخ أحمد بن تيمية، ﵀، فإنه قال: وحديث القسي والسيراء، يستدل به على تحريم ما
стр. 1559
ظهر فيه الحرير، لأن فيه خطوط حرير، وسيور الأبدان تنسج مع غيرها من الكتان والقطن؛ فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها، ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من الكتان والقطن أكثر أم لا، مع أن العادة أنه أقل. انتهى.
وقال الحافظ في الفتح: واستدل بالنهي عن لبس القسي على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب لتفسير القسي بأنه: ما خالط غير الحرير فيه الحرير؛ ويؤيده عطف الحرير على القسي في حديث البراء، ووقع كذلك في حديث علي عند أحمد، وأبي داود والنسائي، بسند صحيح على شرط الشيخين، من طريق عبيدة عن ابن عمرة وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن القسي والحرير " ١؛ فعلى هذا، يحرم لبس الثوب الذي خالطه الحرير. انتهى. وحديث النهي عن القسي، أخرجه مسلم أيضاً عن علي ﵁.
قال الخطابي، ﵀، القسي: ثياب يؤتى بها من مصر، فيها حرير، وإنما حرمت هذه على الرجال دون النساء. انتهى. فانظر كيف جزم هؤلاء الأئمة بتحريم ما خالطه الحرير على الرجال، من غير اعتبار كثرة ولا قلة تمسكاً بما صح عن رسول الله ﷺ ، وناهيك بهؤلاء علماً وتحقيقاً؛ فلا تعدل عن سبيلهم.
стр. 1560
وقد ذكر ابن حزم وغيره، عن ابن عمر ﵄، أنه قال:" اجتنبوا من الثياب ما خالطه الحرير "، وممن قال به من التابعين: الحسن ﵁ وابن سيرين، ﵀.
وقد يورد بعض أهل الوقت: أنه كان عند بعض أزواج النبي ﷺ جبة مكفوفة بحرير، وذكرت أنه كان يلبسها.
فأقول: قد أجاب الحافظ ابن حبان، ﵀، عن مثل ذلك، بأنه لو جمع ما في القباء الذي لبسه النبي ﷺ لم يجاوز أربع أصابع، هذا معنى كلامه، وهو مشهور عنه؛ والظاهر: أن المكفوف بالحرير، الخيوط التي يخاط بها حاشية الجبة ونحوها، وهذا هو المعروف في عرف الخياطين، وغيرهم.
فلا تمسك له بهذا الحديث لما قد عرفت، على أنه معارض بما أخرج البزار والطبراني، عن معاذ بن جبل ﵁ قال: " رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة بحرير، فقال: طوق من نار يوم القيامة " ١، قال الحافظ المنذري: رواته كلهم ثقات. وأخرج أبو داود بسند صحيح، عن عمران بن حصين ﵁ أن النبي ﷺ قال: " لا أركب الأرجواني، ولا ألبس المعصفر، ولا القميص المكفوف بالحرير " ٢، قال- يعني قتادة -: فأومأ الحسن إلى جيب قميصه. انتهى.
стр. 1561
فأخبر الصادق المصدوق ﷺ أنه لا يلبس المكفوف بالحرير، فيجب تصديقه فيما أخبر به عن ربه، وعن نفسه، لا يمتري في شيء من أخباره مؤمن قط، فما تركه ونهى عنه، يجب تركه طاعة لله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [سورة النور آية: ٥٢] .
فصل
وأما الخز، فذهب الإمام أحمد وأكثر الفقهاء، إلى إباحة لبسه، وذكر في الشرح: أنه قول ابن عمر، وأنس، وأبي هريرة، والحسن بن علي، وابن عباس، وغيرهم من الصحابة. قال المجد في شرحه: الخز: ما سدي بالإبريسم، وألحم بوبر، أو صوف ونحوه، لغلبة اللحمة على الحرير. انتهى.
وذهب ابن حزم إلى أنه لا يجوز لبس الخز، قال: ولا يصح في ثوب سداه حرير خبر أصلاً، لأن الرواية فيه عن ابن عباس انفرد به حصين، وهو ضعيف. انتهى.
