وشره " ١.
وهذا أجمع عليه أهل السنة والجماعة. ولم يخالف في ذلك إلا مجوس هذه الأمة القدرية، فأنكروا أن يكون الله قدر أفعال العباد، أو شاء وقوعها منهم، وزعموا أن الأمر أنف، أي مستأنف، وزعموا أن الله لا يقدر يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وإنما ذلك إلى العباد. وقد خرجوا في أواخر عهد الصحابة، وتبرأ منهم عبد الله بن عمر بن الخطاب لما خرجوا في زمانه، وأنكر مذهبهم وعقيدتهم، وكذلك غيره من الصحابة، والقصة في ذلك محررة في صحيح مسلم. وأول من قال هذا القول معبد الجهني بالبصرة.
والله سبحانه يخلق ما يشاء، ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل، ولا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وهو الحكم العدل، الذي تنَزه عن الظلم والفحش، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٤٩] . وقال:﴾ وماربك بظلام للعبيد ﴿ [سورة فصلت آية: ٤٦] . وقال تعالى في أهل النار: ﴿وَمَاظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٧٦] . وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْما﴾ [سورة طه آية: ١١٢] ، وفي حديث أبي ذر الغفاري ﵁ الإلهي، عن رسول الله ﷺ مما يرويه عن ربه قال: " إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا " ٢ الحديث بطوله خرجه مسلم في صحيحه.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن هذه المسألة بعينها، فأجاب بما شفى وكفى، فروى مسلم في صحيحه عن عمران بن
стр. 212
حصين ﵁: " أن رجلا من جهينة، أو مزينة، قال: يا رسول الله، أرأيت ما يعمل الناس ويكدحون فيه؟ أشيء قضي عليهم ومضى عليهم من قدر سبق؟ أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيهم وثبتت الحجة عليهم؟ قال: بل شيء قضي عليهم ومضى فيهم " ١. وتصديق ذلك في كتاب الله : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَ﴾ [سورة الشمس آية: ٧-٨] . وفيما ذكرنا كفاية لمن هداه الله، والله أعلم.
فصل: (هل القدر في الخير والشر على العموم جميعا من الله)
وأما قولكم: هل القدر في الخير والشر على العموم جميعا من الله، أم لا؟
فنقول: القدر في الخير والشر على العموم، كما تقدم ذكره عن علي ﵁ قال: " كنا في جنازة في بقيع الغرقد، فأتى رسول الله ﷺ فقعد، فقعدنا حوله، ومعه مخصرة، فنكس، فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها في الجنة والنار، وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة. قال: فقال رجل، أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة. ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ
стр. 213
وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [سورة الليل آية: ٥-٦-٧-٨-٩-١٠] ".
وفي الحديث " اعملوا فكل ميسر، أما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة، وأما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة. ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ ١ الآيتين " والله أعلم.
(عقيدة الشيخ ابن عبد الوهاب في العمل في العبادة)
وسئل أيضا ابنا الشيخ محمد، حسين وعبد الله، عن عقيدة الشيخ في العمل في العبادة.
فأجابا: عقيدة الشيخ - رحمه الله تعالى - التي يدين الله بها، هي عقيدتنا وديننا الذي ندين الله به، وهو عقيدة سلف الأمة وأئمتها من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وهو اتباع ما دل عليه الدليل من كتاب الله تعالى، وسنة رسول الله ﷺ ، وعرض أقوال العلماء على ذلك، فما وافق كتاب الله وسنة رسوله قبلناه وأفتينا به، وما خالف ذلك رددناه على قائله.
وهذا هو الأصل الذي أوصانا الله به في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] . أجمع المفسرون على أن الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، وأن الرد إلى الرسول هو الرد إليه في حياته، وإلى سنته بعد وفاته، والأدلة على هذا الأصل كثيرة في الكتاب والسنة، ليس هذا موضع بسطها.
стр. 214
وإذا تفقه الرجل في مذهب من المذاهب الأربعة، ثم رأى حديثا يخالف مذهبه فاتبع الدليل وترك مذهبه، كان هذا مستحبا، بل واجبا عليه إذا تبين له الدليل، ولا يكون مخالفا لإمامه الذي اتبعه؛ فإن الأئمة كلهم متفقون على هذا الأصل، أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، ﵃ أجمعين.
قال الإمام مالك ﵀: كل أحد يؤخذ من قوله ويترك، إلا رسول الله ﷺ . وقال الشافعي ﵀ لأصحابه: إذا صح الحديث عندكم فاضربوا بقولي الحائط، وفي لفظ: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وقال الإمام أحمد بن حنبل ﵀: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] . أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك ; لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. وقال لبعض أصحابه: لا تقلدوني، ولا تقلدوا مالكا ولا الشافعي، وتعلموا كما تعلمنا. وكلام الأئمة في هذا كثير جدا مبسوط في غير هذا الموضع.
وأما إذا لم يكن عند الرجل دليل في المسألة، يخالف القول الذي نص عليه العلماء أصحاب المذاهب، فنرجو أنه يجوز العمل به، لأن رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا، وهم إنما أخذوا الأدلة من أقوال الصحابة فمن بعدهم ;
стр. 215
ولكن لا ينبغي الجزم بأن هذا شرع الله ورسوله ﷺ حتى يتبين الدليل الذي لا معارض له في المسألة ; وهذا عمل سلف الأمة وأئمتها، قديما وحديثا. والذي ننكر هو التعصب للمذهب، وترك اتباع الدليل، إذا تبين هذا، فهذا الذي أنكرناه، وأنكره العلماء في القديم والحديث، والله أعلم.
стр. 216
(رسالة الشيخ عبد الله آل الشيخ عندما دخلوا مكة، وبيان ما يطلبون من الناس ويقاتلونهم عليه)
وقال أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: فإنا معاشر غزو الموحدين، لما منّ الله علينا - وله الحمد - بدخول مكة المشرفة نصف النهار، يوم السبت، في ثامن شهر محرم الحرام، سنة ١٢١٨ هـ، بعد أن طلب أشراف مكة، وعلماؤها وكافة العامة من أمير الغزو "سعود" الأمان، وقد كانوا تواطؤوا مع أمراء الحجيج، وأمير مكة على قتاله، أو الإقامة في الحرم، ليصدوه عن البيت. فلما زحفت أجناد الموحدين، ألقى الله الرعب في قلوبهم، فتفرقوا شذر مذر، كل واحد يعد الإياب غنيمة. وبذل الأمير حينئذ الأمان لمن بالحرم الشريف، ودخلنا وشعارنا التلبية، آمنين محلقين رؤوسنا ومقصرين، غير خائفين من أحد من المخلوقين، بل من مالك يوم الدين. ومن حين دخل الجند الحرم، وهم على كثرتهم مضبوطون، متأدبون، لم يعضدوا به شجرا، ولم ينفروا صيدا، ولم يريقوا دما إلا دم الهدي، أو ما أحل الله من بهيمة الأنعام على الوجه المشروع.
