قال القرطبي: الحكمة في الإتيان بالموت هكذا، الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدي ولد إبراهيم بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة، والنار، لأن الأملح ما فيه بياض وسواد.
ثم قال ابن حجر: قال القاضي أبو بكر ابن العربي: استشكل هذا الحديث، فأنكرت صحته طائفة، ودفعته، وتأولته طائفة، فقالوا: هذا تمثيل، ولا ذبح هناك حقيقة، وقالت طائفة: بل الذبح على حقيقته، والمذبوح متولي الموت، وكلهم يعرفه، لأنه الذي تولى قبض أرواحهم.
قلت: وارتضى هذا بعض المتأخرين، وحمل قوله: هو الموت الذي وكل بنا، على أن المراد به ملك الموت، لأنه هو الذي وكل بهم في الدنيا، واستشهد له من حيث المعنى: بأن ملك الموت لو استمر حيا لنغص عيش أهل الجنة، وأيده بقوله في حديث الباب: " فيزداد أهل الجنة فرحا إلى فرحهم، ويزداد أهل النار حزنا إلى حزنهم " ١ انتهى، قلت: ويكفي المؤمن اللبيب الإيمان بالله ورسوله فيما لا يتبين له حقيقة معناه، وظاهر الحديث بين لا إشكال فيه، عند من نور الله قلبه بالإيمان، وشرح صدره بالإسلام.
стр. 247
(معنى حديث: (ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا)
وسئل أيضا رحمه الله تعالى عن قوله ﷺ " ما منا إلا من عصى أو هم بمعصية إلا يحيى بن زكريا " ١، والإجماع منعقد على أن الأنبياء معصومون من الكبائر والصغائر، وإذا قيل إنهم معصومون، فما بال أولاد يعقوب، ومعلوم بالضرورة أنهم أنبياء، وحال آدم حين قال الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه آية: ١٢١] ، وكذلك داود مع قوله ﵇: " كلنا خطاؤون ".
فذكر الجواب من وجوه.
الوجه الأول: أن لفظ الحديث المروي في ذلك: " ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا وقد أذنب إلا يحيى بن زكريا " أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، أنبأنا معمر عن قتادة في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ١٤] ، قال: كان ابن المسيب يذكر أن النبي ﷺ قال:.. فذكره، وهذا مرسل، لكن أصح المراسيل عند أهل الحديث مرسل سعيد بن المسيب ; لكن أخرج أحمد في مسنده، عن ابن عباس مرفوعا إلى النبي ﷺ : " ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة، ليس يحيى بن زكريا، وما ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى " ٢.
الوجه الثاني: أن الذي عليه المحققون من العلماء، من الحنابلة، والشافعية، والمالكية، والحنفية:
стр. 248
أن الأنبياء معصومون من الكبائر، وأما الصغائر فقد تقع منهم، لكنهم لا يقرون عليها، بل يتوبون منها، ويحصل لهم بالتوبة منها أعظم مما كان قبل ذلك ; وجميع أهل السنة والجماعة متفقون على أنهم معصومون في تبليغ الرسالة، ولا يجوز أن يستقر في شيء من الشريعة خطأ باتفاق المسلمين.
قال: شيخ الإسلام، تقي الدين أبو العباس، رحمه الله تعالى، في كتاب منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية: واتفق المسلمون على أن الأنبياء معصومون في تبليغ الرسالة، فكل ما يبلغون عن الله من الأمر والنهي، فهم مطاعون فيه باتفاق المسلمين، وما أمروا به ونهوا عنه، فهم مطاعون فيه، عند جميع فرق الأمة إلا عند طائفة من الخوارج: أن النبي معصوم فيما يبلغه عن الله، لا فيما يأمر به وينهى عنه؛ وهؤلاء ضلال باتفاق أهل السنة والجماعة. وأكثر الناس، أو كثير منهم لا يجوزون عليهم الكبائر ; والجمهور يجوزون الصغائر، يقولون: إنهم لا يقرون عليها، بل يحصل لهم بالتوبة منها من المنْزلة، أعظم مما كان قبل ذلك، انتهى كلامه.
فتبين بما ذكرنا وهم السائل، وخطؤه في نقل الإجماع على أنهم معصومون من الكبائر والصغائر، ولعله قد غره كلام بعض المتأخرين الذين يقولون بذلك، أو يقلدون من يقوله من أئمة الكلام، الذين لا يحققون مذهب
стр. 249
أهل السنة والجماعة، ولا يميزون بين الأقوال الصحيحة والضعيفة، والباطلة، كيف والقرآن محشو من الدلائل، على وقوع الذنوب منهم؟ ! كقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [سورة طه آية: ١٢١] ، وقوله عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [سورة القصص آية: ١٦] ، وقول يونس ﵇: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٨٧] ، وقول نوح ﵇: ﴿وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة هود آية: ٤٧] ، وقوله عن آدم ﵇: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٢٣] ، وقول إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨٢] ، وقوله عن داود ﵇: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ الآية [سورة ص آية: ٢٤] ، وقول موسى ﵇: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥١] ، وقوله عن نبيه ﷺ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [سورة محمد آية: ١٩] ، وقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية [سورة الفتح آية: ٢] .
وكذلك ما ثبت في الأحاديث الصحيحة أن رسول الله ﷺ كان يدعو، يقول: " رب اغفر لي ذنبي كله، دقه، وجله، وأوله، وآخره، وسره، وعلانيته " ١، وقوله: " اللهم اغفر لي جهلي وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي ". وأشباه ذلك كثير، والله أعلم.