ومن الدليل لذلك، ما خرجه الإمام أحمد عن علي بن زيد، قال: قدمت المدينة فدخلت على سالم بن عبد الله وعلي جبة خز، فقال لي سالم: ما تصنع بهذه الثياب؟ سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ أن
стр. 1562
رسول الله ﷺ قال: " إنما يلبس الحرير من لا خلاق له " ١.
قال في شرح المنتقى: ولا متمسك للقائلين بحل المشوب إذا كان الحرير مغلوباً، إلا قول ابن عباس فيما أعلم; فانظر أيها المنصف، هل يصلح كونه جسراً تذاد عنه الأحاديث الواردة في تحريم مطلق الحرير ومقيده؟ وهل ينبغي التعويل عليه في مثل هذا الأصل العظيم، مع أن في إسناده ما يوجب سقوط الاستدلال به، على فرض تجرده عن المعارضات. انتهى.
قلت: والمعارضات لحديث ابن عباس، ﵄، هذا كثيرة، صحيحة من رواية الأكابر من الصحابة، ﵃، من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، الذين شاهدوا أقوال رسول الله ﷺ وشهدوا معه المشاهد كلها. ومن المعلوم: أن ابن عباس، ﵄، من صغار الصحابة، وقدمه رسول الله ﷺ ليلة جمع مع ضعفه أهله لصغر سنه، وروايته عن النبي ﷺ قليلة، وأكثر رواياته الأحاديث عن الصحابة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وكان ﵁ إذا اختلف هو وغيره في مسألة سألوا عنها أكابر الصحابة، وكان هو وغيره يحيلون المستفتي على عائشة وغيرها، مع ما أعطاه الله من الفهم العظيم وحفظ ما رواه. وسيأتي بقية الجواب عن حديثه هذا، الذي تقدمت الإشارة إليه في كلام شارح المنتقى، بعون الله تعالى.
стр. 1563
وقد أخرجه الإمام أحمد وأبو داود، وفي إسناده خصيف بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، أن ابن عباس، ﵄، قال: " إنما نهى رسول الله ﷺ عن الثوب المصمت من الحرير " ١.
فأما العلم من الحرير، وسدى الثوب فلا بأس بهما، وأجيب عن هذا الحديث: بأنه معارض بما هو صحيح ثابت، وهذا ضعيف كما عرفت؛ والذي تقرر عند العلماء من أهل الحديث والفقهاء: أن الصحيح يقضي على الضعيف، ولا يعارض به أصلاً.
الوجه الثاني: أن المعارض له من الأحاديث الصحيحة بلغت حد التواتر كثرة، فلا يعارض ما صح وتواتر من الكثير عن الصحابة، بحديث واحد ضعيف.
الوجه الثالث: أن لفظة "إنما" لا تفيد الحصر الحقيقي عند أكثر النحاة.
الوجه الرابع: أنه لا قائل بمفهومه، فإن الثوب من الحرير إذا كان فيه قليل من غيره، لا يكون مصمتاً، فإذا لم يكن مصمتاً أبيح، ولو كان الغالب حريراً؛ وهذا لا قائل به، وقد انعقد الإجماع على خلافه، فلا يكون حجة لمن اعتبر في حل الثوب المشوب بالحرير، كونه مغلوباً بغيره بالطهور، أو بالوزن؛ فتدبره، فإن الدليل أعم من المدعى.
الوجه الخامس: قوله فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به، فمفهوم هذه الجملة: أن ما عدا المذكور فيه بأس، فعارض مفهوم آخر الحديث مفهوم أوله.
стр. 1564
وقد عرفت أن العلم المباح أربع أصابع فما دون، فيحمل المطلق على المقيد، وأما السدى، فتقدم الخلاف فيه، ودليل المنع فيه؛ وقد ذهب إلى المنع جمع، منهم ابن حزم الظاهري من الفقهاء، ومن الصحابة ابن عمر ﵄، ومن التابعين سالم بن عبد الله.