стр. 217
ولما تمت عمرتنا جمعنا الناس ضحوة الأحد، وعرض الأمير ﵀ على العلماء ما نطلب من الناس ونقاتلهم عليه، وهو إخلاص التوحيد لله تعالى وحده. وعرفهم أنه لم يكن بيننا وبينهم خلاف له وقع إلا في أمرين: أحدهما: إخلاص التوحيد لله تعالى، ومعرفة أنواع العبادة، وأن الدعاء من جملتها، وتحقيق معنى الشرك، الذي قاتل الناس عليه نبينا محمد ﷺ . واستمر دعاؤه برهة من الزمان بعد النبوة إلى ذلك التوحيد وترك الإشراك قبل أن تفرض عليه أركان الإسلام الأربعة. والثاني: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لم يبق عندهم إلا اسمه، وانمحى أثره ورسمه.
فوافقونا على استحسان ما نحن عليه جملة وتفصيلا، وبايعوا الأمير على الكتاب والسنة، وقبل منهم، وعفا عنهم كافة، فلم يحصل على أحد منهم أدنى مشقة، ولم يزل يرفق بهم غاية الرفق، لا سيما العلماء؛ ونقرر لهم حال اجتماعهم، وحال انفرادهم لدينا أدلة ما نحن عليه، ونطلب منهم المناصحة والمذاكرة وبيان الحق.
وعرفناهم بأن صرح لهم الأمير حال اجتماعهم، بأنا قابلون ما وضحوا برهانه، من كتاب، أو سنة، أو أثر عن السلف الصالح، كالخلفاء الراشدين، المأمورين باتباعهم، بقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي "، أو عن الأئمة الأربعة المجتهدين، ومن تلقى العلم عنهم، إلى آخر القرن الثالث، لقوله ﷺ : " خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين
стр. 218
يلونهم " ١. وعرفناهم أنا دائرون مع الحق أينما دار، وتابعون للدليل الجلي الواضح ; ولا نبالي حينئذ بمخالفة ما سلف عليه من قبلنا. فلم ينقموا علينا أمرا، فألحينا عليهم في مسألة طلب الحاجات من الأموات، إن بقي لديهم شبهة، فذكر بعضهم شبهة، أو شبهتين، فرددناها بالدلائل القاطعة، من الكتاب، والسنة، حتى أذعنوا. ولم يبق عند أحد منهم شك ولا ارتياب، فيما قاتلنا الناس عليه، أنه الحق الجلي، الذي لا غبار عليه.
وحلفوا لنا الأيمان المغلظة، من دون استحلاف لهم، على انشراح صدورهم، وجزم ضمائرهم أنه لم يبق لديهم شك، في أن من قال: يا رسول الله ﷺ ، أو يا ابن عباس، أو يا عبد القادر، أو غيرهم من المخلوقين، طالبا بذلك دفع شر، أو جلب خير، من كل ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى، من شفاء المريض، والنصر على العدو، والحفظ من المكروه، ونحو ذلك، أنه مشرك شركا أكبر، يهدر دمه، ويبيح ماله، وإن كان يعتقد أن الفاعل المؤثر في تصريف الكون، هو الله تعالى وحده، لكنه قصد المخلوقين بالدعاء، متشفعا بهم، ومتقربا بهم، لتقضى حاجته من الله بسرهم، وشفاعتهم له فيها، أيام البرزخ.
وأن ما وضع من البناء على قبور الصالحين صارت في هذه الأزمان أصناما تقصد لطلب الحاجات، ويتضرع
стр. 219
عندها، ويهتف بأهلها في الشدائد، كما كانت تفعله الجاهلية الأولى. وكان من جملتهم مفتي الحنفية الشيخ عبد الملك القلعي، وحسين المغربي مفتي المالكية، وعقيل بن يحيى العلوي ; فبعد ذلك أزلنا جميع ما كان يعبد بالتعظيم والاعتقاد فيه، ويرجى النفع والنصر بسببه، من جميع البناء على القبور وغيرها، حتى لم يبق في تلك البقعة المطهرة طاغوت يعبد. فالحمد لله على ذلك. ثم رفعت المكوس، والرسوم، وكسرت آلات التنباك، ونودي بتحريمه، وأحرقت أماكن الحشاشين، والمشهورين بالفجور، ونودي بالمواظبة على الصلوات في الجماعات، وعدم التفرق في ذلك، بأن يجتمعوا في كل صلاة على إمام واحد، ويكون ذلك الإمام من أحد المقلدين للأربعة، رضوان الله عليهم. واجتمعت الكلمة حينئذ، وعبد الله وحده، وحصلت الألفة، وسقطت الكلفة، وأمر عليهم، واستتب الأمر من دون سفك دم، ولا هتك عرض، ولا مشقة على أحد، والحمد لله رب العالمين.
ثم دفعت لهم الرسائل المؤلفة للشيخ محمد في التوحيد المتضمنة للبراهين، وتقرير الأدلة على ذلك بالآيات المحكمات والأحاديث المتواترة، مما يثلج الصدر ; واختصر من ذلك رسالة ١ مختصرة للعوام، تنشر في مجالسهم،
стр. 220
وتدرس في محافلهم، ويبين لهم العلماء معانيها، ليعرفوا التوحيد فيتمسكوا بعروته الوثيقة، فيتضح لهم الشرك، فينفروا عنه، وهم على بصيرة آمنين.
وكان فيمن حضر مع علماء مكة، وشاهد غالب ما صار: حسين بن محمد بن الحسين الإبريقي الحضرمي، ثم الحياني، ولم يزل يتردد علينا، ويجتمع بسعود وخاصته من أهل المعرفة، ويسأل عن مسألة الشفاعة التي جرد السيف بسببها، من دون حياء ولا خجل، لعدم سابقة جرم له.
فأخبرناه بأن مذهبنا في أصول الدين، مذهب أهل السنة والجماعة، وطريقتنا طريقة السلف، التي هي الطريق الأسلم، بل والأعلم والأحكم، خلافا لمن قال طريق الخلف أعلم.
