فأتمرت، فالظاهر أنه يبطل البيع في الرواية الأولى، والثانية لا يبطل البيع، ويشتركان في الزيادة، والرواية الثالثة يتصدقان بالزيادة، وأما بيع غلة الأرض سنين معلومة فهذا لا يجوز ولا يصح.
وأجاب الشيخ: سعيد بن حجي: إذا كان لرجل أرض، وفيها قطن وخضراوات، فلا أعلم شيئا يدفع صحة البيع، إذا بيع من أصوله، لكن الزرع الأخضر لا يجوز بيعه منفردا، إلا بشرط قطعه في الحال.
وأجاب بعضهم: وأما بيع الزرع فلا يجوز قبل اشتداد حبه، إلا بشرط القطع في الحال، لما روى مسلم: " أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة " ١ نهى البائع والمشتري، قال ابن المنذر: لا أعلم أحدا يعدل عن القول به، نعم لو باعه مع الأرض جاز.
وأما بيعه منفردا لمالك الأرض، فوجهان، أحدهما: يصح وهو المشهور عن مالك، والثاني: لا يصح لأنها تدخل في عموم النهي، بخلاف بيعهما معا، وبيع القت قبل تمامة، فمتأخروا الفقهاء منعوا من ذلك، قال في الإقناع وشرحه: وكذا حكم رطبة وبقول، فلا يباع شيء منها منفردا بعد بدو صلاحه، إلا جزة جزة، بشرط جزه أي قطعه في الحال، لأن الظاهر منه معلوم لا جهالة فيه ولا غرر، بخلاف ما في الأرض، فإنه مستور مغيب، وما يحدث منه مجهول فلم يجز
стр. 2312
بيعه، كالذي يحدث من الثمرة، انتهى، قال ابن أبي عمر: ولا يجوز بيع الرطبة والبقول، إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة، إلا أن يبيع أصله، ورخص مالك في شراء جزتين وثلاث، انتهى.
وقال الشيخ ﵀: يجوز بيع اللقطة الموجودة والمعدومة إلى أن تيبس المقثاة
قال ابن القيم ﵀: ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله جمعه ولا في كلام أحد من الصحابة، أن بيع المعدوم لا يجوز، لا بلفظ عام ولا بمعنى خاص، إنما في السنة النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة، وفيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة، فليست العلة في المنع العدم ولا الوجود بل الذي وردت به السنة النهي عن بيع الغرر، وهو ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودا أو معدوما- إلى أن قال- وقد صح عن النبي ﷺ هبة المشاع المجهول في قوله لصاحب كبة الشعر، حين أخذها من المغنم، وسأله أن يهبها له فقال: " أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك " ١ انتهى.
فكلام ابن القيم يؤيد قول مالك، وقول شيخه ﵀: أن بيع الرطبة ونحوها جائز، لأنه وإن كان معدوما فليس فيه غرر، لأنه يقدر على تسليمه فلا غرر.
وأجاب بعضهم: اعلم أن في هذه المسألة قولان للعلماء، أحدهما: أنه لا يجوز حتى يقلع، كما هو مذهب الشافعي، ورواية عن أحمد، قالوا: لأن هذه أعيان غائبة لم
стр. 2313
ترَ، الثاني: جواز بيعه وإن لم يقلع، وهذا هو الصواب، لأن هذا ليس من الغرر، بل أهل الخبرة يستدلون بما ظهر من الورق على المغيب في الأرض، كما يستدلون بما يظهر في العقار من ظواهره على بواطنه، وكما يستدلون أيضا بما يظهر من الحيوان على بواطنه، ومن سأل أهل الخبرة أخبروه بذلك، والمرجع في ذلك إليهم..