وأنت ترى هذه المحارم سداها كله حرير، وفي اللحمة من الحرير نحو الربع حرير خالص، كالسيور وأعظم، مع ما يظهر من السدى للأهداب من الجانبين نحو النصف، فإن قدرته بالأجزاء صار الحرير تسعة أجزاء، والقطن ثلاثة، ومن المعلوم أن التسعة أكثر من الثلاثة وزناً، وأما من جهة الظهور فيظهر فيها خمسة أجزاء كلها حرير خالص، والخمسة أكثر من الثلاثة ظهوراً.
وقد اعتبرت ما في تلك المحارم الحادثة، التي عمت بها البلوى في هذه الأزمان، فوجدت الأهداب من الجانبين، وهي من خالص الحرير، ذراعين عرضاً وذراعاً طولاً من كل جانب، فبسطت أربع أصابع عليها، فبلغت مائتين وثمانين أصبعاً. ثم اعتبرت خطوط الحرير الأصفر الذي في اللحمة وما تحته، فصارت بذلك حريراً خالصاً في جانبيها، وهو قريب من ثلث اللحمة، يبلغ ستة وتسعين أصبعاً. فجميع ما فيها من الحرير الخالص، ثلاثمائة وستة وسبعون أصبعاً؛ وهذا حرام باتفاق المذاهب الأربعة وغيرها.
стр. 1565
فانتبه لنفسك، واتبع نبيك المعصوم، الذي أرسله الله: ﴿مُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٥-٤٦] ، ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الجاثية آية: ١٨-١٩] . وقد عرفت حكمه ﷺ في ماهية الحرير، وأنه نهى عنه إلا موضع أصبعين أو ثلاث أو أربع، وكن من عبادة الأهواء على حذر، ومن أنذر فقد أعذر، ولقد أحسن من قال:
وعبادة الأهواء في تطويحها ... بالدين مثل عبادة الأوثانِ
والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.
وأجاب أيضاً: اعلم أن الأحاديث قد تظاهرت عن رسول الله ﷺ بالنهي عن الحرير وتحريمه، على ذكور هذه الأمة؛ فقد أخرج البخاري ومسلم والنسائي، عن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " ١. وأخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي، عن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها " ٢. وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجة، عن علي ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ أخذ
стр. 1566
حريراً فجعله في يمينه، وذهباً فجعله في شماله، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي " ١.
وأحاديث هذا الباب يتعذر استقصاؤها، فنبهت ببعضها على نوعها. وقد حكى الإجماع على تحريم الحرير على الذكور، غير واحد من الأئمة، إلا ما استثناه الشارع، كما في حديث عمر، وهو عند البخاري ومسلم وأهل السنن، عن أبي عثمان النهدي، أتانا كتاب عمر ونحن مع عتبة بن فرقد بأذربيجان " أن رسول الله ﷺ نهى عن الحرير، إلا هكذا، وأشار بأصبعيه اللتين تليان الإبهام " ٢، قال: فيما علمنا أنه يعني الأعلام. ولأبي داود في الحديث: " نهى عن الحرير، إلا هكذا وهكذا: أصبعين أو ثلاث أو أربع " ٣.
وبهذا الحديث: احتج أهل العلم على أنه لا يباح من الحرير في الثوب ونحوه إلا مقدار أربع أصابع؛ قال في الفروع: ويباح منه العلَم إذا كان أربع أصابع مضمومة فما دون، نص عليه، وجزم به في المغنى والشرح. وقال في الإنصاف: ويباح علَم الحرير في الثوب إذا كان أربع
стр. 1567
أصابع فما دون. وقال في جمع الجوامع: ولبنة الجيب وسجف الفراء، كالعلَم في الإباحة والقدر. وفي حاشية المنتهى على قول المصنف: لا فوق أربع أصابع، يعني: أن ما ذكر من العلم والرقاع والسجف ولبنة الجيب، أنها تباح إذا كان أربع أصابع معتدلة مضمومة فما دون، لا إن كان أكثر منها. انتهى.