стр. 250
(سؤال جبريل النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان)
وسئل أيضا عبد الله بن الشيخ محمد عن حديث جبريل وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام والإيمان والإحسان.
فأجاب: فسر النبي ﷺ الإسلام بالأعمال الظاهرة ; وهي: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا.
وفسر الإيمان بالأعمال الباطنة، وهي أعمال القلب، فقال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر، خيره وشره، فهذه ستة أصول الإيمان، نسأل الله أن يرزقنا فهمها، والعمل بمقتضاها.
وفسر الإحسان بقوله: " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ١ ففسره بأن تعبد الله كأنك تشاهده، فإن لم تكن تشاهده فهو يراك، لا يخفى عليه منك شيء، حتى ما توسوس به نفسك ; والإحسان: أعلى المراتب العالية، وبعده في المرتبة والفضيلة: الإيمان بالله، وبعده في المرتبة والفضيلة: الإسلام، وكل واحد منهما يتضمن الآخر، مع الإطلاق، وإذا قرن بينهما في آية أو حديث، فسره أهل العلم بما ذكرنا.
стр. 251
(حكم فعل الفقراء)
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى عن فعل الفقراء ١؟
فأجاب: هو بدعة، لأنه عمل لم يأمر به رسول الله ﷺ ولم يفعله الصحابة، ولا التابعون، بل قد ورد النهي عن ذلك في أحاديث كثيرة ; فمن ذلك: ما في الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " ٢، وفي لفظ " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " ٣، وفي حديث العرباض بن سارية أنه ﷺ قال: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة ". فعمل الفقراء محدث، في أمر النبي ﷺ ليس عليه أمره، فهو بدعة ضلالة.
وأيضا، فهو قول أهل العلم، أعني النهي عن جميع المحدثات في الدين.
стр. 252
(رسالة الأمير عبد العزيز بن سعود إلى بلدان العجم والروم)
وقال الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود، رحمهما الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل بلدان العجم والروم، أما بعد: فإنا نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وهو للحمد أهل، ونسأله أن يصلي ويسلم على حبيبه من خلقه، وخليله من عبيده، وخيرته من بريته، محمد عليه من الله أفضل الصلاة وأزكى التحيات، وعلى إخوانه من المرسلين، وعلى آله وأصحابه، صلاة وسلاما دائمين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
ثم نخبركم أن محمدا خلفا النواب، ألفى علينا مع الحاج، وأقام عندنا مدة طويلة، وأشرف على ما نحن عليه من الدين، وما ندعو إليه الناس، وما نقاتلهم عليه، وما نأمرهم به، وما ننهاهم عنه، وحقائق ما عندنا يخبركم به أخونا محمد من الرأس ; ونحن نذكر لكم ذلك، على سبيل الإجمال.
أما الذي نحن عليه، وهو الذي ندعو إليه من خالفنا: أنا نعتقد أن العبادة حق لله على عبيده، وليس لأحد من عبيده
стр. 253
في ذلك شيء، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل ; فلا يجوز لأحد: أن يدعو غير الله، لجلب نفع، أو دفع ضر، وإن كان نبيا أو رسولا، أو ملكا، أو وليا، وذلك أن الله ﵎، يقول في كتابه العزيز: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال على لسان نبيه ﷺ ﴿قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢١-٢٢] ، وقال عز من قائل: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة الاحقاف آية: ٥-٦] ، وقال عز من قائل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] ، وقال جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] . وقال: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١١٧] .
ولا يجوز لأحد يتوكل على غير الله، ولا يستعيذ بغير الله، ولا ينذر لغير الله، تقربا إليه بذلك، ولا يذبح لغير الله، كما قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [سورة الكوثر آية: ٢] .
стр. 254
وقال: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة آية: ١٦٢-١٦٣] ، وقال : ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٢٢] .
فإن قال قائل: أتوسل بالصالحين، وأدعوهم، أريد شفاعتهم عند الله؛ وقد يحتج على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ [سورة المائدة آية: ٣٥] ؛ قيل له: الوسيلة المأمور بها هي الأعمال الصالحة، وبذلك فسرها جميع المفسرين من الصحابة فمن بعدهم ; أو يتوسل إلى الله بعمله الصالح، كما قال إخبارا عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦] ، وقال عنهم في آخر السورة: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأَبْرَارِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩٣] ، وكما في حديث الثلاثة، الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، ففرج الله عنهم.
وأما دعوة غير الله، والالتجاء إليهم، والاستغاثة بهم، لكشف الشدائد، أو جلب الفوائد، فهو الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، وهو الذي أرسل الله رسله وأنزل كتبه بالنهي عنه، وإن كان الداعي غير الله إنما يريد شفاعتهم عند الله، وذلك لأن الكفار، مشركي العرب،
стр. 255
وغيرهم، إنما أرادوا ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال في الآية الأخرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ولم يقولوا: إنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت؛ وإنما كانوا يعبدون آلهتهم، ويعبدون تماثيلهم، ليقربوهم إلى الله، ويشفعوا لهم عنده ; فبعث الله رسله، وأنزل كتبه ينهى أن يدعى أحد غيره ولا من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة.
وهذا هو دين جميع الرسل، لم يختلفوا فيه كما اختلفت شرائعهم في غيره، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] ، وهو معنى لا إله إلا الله؛ فإن الإله هو المعبود بحق أو باطل، فمن عبد الله وحده لا شريك له، وأخلص الدعوة كلها لله، وأخلص التوكل على الله، وأخلص الذبح لله، وأخلص النذر لله، فقد وحد الله بالعبادة، وجعل الله إلهه دون ما سواه.