وأيضا: العلم بالمبيع شرط في كل شيء بحسبه، فما يظهر بعضه وكان في إظهار باطنه مشقة إذا خرج، اكتفى بظاهره، كالعقار، فإنه لا يشترط رؤية أساسه ودواخل الحيطان، وكذلك الحيوان وأمثال ذلك، وأيضا: إن ما احتيج إلى بيعه، فإنه يسوغ فيه ما لا يسوغ في غيره، فيبيحه الشارع للحاجة مع قيام السبب، كما رخص في العرايا بخرصها، وأقام الخرص مقام الكيل بجنسه إذا، ولم يكن ذلك من المزابنة المنهي عنها.
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين ﵀: عن بيع المخاضرة والمعاومة؟
فأجاب: بيع المخاضرة، هو بيع الزرع الأخضر قبل اشتداد حبه، وبيع المعاومة نحو: أن يشتري منه ثمرة هذا النخل سنتين أو أكثر، وبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ظاهر.
وسئل: عمن ساقى على نخل وعمل فيه مدة، ثم جاء
стр. 2314
آخر فاشترى منه عمله في سقيه للنخل تلك المدة، ونزل منْزلته في المساقاة؟
فأجاب: إن كانت الثمرة قد ظهرت، فإنه لا يجوز بيعها، لنهي النبي ﷺ عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها، إلا إن باعها لمالك الأصل، فيصح على الصحيح من المذهب، وإن كانت الثمرة لم تظهر فباع عمله وتعبه.
فقد نص الإمام أحمد على أنه لا يجوز للمزارع بيع عمله قبل ظهور الزرع، قال لأنه لم يجب له شيء.
وسئل الشيخ: عبد الله بن ذهلان: عن بيع العامل تعبه إذا أراد الظهور؟
فأجاب: بأن ذلك لا يصح، لكن إذا كانت المساقاة صحيحة، فعليه تمام العمل، قال: فلو دفع إليه شيئا وقال أنا أقوم مقامك، ثم يتحاسبان صح ذلك، انتهى.
فليتأمل قوله ثم يتحاسبان، ولعل مراده: أنه إذا دفع إليه شيئا ثم حاسبه بعد ذلك بما غر في سقيه، ويحسبه مما دفع إليه، فيصح على هذا الوجه لا على وجه البيع.
وسأل الشيخ: عبد الله بن حمد الحجازي الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عن رجل أخذ آصعا يبذرها وله نصف، ولصاحب البذر النصف وقال كل منهما من يعطيني قدر تعبي وذهابي وأجرة الأجير، وله نصيبي من الزرع؟
فأجاب: وما ذكرت من المسألة وفتواك فيها، فالظاهر
стр. 2315
صحة ما أفتيت به من عدم صحة البيع، وأنه داخل في بيع الزرع الذي لا يجوز بيعه إلا بشرط القطع، والإشكال الواقع في نفسك، إن كان بسبب كلام لأحد من أهل العلم فاذكره لي، لأن هذه المسألة كثيرة الوقع.
وسئل الشيخ: حسن بن حسين بن علي عن النماء المنفصل في ثمرة النخل؟
فأجاب: الظاهر أنه وجود الطلع، وقبله نماء متصل، وفي ذلك خلاف مشهور قرره الشيخ منصور في حاشيته.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: هل صلاح بعض الشجر صلاح لكل نوع؟
فأجاب: هذه المسألة على روايتين، والصحيح أن صلاح البعض صلاح للكل.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما قوله في النخل: أن تحمار وتصفار فهو الذي تراه بعينك، انقلابه بعد الخضرة إلى الحمرة والصفرة.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن بيع القطن وهو في رؤوسه قبل أن يخرج؟
فأجاب لا يجوز حتى يتبين صلاحه ويزول عنه الغرر.
