← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

محنكة، ثم سن رسول الله ﷺ بعد ذلك إرخاء الذؤابة بين الكتفين. إذا فهمت هذا، فاعلم: أنه ليس المقصود بلبس هذه العصائب الاقتداء برسول الله ﷺ وأصحابه؛ ولو كان المقصود الاقتداء برسول الله ﷺ لجعلوها ساترة لجميع الرأس، على قلنسوة، وجعلوها محنكة، أو ذات ذؤابة، ولبسوا الرداء والإزار، وغير ذلك مما كان رسول الله ﷺ يلبسه، وأصحابه، ولكن المقصود الأعظم عند من أحدثها: إحداث شعار في الإسلام، وزي يتميز به من دخل في هذا الدين عمن لم يدخل فيه، على زعمهم؛ وإذا كان العلماء، قد تكلموا في كراهية هذه العمائم، التي هي ساترة لجميع الرأس، لأنها غير محنكة، فكيف بهذه العصائب التي لا مشابهة بينها وبين العمائم إلا بالاسم. قال: شيخ الإسلام، في اقتضاء الصراط المستقيم: قال الميموني: رأيت أبا عبد الله، عمامته، تحت ذقنه، ويكره غير ذلك، وقال: العرب أعمتها تحت أذقانها; وقال أحمد في رواية الحسن بن محمد: يكره ألا تكون العمامة تحت الحنك كراهية شديدة، وقال: إنما يتعمم بمثل ذلك: اليهود، والنصارى، والمجوس. وأما كونها زياً وشعاراً، فقال شيخ الإسلام، في كتاب الفرقان: وليس لأولياء الله المتقين، شيء يتميزون به في

стр. 1577

الظاهر، من الأمور المباحات، فلا يتميزون بلباس دون لباس، إذا كان كلاهما مباحاً، ولا يحلق شعراً، أو يقصره، أو يضفره، إذا كان كلاهما مباحاً، كما قيل: كم صديق في قباء، وكم زنديق في عباء ... إلى آخر كلامه، ﵀. والمقصود: أن هذه العصائب، بل العمائم المعروفة المعهودة، من الأمور المباحات، والعادات الطبيعية، لا من العبادات الدينية الشرعية. وقد كتبت في شأن هذه العصائب، ما هو معلوم مشهور، كما هو مذكور في: إرشاد الطالب إلى أهم المطالب، وفي رسالة مفردة أيضاً؛ فمن أراد الوقوف عليها، فليراجعها هناك. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن التزعفر للرجال؟ فأجاب: وأما التزعفر، فقد ورد ما يدل على جوازه، فلا ينكر والحالة هذه. سئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن لبس الخناجر المحلاة بالذهب، هل هو مباح أو محرم؟ فأجاب: الحمد لله، قد ورد عن النبي ﷺ نهي الرجال عن لبس الذهب في حديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: " أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورها " ١، رواه الإمام أحمد، ﵀، والترمذي،

стр. 1578

والنسائي، وصححه بعض أئمة الحديث؛ وبه استدل العلماء على تحريم الذهب على الرجال، ولم يرخص إلا في اليسير منه، كقبيعة السيف، وهي التي في طرف القبضة، ونحو المسمار في السيف، على حسب ما ورد من الرخصة في ذلك، فقد روي " أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ كانت من ذهب، وورد أنها كانت من فضة " ١. قال في الإقناع وشرحه: ويباح له - أي الذكر - من الذهب قبيعة السيف، "لأن عمر ﵁ كان له سيف فيه سبائك من ذهب"وعثمان ابن حنيف كان في سيفه مسمار من ذهب "، ذكرهما أحمد. وذكر ابن عقيل: " أن قبيعة سيف رسول الله ﷺ ثمانية مثاقيل " ٢، وخطأه في المبدع عن الإمام، قال: فيحتمل أنها كانت ذهباً وفضة، فقد رواه الترمذي كذلك. انتهى كلام صاحب الإقناع. وقال أبو محمد في المغني: فقد روي عن أحمد في الرخصة في السيف، قال الأثرم: قال أحمد: روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب، ثم ذكر ما روي عن عمر، وذكر ما روي عن النبي ﷺ إلى أن قال - وروي عن أحمد رواية أخرى تدل على تحريم ذلك. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: يخاف عليه أن يسقط،

стр. 1579

فيجعل فيه مسمار من ذهب، قال: إنما رخص في الأسنان، وذلك إنما هو للضرورة. انتهى. وحاصل ما ذكر عن الإمام أحمد، ﵀: أن في إباحة الذهب للرجل روايتين: إحداهما: إباحة اليسير منه. الثانية: المنع مطلقاً. وقد عرف مما ذكرنا من الدليل ومن كلام العلماء، ﵏: أن لبس الخناجر المحلاة بالذهب الكثير، وتحلية السيف بذلك واستعمالها ممنوع، لا يليق بالمتشرع، الطالب للحق المتبع للسنة، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. فصل قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط الخامس: إزالة النجاسة من ثلاث: من البدن، والثوب، والبقعة؛ والدليل: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٤] . سئل ابنه: الشيخ عبد الله: عمن صلى وفي ثوبه نجاسة نسيها، هل يعيد؟ فأجاب: إذا صلى الرجل، وفي سلبه نجاسة نسيها، ولا علم إلا بعد فراغه من الصلاة، فليس عليه إعادة. وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عما إذا أصاب ثوب المسافر نجاسة فلم يجد الماء؟

стр. 1580

فأجاب: يصلي فيه، وإن وجد الماء غسله، ويزيلها بما استطاع، فإن كان عليه ثوب آخر، صلى في الطاهر وترك النجس. وأجاب أيضاً: المريض الذي في بدنه نجاسة لا يقدر على إزالتها، يصلي على حسب استطاعته، ولا يعيد. وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: إذا صلى من في بدنه أو ثوبه نجاسة، نسيها أو جهلها، ولم يعلم بها إلا بعد انقضاء صلاته، فهذه المسألة فيها عن أحمد روايتان: إحداهما: لا تفسد صلاته، وهو قول ابن عمر وعطاء، لحديث النعلين، وفيه: يصلي بأصحابه، إذ خلع نعليه - إلى أن قال - " إن جبرئيل أتاني، فأخبرني أن فيهما قذراً " ١، رواه أبو داود، ولو بطلت لاستأنفها. والثانية: يعيد، وهو مذهب الشافعي، فإن علم بها في أثناء الصلاة، وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير، كخلع النعال، والعمامة، ونحوهما، أزالهما، وبنى على ما مضى من صلاته، وإلا بطلت. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عدم صحة صلاته، هي الصحيح من المذهب، لأن اجتناب النجاسات شرط للصلاة، فلم تسقط بالنسيان ولا بالجهل، كطهارة الحدث. وعن الإمام أحمد: أنها تصح إذا نسي أو جهل؛ قال في الإنصاف: وهي الصحيحة عند أكثر