وهي أنا نقر آيات الصفات، وأحاديثها على ظاهرها، ونكل معناها مع اعتقاد حقائقها إلى الله تعالى ; فإن مالكا - وهو من أجل علماء السلف - لما سئل عن الاستواء، في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [سورة طه آية: ٥] . قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
ونعتقد أن الخير والشر كله بمشيئة الله تعالى، ولا يكون في ملكه إلا ما أراد، فإن العبد لا يقدر على خلق أفعاله، بل له كسب، رتب عليه الثواب فضلا، والعقاب
стр. 221
عدلا، ولا يجب على الله لعبده شيء ; وأنه يراه المؤمنون في الآخرة، بلا كيف ولا إحاطة.
ونحن أيضا في الفروع، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم، ولا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.
ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب، أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة: أخذنا به، وتركنا المذهب، كإرث الجد والأخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة.
ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالف لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي، والمالكي مثلا، بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جدا. ولا
стр. 222
مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه.
ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله، بالتفاسير المتداولة المعتبرة، ومن أجلها لدينا: تفسير ابن جرير، ومختصره لابن كثير الشافعي، وكذا البغوي، والبيضاوي، والخازن، والحداد، والجلالين، وغيرهم، وعلى فهم الحديث، بشروح الأئمة المبرزين: كالعسقلاني، والقسطلاني، على البخاري، والنووي على مسلم، والمناوي على الجامع الصغير.
ونحرص على كتب الحديث، خصوصا: الأمهات الست، وشروحها، ونعتني بسائر الكتب، في سائر الفنون، أصولا، وفروعا، وقواعد، وسيرا، ونحوا، وصرفا، وجميع علوم الأمة. ولا نأمر بإتلاف شيء من المؤلفات أصلا، إلا ما اشتمل على ما يوقع الناس في الشرك، كروض الرياحين، أو يحصل بسببه خلل في العقائد، كعلم المنطق، فإنه قد حرمه جمع من العلماء، على أنا لا نفحص عن مثل ذلك، وكالدلائل، إلا إن تظاهر به صاحبه معاندا، أتلف عليه، وما اتفق لبعض البدو، في إتلاف بعض كتب أهل الطائف، إنما صدر منه لجهله، وقد زجر هو وغيره عن مثل ذلك.
стр. 223
ومما نحن عليه: أنا لا نرى سبي العرب، ولم نفعله، ولم نقاتل غيرهم، ولا نرى قتل النساء والصبيان.
وأما ما يكذب علينا - سترا للحق، وتلبيسا على الخلق - بأنا نفسر القرآن برأينا، ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا، من دون مراجعة شرح، ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره، وعصا أحدنا أنفع له منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله، حتى أنزل عليه ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ ، مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء، ونتلف مؤلفات أهل المذاهب، لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا، ومن بعد الستمائة، إلا من هو على ما نحن عليه.
ومن فروع ذلك: أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا، وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله، وإنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا، وأن من دان بما نحن عليه، سقطت عنه جميع التبعات، حتى الديون، وأنا لا نرى حقا لأهل البيت - رضوان الله عليهم -، وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة، لتنكح شابا، إذا ترافعوا إلينا، فلا وجه لذلك، فجميع هذه الخرافات. وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا، كان
стр. 224
جوابنا في كل مسألة من ذلك: سبحانك هذا بهتان عظيم، فمن روى عنا شيئا من ذلك، أو نسبه إلينا، فقد كذب علينا وافترى.
ومن شاهد حالنا، وحضر مجالسنا، وتحقق ما عندنا، علم قطعا أن جميع ذلك وضعه وافتراه علينا أعداء الدين، وإخوان الشياطين، تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة، وترك أنواع الشرك، الذي نص الله عليه، بأن الله لا يغفره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . فإنا نعتقد أن من فعل أنواعا من الكبائر، كقتل المسلم بغير حق، والزنى، والربا، وشرب الخمر، وتكرر منه ذلك؛ أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام، ولا يخلد به في دار الانتقام، إذا مات موحدا بجميع أنواع العبادة.
والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق، وأنه حي في قبره، حياة برزخية، أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في التنْزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه، وتسن زيارته، إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه، إذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه ﵊ الواردة عنه، فقد فاز بسعادة الدارين، وكفي همه وغمه، كما جاء في الحديث عنه.
стр. 225
ولا ننكر كرامات الأولياء، ونعترف لهم بالحق وأنهم على هدى من ربهم، مهما ساروا على الطريقة الشرعية، والقوانين المرعية؛ إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات، لا حال الحياة، ولا بعد الممات؛ بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته، بل ومن كل مسلم ; فقد جاء في الحديث: " دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه " ١ الحديث، وأمر ﷺ عمر، وعليا، بسؤال الاستغفار من "أويس"، ففعلا.
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء، والأطفال حسب ما ورد أيضا، ونسألها من المالك لها، والإذن فيها لمن يشاء من الموحدين، الذين هم أسعد الناس بها، كما ورد، بأن يقول أحدنا - متضرعا إلى الله تعالى: اللهم شفع نبينا محمدا ﷺ فينا يوم القيامة، أو: اللهم شفع فينا عبادك الصالحين، أو ملائكتك، أو نحو ذلك، مما يطلب من الله، لا منهم؛ فلا يقال: يا رسول الله، أو يا ولي الله، أسألك الشفاعة، أو غيرها، كأدركني، أو أغثني، أو اشفني، أو انصرني على عدوي، ونحو ذلك، مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ، كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة، ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب، والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر، قاتل عليه
стр. 226
رسول الله ﷺ .
فإن قلت: ما نقول في الحلف بغير الله والتوسل به؟
قلت: ننظر إلى حال المقسم، إن قصد به التعظيم كتعظيم الله أو أشد، كما يقع لبعض غلاة المشركين من أهل زماننا، إذا استحلف بشيخه، أي معبوده الذي يعتمد في جميع أموره عليه، لا يرضى أن يحلف إذا كان كاذبا أو شاكا، وإذا استحلف بالله فقط رضي، فهو كافر من أقبح المشركين، وأجهلهم إجماعا. وإن لم يقصد التعظيم، بل سبق لسانه إليه، فهذا ليس بشرك أكبر، فينهى عنه ويزجر، ويؤمر صاحبه بالاستغفار عن تلك الهفوة.
وأما التوسل، وهو أن يقول القائل: اللهم إني أتوسل إليك بجاه نبيك محمد ﷺ أو بحق نبيك، أو بجاه عبادك الصالحين، أو بحق عبدك فلان، فهذا من أقسام البدع المذمومة، ولم يرد بذلك نص، كرفع الصوت بالصلاة على النبي ﷺ عند الأذان.