وهذا الذي ذكره هؤلاء كغيرهم من الفقهاء، إنما هو فيما إذا كان الحرير منفرداً متميزاً، سواء كان منسوجاً في الثوب كالعلم، أو مجعولاً فيه بعد النسج، كلبنة الثوب، والسجف، وسواء كان مفرقاً، أو مجموعاً، وكذا إذا كان مشوباً بغيره، على الصحيح المعتمد عند جمع من أكابر الأئمة المحققين، كما صرح به شارح المنتقى، ونقله عن تقي الدين بن دقيق العيد. قال الشارح: وقد عرفت مما سلف من الأحاديث الواردة في تحريم الحرير بدون تقييد، والظاهر منها تحريم ماهية الحرير، سواء وجدت منفردة، أو مختلطة بغيرها، ولا يخرج من التحريم إلا ما استثناه الشارع، من مقدار الأربع الأصابع من الحرير الخالص، سواء وجد ذلك القدر مجتمعاً، كما في القطعة الخالصة، أو متفرقاً كما في الثوب المشوب. وقد نقل الحافظ في الفتح، عن العلامة ابن دقيق العيد: إنما يجوز من المخلوط ما كان مجموع الحرير فيه أربع أصابع، لو كانت منفردة، بالنسبة إلى جميع الثوب. انتهى.
قلت: وقد قرر هذا الحافظ في فتح الباري بأدلته، فقال: واستدل بالنهي عن لبس القسي، على منع لبس ما خالطه الحرير من الثياب، لتفسير القسي بأنه ما خالط غير
стр. 1568
الحرير فيه الحرير، ويؤيده عطف الحرير على القسي في حديث البراء، ووقع كذلك في حديث علي عند أحمد، وأبي داود والنسائي، بسند صحيح على شرط الشيخين، من حديث عبيدة عن ابن عمر، وعن علي ﵁ قال: " نهى رسول الله ﷺ عن القسي والحرير " ١؛ فعلى هذا يحرم الذي يخالطه الحرير. انتهى. فهذا حافظ الدنيا في عصره: صرح بتحريم لبس ما خالطه الحرير، وهذا مقتضى الدليل.
وقال البخاري في صحيحه: قال عاصم عن أبي بردة: "قلنا لعلي: ما القسية؟ قال ثياب أتتنا من الشام أو مصر، مضلعة، فيها حرير، وفيها أمثال الأترج". وقال جرير عن يزيد: ثياب مضلعة، يجاء بها من مصر، فيها الحرير، ثم ساق بسنده حديث البراء بن عازب، قال: " نهانا النبي ﷺ عن المياثر الحمر والقسي " ٢، وفي رواية له: " ونهانا عن لبس الحرير، والديباج، والقسي والاستبرق، ومياثر الحمر " ٣. انتهى.
وقال النسائي: القسى ثياب من كتان، مخلوط بحرير يؤتى بها من مصر، نسبت إلى قرية على ساحل البحر- قريب من تنيس- يقال لها "القس" بفتح القاف انتهى، وقال أبو عبيد: هي ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير، قال في جمع الجوامع، قال: شيخ الإسلام: وقد
стр. 1569
اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير، وليست بحرير مصمت انتهى. وأخرج البخاري، وأبو داود، والنسائي عن عمر ﵁ " أنه رأى حلة سيراء تباع فقال يا رسول الله: لو ابتعتها تلبسها للوفد إذا أتوك، والجمعة؟ فقال: إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة " ١، قال: أبو داود والنسائي، السيراء: المضلع بالقز. وقال في النهاية: السيراء: بكسر السين وفتح الياء والمد: نوع من البرود، يخالطه حرير، كالسيور، وأخرجه الأئمة من حديث علي ﵁.