стр. 1581

المتأخرين، اختارها المصنف، والمجد، والشيخ تقي الدين، لكن قال الشيخ: الروايتان في الجاهل، أما الناسي فليس عن الإمام نص فيه. قال في الإنصاف: والصحيح: أن الخلاف جار في الجاهل والناسي، قاله المجد، وحكى الخلاف فيها أكثر المتأخرين؛ وأما المأموم فصلاته صحيحة. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: أما الذي صلى بنجاسة، ناسياً أو جاهلاً بها، ولم يعلم إلا بعد سلامه، فالقول بصحة صلاته قوي، والإعادة أحوط. وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الرجل يحتلم، ثم يغتسل ويصلي ويجد بللاً من ذكره؟ فأجاب: إن وجد البلل في الصلاة، فيتوضأ ويصلي، وليس عليه غسل، وإن وجده بعد فراغه من الصلاة، فلا إعادة عليه. وسئل: عن رشاش البول، يذكره الرجل بعد الصلاة؟ فأجاب: لا إعاة عليه.

стр. 1582

فصل سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الصلاة في مسجد فيه قبر؟ فأجاب: إن كان مبنياً قبل أن يجعل فيه قبر، فينبش القبر، ويبعد عن المسجد; فإن كان المسجد لم يبن إلا لأجل القبر، فالمسجد يهدم، ولا يصلى فيه، لأنه ثبت عن رسول الله ﷺ أنه لعن الذين يتخذون المساجد على القبور؛ ولا تصح الصلاة فيه، ولا تجوز الصلاة عند القبور، ولا عليها، لأنه ﵇ نهى عن الصلاة في المقبرة. وأجاب أيضاً: المسجد الذي بني على القبور، يجب هدمه، ولا تجوز الصلاة فيه. وأما القبر الذي وضع في المسجد بعد بنائه، فينقل من المسجد. وأجاب الشيخ محمد بن الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان: مسجد الطائف، الذي في شقه الشمالي قبر ابن عباس، ﵄، الصلاة في المسجد، إذا جعل بين القبر وبين المسجد جدار يرفع، يخرج القبر عن مسمى المسجد، فلا تكره الصلاة فيه; وأما القبر، إذا هدمت القبة التي عليه، فيترك على حاله، ولا ينبش، ولكن يزال ما عليه من بناء وغيره، ويسوى حتى يصير كأحد قبور المسلمين.

стр. 1583

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا احتيح إلى أرض مسجداً ... إلخ؟ فأجاب: إذا احتاج أهل بلد إلى أرض إنسان يجعلونها مسجداً، فطلبوا من صاحب المال أن يبيعها، أو يوقفها، فأبى، فالظاهر: أنه لا يجبر. سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد، ﵏: عن ضابط معاطن الإبل؟ فأجاب: ضابط معاطن الإبل هي التي تقيم فيها، وتأوي إليها، قاله أحمد، وقيل: مكان اجتماعها إذا صدرت عن المنهل، زاد بعضهم: وما تقف فيه لميراد الماء; قال في المغني والشرح: والأول أجود، لأنه جعله في مقابلة مراح الغنم، لا نزولها في سيرها، قاله في المبدع. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، ﵀: عن الصلاة في المنْزل الذي توقد فيه النار للطبخ، أو للقهوة، أو أسطحتهما؟ فأجاب: أما الصلاة في ذلك، فلا علمت فيه بأساً، لكن لا يستقبل النار، وكذلك في سطحهما، لا بأس بذلك. سئل الشيخ سعيد بن حجي: هل يجوز زخرفة المساجد بالنقوش، والجص، وفرش الحصر بها، وتخليقها بالطيب، أم لا؟

стр. 1584

فأجاب: أصل بناء المساجد، بناؤه ﷺ ثم بناء عمر، ثم بناء عثمان، ﵃؛ قال في الهدى، لما ذكر اتخاذ المسجد: ثم بنوه باللبن، وجعل ﷺ يبني معهم، وجعل له ثلاثة أبواب، وعمده الجذوع، وسقفه بالجريد، وقيل له: ألا تسقفه؟ فقال: لا; عريش كعريش موسى. انتهى. وقال في المنتقى: باب الاقتصاد في بناء المساجد، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أمرت بتشييد المساجد " ١، قال ابن عباس:"لتزخرفنّها كما زخرفت اليهود والنصارى "، رواه أبو داود. وعن أنس أن النبي ﷺ قال: " لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد " ٢، رواه الخمسة إلا الترمذي. وقال البخاري: قال أبو سعيد: "كان سقف المسجد من جريد النخل، وأمر عمر ببناء المسجد، وقال: أَكِنَّ الناس عن المطر، وإياك أن تُحَمِّر أو تُصَفِّر فتفتن الناس ". انتهى. الزخرفة: التزيين، والضمير في: "لتزخرفنها" للمساجد. وعن ابن عمر قال: "كان المسجد على عهد رسول الله ﷺ مبنياً باللبن، وسقفه بالجريد، وعمده خشب النخل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً، وزاد فيه عمر، وبناه على بنائه على عهده ﷺ ثم غيره عثمان ﵁ وزاد فيه زيادة كثيرة، وبني جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسققه ساجاً "، أخرجه البخاري وأبو داود، والقصة: الجص بلغة أهل الحجاز. انتهى من تيسير الأصول.

стр. 1585

وقال في الإقناع: وتحرم زخرفته بذهب أو فضة، وتجب إزالته، ويكره بنقش وصبغ وكتابة، وغير ذلك مما يلهي المصلي. وفي الغنية: لا بأس بتجصيصه. انتهى. أي: يباح تجصيص حيطانه، وهو تبييضها به، وصححه الحارثي، ولم يره أحمد بن حنبل، وقال: هو زينة الدنيا. انتهى. إذا تقرر هذا، فليعلم السائل: أن من أراد بناء مسجد، فليبنه على الاقتصاد، وأن الزخرفة مكروهة، وأن من بنى بها لا ينكر عليه لقصة عثمان. وأما فرش الحصر فيها، فقال في المنتقى: باب الصلاة على الفرش والبسط وغيرهما من الفرش، عن ابن عباس " أن النبي ﷺ صلى على بساط " ١، رواه أحمد وابن ماجة. وعن المغيرة بن شعبة قال: " كان رسول الله ﷺ يصلي على الحصير، والفروة المدبوغة " ٢، رواه أحمد وأبو داود. وعن أبي سعيد أنه " دخل على رسول الله ﷺ ، قال: فرأيته يصلي على حصير يسجد عليه " ٣، رواه مسلم. وعن ميمونة، قالت: " كان رسول الله ﷺ يصلي على الخمرة " ٤، رواه الجماعة. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين: وأما الصلاة على السجادة، واتخاذ السجادة ديناً وطريقة، بحيث لا يصلي إلا عليها في المساجد وغيرها، فبدعة مكروهة؛ فإن النبي ﷺ والصحابة وسلف الأمة، لم يكونوا يتخذون هذه السجادة، بل يصلون حيث تناهت الصلاة؛ وتقييد الصلاة بها، تعبد أهل الكتاب في الكنائس، وقد قال نبينا ﷺ : " جعلت لي الأرض مسجداً