ومن أشرك مع الله إلها غيره في الدعوة، أو في
стр. 256
الاستغاثة، أو في التوكل، أو في الذبح، أو في النذر، فقد اتخذ مع الله إلها آخر، وعبد معه غيره، وهو أعظم الذنوب إثما عند الله، كما ثبت في الصحيحين عن عبد الله بن مسعود ﵁ قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ندا وهو خلقك " ١ الحديث. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . وقال: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] . وهذا هو سبب عداوة الناس لنا، وبغضهم إيانا، لما أخلصنا العبادة لله وحده، ونهينا عن دعوة غير الله، ولوازمها من البدع المضلة، والمنكرات اللغوية، فلأجل ذلك رمونا بالعظائم، وحاربونا، ونقلونا عند السلاطين والحكام، وأجلبوا علينا بخيل الشيطان ورجله، فنصرنا الله عليهم، وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، وذلك سنة الله وعادته مع المرسلين، وأتباعهم إلى يوم القيامة. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾ [سورة غافر آية: ٥١] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٧٣] ، وقال عن موسى صلاة الله وسلامه عليه أنه قال لقومه: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٢٨] ، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس آية: ١٠٣] ، وقال
стр. 257
تعالى: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم آية: ٤٧] .
ونأمر جميع رعايانا: باتباع كتاب الله، وسنة رسوله، وإقام الصلاة في أوقاتها، والمحافظة عليها، وإيتاء الزكاة، وصوم شهر رمضان، وحج البيت، من استطاع إليه سبيلا، ونأمر بجميع ما أمر الله به ورسوله من العدل، وإنصاف الضعيف من القوي، ووفاء المكاييل والموازين، وإقامة حدود الله على الشريف والوضيع.
وننهى عن جميع ما نهى عنه الله ورسوله، من البدع والمنكرات، مثل الزنى، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وظلم الناس بعضهم بعضا، ونقاتل لقبول فرائض الله التي أجمعت عليها الأمة، فمن فعل ما فرض الله عليه فهو أخونا المسلم، وإن لم يعرفنا ونعرفه.
ونحن نعلم أنه يأتيكم أعداء لنا، يكذبون علينا عندكم، ويرموننا عندكم بالعظائم، حتى يقولوا: إنهم يسبون النبي ﷺ ، ويكفرون الناس بالعموم، وإنا نقول: إن الناس من نحو ستمائة سنة ليسوا على شيء، وإنهم كفار، وإن من لم يهاجر إلينا فهو كافر، وأضعاف أضعاف ذلك من الزور، الذي يعلم العاقل أنه من الظلم، والعدوان، والبهتان.
ولكن لنا في رسول الله أسوة، فإن أعداءه قالوا: إنه يشتم عيسى وأمه، وسموه بالصابئي، والساحر، والمجنون.
стр. 258
ونحن لا نكفر إلا من عرف التوحيد وسبه، وسماه دين الخوارج، وعرف الشرك وأحبه، وأهله، ودعى إليه، وحض الناس عليه بعدما قامت عليه الحجة، وإن لم يفعل الشرك، أو فعل الشرك، وسماه التوسل بالصالحين، بعدما عرف أن الله حرمه، أو كره بعض ما أنزل الله، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٩] ، أو استهزأ بالدين، أو القرآن، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٥-٦٦] ، قال العلماء في هذه الآية: الاستهزاء بالله كفر مستقل بالإجماع، والاستهزاء بالرسول كفر مستقل بالإجماع.
وهذه الأنواع التي ذكرنا أننا نكفر من فعلها قد أجمع العلماء كلهم من جميع أهل المذاهب على كفر من فعلها، وهذه كتب أهل العلم، من أهل المذاهب الأربعة، وغيرهم، موجودة ولله الحمد والمنة، وصلى الله على نبينا محمد، وصحبه وسلم.
стр. 259
(رسالة الأمير عبد العزيز بن سعود إلى أهل المخلاف السليماني يعرفهم بدين الإسلام)
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن سعود إلى من يراه من أهل المخلاف السليماني، وفقنا الله وإياهم إلى سبيل الحق والهداية، وجنبنا وإياهم طريق الشرك والغواية، وأرشدنا وإياهم إلى اقتفاء آثار أهل العناية.
أما بعد: فالموجب لهذه الرسالة أن الشريف أحمد قدم علينا فرأى ما نحن عليه، وتحقق صحة ذلك لديه، فبعد ذلك التمس منا أن نكتب ما يزول به الاشتباه، لتعرفوا دين الإسلام، الذي لا يقبل الله من أحد دينا سواه.
فاعلموا رحمكم الله تعالى: أن الله أرسل محمدا ﷺ على فترة من الرسل، فهدى الله به إلى الدين الكامل، والشرع التام، وأعظم ذلك، وأكبره، وزبدته إخلاص العبادة لله لا شريك له، والنهي عن الشرك، وذلك هو الذي خلق الله الخلق لأجله، ودل الكتاب على فضله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
стр. 260
رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] .