قال شيخ الإسلام، ﵀: حديث السيراء، والقسي، يستدل به على تحريم ما ظهر فيه الحرير، لأن ما فيه خيوط أو سيور، لا بد أن تنسج مع غيرها من الكتان والقطن؛ فالنبي ﷺ حرمها لظهور الحرير فيها، ولم يسأل هل وزن ذلك الموضع من الكتان والقطن أكثر أم لا، مع أن عادته أنه أقل. انتهى. وقال: والمنصوص عن أحمد، وقدماء الأصحاب، إباحة الخز، دون الملحم وغيره. انتهى من جمع الجوامع.
ومما يدل لما قرره هؤلاء الأئمة الحفاظ، ما أخرجه البزار والطبراني عن معاذ بن جبل ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ جبة مجيبة، بضم الميم وفتح الجيم، بعدها ياء
стр. 1570
مثناة تحت مفتوحة، ثم باء موحدة، أي: لها جيب من حرير، وهو الطوق. انتهى. وبهذا تبين لك أن هذه المحارم المسماة بـ"أخضر قز" ونحوها، لا يجوز استعمالها للذكور مطلقاً، لما فيها من الحرير الخالص، الزائد على أربع أصابع بأضعاف كثيرة؛ وتسميتها بهذا الاسم، من باب الإضافة البيانية، وتعريفها بأخضر قز، من الإضافة البيانية، والقز من الحرير، فلا يجوز استعمال ما ظهر فيه الحرير، إذا زاد على القدر المستثنى في حديث عمر، وتقدم تقريره. اللهم اجعلنا ممن يقبل هداك، ويتبع رضاك.
ولقد أحسن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، حيث يقول: "لا عذر لأحد بعد السنة، في ضلالة ركبها، يحسب أنه على هدى ".
وقال أبو الوفاء ابن عقيل في الفنون: من أعظم منافع الإسلام، وآكد قواعد الأديان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح؛ فهذا أشق ما تحمله المكلف، لأنه مقام الرسل، حيث يثقل صاحبه على الطباع، وتنفر منه نفوس أهل اللذات، ويمقته أهل الخلاعة. وهو إحياء السنن، وإماتة البدع - إلى أن قال - لو سكت المحقون، ونطق المبطلون، لتعود النشء على ما شاهدوا، وأنكروا ما لم يشاهدوا؛ فمتى رام المتدين إحياء سنة، أنكرها الناس، فظنوها بدعة، وقد رأينا ذلك.
стр. 1571
وفي جمع الجوامع: وكل ما حرم من الثياب وغيرها، حرم بيعه وخياطته وأجرته، نص عليه، كبيع عصير لمن يتخذه خمراً. قال: ويحرم بيع الحرير، والمنسوج بالذهب والفضة للرجل؛ قطع به جماعة من أصحابنا، والمراد به إذا كان يلبسه، وكذا خياطته، وأخذ أجرتها. وذكر ابن أبي المجد: ما حرم استعماله من حرير ومصور وغيرهما، حرم بيعه وشراؤه وعمله، وأخذ أجرته، لإعانته على الإثم. انتهى. وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: ثم لو فرض أنا علمنا أن الناس لا يتركون المنكر، ولا يعرفون بأنه منكر، لم يكن ذلك مانعاً من إبلاغ الرسالة، وبيان العلم، بل ذلك لا يسقط وجوب الإبلاغ، ولا وجوب الأمر والنهي في إحدى الروايتين عن أحمد، وقول كثير من أهل العلم. انتهى.
قال الشيخ عبد الله أبا بطين: نظرت في هذه الرسالة، لوحيد دهره، وفريد عصره، شيخنا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فرأيت صحة ما ضمنها من تحريم "المحرمة" المسماة "بأخضر قز"، وفقنا الله وإياه للصواب. انتهى.
وأجاب أيضاً: الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما "المحرمة" التي أخضرها حرير، فلا شك في أنها حرام، فإن رسول الله ﷺ نهى عن لبس الحرير، فقال: "إنما يلبس هذا من لا خلاق له في الآخرة " ١.