وأما أهل البيت: فقد ورد سؤال على علماء الدرعية في مثل ذلك، وعن جواز نكاح الفاطمية غير الفاطمي، وكان الجواب عليه ما نصه: أهل البيت- رضوان الله عليهم- لا شك في طلب حبهم ومودتهم، لما ورد فيه من كتاب وسنة، فيجب حبهم ومودتهم، إلا أن الإسلام ساوى بين الخلق، فلا فضل لأحد إلا بالتقوى، ولهم مع ذلك التوقير والتكريم
стр. 227
والإجلال، ولسائر العلماء مثل ذلك، كالجلوس في صدور المجالس، والبداءة بهم في التكريم، والتقديم في الطريق إلى موضع التكريم، ونحو ذلك، إذا تقارب أحدهم مع غيره في السن والعلم.
وما اعتيد في بعض البلاد من تقديم صغيرهم وجاهلهم، على من هو أمثل منه، حتى إنه إذا لم يقبل يده كلما صافحه عاتبه، وصارمه، أو ضاربه، أو خاصمه، فهذا مما لم يرد به نص، ولا دل عليه دليل، بل منكر تجب إزالته ولو قبل يد أحدهم لقدوم من سفر، أو لمشيخة علم، أو في بعض أوقات، أو لطول غيبة، فلا بأس به، إلا أنه لما ألف في الجاهلية الأخرى أن التقبيل صار علما لمن يعتقد فيه، أو في أسلافه، أو عادة المتكبرين من غيرهم، نهينا عنه مطلقا، لا سيما لمن ذكر، حسما لذرائع الشرك ما أمكن.
وإنما هدمنا بيت السيدة خديجة، وقبة المولد، وبعض الزوايا المنسوبة لبعض الأولياء، حسما لتلك المادة، وتنفيرا عن الإشراك بالله ما أمكن، لعظم شأنه؛ فإنه لا يغفر، وهو أقبح من نسبة الولد لله تعالى، إذ الولد كمال في حق المخلوق، وأما الشرك فنقص حتى في حق المخلوق، لقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ الآية [سورة الروم آية: ٢٨] . وأما نكاح الفاطمية غير الفاطمي فجائز إجماعا، بل
стр. 228
ولا كراهة في ذلك ; وقد زوج علي عمر بن الخطاب، وكفى بهما قدوة، وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي، بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي، ولم يزل عمل السلف على ذلك من دون إنكار، إلا أنا لا نجبر أحدا على تزويج موليته، ما لم تطلب هي، وتمتنع من غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض ; فما اعتيد في بعض البلاد من المنع دليل التكبر، وطلب التعظيم ; وقد يحصل بسبب ذلك فساد كبير، كما ورد؛ بل يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد - وهو من الموالي - زينب أم المؤمنين، وهي قرشية، والمسألة معروفة عند أهل المذاهب، انتهى.
فإن قال قائل منفر عن قبول الحق والإذعان له: يلزم من تقريركم وقطعكم، في أن من قال: يا رسول الله، أسألك الشفاعة، أنه مشرك مهدر الدم، أن يقال بكفر غالب الأمة، ولا سيما المتأخرين، لتصريح علمائهم المعتبرين أن ذلك مندوب، وشنوا الغارة على من خالف في ذلك! قلت: لا يلزم، لأن لازم المذهب ليس بمذهب، كما هو مقرر، ومثل ذلك لا يلزم أن نكون مجسمة، وإن قلنا بجهة العلو، كما ورد الحديث بذلك.
ونحن نقول فيمن مات: تلك أمة قد خلت، ولا نكفر إلا من بلغته دعوتنا للحق، ووضحت له المحجة، وقامت عليه الحجة، وأصر مستكبرا معاندا، كغالب من نقاتلهم اليوم، يصرون على ذلك الإشراك، ويمتنعون من فعل
стр. 229
الواجبات، ويتظاهرون بأفعال الكبائر والمحرمات ; وغير الغالب إنما نقاتله لمناصرته من هذه حاله، ورضاه به، ولتكثير سواد من ذكر، والتأليب معه، فله حينئذ حكمه في قتاله، ونعتذر عمن مضى بأنهم مخطئون معذورون، لعدم عصمتهم من الخطأ، والإجماع في ذلك ممنوع قطعا، ومن شن الغارة فقط غلط، ولا بدع أن يغلط، فقد غلط من هو خير منه، كمثل عمر بن الخطاب ﵁ فلما نبهته المرأة رجع في مسألة المهر، وفي غير ذلك، يعرف ذلك في سيرته، بل غلط الصحابة وهم جمع، ونبينا ﷺ بين أظهرهم، سار فيهم نوره، فقالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
فإن قلت: هذا فيمن ذهل، فلما نبه انتبه، فما القول فيمن حرر الأدلة، واطلع على كلام الأئمة القدوة، واستمر مصرا على ذلك حتى مات؟ قلت: ولا مانع أن نعتذر لمن ذكر، ولا نقول: إنه كافر، ولا لما تقدم أنه مخطئ، وإن استمر على خطئه، لعدم من يناضل عن هذه المسألة في وقته، بلسانه وسيفه وسنانه، فلم تقم عليه الحجة، ولا وضحت له المحجة؛ بل الغالب على زمن المؤلفين المذكورين التواطؤ على هجر كلام أئمة السنة في ذلك رأسا، ومن اطلع عليه أعرض عنه، قبل أن يتمكن في قلبه، ولم يزل أكابرهم تنهى أصاغرهم عن مطلق النظر في ذلك، وصولة الملوك قاهرة لمن وقر في قلبه شيء من ذلك إلا من
стр. 230
شاء الله منهم.
هذا وقد رأى معاوية وأصحابه ﵃ منابذة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ وقتاله، ومناجزته الحرب، وهم في ذلك مخطئون بالإجماع، واستمروا في ذلك الخطأ، ولم يشتهر عن أحد من السلف تكفير أحد منهم إجماعا، بل ولا تفسيقه، بل أثبتوا لهم أجر الاجتهاد، وإن كانوا مخطئين، كما أن ذلك مشهور عند أهل السنة.
ونحن كذلك لا نقول بكفر من صحت ديانته، وشهر صلاحه، وعلم ورعه وزهده، وحسنت سيرته، وبلغ من نصحه الأمة، ببذل نفسه لتدريس العلوم النافعة، والتآليف فيها، وإن كان مخطئا في هذه المسألة أو غيرها، كابن حجر الهيتمي، فإنا نعرف كلامه في الدر المنظم، ولا ننكر سمة علمه، ولهذا نعتني بكتبه، كشرح الأربعين، والزواجر، وغيرها، ونعتمد على نقله إذا نقل لأنه من جملة علماء المسلمين.