стр. 1586

وطهوراً؛ فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره " ١- إلى أن قال- وقد " كان النبي ﷺ يصلي على الخمرة " ٢، وهي شيء ينسج من الخوص، فيسجد عليه يتقي به حر الأرض وأذاها؛ فإنه لم يكن مسجده مفروشاً، إنما كانوا يصلون على التراب والرمل والحصى، فهذا من جنس الأرض، لأن الصلاة على الحصر ونحوها لدفع الأذى، والله سبحانه جعله لدفع الأذى، فهذا حسن، ولهذا اتفق العلماء على أنه لا بأس بالصلاة على ما كان من جنس الأرض كالحصير ونحوه. وأما الصلاة على المتخذ من الصوف والشعر ونحو ذلك، كالبسط والطنافس، وعلى الحشايا المبطنة، فرخص فيه أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وروى ذلك عن جماعة من الصحابة، وفيه أحاديث مرفوعة، وكرهه مالك. انتهى. فقد ثبت أن النبي ﷺ صلى على هذه الأشياء المذكورة، وأن أكثر العلماء رخص فيها، فمن أنكر فرش المساجد بذلك كلف الدليل، والله أعلم. وأما تخليقها بالطيب، فقالت عائشة: " أمر رسول الله ﷺ ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب " ٣، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وابن ماجة. وقال في الإقناع: ويسن كنسه يوم الخميس، وإخراج كناسته، وتنظيفه، وتطييبه فيه، وتجميره في الجمع، ويستحب شعل القناديل فيه كل ليلة.

стр. 1587

انتهى. قوله: في الدور جمع دار، والمراد هنا: المحلات، أي أمر أن يبنى في كل محلة مسجد، وهو محمول على اتخاذ بيت للصلاة، كالمسجد يصلي فيه أهل البيت. انتهى. فدل هذا على استحباب تطييبها، وتنظيفها، والله أعلم. وأجاب الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، والشيخ سليمان بن سحمان: وأما ما زخرف به المسجد، من التحمير والتصفير، فيطمس بالآجر الأبيض، وكذلك الصور والكتابة التي في الحيطان. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن أنكر دخول المسجد بالنعال؟ فأجاب: إنكار دخول المسجد بالنعال، إنما نشأ عن الجهل بالسنة؛ وقد صح عن النبي ﷺ أنه كان يصلي في نعليه، وكذلك الصحابة، ﵃. ثم إنه ﷺ في بعض الصلوات خلع نعليه، فخلع الصحابة نعالهم، فلما سلم سألهم عن ذلك، فقالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا، فقال رسول الله ﷺ : " أتاني جبرائيل، فأخبرني أن فيهما أذى " ١، فدل الحديث على جواز دخول المسجد بالنعال والصلاة فيها، ما لم يعلم أنها نجسة، فإذا لم يعلم أنه وطأ بها نجاسة، فالأصل الطهارة، وهذا بحمد الله ظاهر. وسئل الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، ﵏

стр. 1588

تعالى: عن قوله ﷺ : " خالفوا اليهود، صلوا في نعالكم " ١، ما الحكمة في ذلك؟ فأجاب: الحكمة: مخالفة اليهود في الأعمال الظاهرة، لأن موافقتهم في الأعمال الظاهرة، تفضي إلى موالاتهم. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن فرش المساجد من صوف وغيره؟ فأجاب: أما فرش المساجد فيجوز أن يتخذ فيها فرش من جميع الفرش الطاهرة، من الصوف وغيره. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن التقدم للمسجد، والقيلولة فيه ... إلخ؟ فأجاب: أما مسألة التقدم للمسجد في مثل الظهر، والقيلولة فيه، فإن كان الإنسان قصد المسجد لانتظار الصلاة المفروضة، فصلى ما تيسر من النوافل، ثم جلس في المسجد يقرأ القرآن، أو يذكر الله، وهذا قصده، ولكن في نيته إن حدث عليه نعاس نام في المسجد، لم يقصد القيلولة فيه عادة، فهذا حسن إن شاء الله تعالى. وأما إن كان نيته أنه قصد المسجد ليضع عصاه في الصف، ويصلي ما تيسر، ثم ينام، أعني أنه قصد النوم فيه، وعزم عليه، فهذا مكروه، أعني: اتخاذ المسجد مقيلاً؛ فالأفضل في حق هذا أن يقيل في بيته، فإذا قضى حاجته من

стр. 1589

النوم، تطهر وقصد المسجد. وأما جلوسه في سطح المسجد، بين العشائين لأجل البراد ونحوه، فلا بأس بذلك. سئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن الجمع بين حديث النهي عن الاستلقاء في المسجد، وحديث عبد الله بن زيد أنه رأى النبي ﷺ مستلقياً في المسجد ... إلخ؟ فأجاب: حديث النهي محمول على حالة لا يأمن معها انكشاف العورة، وأما إذا أمن انكشافها فلا بأس؛ وعليه يحمل حديث عبد الله بن زيد، قال: في الإقناع: ولا بأس بالاستلقاء لمن له سراويل، وكذا لو احتبى بحيث يأمن كشف عورته. انتهى. وقال الحافظ في الفتح، بعد أن ذكر قول من ادعى نسخ النهي ورده، وبعد أن ذكر أن الجمع بين الحديثين بمثل ما تقدم أولى من ادعاء النسخ: والظاهر أن فعله ﷺ كان لبيان الجواز، وكان ذلك في وقت الاستراحة لا عند مجتمع الناس. انتهى. فتبين أن للجمع بينهما طريقين: أحدهما: أن فعله ﷺ لبيان الجواز، وأن النهي للتنْزيه، كما ذكر الحافظ. والثاني: حمل النهي على حالة لا تؤمن معها انكشاف العورة، والله أعلم.