стр. 2316
باب السلم
سئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ محمد ﵏: إذا دخلت باء البدلية على الْمُسْلَم فيه وكان بلفظ البيع هل يكون بيعا أم سلما؟
فأجاب: اعلم أن أصل تأسيس القاعدة المذكورة اختلاف وقع في الثمن، هل هو النقد أو ما اتصلت به الباء؟ وإن كان أحد العوضين نقدا فهو الثمن وإلا يكن فأدخلت عليه الباء، فيه أقوال ثلاثة إذا عرفت ذلك، فالمذكور سلم لأنا إن قصرنا القاعدة على بيوع الأعيان دون غيرها بقرينة ذكرهم لها في قبض المبيع أو التصرف للاحتياج فيها أي في بيوع الأعيان إلى تمييز الثمن من المثمن المعينين الحاضرين، فهي لا تتناول عقد السلم، ويرجحه ما نبه عليه بعضهم من أن قواعد الأصحاب كلية وأكثرية، وإن لم نقصر القاعدة على بيوع الأعيان، لكوننا لم نجده صريحا في كلامهم، وإن صرح به غيرهم في قولهم: لما تساوى الثمن المعين والمبيع، احتيج إلى معرفة الثمن من المثمن بالباء، انتهى، فالذي أظهره إمام التصحيح في التنقيح، أولى
стр. 2317
بالترجيح، حيث قال: وقيل إن كان أحدهما نقدا فهو الثمن، وإلا تميز بالباء، وهو أظهر.
سئل الشيخ: سليمان بن الشيخ عبد الله بن محمد ﵏: عن السلم في الجدد؟
فأجاب: وأما السلم فيها أي: الجدد المغشوشة، فلا يجوز لوجهين، الأول: أن السلم لا يجوز إلا فيما يمكن ضبطه، وهي لا يمكن ضبطها إذ هي تختلف بالصغر والكبر، والطول وصفائها، وخضرتها، وقلة الفضة وكثرتها والثاني: أن فيها فضة، ولا يجوز إسلام أحد النقدين في الآخر.
وسئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: هل يصح السلم بالعروض كحيوان وغيره؟
فأجاب: يجوز جعل رأس مال السلم عرضا من العروض، على الصحيح.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: عمن أسلم إلى آخر في عناقين ... إلخ؟
فأجاب: وإذا دين ريالا في ذمة رجل في عناقين، موصوفة بالسن والأجل، فلا بأس به، وأما شراء اللبن في الضرع فلا يجوز، إلا أن يباع كيلا معلوما في ذمته.
وأجاب بعضهم: وأما إذا باع رجل على آخر سلعة،
стр. 2318
بغنم مؤجلة من الربيع ونحوه، وهي مسننة، فهذا بيع صحيح إن شاء الله.
سئل الشيخ: حمد بن ناصر عن البعير بالبعيرين أو أقل أو أكثر إلى أجل؟
فأجاب: بعض العلماء كره ذلك، وكثير منهم لا يرى بذلك بأسا لما روي: "أن عليا باع بعيرا يقال له "عصيفير" بأربعة أبعرة إلى أجل معلوم".
سئل الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف عمن أسلم في الحيوان على الوصف المشروع ولم يوجد في وقته عند من استلم سنه، وعنده أسن منه، هل يأخذه المسلم بزيادة قيمته أم لا؟
فأجاب: لا يأخذه المسلم بزيادة يدفعها إلى المسلم إليه بل له أخذه مجانا.
سئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ: عمن أسلم عجلا في بقرة موصوفة، فلما حل الأجل وجدت الصفة في عين رأس المال، هل يجزي دفعه ويلزم قبوله؟
فأجاب: إذا اتحدا صفة، ولم يفعل ذلك حيلة لينتفع بالعين، أجزأ ولزم قبوله، قطع به في الإقناع.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن أسلف لرجل في حمل حيوان معين؟
стр. 2319
فأجاب: هذا لا يصح في أصح الوجهين، للجهالة، ولأن الصفة لا تأتي عليه.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب: عن السلم في التمر ... إلخ؟
فأجاب: ما ذكرت من جهة السلم في التمر، وقولك أرجو صحته فى التمر والعيش، كأن عليك فيه إشكالا، فالذي نفتي به قلة التفريق بين التمر والعيش، والسلم في الكل صحيح إن شاء الله، إذا كان وزنا معلوما، وكيلا معلوما، إلى أجل معلوم، وأما الشروط: فليس إلا العرف، ١ إذا صار أن العيش يوفي الدّيّان عن ديّانه، فلا للديان إلا هو، وكذا شرط الوفاء من هذا النخل، قال ﷺ للذي أراد تعيين وفائه من نخل بني فلان "أما من نخل بني فلان فلا، ولكن وزنا معلوما، أو كيلا معلوما".