هذا ما نحن عليه، مخاطبين من له عقل وعلم، وهو متصف بالإنصاف، خال عن الميل إلى التعصب والاعتساف، ينظر إلى ما يقال، لا إلى من قال، وأما من شأنه لزوم مألوفه وعادته، سواء كان حقا، أو غير حق، فقلد من قال الله فيهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾
стр. 231
[سورة الزخرف آية: ٢٣] ،
عادته وجبلته أن يعرف الحق بالرجال لا الرجال بالحق، فلا نخاطبه وأمثاله إلا بالسيف، حتى يستقيم أوده، ويصح معوجه. وجنود التوحيد - بحمد الله - منصورة وراياتهم بالسعد والإقبال منشورة، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢٧] ، و: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧٣] ، و ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم آية: ٤٧] ، و ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٨] .
هذا ومما نحن عليه أن البدعة - وهي ما حدثت بعد القرون الثلاثة - مذمومة مطلقا، خلافا لمن قال حسنة، وقبيحة، ولمن قسمها خمسة أقسام، إلا إن أمكن الجمع ; بأن يقال: الحسنة ما عليه السلف الصالح شاملة للواجبة، والمندوبة، والمباحة ; ويكون تسميتها بدعة مجازا، والقبيحة ما عدا ذلك شاملة للمحرمة، والمكروهة، فلا بأس بهذا الجمع.
فمن البدع المذمومة التي ننهى عنها: رفع الصوت في مواضع الأذان بغير الأذان، سواء كان آيات، أو صلاة على النبي ﷺ أو ذكرا غير ذلك بعد أذان، أو في ليلة الجمعة، أو رمضان، أو العيدين، فكل ذلك بدعة مذمومة. وقد أبطلنا ما كان مألوفا بمكة، من التذكير، والترحيم، ونحوه، واعترف علماء المذاهب أنه بدعة ; ومنها: قراءة
стр. 232
الحديث عن أبي هريرة بين يدي خطبة الجمعة، فقد صرح شارح الجامع الصغير بأنه بدعة. ومنها: الاجتماع في وقت مخصوص على من يقرأ سيرة المولد الشريف، اعتقادا أنه قربة مخصوصة مطلوبة، دون علم السير، فإن ذلك لم يرد.
ومنها: اتخاذ المسابح، فإنا ننهى عن التظاهر باتخاذها. ومنها: الاجتماع على رواتب المشايخ برفع الصوت، وقراءة الفواتح، والتوسل بهم في المهمات، كراتب السمان، وراتب الحداد، ونحوهما، بل قد يشتمل ما ذكر على شرك أكبر، فيقاتلون على ذلك، فإن سلموا من أرشدوا إلى أنه على هذه الصورة المألوفة غير سنة، بل بدعة، فذاك ; فإن أبوا، عزرهم الحاكم بما يراه رادعا. وأما أحزاب العلماء المنتخبة من الكتاب والسنة، فلا مانع من قراءتها، والمواظبة عليها، فإن الأذكار والصلاة على النبي ﷺ والاستغفار، وتلاوة القرآن، ونحو ذلك، مطلوب شرعا؛ والمعتني به مثاب مأجور، فكلما أكثر منه العبد كان أوفر ثوابا، لكن على الوجه المشروع، من دون تنطع، ولا تغيير، ولا تحريف، وقد قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٥] ، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٨٠] . ولله در النووي في جمعه كتاب الأذكار، فعلى الحريص على ذلك به، ففيه الكفاية للموفق. ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد، من قراءة مولد
стр. 233
النبي ﷺ بقصائد بألحان، وتخلط بالصلاة عليه، وبالأذكار والقراءة، ويكون بعد صلاة التراويح، ويعتقدونه على هذه الهيئة من القرب، بل تتوهم العامة أن ذلك من السنن المأثورة، فينهى عن ذلك ; وأما صلاة التراويح فسنة، لا بأس بالجماعة فيها والمواظبة عليها.
ومنها: ما اعتيد في بعض البلاد، من صلاة الخمسة الفروض، بعد آخر جمعة من رمضان، وهذه من البدع المنكرة إجماعا؛ فيزجرون عن ذلك أشد الزجر. ومنها رفع الصوت بالذكر عند حمل الميت، أو عند رش القبر بالماء، وغير ذلك مما لم يرد عن السلف. وقد ألف الشيخ الطرطوشي المغربي كتابا نفيسا سماه: " الحوادث والبدع "، واختصره أبو شامة المقدسي فعلى المعتني بدينه بتحصيله.
وإنما ننهى عن البدع المتخذة دينا وقربة ; وأما ما لا يتخذ دينا وقربة، كالقهوة، وإنشاء قصائد الغزل، ومدح الملوك، فلا ننهى عنه، ما لم يخلط بغيره إما ذكر أو اعتكاف في مسجد، ويعتقد أنه قربة، لأن حسان رد على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ وقال: قد أنشدته بين يدي من هو خير منك، فقبل عمر.
ويحل كل لعب مباح لأن النبي ﷺ أقر الحبشة على اللعب في يوم العيد، في مسجده ﷺ . ويحل الرجز والحداء في نحو العمارة، والتدريب على الحرب بأنواعه، وما يورث
стр. 234
الحماسة فيه، كطبل الحرب، دون آلات الملاهي، فإنها محرمة ; والفرق ظاهر ; ولا بأس بدف العرس، وقد قال ﷺ : " بعثت بالحنيفية السمحة " ١ وقال: " لتعلم يهود أن في ديننا فسحة " ٢.
هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة، وكتبهم عندنا من أعز الكتب، إلا أنا غير مقلدين لهم في كل مسألة، فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمدا ﷺ ؛ ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل، منها: طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس، فإنا نقول به تبعا للأئمة الأربعة، ونرى الوقف صحيحا، والنذر جائزا، ويجب الوفاء به في غير المعصية.
ومن البدع المنهي عنها قراءة الفواتح للمشايخ بعد الصلوات الخمس، والإطراء في مدحهم، والتوسل بهم على الوجه المعتاد في كثير من البلاد، وبعد مجامع العبادات، معتقدين أن ذلك من أكمل القرب، وهو ربما جر إلى الشرك من حيث لا يشعر الإنسان، فإن الإنسان يحصل منه الشرك من دون شعور به، لخفائه، ولولا ذلك لما استعاذ النبي ﷺ منه بقوله: " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم، إنك أنت علام الغيوب ". وينبغي المحافظة على هذه الكلمات، والتحرز عن الشرك ما أمكن،
فإن عمر بن الخطاب قال: " إنما تنقض عرى
стр. 235
الإسلام عروة عروة إذا دخل في الإسلام من لا يعرف الجاهلية "، أو كما قال ; وذلك لأنه يفعل الشرك ويعتقد أنه قربة، نعوذ بالله من الخذلان، وزوال الإيمان. هذا ما حضرني حال المراجعة مع المذكور، مدة تردده، وهو يطالبني كل حين بنقل ذلك وتحريره، فلما ألح علي نقلت له هذا من دون مراجعة كتاب، وأنا في غاية الاشتغال بما هو أهم من أمر الغزو، فمن أراد تحقيق ما نحن عليه، فليقدم علينا الدرعية، فسيرى ما يسر خاطره، ويقر ناظره، من الدروس في فنون العلم، خصوصا التفسير، والحديث، ويرى ما يبهره بحمد الله وعونه، من إقامة شعائر الدين، والرفق بالضعفاء والوفود والمساكين.