وإخلاص الدين هو: صرف جميع أنواع العبادة لله تعالى وحده لا شريك له ; وذلك بأن لا يدعى إلا الله، ولا يستغاث إلا بالله، ولا يذبح إلا لله، ولا يخشى ولا يرجى سواه، ولا يرهب ولا يرغب إلا فيما لديه، ولا يتوكل في جميع الأمور إلا عليه، وأن كل ما هنالك لله تعالى، لا يصلح منه شيء لملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا غيرهما؛ وهذا هو بعينه توحيد الألوهية الذي أسس الإسلام عليه، وانفرد به المسلم عن الكافر ; وهو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. فلما من الله علينا بمعرفة ذلك، وعرفنا أنه دين الرسل، اتبعناه ودعونا الناس إليه، وإلا فنحن قبل ذلك على ما عليه غالب الناس، من الشرك بالله، من عبادة أهل القبور، والاستغاثة بهم، والتقرب إلى الله بالذبح لهم، وطلب الحاجات منهم، مع ما ينضم إلى ذلك من فعل الفواحش والمنكرات، وارتكاب الأمور المحرمات، وترك الصلوات، وترك شعائر الإسلام، حتى أظهر الله تعالى الحق بعد خفائه، وأحيا أثره بعد عفائه، على يد شيخ الإسلام، فهدى الله تعالى به من شاء من الأنام. وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له في آخرته المآب، فأبرز لنا ما هو الحق والصواب، من كتاب الله المجيد، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ
стр. 261
تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٢] .
فبين لنا أن الذي نحن عليه، وهو دين غالب الناس، من الاعتقادات في الصالحين وغيرهم، ودعوتهم، والتقرب بالذبح لهم، والنذر لهم، والاستغاثة بهم في الشدائد، وطلب الحاجات منهم أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه، وتهدد بالوعيد الشديد عليه، وأخبر في كتابه أنه لا يغفره إلا بالتوبة منه.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، وقال تعالى: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر آية: ١٤] . والآيات في أن دعوة غير الله تعالى الشرك الأكبر كثيرة واضحة شهيرة.
فحين كشف لنا الأمر، وعرفنا ما نحن عليه من الشرك والكفر، بالنصوص القاطعة، والأدلة الساطعة، من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وكلام الأئمة الأعلام الذين أجمعت الأمة على درايتهم، عرفنا أن ما نحن عليه، وما كنا ندين به أولا، أنه الشرك الأكبر، الذي نهى الله عنه وحذر، وأن الله إنما أمرنا أن ندعوه وحده لا شريك له، وذلك كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [سورة الرعد آية:
стр. 262
١٤] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [سورة آية: ٥-٦] .
إذا عرفتم هذا، فاعلموا رحمكم الله تعالى أن الذي ندين الله به هو إخلاص العبادة لله وحده، ونفي الشرك، وإقام الصلاة في الجماعة، وغير ذلك من أركان الإسلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ولا يخفى على ذوي البصائر والأفهام، والمتدبرين من الأنام أن هذا هو الدين الذي جاءنا به الرسول ﷺ . قال ﷻ : ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] ، وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] .
فمن قبل ولزم العمل به، فهو حظه في الدنيا والآخرة، ونعم الحظ دين الإسلام، ومن أبى واستكبر، فلم يقبل هدى الله لما تبين له نوره وسناه، نهيناه عن ذلك، وقاتلناه، قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] . وقصدنا بإرسال هذه النصيحة إليكم القيام بواجب الدعوة، قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] . وصلى الله على محمد.
стр. 263
(رسالة الأمير عبد العزيز بن سعود إلى أحمد القاسمي وبيان مذهب أهل البيت)
وله أيضا:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد العزيز بن سعود إلى جناب أحمد بن علي القاسمي، هداه الله، لما يحبه ويرضاه.
أما بعد: فقد وصل إلينا كتابك، وفهمنا ما تضمنه من خطابك، وما ذكرت من أنه قد بلغكم أن جماعة من أصحابنا صاروا ينقمون على من هو متمسك بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ممن مذهبه مذهب أهل البيت الشريف ; فليكن لديك معلوما أن المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وما عليه أهل البيت الشريف فهو لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. ولكن الشأن في تحقيق الدعوى بالعمل ; وهذه الأمة افترقت على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ١. وجميع أهل البدع والضلال من هذه الأمة يدعون هذه الدعوى، كل طائفة تزعم أنها هي الناجية.
فالخوارج، والرافضة، الذين حرقهم علي بن أبي طالب بالنار، وكذلك الجهمية، والقدرية، وأضرابهم، كل فرقة من
стр. 264
هذه الفرق تدعي أنها هي الناجية، وأنهم المتمسكون بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ؛ فصار في هذا تصديق لقوله ﷺ : " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة " ١.
وأما ما ذكرت من أن مذهب أهل البيت أقوى المذاهب، وأولاها بالاتباع، فليس لأهل البيت مذهبإلا اتباع الكتاب والسنة، كما صح عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قيل له: " هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم يؤتيه الله عبدا في كتابه، وما في هذه الصحيفة ... " الحديث ; وهو مخرج في الصحيحين.
وأهل البيت، ﵃ كذبت عليهم الرافضة، ونسبت إليهم ما لم يقولوه، فصارت الروافض ينتسبون إليهم، وأهل البيت براء منهم، فإياك أن تكون أنت وأصحابك منهم، فإن أصل دين رسول الله ﷺ وأهل بيته ﵈، هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة، لا يدعى إلا هو، ولا ينذر إلا له، ولا يذبح إلا له، ولا يخاف خوف السر إلا منه، ولا يتوكل إلا عليه، كما دل على ذلك الكتاب العزيز. فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ
стр. 265
مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ [سورة الرعد آية: ١٤] .
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . فهذا التوحيد هو أصل دين أهل البيت ﵈. من لم يأت به، فالنبي ﷺ وأهل بيته براء منه، قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [سورة التوبة آية: ٣] .