стр. 1590

فصل قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط الثامن: استقبال القبلة، والدليل قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٤] . وسئل بعضهم: عما ذكر في الهدى، لما ذكر نسخ القبلة، قال ابن سعد: أنبأنا هاشم بن القاسم، أنبانا أبو معشر، عن محمد بن كعب القرظي قال: "ما خالف نبي قط في قبلة قط، ولا إسلام، إلا أن رسول الله ﷺ استقبل بيت المقدس حين قدم المدينة "، مع قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٨] . فأجاب: الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، لم يختلفوا في الدين، بل دينهم واحد كما صح عنه ﷺ أنه قال: " إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد، الأنبياء إخوة لعلات " ١، فأما القبلة فلم يكن يخالف بعضهم بعضاً فيها، بل كلهم يميلون إلى قبلة إبراهيم ﵇. فأما محمد ﷺ فقد أمر حين قدم المدينة أن يصلي قبل صخرة بيت المقدس، تألفاً لقلوب اليهود، ليكون أقرب إلى تصديقهم إياه، فصلى ستة عشر أو سبعة عشر شهراً، والكعبة على حالها بالنسبة إلى أنها قبلة

стр. 1591

أبيه من قبله، واستقباله بيت المقدس للحاجة العارضة لا ينافيها، ولذلك كان ﷺ يحب أن يوجه إلى الكعبة، فإنها قبلته وقبلة أبيه إبراهيم. وأما من خالف من الأنبياء، فحصلت موافقته بالميل إلى قبلة إبراهيم وتفضيلها، فإنها الأصل في الاستقبال للأفضلية؛ فموافقته في القلب حاصلة على كل حال، وفي الجهة في بعض الأحيان، ففي الميل والأفضلية حصل عدم الاختلاف، كما لم يختلفوا في أصل الدين قط، وهذا - والله أعلم - مراد محمد بن كعب القرظي؛ فمن ذلك يعلم معنى قوله: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ أي: لكل أهل ملة من الملل قبلة، والوجهة اسم للمتوجه إليه، ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ ، ووليت عنه إذا أدبرت عنه، والمعنى: لكل ملة من الملل جهة يستقبلونها بأمر الله. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن حكم الصلاة في الطيارة، من جهة استقبال القبلة؟ فأجاب: راكب الطيارة لا يخلو، من أن يكون قادراً على شروط الصلاة وأركانها وواجباتها، أو لا؛ فإن كان قادراً على ذلك، صحت صلاته، إذا أتى بها كذلك مطلقاً؛ وإن لم يقدر على الإتيان بها على هذا الوجه، فلا يخلو من أن يمكن النُزول بها إلى الأرض مع انتفاء الضرر، أو لا؛ فإن أمكنه النُزول بها إلى الأرض مع انتفاء الضرر، لزمته الصلاة في الأرض، ولم تصح صلاته في الطيارة؛

стр. 1592

فإن لم يمكنه ذلك، أو كان في ذلك ضرر، أو وجد شيء من الأعذار التي تصح معها الصلاة على الراحلة، فإنه يصلي حينئذ في الطيارة على حسب حاله، ويفعل ما يقدر عليه، ويسقط عنه ما لا يقدر عليه؛ فإن أمكنه استقبال القبلة لزمه ذلك، ويستدير إلى القبلة إذا استدارت. وهذا التفصيل في صلاة المكتوبة، وأما النافلة فحكمها معلوم، والتفصيل فيها غير هذا التفصيل، والله أعلم. فصل وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الشرط التاسع: النية، ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة؛ والدليل: الحديث: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " ١. وسئل ابنه: الشيخ عبد الله: عمن قال: إن التلفظ بالنية سنة؟ فأجاب: قول من قال: إن التلفظ بالنية سنة عند الصلاة، خطأ وجهالة، والقائل ذلك مخطئ؛ فإن السنة هو ما واظب عليه النبي ﷺ ؛ قال ابن القيم: ولم ينقل عن النبي ﷺ ولا عن أحد من الصحابة أنه تلفظ بالنية، ولا استحبها أحد من

стр. 1593

الأئمة الأربعة، ولا غيرهم. انتهى. وإنما استحبها بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وغيره، فرد عليهم المحققون من أهل مذهبه وغيرهم؛ وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ ، ولا ينبغي للمسلم أن يتبع غلطات العلماء، بل يعرض أقوالهم على الهدى النبوي، فما وافق ذلك قبله، وما خالفه رده على قائله، كائناً من كان. وسئل: عن تعيين الإمام ... إلخ؟ فأجاب: أما تعيين الإمام، فإذا عين إماماً وقصده أنه لا يصلي خلف غيره، فهذا إذا بان أنه غيره لم تصح صلاته، لأنه نوى أن لا يصلي خلفه. وأما إذا عين إماماً، ونيته أن يصلي خلف من يصلي بالجماعة، وليس له قصد في تعيين الإمام، كما هو الواقع في المساجد التي أئمتها راتبون، فهذا إذا بان له أنه غير الإمام الراتب، صحت صلاته، لأن قصده الصلاة مع الجماعة، وليس له قصد في تعيين الإمام. وسئل: إذا نوى كل منهما أنه إمام صاحبه؟ فأجاب: إذا نوى كل منهما أنه إمام صاحبه، فهذه على روايتين: الأولى: عدم الصحة. والثانية: أنها صحيحة، ويصليان فرادى. وسئل: عما إذا نوى كل منهما أنه مأموم؟ فأجاب: إذا نوى كل منهما أنه مأموم، فهي كالتي قبلها على روايتين.

стр. 1594

وسئل بعضهم: عن مسبوق ائتم بمثله، هل ينويان حالة دخولهما مع الإمام أنه يأتم أحدهما لصاحبه بعد المفارقة؟ أو تكفي بعد السلام، لأنه وقت ائتمامه به؟ فأجاب: هذه المسألة فيها وجهان لأصحاب أحمد، وبعضهم حكى فيها روايتين؛ قال في الإنصاف: وإن سبق اثنان ببعض الصلاة، فأتم أحدهما بصاحبه في قضاء ما فاتهما، فعلى وجهين. وحكى بعضهم الخلاف روايتين، منهم ابن تميم: إحداهما: يجوز ذلك، وهو المذهب؛ قال المصنف، والشارح، وصاحب الفروع، وغيرهم - لما حكوا الخلاف -: هذا بناء على الاستخلاف، وتقدم جواز الاستخلاف على الصحيح من المذهب، وجزم بالجواز هنا في الوجيز، والإفادات، والمنور، وغيرهم، وصححه في التصحيح والنظم. والوجه الثاني: لا يجوز، قال المجد في شرحه هذا منصوص أحمد، في رواية صالح. وعنه: لا يجوز هنا، وإن جوزنا الاستخلاف، اختاره المجد في شرحه، فرق بينها وبين مسألة الاستخلاف. والذي يترجح عندنا هو الوجه الأول، سواء نويا ذلك في حال دخولهما مع الإمام، أو لا، والله أعلم.