وقال: " من لبسه في الدنيا
стр. 1572
لم يلبسه في الآخرة " ١. وفي الصحيح أنه أخذ حريراً فجعله في يمينه، وذهباً فجعله في يساره، ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي " ٢. وفي حديث عمر: " نهى عن الحرير، إلا موضع أصبعين أو ثلاثة أو أربعة " ٣، وبعد الاستثناء يقتصر على القدر المستثنى، فما زاد على الأربع الأصابع حرام، سواء كان مفرقاً أو مجتمعاً، كما عليه جماهير العلماء؛ وهو ظاهر الأحاديث، وفيها ما يدل على المنع منه، وإن لم يكن مجموعاً. فاجتنب هذه "المحرمة" فإنها محرمة، فإن كان عندك منها شيء، فلا تبعها على مسلم، بعها في غير بلاد المسلمين.
وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن المركب من حرير وغيره؟
فأجاب: وأما قول الأصحاب فيما لا يجوز لبسه من الحرير المركب من حرير وغيره: إن الممنوع منه ما كان الحرير أكثر ظهوراً، يتناول ما سدي بغير الحرير وألحم بحرير وغيره; وظاهر كلامهم: تناوله لغير تلك الصورة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن لبس السواد للرجال؟ فأجاب: أما لبس السواد إذا كان من عادة أهل البلاد، فلا بأس به، إلا أن يكون حريراً فلا يجوز.
стр. 1573
سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن العمامة، هل هي سنة؟ وما الفرق بينها وبين العقال؟
فأجاب: العمامة المسؤول عنها من المباحات، التي أباحها الله ورسوله، وإنما يستحب منها: ما قصد به موافقة رسول الله ﷺ في هيئة لبسه، كلبسها مع ارخاء الذؤابة، دون لبسها على هيئة العصابة، فإنها حينئذ: لا فرق بينها وبين العقال المعروف؛ ولهذا نص العلماء، ﵏، من أصحابنا وغيرهم، على أنه يشترط لجواز المسح عليها، أن تكون محنكة، أو ذات ذؤابة، وأما العصابة فلا يجوز المسح عليها عندهم.
وقصد موافقة رسول الله ﷺ في أفعاله، من لبس، وأكل، وشرب وغير ذلك: سنة، ولكن لا يقصر على العمامة فقط، وهذا كقول العلماء: سنة الأكل كذا، سنة الشرب كذا، سنة اللبس كذا، ثم يذكرون ما روي عن النبي ﷺ في ذلك من الأخبار الصحيحة.
وأما جعل هذه العصائب التي تشبه العقال سنة، فلا يظهر لي، بل هو مباح، من جملة اللباس المباح، ومن قال: إنها مسنونة، فقد أخطأ، وأفتى بجهل; فلا ينبغي الأخذ عنه، وتلقي ما يمليه من جهالاته وترهاته؟ كذلك جعل لبسها مطلقاً، على أي وجه كان، دليلاً وعلامة على الدخول في
стр. 1574
الإسلام، ويوالي على ذلك، ويعادي عليه، أو يجعل ضابطاً، يحب على فعله، ويبغض على تركه، فهذا أمر لا يجوز اعتقاده، ولا نسبته إلى الشريعة المطهرة؛ هذا ما ظهر لي، والله أعلم.
وكتب تحته الشيخ عبد الرحمن بن عبد الله بن سالم، ﵀، ما نصه: ما أجاب به الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، هو الحق والصواب، الذي ندين الله به ونعتقده، وهو: أن العمامة لا تكون عمامة، ويطلق عليها هذا الاسم، إلا إذا كانت ذات ذؤابة، أو محنكة، وأن تكون على قلنسوة ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه، لأنها في الأصل لباس معتاد، مما اعتاده العرب، كالإزار، والسراويل، والأردية، ليست من العبادات المشروعة؛ ومن نسب هذه العصائب الخالية مما ذكرنا، إلى السنة المطهرة، فقد أخطأ.