ومن مذهب أهل البيت إقامة الفرائض كالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، ومن مذهب أهل البيت الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإزالة المحرمات، ومن مذهب أهل البيت محبة السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان ; وأفضل السابقين الأولين الخلفاء الراشدون كما ثبت ذلك عن علي من رواية ابنه محمد بن الحنفية وغيره من الصحابة، أنه قال: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، ثم عمر؛ والأدلة الدالة على فضيلة الخلفاء الراشدين أكثر من أن تحصر. فإذا كان مذهب أهل البيت ما أشرنا إليه، وأنتم تدعون أنكم متمسكون بما عليه أهل البيت، مع كونكم على خلاف ما هم عليه، بل أنتم مخالفون لأهل البيت، وأهل
стр. 266
البيت براء مما أنتم عليه ; فكيف يدّعي اتّباع أهل البيت من يدعو الموتى؟ ! ويستغيث بهم في قضاء حاجاته، وتفريج كرباته؟ ! والشرك ظاهر في بلدهم، فيبنون القباب على الأموات، ويدعونهم مع الله، والشرك بالله هو أصل دينهم، مع ما يتبع ذلك من ترك الفرائض، وفعل المحرمات، التي نهى الله عنها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ وسب أفاضل الصحابة: أبو بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة.
وأما قولك: إن أناسا من أصحابنا ينقمون عليكم في تعظيم النبي المختار ﷺ !
فنقول: بل الله سبحانه افترض على الناس محبة النبي ﷺ وتوقيره، وأن يكون أحب إليهم من أنفسهم، وأولادهم، والناس أجمعين، لكن لم يأمرنا بالغلو فيه، وإطرائه، بل هو ﷺ نهى عن ذلك فيما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: " لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله " ١، وفي الحديث الآخر أنه قال، وهو في السياق: " لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا. قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن خشي أن يتخذ مسجدا " ٢. وفي الحديث الآخر عنه ﷺ أنه قال: " لا تتخذوا قبري عيدا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم " ٣، " وثبت عن علي بن الحسين: أنه
стр. 267
رأى رجلا يأتي إلى فرجة، كانت عند قبر النبي ﷺ فيدعو فنهاه عن ذلك، واحتج عليه بالحديث".
وأما قولك: إن المراد بقوله: " لا تتخذوا قبري عيدا " ١ تكرار الزيارة، المرة بعد المرة، والفينة بعد الفينة، وأن الزيارة لا تكون مثل العيد، مرتين فقط، بل تكون متتابعة، ومكررة، فلا يكون الاعتقاد منكم غير هذا.
فهذا دليل على جهلك بمذهب أهل البيت، وبما شرعه الله تعالى ورسوله ﷺ فإن أهل البيت، فسروا الحديث، بأن المراد اعتياد إتيانه، والدعاء عنده، كما تقدم ذلك عن زين العابدين، علي بن الحسين ﵁، وهذا هو الذي استمر عليه عمل السلف، وأهل البيت، فإنهم كانوا إذا دخلوا مسجد رسول الله ﷺ سلموا عليه، وعلى صاحبيه، ولم يقفوا عند النبي ﷺ لأجل الدعاء هناك، ولم يتمسحوا به، بل إذا أراد أحدهم الدعاء هناك انصرف عن القبر، واستقبل القبلة، ودعا.
وأما قولك: وأوجب الصلاة عليه، وعلى آله في الصلاة.
فالذي عليه أكثر العلماء: أن الصلاة عليه ﷺ وعلى آله في الصلاة لا تجب، وأوجبها بعض العلماء مستدلا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٦] ، وليس في الآية دليل على أن الصلاة عليه فرض، لا تصح الصلاة بدونها ; وأما الصلاة على آله فلم
стр. 268
نعلم أحدا من العلماء أوجبها، وقال: إن من ترك الصلاة على الآل لا تصح صلاته، بل هذا خلاف ما عليه أهل العلم، أو أكثرهم.
وأما قولك: ولا يحسن الاعتراض من أحد على أحد في مذهبه، وكل مجتهد مصيب، على الأصح من الأقوال.
فهذا في الفروع، لا في الأصول، فإن الخوارج، والجهمية، والقدرية، وغيرهم من فرق الضلالة يدعون أنهم مصيبون، بل المشركون وغيرهم من اليهود والنصارى، يدعون ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٣-١٠٤] .
وأما ما ذكرت من كثرة جنودكم وأموالكم، فلسنا نقاتل الناس بكثرة ولا قوة، وإنما نقاتلهم بهذا الدين، الذي أكرمنا الله به، ووعد من قام به النصر على من عاداه، فقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ [سورة آية: ٤٠-٤١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة آية: ١٧١-١٧٢-١٧٣] . وصلى الله على محمد وآله وصحبه.
стр. 269
(جواب الأمير عبد العزيز بن سعود لياقوت الصنعاني وحثه على الهجرة)
وله أيضا عفا عنه الله
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ الآية [سورة آية: ١-٢-٣] .
من عبد العزيز بن سعود إلى الأخ ياقوت سلمه الله من الآفات، واستعمله بالباقيات الصالحات، وبعد: الخط وصل، وصلك الله إلى رضوانه، وسر الخاطر ما ذكرت من حالك، والله المحمود على ذلك، فأنت اعزم وتوكل على الله، فإن النفوس لها إقبال وإدبار، فأنت خذ بإقبالها واستعن بالله، قال ﷻ : ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ [سورة النساء آية: ١٠٠] .
ويذكر لنا أن أحمد بن الشريف عباس، إمام صنعاء، متوجه لهذا الدين، وعارفه ومحبه، وكذلك يذكر ناس من طلبة العلم، عرفوا التوحيد، وشهدوا به، وأنكروا الشرك بالله، فالمأمول فيك تلطف للناس، وتدعوهم إلى الله، وتذكر قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ الآيات [سورة فصلت آية: ٣٣-٣٦] .