ولا ننكر الطريقة الصوفية، وتنْزيه الباطن من رذائل المعاصي المتعلقة بالقلب والجوارح، مهما استقام صاحبها على القانون الشرعي، والمنهج القويم المرعي، إلا أنا لا نتكلف له تأويلات في كلامه، ولا في أفعاله، ولا نعول، ونستعين، ونستنصر، ونتوكل في جميع أمورنا إلا على الله تعالى، فهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 236
(جواب الشيخ عبد الله آل الشيخ للصنعاني في بيان عقيدتهم)
وسئل أيضا عما يدينون به، ويعتقدونه، فقال رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله، والصلاة والسلام التام على سيدنا محمد سيد الأنام، وعلى آله وأصحابه البررة الكرام، إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني، وفقه الله وهداه، وجنبه الإشراك والبدعة وحماه، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
أما بعد فوصل الخط، وتضمن السؤال فيه عما نحن عليه من الدين، فنقول وبالله التوفيق: الذي ندين الله به عبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بعبادة غيره، ومتابعة الرسول النبي الأمي، حبيب الله، وصفيه من خلقه، محمد ﷺ . فأما عبادة الله، فقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] .
فمن أنواع العبادة الدعاء، وهو الطلب بياء النداء، لأنه ينادي به القريب والبعيد، وقد يستعمل في الاستغاثة، أو بأحد أخواتها من حروف النداء، فإن العبادة اسم جنس، فأمر تعالى عباده أن يدعوه ولا يدعوا معه غيره، فقال
стр. 237
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] . وقال في النهي: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وأحدا: كلمة تصدق على كل ما دعي مع الله تعالى. وقد روى الترمذي عن أنس: أن النبي ﷺ قال: " الدعاء مخ العبادة " ١، وعن النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ : " الدعاء هو العبادة ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ،" رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي.
قال العلقمي في شرح الجامع الصغير حديث: " الدعاء مخ العبادة " ٢ قال شيخنا: قال في النهاية: مخ الشيء خالصه، وإنما كان مخها لأمرين:
أحدهما: أنه امتثال لأمر الله تعالى حيث قال: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر آية: ٦٠] ، فهو مخ العبادة، وهو خالصها.
الثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله، قطع أمله عما سواه، ودعاه لحاجته وحده، ولأن الغرض من العبادة هو الثواب عليها، وهو المطلوب بالدعاء، وقوله: الدعاء هو العبادة، قال شيخنا: قال الطيبي: أتى بالخبر المعرف باللام، ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء، انتهى كلام العلقمي.
إذا تقرر هذا، فنحن نعلم بالضرورة أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات: لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، بل نعلم أنه نهى عن هذه الأمور
стр. 238
كلها، وأن ذلك من الشرك الأكبر، الذي حرمه الله ورسوله، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ٥-٦] ، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢١٣] ، وقال: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ﴾ الآيات [سورة يونس آية: ١٠٦] .
وهذا من معنى لا إله إلا الله، فإن " لا " هذه النافية للجنس، فنفى جميع الآلهة. "وإلا" حرف استثناء، يفيد حصر جميع العبادة على الله . و" الإله " اسم صفة لكل معبود بحق أو باطل، ثم غلب على المعبود بحق، وهو الله تعالى؛ وهو الذي يخلق ويرزق، ويدبر الأمور، وهو الذي يستحق الإلهية وحده. والتأله: التعبد، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٣] ؛ ثم ذكر الدليل، فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٤] إلى قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٦٥] .
وأما متابعة الرسول ﷺ فواجب على أمته: متابعته في الاعتقادات، والأقوال، والأفعال ; قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ٣١] .
стр. 239
وقال ﷺ :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ١ رواه البخاري، ومسلم، وفي رواية لمسلم: " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٢. فتوزن الأقوال والأفعال بأقواله وأفعاله، فما وافق منها قبل، وما خالف رد على فاعله كائنا من كان؛ فإن شهادة أن محمدا رسول الله تتضمن تصديقه فيما أخبر به، وطاعته ومتابعته في كل ما أمر به.
وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: " كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى، قيل: ومن يأبى، قال: من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى " ٣. فتأمل رحمك الله ما كان عليه رسول الله ﷺ وأصحابه بعده، والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين، وما عليه الأئمة المقتدى بهم، من أهل الحديث، والفقهاء، كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل، ﵃ أجمعين، لكي تتبع آثارهم.
وأما مذهبنا: فمذهب الإمام أحمد بن حنبل، إمام أهل السنة، ولا ننكر على أهل المذاهب الأربعة إذا لم يخالف نص الكتاب والسنة، ولا إجماع الأمة، ولا قول جمهورها. والمقصود بيان ما نحن عليه من الدين، وأنه عبادة الله وحده لا شريك له فيها، بخلع جميع الشرك، ومتابعة الرسول فيها، نخلع جميع البدع، إلا بدعة لها أصل في الشرع، كجمع المصحف في كتاب واحد، وجمع عمر ﵁ الصحابة
стр. 240
على التراويح جماعة، وجمع ابن مسعود أصحابه على القصص كل خميس، ونحو ذلك، فهذا حسن والله أعلم.
(هل الرسول أمر معاوية ويزيد أن يحاربا علي بن أبي طالب)
وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن محمد، ﵀: هل رسول الله ﷺ أمر معاوية، ويزيد، وبني أمية، وبني العباس أن يحاربوا علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين ﵈، ويقتلوهم، ويحبسوهم، ويلوا عليهم الخلافة وينقلوهم؟ ! وهل ذلك منهم طاعة لله ورسوله أو معصية؟! وهل ذلك يرضي الله أم يغضبه، ورسوله قال يوم غدير خم: " اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه " ١ الحديث، وقال: " أنا مدينة العلم، وعلي بابها "٢ و " علي مني بمنْزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي " ٣، وقال: " أهل بيتي كسفينة نوح "؟ ! فأجاب: هذا سؤال متعنت، لا مسترشد، وجوابنا في ذلك أن نقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٤] . وفصل القضاء في ذلك إلى الله ﵎، ليس إلى أحد من خلقه، ونحن نعتقد أن علي بن أبي طالب ﵁ أولى بالخلافة من معاوية، فضلا عن بني أمية، وبني العباس. والحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، صح عن جدهما صلوات الله وسلامه عليه: " أنهما سيدا شباب أهل الجنة " ٤، وهم أولى من يزيد بالخلافة، وبني أمية، وبني العباس الذين تولوا الخلافة.