стр. 1595

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أحرم منفرداً وحضر جماعة ... إلخ؟ فأجاب: إذا أحرم منفرداً، وحضر جماعة فدخل معهم، فالظاهر عدم الصحة في أصح الروايتين. وسئل الشيخ حمد بن عتيق: عن رجل ينوي صلاة فرض وحده، فكبر وجاء آخر فدخل معه ... إلخ؟ فأجاب: هذا سنة محمد ﷺ ، فقيل له: وإن صلى شيئاً من صلاته؟ فقال: وإن صلى شيئاً من صلاته. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا انفرد مأموم لعذر؟ فأجاب: إذا انفرد مأموم لعذر، فالظاهر الصحة، لحديث معاذ. سئل الشيخ حمد بن عتيق: عن الرجل يصلي الفريضة، ثم يصلي بقوم هي لهم فريضة، وله نافلة؟ فأجاب: لا بأس به، وفيه حديث معاذ، فقال له السائل: إن كان إماماً في صلاته الأولى؟ فقال: إن كان إماماً في الأولى. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن صحة ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها؟ والمتنفل بالمفترض؟ ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر؟

стр. 1596

فأجاب: الراجح عندنا صحة إئتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، وكذلك الراجح: صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، وعكسه، وكذلك من يصلي الظهر بمن يصلي العصر. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عمن ذكر حدثه في الصلاة، هل يستخلف؟ فأجاب: إذا ذكر حدثه في الصلاة، فلا يستخلف. سئل ابنه: الشيخ عبد الله: إذا سبق الإمام الحدث واستخلف، هل تصح؟ فأجاب: إذا سبق الإمام الحدث ثم استخلف، فالظاهر أنها صحيحة. وأجاب بعضهم: وأما إذا دخل الإمام في الصلاة طاهراً فأحدث في نفس الصلاة، يعني غلبه الحدث، فإنه يستخلف من يتم بهم صلاتهم قبل أن يغلبه أو يسبقه الحدث، ويبتدئ الخليفة من موقف الإمام في القراءة وفي أفعال الصلاة؛ فإن لم يكن وراءه من يصلح للإمامة، وقال: أتموا صلاتكم، فأتم كل واحد صلاته وحده، جاز. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما قول من قال من الفقهاء: إن صلاة المأموم تبطل ببطلان صلاة إمامه، فمرادهم كما لو أحدث في صلاته فبطلت، فتبطل صلاة المأموم إذا

стр. 1597

علم حدث إمامه، مع أن كثيراً من العلماء لا يرون بطلان صلاة المأموم إذا بطلت صلاة إمامه؛ وهو رواية عن أحمد، وفاقاً لمالك والشافعي. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ﵏: الاستخلاف قبل حدث الإمام، وأما إذا سبق الحدث، سواء كان في الصلاة أو حدثه قبل الدخول فيها، فلا يصح استخلافه، وصلاة المأمومين في هذه الصورة فاسدة، والله أعلم. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: أما الإمام إذا سبقه الحدث وهو في الصلاة، فقد اختلف العلماء فيها: فمنهم من رأى جواز الاستخلاف والبناء على صلاة الإمام مطلقاً. ومنهم من فرق بين الخارج من السبيلين وغيرهما، وحمل أثر عمر على ذلك. ومنهم من فرق بين ما إذا خرج الحدث، وبين ما إذا لم يخرج، ولم يفرق بين الخارج من السبيلين وغيرهما. والذي أرى: أنه إن كان الخارج من السبيلين فلا استخلاف، وإن كان الخارج من غيرهما، جاز له الاستخلاف، لقصة عمر ﵁.

стр. 1598

باب صفة الصلاة سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الدعاء قبل الإقامة، وبعدها؟ فأجاب: أما الدعاء قبل الإقامة ففعله بعض من يقتدى به، وأما الدعاء بعد الإقامة فلم يرد فيه شيء، والأولى عدم فعله. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عما إذا صف بعض المأمومين في الثاني ولم يتم الأول، هل تصح صلاتهم، أم تلزمهم الإعادة؟ فأجاب: بل تصح صلاتهم ولا إعادة عليهم، لكن يؤمرون بإتمام الصف الأول، فالأول، للأحاديث الواردة في ذلك. قال الشيخ عبد الله أبا بطين، رحمه الله تعالى: مسألة أظنها من كلام الشيخ تقي الدين، وهي وقوف المأموم بحيث يسمع قراءة الإمام، وإن كان في الصف الثاني أو الثالث، أفضل من الوقوف في طرف الصف الأول، مع البعد عن

стр. 1599

سماع قراءة الإمام، لأن الأول صفة في نفس العبادة، فهي أفضل من مكانها، كما رجحنا الرمل مع البعد في الطواف على الدنو مع ترك الرمل. انتهى. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الأمير إذا كان له مكان خلف الإمام، وهو يتقدم لذلك أكثر الأحيان، وأحياناً يتأخر، إما لشغل، أو نوم، أو نحو ذلك، إذا أخر الإمام لأجله شق على الجماعة، وإن صلى غضب الأمير؟ فأجاب: أما إذا تأخر الأمير عن الصلاة، إلى حد تضيق به صدور الجماعة، فإمام المسجد يصلي ويتركه، ولا يرفع به رأساً، ولو غضب؛ هذا إذا حضر أكثر الجماعة في المسجد. وأمر العبادات إلى الشارع ﷺ لا تُطَيَّب بها نفس أحد، لا أمير ولا غيره، ويسار فيها على ما سن رسول الله ﷺ ، ولا تجعل العادات إلا تبعاً للشرع؛ فالشرع متبوع لا تابع. والذي لا يرضى بهذا، فعساه لا يرضى. فإذا كان إمام المسجد بنفسه إذا غاب صلى الجماعة، كما كان العمل عليه في عهد النبي ﷺ ، فكيف بالأمير؟ ويبين للأمير ويفطن أن هذا أمر لا يجوز له. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: اعلم، أرشدك الله لطاعته، وأحاطك بحياطته، وتولاك في الدنيا والآخرة: أن مقصود الصلاة، وروحها ولبها، هو: إقبال

стр. 1600

القلب على الله تعالى فيها؛ فإذا صليت بلا قلب، فهي كالجسد الذي لا روح فيه. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [سورة الماعون آية: ٤-٥] ، ففسر السهو بالسهو عن وقتها أي: إضاعته، والسهو عما يجب فيها، والسهو عن حضور القلب؛ ويدل على ذلك الحديث الذي في صحيح مسلم، أن رسول الله ﷺ قال: "تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق: يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان، قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً " ١، فوصفه بإضاعة الوقت بقوله: "يرقب الشمس "، وبإضاعة الأركان بذكره النقر، وبإضاعة حضور القلب بقوله:" لا يذكر الله فيها إلا قليلاً ". سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن رفع اليدين؟ فأجاب: أما رفع اليدين في الصلاة عند التكبير، فثبت عن النبي ﷺ أنه كان يرفع يديه في ثلاثة مواضع في الصلاة: عند تكبيرة الإحرام يرفع يديه، حتى يكونا حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع رفعهما كذلك، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، فإذا فرغ من رفع اليدين وضع يمينه على شماله، على مفصل الكف، تحت السرة، كما في سنن أبي داود عن علي قال: "من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة، تحت السرة ". وأجاب بعضهم، ﵀: رفع اليدين في الصلاة،