وأما إذا أسلم في ذمته، وأوثقه ثمرة نخله، أو وعده الذي يأتيه من هذا الرجل، أو من هذا المغل، فلا بأس، لأنه يعطيه إن جاء منه، وأكثر الواقع: أنه يدين الإنسان في ذمته، ولا يعين النخل ويوثقه الثمرة، ويعرف أنه إن أغل أخذ ثمرته، وإن لم يغل فمن غيره، فيبين عدم التعيين، والفرق بين الذمة ونخل بني فلان.
стр. 2320
سئل الشيخ: عبد الله الخليفي عن السلم في السنبل، هل يجوز أم لا
فأجاب: الظاهر عدم الصحة، لأن من شروط السلم معرفة قدر المسلم فيه، وصفته، وأن ينضبط بالصفة، والسنبل معدوم فيه ذلك، لأنا نعلم أن الكعب ليس مقصودا لذاته في السلم قطعا، وليس بقليل يعفى عنه، مع أنه لو قصد لا ينضبط. وأما الحب الذي في باطنه، فلا يعلم قدره ولا صفته إلا بعد تصفيته من الكعب، مع أن السلم في ذلك، إما بالوزن أو الكيل، والسنبل لا يتحقق فيه الكيل ولا الوزن، هذا الذي يظهر مما ذكر الفقهاء ﵏، في باب السلم. قال في المغني والشرح الكبير: ولا يسلم فيه- أي البر- إلا مصفى، وكذلك الشعير ... إلى آخر عبارته، وقال في الإقناع وشرحه: ولا يسلم فيه- أي البر- إلا مصفى من تبنه وعقده وكذلك الشعير ... الخ، والله أعلم.
سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: هل يصح السلم في السمن بمطعوم، مكيل أو موزون؟
فأجاب: إن قلنا إن السمن موزون، جاز أن يسلم فيه بمكيل، وإن قلنا إنه مكيل، جاز أن يسلم فيه بموزون، وبعض الأصحاب يقولون: إن السمن إذا كان جامدا موزون، وإن كان مائعا فهو مكيل، فعلى هذا إن أسلم مكيلا في
стр. 2321
سمن، اشترط أن يقبضه جامدا وزنا، إن أسلم فية موزونا، اشترط أن يأخذه مائعا كيلا، هذا الذي يظهر، بناء على المشهور في المذهب، من أنه يجوز بيع المكيل بالموزون نسيئة، وعلى القول الآخر: لا يجوز مطلقا.
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف: هل يصح السلم في الصمغ؟
فأجاب: يجوز لأنه يضبط بالصفة.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عما إذا وعده أن يوفيه قبل الأجل ... إلخ؟
فأجاب: وأما السلعة التي تباع بعشرة، ويعده الوفاء قبل الأجل، فلا علمت به بأسا.
سئل ابنه الشيخ عبد الله: إذا أسلم إنسان إلى آخر شيئا، وشرط إن كان من هذه السنة فعلى كذا ... إلخ؟
فأجاب: إذا أسلم إلى آخر دراهم معلومة، وشرط إن كان من هذه السنة فعلى ثمان، وإن كان من السنة التي بعدها فعلى عشر، ولم يقطع الخيار في مدة قريبة، بل علق إلى حصول الثمرة الأولى، فهذا لا يجوز عند جمهور العلماء، من الحنابلة وغيرهم، وذكروا: أن هذا بيعتان في بيعة.