стр. 241
وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال في الحسن بن علي ﵄، وهو إذ ذاك صغير: " إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين " ١، فمدحه على فعله بالإصلاح بين المسلمين، وترك الخلافة لمعاوية. ومن العجب أن الرافضة، والزيدية، يزعمون عصمته من الخطأ والزلل، وهو الذي تركها بنفسه بلا إكراه ومعه وجوه الناس وشجعانهم أكثر من ثلاثين ألفا قد بايعوه على الموت، فترك الخلافة لمعاوية مع ذلك، حقنا لدماء المسلمين، ورغبة فيما أعد الله للمؤمنين، وزهدا في الدنيا الفانية، فأخبرونا: هل هو ﵁ مصيب في ذلك، أم مخطئ؟ فإن قلتم: هو مخطئ، بطل قولكم بالعصمة، واستدلالكم بالآية الشريفة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ٢ الآية على العصمة، لأن الحسن من أهل الكساء، بالإجماع.
وإن قلتم: هو مصيب، فقد أصبتم، وكذلك نحن نقول: هو مصيب فيما فعله، وفعله أحب إلى الله ورسوله، من القتال على الملك، كما قال ﵁ لبعض الشيعة، لما قالوا له: السلام عليك يا مذل المؤمنين،
стр. 242
"قال: لست بمذل المؤمنين، ولكن كرهت أن أفتنكم على الملك " وفي رواية أنه قال: " اخترت العار على النار " كما ذكر ذلك أهل التواريخ، وهو أيضا مبطل قولكم في كفر معاويه، وسبه، ولعنه، فثبت بما ذكرنا بطلان قول الشيعة، ولله الحمد والمنة.
وأما حديث: "غدير خم" فهو حديث صحيح، وليس فيه تصريح بأن عليا خليفة بعد الرسول ﷺ ، ولا فهم ذلك علي، ولا أهل بيته من الحديث، لأنه ثبت عنه ﵁ بالأسانيد الصحيحة، عن جماعة من أصحابه وأهل بيته، أنه قال للناس في خلافته، وهو على المنبر: (ألا أخبركم بخير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر: عمر) ، وثبت عنه أيضا: " لو كان عندي عهد من رسول الله ﷺ ما تركت أخا بني تيم، وأخا بني عدي ; ولقاتلتهما بسيفين "، أو كما قال ﵁.
وأما قوله: " أنا مدينة العلم، وعلي بابها " ١ فلا نعرف ذلك في دواوين العلم المعتمدة، بل هو عند أهل العلم بالحديث مكذوب على رسول الله ﷺ . وأما قوله: " علي مني بمنْزلة هارون من موسى " ٢ فهو حديث صحيح، أخرجه مسلم وغيره، وليس فيه تصريح بأنه خليفة بعد موته، ولا فهمه أمير المؤمنين من الحديث، كما فهمه جهال الرافضة والزيدية ; وأما قوله: " أهل بيتي مثل سفينة نوح " فهذا أيضا حديث مكذوب على رسول الله ﷺ ولا يعرف له أهل الحديث إسنادا
стр. 243
صحيحا فيما بلغنا عنهم، والله أعلم.
(المؤمنون الذين أمر الله باتباع سبيلهم)
وسئل أيضا عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١١٥] : من هم المؤمنون الذين أمر الله باتباع سبيلهم؟ فإن قلتم: هم أصحاب رسول الله ﷺ ومن سار سيرتهم، فنسألكم: هل كان علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين، والصادق، والباقر، والنفس الزكية، وحسن بن الحسن، وأمثالهم من ذرية علي وفاطمة ﵃ هم من المؤمنين الذين أنكر الله على من خالف سبيلهم؟ أم لا؟
فأجاب: علي بن أبي طالب، والحسن، والحسين ﵃، من ساداتهم، وكذلك طلحة، والزبير ﵄، ومن معهما من أهل بدر، وكذلك معاوية بن أبي سفيان، ومن معه من أهل الشام، من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله عنهم أجمعين، فنتولى الجميع، ونكف عما شجر بينهم، وندعو لهم بالمغفرة، كما أمرنا الله بذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالأِيمَانِ﴾ [سورة الحشر آية: ١٠] ونقول كما قال بعض العلماء:
إن كان نصبا حب صحب محمد ... فليشهد الثقلان أني ناصبي
ونقول لمن أمر بمعاداة أهل البيت وبغضهم والتبري منهم، ما قاله بعض العلماء:
стр. 244
إن كان رفضا حب آل محمد ... فليشهد الثقلان أني رافضي
وأما قولكم: إنا ننكر علم أهل البيت، وأقوالهم، ومذاهبهم، ومذهب الزيدي، زيد بن علي بن الحسن، بن علي بن أبي طالب ﵃، على علم جده ﵁ فهذا كذب وبهتان علينا؛ بل زيد بن علي عندنا، من علماء هذه الأمة، فما وافق من أقواله الكتاب والسنة قبلناه، وما خالف ذلك رددناه، كما نفعل ذلك مع أقوال غيره من الأئمة، هذا إذا صح النقل عنه بذلك. وأكثر ما ينسب إليه، ويروى عنه، كذب وباطل عليه، كما يكذب أعداء الله الرافضة على علي ﵁ وأهل بيته، ويروون عنهم أقوالا وأحاديث مخالفة للشريعة، وسنة رسول الله ﷺ ، ومخالفة ما ثبت عن العلماء من أقوالهم الصحيحة، الثابتة عنهم بنقل الثقات.
(قول الشيخ عبد الله آل الشيخ عن مذهب الزيدي)
وسئل أيضا عن مذهب الزيدي،
فأجاب: مذهب الزيدي الصحيح منه، ما وافق الكتاب والسنة، وما خالفه فهو باطل، لا مذهب الزيدي، ولا غيره من المذاهب.