وكتب أيضاً: الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ما نصه: ليعلم الواقف على هذا: أن ما كتبه صاحبنا، الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، في شأن العمامة، أنه هو الحق الذي لا مرية فيه، ولا التباس، لأن العمائم من قسيم
стр. 1575
العادات المباحة، التي كانت العرب تلبسها، وليست من السنن المشروعة التي شرعت في الإسلام، وكان النبي ﷺ يلبسها هو وأصحابه، كما كان العرب يلبسونها؛ فمن لبسها على قلنسوة، وجعلها محنكة، أو جعل لها ذؤابة وأرخاها، فقد أصاب السنة، ومن لبسها على هذه الكيفية، فلا ينكر عليه، ومن تركها فلا ينكر عليه.
وأما جعل هذه العصائب من السنن المشروعة، فهو خطأ وابتداع شرع لم يشرعه الله ولا رسوله، واعتقاد أن لبس هذه العصائب، سيما، وشعاراً للمتدينين، خطأ أيضاً; فالواجب على من أراد طلب الحق، واتباع الهدى، أن يتحرى العدل في أقواله، وأفعاله، وأعماله، ويحذر من التعصب للهوى، بغير حجة ولا برهان.
وكتب أيضا: ً الشيخ سليمان بن سحمان: قد تأملت ما كتبه المشائخ - وفقهم الله - في شأن هذه العصائب، التي أحدثها من أحدثها، فإذا هو الحق والصواب، الذي لا شك فيه ولا ارتياب، لأن هذه العصائب التي زعم من أحدثها أنها سنة سنها رسول الله ﷺ لأمته وشرعها، لم تكن هي العمائم التي كان رسول الله ﷺ وسائر العرب يلبسونها في الجاهلية والإسلام، لأن تلك كانت ساترة لجميع الرأس، وكانت
стр. 1576
محنكة، ثم سن رسول الله ﷺ بعد ذلك إرخاء الذؤابة بين الكتفين.
إذا فهمت هذا، فاعلم: أنه ليس المقصود بلبس هذه العصائب الاقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه؛ ولو كان المقصود الاقتداء برسول الله ﷺ لجعلوها ساترة لجميع الرأس، على قلنسوة، وجعلوها محنكة، أو ذات ذؤابة، ولبسوا الرداء والإزار، وغير ذلك مما كان رسول الله ﷺ يلبسه، وأصحابه، ولكن المقصود الأعظم عند من أحدثها: إحداث شعار في الإسلام، وزي يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه، على زعمهم؛ وإذا كان العلماء، قد تكلموا في كراهية هذه العمائم، التي هي ساترة لجميع الرأس، لأنها غير محنكة، فكيف بهذه العصائب التي لا مشابهة بينها وبين العمائم إلا بالاسم.
قال: شيخ الإسلام، في اقتضاء الصراط المستقيم: قال الميموني: رأيت أبا عبد الله، عمامته، تحت ذقنه، ويكره غير ذلك، وقال: العرب أعمتها تحت أذقانها; وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد: يكره ألا تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم بمثل ذلك: اليهود، والنصارى، والمجوس.
وأما كونها زياً وشعاراً، فقال شيخ الإسلام، في كتاب الفرقان: وليس لأولياء الله المتقين، شيء يتميزون به في
стр. 1577
الظاهر، من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، إذا كان كلاهما مباحاً، ولا يحلق شعراً، أو يقصره، أو يضفره، إذا كان كلاهما مباحاً، كما قيل: كم صديق في قباء، وكم زنديق في عباء ... إلى آخر كلامه، ﵀.
والمقصود: أن هذه العصائب، بل العمائم المعروفة المعهودة، من الأمور المباحات، والعادات الطبيعية، لا من العبادات الدينية الشرعية.
وقد كتبت في شأن هذه العصائب، ما هو معلوم مشهور، كما هو مذكور في: إرشاد الطالب إلى أهم المطالب، وفي رسالة مفردة أيضاً؛ فمن أراد الوقوف عليها، فليراجعها هناك.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن التزعفر للرجال؟
فأجاب: وأما التزعفر، فقد ورد ما يدل على جوازه، فلا ينكر والحالة هذه.
سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن لبس الخناجر المحلاة بالذهب، هل هو مباح أو محرم؟
فأجاب: الحمد لله، قد ورد عن النبي ﷺ نهي الرجال عن لبس الذهب في حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها " ١، رواه الإمام أحمد، ﵀، والترمذي،
стр. 1578
والنسائي، وصححه بعض أئمة الحديث؛ وبه استدل العلماء على تحريم الذهب على الرجال، ولم يرخص إلا في اليسير منه، كقبيعة السيف، وهي التي في طرف القبضة، ونحو المسمار في السيف، على حسب ما ورد من الرخصة في ذلك، فقد روي " أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كانت من ذهب، وورد أنها كانت من فضة " ١.
قال في الإقناع وشرحه: ويباح له - أي الذكر - من الذهب قبيعة السيف، "لأن عمر ﵁ كان له سيف فيه سبائك من ذهب"وعثمان ابن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب "، ذكرهما أحمد.
وذكر ابن عقيل: " أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ ثمانية مثاقيل " ٢، وخطأه في المبدع عن الإمام، قال: فيحتمل أنها كانت ذهباً وفضة، فقد رواه الترمذي كذلك. انتهى كلام صاحب الإقناع.
وقال أبو محمد في المغني: فقد روي عن أحمد في الرخصة في السيف، قال الأثرم: قال أحمد: روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب، ثم ذكر ما روي عن عمر، وذكر ما روي عن النبي ﷺ إلى أن قال - وروي عن أحمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يخاف عليه أن يسقط،
стр. 1579
فيجعل فيه مسمار من ذهب، قال: إنما رخص في الأسنان، وذلك إنما هو للضرورة. انتهى.
وحاصل ما ذكر عن الإمام أحمد، ﵀: أن في إباحة الذهب للرجل روايتين:
إحداهما: إباحة اليسير منه.
الثانية: المنع مطلقاً. وقد عرف مما ذكرنا من الدليل ومن كلام العلماء، ﵏: أن لبس الخناجر المحلاة بالذهب الكثير، وتحلية السيف بذلك واستعمالها ممنوع، لا يليق بالمتشرع، الطالب للحق المتبع للسنة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
فصل
قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى:
الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث: من البدن، والثوب، والبقعة؛ والدليل: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٤] .
سئل ابنه: الشيخ عبد الله: عمن صلى وفي ثوبه نجاسة نسيها، هل يعيد؟
فأجاب: إذا صلى الرجل، وفي سلبه نجاسة نسيها، ولا علم إلا بعد فراغه من الصلاة، فليس عليه إعادة.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عما إذا أصاب ثوب المسافر نجاسة فلم يجد الماء؟
стр. 1580
فأجاب: يصلي فيه، وإن وجد الماء غسله، ويزيلها بما استطاع، فإن كان عليه ثوب آخر، صلى في الطاهر وترك النجس. وأجاب أيضاً: المريض الذي في بدنه نجاسة لا يقدر على إزالتها، يصلي على حسب استطاعته، ولا يعيد.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: إذا صلى من في بدنه أو ثوبه نجاسة، نسيها أو جهلها، ولم يعلم بها إلا بعد انقضاء صلاته، فهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: إحداهما: لا تفسد صلاته، وهو قول ابن عمر وعطاء، لحديث النعلين، وفيه: يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه - إلى أن قال - " إن جبرئيل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً " ١، رواه أبو داود، ولو بطلت لاستأنفها. والثانية: يعيد، وهو مذهب الشافعي، فإن علم بها في أثناء الصلاة، وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير، كخلع النعال، والعمامة، ونحوهما، أزالهما، وبنى على ما مضى من صلاته، وإلا بطلت.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عدم صحة صلاته، هي الصحيح من المذهب، لأن اجتناب النجاسات شرط للصلاة، فلم تسقط بالنسيان ولا بالجهل، كطهارة الحدث. وعن الإمام أحمد: أنها تصح إذا نسي أو جهل؛ قال في الإنصاف: وهي الصحيحة عند أكثر