стр. 1601

وجعل اليمين على الشمال، سنة مؤكدة ثابتة عن رسول الله ﷺ في أحاديث كثيرة في الصحاح والسنن والمسانيد؛ ومن أشهر ذلك حديث عبد الله بن عمر المتفق على صحته، قال: " كان رسول الله ﷺ يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع " ١. وأما وضع اليمين على الشمال، ففي حديث سهل بن سعد، في صحيح البخاري، قال: " كان الناس يؤمرون: أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة " ٢ الحديث. وسئل: عن الاستفتاح في الصلاة بما الناس عليه، وما الدليل على ذلك؟ فأجاب: قد ثبت في السنن الأربعة أن رسول الله ﷺ كان يستفتح الصلاة بـ" سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك "، وصح في صحيح مسلم: أن عمر كان يجهر بهؤلاء الكلمات، يعلمهن الناس في مسجد رسول الله ﷺ بحضرة الأكابر من أصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار؛ فلأجل ذلك أخذ به الإمام أحمد، وجماعة من أهل الحديث. قال أحمد: أنا أختاره، وإن استفتح أحد بغيره مما صح عنه ﷺ فحسن. وأجاب عبد الله بن الشيخ، ﵀: قوله: " وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض " ٣ إلى قوله " وأنا من المسلمين " ٤ هو في صحيح مسلم وغيره من كتب الحديث،

стр. 1602

ولا يقال إلا بعد تكبيرة الإحرام، يستفتح به قبل الشروع في قراءة الفاتحة. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما الاستفتاح في الصلاة، فلا يشرع إلا في الركعة الأولى، فرضاً كانت أو نفلاً، وكذلك التعوذ في المشهور؛ والشافعي يرى التعوذ في كل ركعة فرضاً أو نفلاً. قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: قوله في الاستفتاح: "ولا إله غيرك " أي: لا يستحق أن يعبد غيرك، وهو يؤيد ما قد قلته، من أن المقدر في كلمة الإخلاص، إذا قال الموحد: لا إله إلا الله، أي: لا إله حق إلا الله، والعامل في هذا المقدر "لا" على أنه خبرها في قول الأخفش. وعلى قول سيبويه لم تعمل فيه "لا" وإنما عمل فيه المبتدأ، وهو "لا" مع اسمها؛ فإن "لا" مع اسمها في محل رفع على الابتداء. والمقصود: أن المقدر "حق" ليطابق ما في الآيتين في سورة الحج ولقمان. سئل الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد، ﵏: عن الجهر بالبسملة؟ فأجاب: الصواب عندنا ترك الجهر بالبسملة، وهذا هو الثابت عندنا من فعل رسول الله ﷺ وفعل خلفائه الراشدين،

стр. 1603

كما هو مذكور في الكتب الصحيحة، كالصحيحين وغيرهما، والله أعلم. وأجاب أيضاً: الشيخ عبد الله بن محمد: أكثر الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ أنه كان يخفيها ولا يجهر بها، وإن جهر أحد لم ينكر عليه، لأن في بعض الأحاديث أنه جهر بها. وأجاب بعضهم، ﵏: اختلف الفقهاء: هل البسملة آية من الفاتحة وغيرها من السور؟ أو هي آية من الفاتحة دون غيرها من السور؟ أو ليست من الفاتحة ولا غيرها من السور، بل هي آية من القرآن، تكتب في أول كل سورة، سوى براءة؟ هذه أقوال ثلاثة، ذهب إلى كل قول طائفة من العلماء؛ والذي يترجح عندنا القول الأخير، وبه قال أحمد بن حنبل وغيره من فقهاء الحديث. وأما الجهر بها في الصلاة، فالأحاديث الصحيحة، تدل على أن رسول الله ﷺ كان لا يجهر بها، لا هو ولا خلفاؤه؛ فإنه قد روي في بعض الأحاديث، كما قد ثبت في الصحيح عن أنس بن مالك، خادم رسول الله ﷺ عشر سنين في الحضر والسفر، قال: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر، وعمر، يستفتحون القراءة بـ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، لا يذكرون: ﴿ِبسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أول قراءة ولا في

стр. 1604

آخرها " ١. يعنى: أن أول ما يجهرون به في الصلاة من القراءة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، وبذلك أخذ الإمام أحمد وجماعة من فقهاء الحديث، واستحبوا ترك الجهر بها من غير إنكار على من جهر بها. وأما القراءة في الصلاة، فالواجب من ذلك قراءة الفاتحة لا غير، لمن قدر على تعلمها، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ٢، أخرجه مسلم في صحيحه، وفيه دلالة واضحة. قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، بعد ذكره مقصود الصلاة ولبها وتقدم قريباً: إذا فهمت ذلك، فافهم نوعاً واحداً من الصلاة، وهو قراءة الفاتحة، لعل الله أن يجعل صلاتك في الصلوات المقبولة المكفرة للذنوب. ومن أحسن ما يفتح لك الباب في فهم الفاتحة، حديث أبي هريرة الذي في صحيح مسلم، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل: فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حمدني عبدي، فإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجدني عبدي، فإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال الله: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال الله: هذا لعبدي، ولعبدي ما سأل " ٣.

стр. 1605

فإذا تأمل العبد هذا، وعلم أنها نصفان: نصف لله، وهو أولها إلى قوله ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ، ونصف للعبد، دعاء يدعو به لنفسه. وتأمل أن الذي علمه هذا هو الله تعالى، وأمره أن يدعو به، ويكرره في كل ركعة، وأنه سبحانه من فضله وكرمه: ضمن إجابة هذا الدعاء إذا دعاه بإخلاص وحضور قلب، تبين له ما أضاع أكثر الناس. قد هيئوك لأمر لو فطنتَ له ... فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهملِ وها أنا أذكر لك بعض معاني هذه السورة العظيمة، لعلك تصلي بحضور قلب، ويعلم قلبك ما نطق به لسانك، لأن ما نطق به اللسان ولم يعقد عليه القلب ليس بعمل صالح، كما قال تعالى ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [سورة الفتح آية: ١١] . وأبدأ بمعنى الاستعاذة، ثم البسملة، على طريق الاختصار والإيجاز. فمعنى: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ألوذ واعتصم بالله، وأستجير بجنابه من شر هذا العدو، أن يضرني في ديني، أو دنياي، أو يصدني عن فعل ما أُمرت به، أو يحثني على ما نُهيت عنه، لأنه أحرص ما يكون على العبد إذا أراد عمل الخير، من صلاة، أو قراءة، أو غير ذلك؛ وذلك أنه لا حيلة لك في دفعه إلا بالاستعاذة بالله، لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٧] ، فإذا طلبت من الله أن يعيذك منه، واعتصمت به، كان هذا