стр. 270
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] .
وفي الحديث عن الصادق المصدوق ﷺ حين أعطى عليا ﵁ الراية، يوم فتح خيبر، قال: " انفذ على رسلك حتى تنْزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " ١.
وأساس الإسلام ورأسه توحيد الله بالعبادة، والعبادة فعل العبد، وإلا أفعاله تعالى، كل معترف له بها: الخلق، والرزق، والإحياء، والإماتة، والتدبير ; حتى إن الكفار الذين قاتلهم رسول الله ﷺ يخلصون لله الدين في حال الشدائد، مثل ما قال : ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦٥] .
والشرك اليوم تغلب على غالب الناس، وصار الدعوة، والذبح، والنذر لغير الله، وغير ذلك من العبادات، والتوكل، والخوف، والرجاء صرف لغير الله. فلما أنكر عليهم الشيخ- عفا الله عنه- الشرك بدّعوه، وخرّجوه، ورموه بالعظائم، وهو كما قال محمد بن إسماعيل الصنعاني:
وليس له ذنب سوى أنه أتى ... بتحكيم قول الله في الحل والعقد
стр. 271
وفي البيت الآخر:
وما كل قول بالقبول مقابل ... وما كل قول واجد الطرد والرد
سوى ما أتى عن ربنا ورسوله ... فذلك قول جل يا ذا عن الرد
وأما أقاويل الرجال فإنها ... تدور على حسب الأدلة في النقد
فيكون عندكم معلوما أن جميع الفرائض، وجميع المحرمات، ما اختلفنا نحن والناس في شيء من ذلك. الاختلاف وقع بيننا وبين الناس عند حق الله تعالى، كون العبادة له وحده لا شريك له، وحق الرسول ﷺ التصديق والطاعة، في جميع ما يأمر به، وجميع ما ينهى عنه.
ويكفيك: ما ذكر الله في آخر سورة الكهف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] .
وكذلك الآية التي كتب ﷺ لعظيم الروم هرقل حيث قال: " أما بعد: أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ ١ إلى قوله: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ " ولكن مثل ما قال الجني ٢ فيه ﷺ :
стр. 272
وإن قال في يوم مقالة غائب ... فتصديقها في ضحوة اليوم أوغد
قال ﷺ :" لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. قالوا اليهود والنصارى، يا رسول الله؟ قال: فمن؟ " ١، وفي الحديث الثاني: أخبر ﷺ :" أن اليهود افترقت على إحدى وسبعين فرقة، والنصارى افترقت على ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة قيل يا رسول الله، من الواحدة؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه الآن وأصحابي " ٢ وفي الحديث الآخر، قال ﷺ " لا تقوم الساعة حتى تعبد فئام من أمتي الأوثان، وحتى يلحق حي من أمتي بالمشركين ".
والعادة ملاكة، تقلب الشين زينا، ولم تعادى الرسل بشيء قط أعظم من العادة، قال الله تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٢] ، والآية الأخرى: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٣] ، وقوله تعالى: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٧٠] . وأنا أعزم عليك، وألزم عليك، أن تتلطف لعلماء أهل صنعاء، وتقرأ عليهم هذا الكتاب.
стр. 273
(رسالة الأمير عبد العزيز بن سعود إلى صاحب صنعاء)
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
التحية والإكرام يهدى إلى سيد الأنام محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ثم ينتهي إلى جناب أكرمه الله بما أكرم به عباده الصالحين.
أما بعد: فألفى علينا سعيد بن ثنيان، وحكى لنا عنك من حسن السمت والسيرة ما سر الخاطر، ونسأل الله العظيم أن يجعلنا وإياك من أئمة المتقين، ويذكر أنك حريص على معرفة حالنا، وما نحن عليه، فنخبرك بصورة الحال أنا والناس فيما مضى، على دين واحد، ندعو الله وندعو غيره، وننذر له وننذر لغيره، ونذبح له ونذبح لغيره، ونتوكل عليه ونتوكل على غيره، ونخاف منه ونخاف غيره، ونقر بالشرائع، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، والذي يعمل بهذا عندنا القليل مع الإقرار، ونقر بالمحرمات، من أنواع الربا، والزنى، وشرب الخمر، وما يشبه هذا من أنواع المحرمات، ولا ينكرها خاص على عام! !.
وبين الله لنا التوحيد في آخر هذا الزمان، على يدي ابن عبد الوهاب، وقمنا معه، وقام علينا الناس بالعدوان
стр. 274
والإنكار لما خالف دين الآباء والأجداد، وقال الناس مثل ما قال الذين من قبلهم: ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٤] ، وقالوا: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٣] .
وقام على الناس بالأدلة من الكتاب والسنة وإجماع صالح سلف الأمة، الذين قال فيهم صلاة الله وسلامه عليه: " عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي؛ عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة "، وفي الحديث الثاني: قال ﷺ :" تركتكم على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك " ١،وفي الحديث الثالث: " كل ما ليس عليه أمرنا فهو رد " ٢. والأحاديث في هذا النوع ما يمكن حصرها، ولكن نذكر هذا على سبيل التنبيه.
فنقول: الحلال ما حلل ﷺ ، والحرام ما حرم، وقال الله ﷻ : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً﴾ [سورة المائدة آية: ٣] . فأول ما دعا إليه الرسول ﷺ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومعنى لا إله إلا الله نفي الإلهية عما سوى الحق ﷻ ، وإثباتها له وحده لا شريك له، والإلهية فعل العبد.