(معنى قول النبي ﵊ يؤتى بالموت على صورة كبش)
وسئل أيضا الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، عن قوله ﷺ : " إذا استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، يؤتى بالموت على صورة كبش، فيذبح بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة خلود في النعيم بلا انقضاء، ويا أهل النار خلود في الجحيم بلا انتهاء " ١. ومعلوم أن الموت عدم الروح التي بها حركة الجسد، وهذا شيء معنوي، فإن
стр. 245
الذبح لا يحصل إلا في الأعيان الجسمانية ذات الأرواح، فإذا كان يؤتى به على صورة كبش، كما ذكره الشارع، كيف كان صورته من قبل؟ وهل تحدث له روح عند ذلك؟
فأجاب: الذي ينبغي للمؤمن تصديق الرسول ﷺ في كل ما أخبر به من الأمور الغائبة، وإن لم يعلم كيفية ذلك، كما مدح سبحانه المؤمنين بذلك، بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ َالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولَئِكَ عَلَى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٣-٥] .
وقد مدح الله سبحانه أهل العلم بأنهم يقولون في المتشابه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] ، وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: " ما علمتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فكلوه إلى عالمه " ١ إذا علمت ذلك فاعلم أن شراح الحديث ذكروا فيه أقوالا الله أعلم بصحتها; قال في فتح الباري لابن حجر العسقلاني: قوله ﷺ :" إذا صار أهل الجنة إلى الجنة وأهل النار إلى النار جيء بالموت " ٢، وفي رواية: " يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح " ٣.
وذكر مقاتل، والكلبي في تفسيرهما، في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [سورة الملك آية: ٢] . قال: خلق الموت في صورة كبش، لا يمر على أحد إلا مات، وخلق الحياة في صورة فرس، لا تمر على أحد إلا حيي ;
стр. 246
قال القرطبي: الحكمة في الإتيان بالموت هكذا، الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدي ولد إبراهيم بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة، والنار، لأن الأملح ما فيه بياض وسواد.
ثم قال ابن حجر: قال القاضي أبو بكر ابن العربي: استشكل هذا الحديث، فأنكرت صحته طائفة، ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا: هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه، لأنه الذي تولى قبض أرواحهم.
قلت: وارتضى هذا بعض المتأخرين، وحمل قوله: هو الموت الذي وكل بنا، على أن المراد به ملك الموت، لأنه هو الذي وكل بهم في الدنيا، واستشهد له من حيث المعنى: بأن ملك الموت لو استمر حيا لنغص عيش أهل الجنة، وأيده بقوله في حديث الباب: " فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم " ١ انتهى، قلت: ويكفي المؤمن اللبيب الإيمان بالله ورسوله فيما لا يتبين له حقيقة معناه، وظاهر الحديث بين لا إشكال فيه، عند من نور الله قلبه بالإيمان، وشرح صدره بالإسلام.
стр. 247
(معنى حديث: (ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا)
وسئل أيضا رحمه الله تعالى عن قوله ﷺ " ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا " ١، والإجماع منعقد على أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر، وإذا قيل إنهم معصومون، فما بال أولاد يعقوب، ومعلوم بالضرورة أنهم أنبياء، وحال آدم حين قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه آية: ١٢١] ، وكذلك داود مع قوله ﵇: " كلنا خطاؤون ".
فذكر الجواب من وجوه.
الوجه الأول: أن لفظ الحديث المروي في ذلك: " ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا وقد أذنب إلا يحيى بن زكريا " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ١٤] ، قال: كان ابن المسيب يذكر أن النبي ﷺ قال:.. فذكره، وهذا مرسل، لكن أصح المراسيل عند أهل الحديث مرسل سعيد بن المسيب ; لكن أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ : " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى " ٢.
الوجه الثاني: أن الذي عليه المحققون من العلماء، من الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية:
стр. 248
أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، لكنهم لا يقرون عليها، بل يتوبون منها، ويحصل لهم بالتوبة منها أعظم مما كان قبل ذلك ; وجميع أهل السنة والجماعة متفقون على أنهم معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين.
قال: شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، رحمه الله تعالى، في كتاب منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية: واتفق المسلمون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فكل ما يبلغون عن الله من الأمر والنهي، فهم مطاعون فيه باتفاق المسلمين، وما أمروا به ونهوا عنه، فهم مطاعون فيه، عند جميع فرق الأمة إلا عند طائفة من الخوارج: أن النبي معصوم فيما يبلغه عن الله، لا فيما يأمر به وينهى عنه؛ وهؤلاء ضلال باتفاق أهل السنة والجماعة. وأكثر الناس، أو كثير منهم لا يجوزون عليهم الكبائر ; والجمهور يجوزون الصغائر، يقولون: إنهم لا يقرون عليها، بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنْزلة، أعظم مما كان قبل ذلك، انتهى كلامه.
فتبين بما ذكرنا وهم السائل، وخطؤه في نقل الإجماع على أنهم معصومون من الكبائر والصغائر، ولعله قد غره كلام بعض المتأخرين الذين يقولون بذلك، أو يقلدون من يقوله من أئمة الكلام، الذين لا يحققون مذهب
стр. 249
أهل السنة والجماعة، ولا يميزون بين الأقوال الصحيحة والضعيفة، والباطلة، كيف والقرآن محشو من الدلائل، على وقوع الذنوب منهم؟ ! كقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه آية: ١٢١] ، وقوله عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [سورة القصص آية: ١٦] ، وقول يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] ، وقول نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة هود آية: ٤٧] ، وقوله عن آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٢٣] ، وقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٢] ، وقوله عن داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ الآية [سورة ص آية: ٢٤] ، وقول موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥١] ، وقوله عن نبيه ﷺ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [سورة محمد آية: ١٩] ، وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية [سورة الفتح آية: ٢] .
وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ كان يدعو، يقول: " رب اغفر لي ذنبي كله، دقه، وجله، وأوله، وآخره، وسره، وعلانيته " ١، وقوله: " اللهم اغفر لي جهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي ". وأشباه ذلك كثير، والله أعلم.
стр. 250
(سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان)
وسئل أيضا عبد الله بن الشيخ محمد عن حديث جبريل وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان.
فأجاب: فسر النبي ﷺ الإسلام بالأعمال الظاهرة ; وهي: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.
وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهي أعمال القلب، فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره، فهذه ستة أصول الإيمان، نسأل الله أن يرزقنا فهمها، والعمل بمقتضاها.
وفسر الإحسان بقوله: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ١ ففسره بأن تعبد الله كأنك تشاهده، فإن لم تكن تشاهده فهو يراك، لا يخفى عليه منك شيء، حتى ما توسوس به نفسك ; والإحسان: أعلى المراتب العالية، وبعده في المرتبة والفضيلة: الإيمان بالله، وبعده في المرتبة والفضيلة: الإسلام، وكل واحد منهما يتضمن الآخر، مع الإطلاق، وإذا قرن بينهما في آية أو حديث، فسره أهل العلم بما ذكرنا.