стр. 1606

سبباً في حضور القلب. فاعرف معنى هذه الكلمة، ولا تقلها باللسان فقط، كما عليه أكثر الناس. وأما البسملة، فمعناها: أَدْخُلُ في هذا الأمر من قراءة، أو دعاء، أو غير ذلك ﴿ِبسْمِ اللَّهِ﴾ ، لا بحولي ولا بقوتي؛ بل أفعل هذا الأمر مستعيناً بالله، متبركاً باسمه ﵎. هذا في كل أمر تسمي في أوله، من أمر الدين وأمر الدنيا؛ فإذا أحضرت في نفسك: أن دخولك في القراءة، مستعيناً به، متبرئاً من الحول والقوة، كان هذا أكبر الأسباب في حضور القلب، وطرد الموانع من كل خير. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ : اسمان مشتقان من الرحمة، أحدهما أبلغ من الآخر، مثل العلام والعليم؛ قال ابن عباس: "هما اسمان رقيقان، أحدهما أرق من الآخر، أي أكثر رحمة ". وأما الفاتحة فهي سبع آيات: ثلاث ونصف لله، وثلاث ونصف للعبد. فأولها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فاعلم أن الحمد هو: الثناء باللسان على الجميل الاختياري، فأخرج بقوله الثناء باللسان، الثناء بالفعل، الذي يسمى لسان الحال؛ فذلك من نوع الشكر. وقوله: على الجميل الاختياري: الذي يفعله الإنسان بإرادته، وأما الجميل الذي لا صنع له فيه، مثل الجمال، ونحوه، فالثناء به يسمى: مدحاً لا حمداً. والفرق بين الحمد والشكر، أن الحمد يتضمن

стр. 1607

المدح والثناء على المحمود بذكر محاسنه، سواء كان إحساناً إلى الحامد أو لم يكن، والشكر لا يكون إلا على إحسان المشكور؛ فمن هذا الوجه الحمد أعم من الشكر، لأنه يكون على المحاسن، والإحسان؛ فإن الله يحمد على ما له من الأسماء الحسنى، وما خلقه في الآخرة والأولى، ولهذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ١١١] ، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] إلى غير ذلك من الآيات. وأما الشكر، فإنه لا يكون إلا على الإنعام، فهو أخص من الحمد من هذا الوجه، لكنه يكون بالقلب واليد واللسان، ولهذا قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] ، والحمد إنما يكون بالقلب واللسان؛ فمن هذا الوجه الشكر أعم من جهة أنواعه، والحمد أعم من جهة أسبابه. والألف واللام في قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ للاستغراق، أي: جميع أنواع الحمد لله لا لغيره؛ فأما الذي لا صنع للخلق فيه، مثل خلق الإنسان، وخلق السمع والبصر، والسماء والأرض، والأرزاق، وغير ذلك، فواضح، وأما ما يحمد عليه المخلوق، مثل ما يثنى على الصالحين، والأنبياء، والمرسلين، وعلى من فعل معروفاً، خصوصاً إن أسداه إليك، فهذا كله لله أيضاً، بمعنى: أنه خلق ذلك الفاعل، وأعطاه ما فعل به، وحببه إليه، وقواه عليه، فصار الحمد كله لله بهذا الاعتبار.

стр. 1608

وأما قوله: ﴿لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] ، فالله: علَمٌ على ربنا ﵎، ومعناه: الإله، أي: المعبود، لقوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] ، أي: المعبود في السماوات، والمعبود في الأرض، ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً﴾ [سورة مريم آية: ٩٣] الآيتين. وأما الرب، فمعناه: المالك المتصرف. وأما العالمين، فهو: اسم لكل ما سوى الله ﵎، فكل ما سواه من ملك، ونبي، وإنسي، وجني، وغير ذلك، مربوب مقهور، يتصرف فيه، فقير محتاج؛ كلهم صامدون إلى واحد لا شريك له في ذلك، وهو الغني الصمد. وذكر بعد ذلك: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، وفي قراءة أخرى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فذكر في أول هذه السورة التي هي أول المصحف، الألوهية والربوبية والملك، كما ذكره في آخر سورة في المصحف: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١-٣] . فهذه ثلاثة أوصاف لربنا ﵎، ذكرها مجموعة في موضع واحد في أول القرآن، ثم ذكرها مجموعة في موضع واحد، في آخر ما يطرق سمعك من القرآن. فينبغي لمن نصح نفسه: أن يعتني بهذا الموضع، ويبذل جهده في البحث عنه، ويعلم أن العليم الخبير لم يجمع بينها في أول القرآن، ثم في آخره، إلا لما يعلم من شدة حاجة العباد إلى معرفتها، ومعرفة الفرق بين هذه

стр. 1609

الصفات؛ فكل صفة لها معنى غير معنى الصفة الأخرى، كما يقال محمد رسول الله، وخاتم النبيين، وسيد ولد آدم، فكل وصف له معنى، غير معنى الوصف الآخر. إذا عرفت أن معنى الله هو: الإله، وعرفت أن الإله هو: المعبود، ثم دعوت الله، أو ذبحت له، أو نذرت له، فقد عرفت أنه الله، فإن دعوت مخلوقاً طيباً أو خبيثاً، أو ذبحت له، أو نذرت له، فقد زعمت أنه الله; فمن عرف أنه قد جعل "شمسان" أو "تاجاً" برهة من عمره هو الله، عرف ما عرفت بنو إسرائيل لما عبدوا العجل، فلما تبين لهم ارتاعوا، وقالوا ما ذكر الله عنهم: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٩] . وأما الرب، فمعناه: المالك المتصرف، فالله تعالى مالك كل شيء، وهو المتصرف فيه؛ وهذا حق، ولكن أقرّ به عباد الأصنام الذين قاتلهم رسول الله ﷺ كما ذكر الله عنهم في القرآن في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] . فمن دعا الله في تفريج كربته، وقضاء حاجته، ثم دعا مخلوقاً في ذلك، خصوصاً إن اقترن بدعائه نسبة نفسه إلى عبوديته، مثل قوله في دعائه: فلان عبدك، أو قول: عبد علي، أو عبد النبي، أو عبد الزبير، فقد أقر له

стр. 1610

بالربوبية، وفي دعائه علياً، أو الزبير، وإقراره له بالعبودية ليأتي له بخير، أو ليصرف عنه شراً، مع تسمية نفسه عبداً له، قد أقَرّ له بالربوبية، ولم يقر لله بأنه رب العالمين كلهم، بل جحد بعض ربوبيته. فرحم الله عبداً نصح نفسه، وتفطن لهذه المهمات، وسأل عن كلام أهل العلم، وهم أهل الصراط المستقيم، هل فسروا السورة بهذا، أم لا. وأما الملك فيأتي الكلام عليه، وذلك أن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] ، وفي القراءة الأخرى: ﴿مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فمعناه عند جميع المفسرين كلهم، ما فسره الله به في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٧-١٩] . فمن عرف تفسير هذه الآية، وعرف تخصيص الملك بذلك اليوم، مع أنه سبحانه مالك كل شيء، ذلك اليوم وغيره، عرف أن التخصيص لهذه المسألة الكبيرة العظيمة، التي بسبب معرفتها دخل الجنة من دخلها، وبسبب الجهل بها دخل النار من دخلها. فيا لها من مسألة لو رحل الرجل فيها أكثر من عشرين سنة لم يوفها حقها! فأين هذا المعنى والإيمان به، والإيمان بما صرح به القرآن، مع قوله ﷺ : " يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئاً " ١، من قول صاحب البردة؟ ولن يضيق رسول الله جاهك بي ... إذا الكريم تجلى باسم منتقمِ