وأما أفعاله ﷻ ، فلا وقع فيها نزاع عند الكافر، ولا عند المسلم، قال الله لنبيه: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ
стр. 275
وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] ، وبالإجماع أن السؤال للكفار. وفي الآية الأخرى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] .
ويكفيك أول الزمر - تنْزيل - بين فيها دين الإسلام من دين الكفار في آيتين، قال: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة آية: ١-٢-٣] : هذا دين الإسلام الذي دعت إليه الرسل جميعا، من أولهم نوح إلى آخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليه.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، فصرحت الآية أن غاية الكفار ومطلبهم القربة، والشفاعة بهذا الدعاء.
فالمأمول فيك: ما تغتر بأكثر الناس، فإن نبيك ﷺ أخبر في الأحاديث الصحاح أن دينه سيتغير، وتفعل أمته كما فعل بنو إسرائيل، وأنها ستفترق كما افترق من قبلها من الأمم،
стр. 276
قال صلاة الله وسلامه عليه: " لتأخذن أمتي مأخذ الأمم قبلها، شبرا بشبر، وذراعا بذراع "، " لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟ " ١. وقال ﷺ " لتأخذ أمتي بما أخذت الأمم قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو أن منهم من أتى أمه علانية، لكان من أمتي من يأتي أمه علانية " ٢، وقال: " افترقت اليهود عن واحدة وسبعين فرقة، والنصارى عن ثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي عن ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي ". والأحاديث في هذا ما تحصى، ولكن الغرض التنبيه.
وأما الآيات، فقال ﷻ : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] ، وقال: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٠٢] ، وقال: ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ [سورة ص آية: ٢٤] ، و: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سورة سبأ آية: ١٣] . وفي الحديث: أن بعث الجنة من الألف واحد.
فالمأمول فيك: تجمع علماء صنعا، وتؤمنهم، وتعرض عليهم الكتاب، وتسألهم بالذي أنزل الفرقان على محمد، عن جميع ما ذكرنا في الورقة، وأرجو أن الحق بين لك من الباطل. والوجه الثاني: إن جاز عندك توجه إلينا اثنين أو ثلاثة من طلبة العلم، الذين عليهم الاعتماد عندكم، فلا
стр. 277
نعافها منك، فلك عندي وقارهم، وإكرامهم، وتوصيلهم إليك إن شاء الله.
ويا علي، يا ولدي، أذكرك الله والذي بعد الموت من الخير والشر، فإن الدنيا زائلة وزائل ما فيها من الخير والشر، والآخرة باقية وباق ما فيها من الخير والشر، ودين جدك - صلاة الله وسلامه عليه - فيه خير الدنيا والآخرة، قال ﷻ في أهل طاعته: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤٨] .
وأنا أصف لك شيئا من الحال، فإن مبتدأ الأمر: رجل حاقدينه الناس، ومعادينه، واليوم دولته ما تقصر عن ألف مبندق ١ وعشرة آلاف فارس، وكل من تبين على هذا الحق بعداوة، كسره الله، وأزال دولته، وأرى فيه العجائب.
ويكون عندك معلوما: أن الشرائع والمحرمات، ما وقع بيننا وبين الناس فيها اختلاف، الذي عندنا زين عندهم زين، والذي عندنا شين عندهم شين، إلا أنا فضلناهم بفعل الزين، وغصب الرعايا عليه، وترك الشين، وتقويم الحدود، والتأديب على من فعله، وغالب عدواننا ما يفعلون الزين الذي ما ينكر، ولا ينكرون الشين الذي ينكر.
فالأصل الذي اختلفنا فيه التوحيد، والشرك، فنقول
стр. 278
مثل ما قال ﷻ : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ الآية [سورة الرعد آية: ١٤] ، وفي الآية الأخرى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة آية: ٢٢-٢٣] .
فصرحت الآية، مثل ما صرحت آية الكرسي: أن الشفاعة ما تكون إلا من بعد الإذن. وفي الحديث: قيل يا رسول الله: من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: " من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه " ١، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص، وقال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ [سورة الحج آية: ٧٣] . فلا تغتر بالناس ; قال ﷻ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤] : فهذه حال العلماء والعباد، فما ظنك في غيرهم؟
والمأمول فيك الجواب، والله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٢] ، وصلى الله على محمد آله وصحبه وسلم.
стр. 279
(رسالة الإمام سعود بن عبد العزيز إلى أهل نجران في بيان ما هم عليه)
وكتب الإمام سعود بن الإمام عبد العزيز، رحمهما الله تعالى إلى أهل نجران:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من سعود إلى جناب الأشراف حسين بن ناصر، وحسن دهشا، وحمزة، ومحمد بن حسن، وحسين أحمد، ومقبل بن محمد، وصالح بن عبد الله، وأحمد معوض، وأحمد علي بن شما، وصالح حسين مسلي، سلمهم الله من الآفات، واستعملهم بالباقيات الصالحات، وبعد: ألفى علينا مقبل بن عبد الله، وأشرف على ما نحن عليه، وما ندعو إليه، وما نأمر به، وما ننهى عنه، ويصف لكم من الرأس أكثر مما في القرطاس، إن شاء الله.
ونخبركم أننا متبعون لا مبتدعون، ونعبد الله وحده لا شريك له، ونتبع رسوله ﷺ فيما يأمر به، وينهى عنه، ونقيم الفرائض، ونجبر من تحت يدنا على العمل بها، وننهى عن الشرك بالله، وننهى عن البدع، والمحرمات، ونقيم الحدود، ونأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، ونأمر بالعدل، والوفاء بالعهود، والمكاييل، والموازين، وبر الوالدين، وصلة الأرحام هذا صفة ما نحن عليه، وما ندعو الناس إليه، فمن
стр. 280
أجاب وعمل بما ذكرناه، فهو أخونا المسلم، حرام المال والدم، ومن أبى قاتلناه، حتى يدين بما ذكرناه.