стр. 1611

فإن لي ذمة منه بتسميتي ... محمداً وهو أوفى الخلق بالذممِ إن لم تكن في معادي آخذاً بيدي ... فضلاً وإلا فقل يا زلة القدمِ فليتأمل من نصح نفسه هذه الأبيات ومعناها، ومن فتن بها من العباد، وممن يدعي أنه من العلماء، واختاروا تلاوتها على تلاوة القرآن، هل يجتمع في قلب عبد: التصديق بهذه الأبيات، والتصديق بقوله: ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [سورة الانفطار آية: ١٩] ، وقوله: "يا فاطمة بنت محمد، لا أغني عنك من الله شيئاً " ١؟ لا والله! لا والله! لا والله! إلا كما يجتمع في قلبه أن موسى صادق، وأن فرعون صادق، وأن محمداً صادق على الحق، وأن أبا جهل صادق على الحق. فلا والله ما استويا ولن يتلاقيا ... حتى تشيب مفارق الغربانِ فمن عرف هذه المسألة، وعرف البردة ومن فتن بها، عرف غربة الإسلام، وعرف أن العداوة، واستحلال دمائنا وأموالنا ونسائنا، ليس عند التكفير والقتال؛ بل هم الذين بدؤونا بالتكفير والقتال، بل عند قوله: ﴿فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وعند قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٥٧] ، وقوله: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .

стр. 1612

فهذا بعض المعاني في قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٤] بإجماع المفسرين كلهم؛ وقد فسرها الله سبحانه في سورة: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [سورة الانفطار آية: ١] كما قدمت لك. واعلم، أرشدك الله، أن الحق لا يتبين إلا بالباطل، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. فتأمل ما ذكرت لك، ساعة بعد ساعة، ويوماً بعد يوم، وشهراً بعد شهر، وسنة بعد سنة، لعلك أن تعرف ملة أبيك إبراهيم، ودين نبيك، فتحشر معهما، ولا تصد عن الحوض يوم الدين، كما يصد عنه من صد عن طريقهما؛ ولعلك أن تمر على الصراط يوم القيامة، ولا تزل عنه، كما زل عن صراطهما المستقيم في الدنيا من زل. فعليك بإدامة دعاء الفاتحة، مع حضور قلب وخوف وتضرع. وأما قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، فالعبادة: كمال المحبة وكمال الخضوع والخوف والذل. وقدم المفعول، وهو: إياك، وكرر للاهتمام والحصر، أي: لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك؛ وهذا هو كمال الطاعة. والدين كله يرجع إلى هذين المعنيين: فالأول: التبرؤ من الشرك، والثاني: التبرؤ من الحول والقوة. فقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، أي: إياك نوحد، ومعناه: أنك تعاهد ربك أن لا تشرك في عبادته أحداً، لا ملكاً ولا نبياً ولا غيرهما، كما قال للصحابة: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٠] .

стр. 1613

فتأمل هذه الآية، واعرف ما ذكرت لك في الربوبية، أنها التي نسبت إلى تاج، ومحمد بن شمسان؛ فإذا كان الصحابة لو يفعلونها مع الرسل كفروا بعد إسلامهم، فكيف بمن فعلها في تاج، وأمثاله؟ وقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] ، هذا فيه أمران: أحدهما: سؤال الإعانة من الله، كما مر أنها من نصف العبد. وأما قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٦] ، فهذا هو الدعاء الصريح، الذي هو حظ العبد من الله، وهو التضرع إليه، والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم، الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله ﷺ بعد الفتح بقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً﴾ [سورة الفتح آية: ٢] . والهداية ها هنا: التوفيق والإرشاد. وليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تتضمن العلم النافع، والعمل الصالح، على وجه الاستقامة والكمال، والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله. والصراط: الطريق الواضح، والمستقيم: الذي لا عوج فيه؛ والمراد بذلك: الدين الذي أنزله الله على رسول ﷺ ، وهو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] ، وهم رسول الله ﷺ وأصحابه. وأنت في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم، وعليك من الفرائض أن تصدق الله أنه هو المستقيم، وكل ما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس

стр. 1614

بمستقيم؛ وهذه أول الواجبات من هذه الآية، وهو اعتقاد ذلك بالقلب. وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو: اعتقاد ذلك مجملاً، وتركه مفصلاً، فإن أكفر الناس من المرتدين، يعتقدون أن رسول الله ﷺ على الحق، وأن ما خالفه باطل، فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٠] . وأما قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٧] ، فالمغضوب عليهم هم: العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم، والضالون: العاملون بغير علم؛ فالأول صفة اليهود، والثاني صفة النصارى. وكثير من الناس إذا رأى في التفسير: أن اليهود مغضوب عليهم، وأن النصارى ضالون، ظن الجاهل أن ذلك مخصوص بهم، وهو يقر أن ربه فارض عليه أن يدعو بهذا الدعاء، ويتعوذ من طريق أهل هذه الصفات، فيا سبحان الله! كيف يعلمه الله ويختار له، ويفرض عليه أن يدعو به دائماً، مع أنه لا حذر عليه منه، ولا يتصور أنه يفعله؛ هذا من ظن السوء بالله، والله أعلم. هذا آخر الفاتحة، وأما "آمين" فليست من الفاتحة، ولكنها تأمين على الدعاء، معناها: اللهم استجب. فالواجب تعليم الجاهل، لئلا يظن أنها من كلام الله.

стр. 1615

وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: وأما التأمين بعد الفاتحة، فثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، فقولوا: آمين؛ فإن الملائكة في السماء تقول: آمين. فمن وافق قوله قول الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه " ١. ويسن للإمام والمأمومين أن يقولوها جهراً. وأجاب بعضهم: التأمين سنة مؤكدة، وصح أن رسول الله ﷺ " كان إذا قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، يجهر بها " ٢. وصح من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: " إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين؛ فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة، غفر له ما تقدم من ذنبه " ٣. وأجمع العلماء، ﵏، على استحباب ذلك. سئل بعضهم: كم الواجب من القراءة في الصلاة؟ وما الدليل على ذلك؟ فأجاب: الواجب من ذلك قراءة الفاتحة لا غير، لمن قدر على تعلمها، واستدلوا على ذلك، بقوله ﷺ : " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ٤، أخرجه مسلم في صحيحه؛ وفيه دلالة واضحة. سئل الشيخ حمد بن عتيق: عمن قرأ سورة مرتين في ركعة من الفرض؟ فأجاب: لا بأس به.
следующие страницы →