وأنتم أخص الناس باتباع محمد ﷺ ، والحق عليكم أكبر منه على غيركم، والإسلام هو عزكم وشرفكم، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٤٤] .
فالمأمول فيكم القيام، والدعوة إلى الله، لأن الدعوة سبيل من اتبعه ﷺ كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] . ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الداعين إليه، المجاهدين في سبيله، لتكون كلمته العليا، ودينه الظاهر، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 281
(رسالة الإمام سعود بن عبد العزيز إلى سليمان باشا)
هذه الرسالة أيضا للإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمهم الله تعالى، وهذا نصها: ١.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
من سعود بن عبد العزيز، إلى سليمان باشا ; أما بعد: فقد وصل إلينا كتابكم، وفهمنا ما تضمنه من خطابكم، وما ذكرتم من أن كتابنا المرسل إلى يوسف باشا على غير ما أمر الله به ورسوله، من الخطاب للمسلمين، بمخاطبة الكفار والمشركين، وأن هذا حال الضالين، وأسوة الجاهلين، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .
فنقول في الجواب عن ذلك بأننا متبعون ما أمر الله به رسوله، وعباده المؤمنين، بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
стр. 282
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] ، وذلك أن الله أوجب علينا النصح لجميع أمة محمد ﷺ . ومن النصح لهم بيان الحق لهم، بتذكير عالمهم، وتعليم جاهلهم، وجهاد مبطلهم، أولا بالحجة والبيان، وثانيا بالسيف والسنان، حتى يلتزموا دين الله القويم، ويسلكوا صراطه المستقيم، ويبعدوا عن مشابهة أصحاب الجحيم، وذلك أن " من تشبه بقوم فهو منهم " ١ كما ورد ذلك عن الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وقد قال تعالى في كتابه المبين: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] ، وقال تعالى لهذه الأمة: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة آية: ٣١-٣٢] .
ومن تلبيس إبليس، ومكيدته لكل جاهل خسيس أن يظن أن ما ذم الله به اليهود والنصارى والمشركين، لا يتناول من شابههم من هذه الأمة، ويقول إذا استدل عليه بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية: هذه الآيات نزلت في المشركين، نزلت في اليهود، نزلت في النصارى ; ولسنا منهم. وهذا من أعظم مكائده، وتلبيسه، فإنه فتن بهذه
стр. 283
الشبهة كثيرا من الأغبياء والجاهلين، وقد قال بعض السلف - لمن قال له ذلك -: مضى القوم وما يعني به غيركم. وقال بعض العلماء: إن مما يحول بين المرء وفهم القرآن أن يظن أن ما ذم الله به اليهود والنصارى والمشركين، لا يتناول غيرهم، وإنما هو في قوم كانوا فبانوا. وقد قال الإمام الحافظ سفيان بن عيينة - وهو من أتباع التابعين -: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبّادنا، ففيه شبه من النصارى. وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي سعيد الخدري، أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ " " ١ وهذا لفظ البخاري. والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.
وقد قال ابن عباس، ﵄، في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ ْ﴾ الآية قال: "ما أشبه الليلة بالبارحة! كالذين من قبلكم هؤلاء بنو إسرائيل، شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لتتبعنهم، حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه ". فكيف يظن من له أدنى تمسك بالعلم، بعد هذه الأدلة الواضحة، والبراهين القاطعة، أن هذه الأمة لا تشابه اليهود
стр. 284
والنصارى، ولا تفعل فعلهم، ولا يتناولهم ما توعد الله به اليهود والنصارى إذا فعلوا مثل فعلهم؟ ومن أنكر وقوع الشرك والكفر في هذه الأمة فقد خرق الإجماع، وسلك طريق الغي والابتداع.
ولسنا بحمد الله نتبع المتشابه من التنْزيل، ولا نخالف ما عليه أئمة السنة من التأويل، فإن الآيات التي استدللنا بها على كفر المشرك وقتاله هي من الآيات المحكمات في بابها، لا من المتشابهات واختلف أئمة المسلمين في تأويلها والحكم بظاهرها وتفسيرها، بل هي من الآيات التي لا يعذر أحد من معرفة معناها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٥] ، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] .
وأما قولكم: فإنا لله الحمد على الفطرة الإسلامية والاعتقادات الصحيحة، ولم نزل بحمده تعالى عليها، عليها نحيا وعليها نموت، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [سورة إبراهيم آية: ٢٧] ، فظاهرنا وباطننا بتوحيده تعالى في ذاته وصفاته، كما بين في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾
стр. 285
[سورة النساء آية: ٣٦] .
وقال ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله "، ١ وقال ﷺ " بني الإسلام على خمس " ٢ إلخ ; فنقول:
غاض الوفاء وفاض الجور وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال. فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، أنا مسلم، أنا من أهل السنة والجماعة، وهو من أعداء الإسلام وأهله، منابذ لهم بقوله وفعله، لم يصر بذلك مؤمنا، ولا مسلما، ولا من أهل السنة والجماعة، ويكون كفره مثل اليهود، فإنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم.
فإن أصل الإسلام شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومضمون شهادة ألا إله إلا الله ألا يعبد إلا الله وحده، فلا يدعى إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجى إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] .