وسئل: عن الأجل إلى الجذاذ والحصاد؟
فأجاب: وأما الأجل إلى جذاذ الثمرة والحصاد، ففي
стр. 2322
هذه المسألة عن الإمام أحمد روايتان، إحداهما: لا يجوز، والثانية: يجوز إلى الحصاد والجذاذ، وإن منعناه في المجهول، لأنه في العادة لا يتفاوت كثيرا، قال في الإنصاف: وهو الصواب، قلت: فأما الأجل إلى فتح بغداد والبصرة، فلا يجوز.
وأجاب أيضا: وأما إذا باع إلى الحصاد والجذاذ، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى، لازم للأجل المعلوم عند بعض أهل العلم، واختلافه يسير.
سئل الشيخ: محمد بن ناصر بن معمر: إذا اختلفا في حلول الأجل، من القول قوله؟
فأجاب: القول قول المسلم إليه، لأنه منكِر والأصل معه، إذ الأصل في السلم التأجيل. وهذا بخلاف الأداء، إذا قال المسلم إليه: أديت إليك دينك، فإن القول قول المسلم، لأنه منكر والأصل معه، وهو ثبوت الدين في ذمة المسلم إليه، انتهى.
قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: (أحل الله البيع وحرم الربا) على لسان رسوله ﷺ فينبغي لكل مؤمن أن يسأل عما أحل الله في البيع وحرم فيه، ومنه الأمور المحرمة في البيع، إذا أراد تاجر أن يسلم إلى كدّاد، أسلم إليه في نخل معين، ولا يحصل له من غيره، إن أوفاه حاصل النخل إلا صبر إلى السنة الأخرى، وهذا أمر ممنوع في
стр. 2323
الشرع، فإذا فعله أحد فسد بيعه وشراؤه، وليس له إلا رأس ماله، فإن رهن النخل وأسلم عليه في ذمته فلا بأس، فإن رهن الثمرة قبل ظهورها فلا يصح ذلك، والجائز أن يسلم عليه في ذمته، ويسترهن نخله أو مكدته، والذين يفعلونه بعد ما نبهناكم وبان لهم أنه ما يجوز، يستحقون الأدب البليغ.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، أو قرية صغيرة، أو في نتاج فحل بني فلان أو غنمه، لم يصح، لأنه لا يؤمن تلفه وانقطاعه، أشبه ما لو أسلم في شيء قدره بمكيال معلوم، أو صنجة بعينها،
ودليل الأصل: ما روى عن النبي ﷺ أنه أسلف إليه يهودي، من ثمر حائط بني فلان، فقال النبي ﷺ "أما من حائط بني فلان فلا " رواه ابن ماجه، ورواه الجوزجاني في المترجم، وقال: أجمع العلماء على كراهة هذا البيع، قال ابن المنذر: المنع منه كالإجماع، لاحتمال الجائحة، ونقل أبو طالب وغيره: يصح إذا بدا صلاحه واستحصد، ويعارضه ما سب، انتهى من المبدع.
وعبارة الشرح الكبير: وقال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، كالإجماع من أهل العلم، منهم الثوري ومالك والشافعي والأوزاعي، وأصحاب الرأي، انتهى، وذكر في الكافي وغيره نحو ذلك، فقد علمت: أن المسؤول عنه ليس بصحيح، وأن الخلاف فيه ضعيف، والله أعلم.
стр. 2324
وأجاب بعضهم: من أسلم في ثمرة نخل بعينه ست سنين فالسلم والحالة هذه باطل،
قال ابن المنذر إبطال السلم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم، وممن حفظنا ذلك عنه الثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وإسحاق، وأصحاب الرأي، قال: وروينا عن النبي ﷺ "أنه أسلم إليه رجل من اليهود، دنانير في ثَمر مسمى، قال اليهودي من ثمر حائط بني فلان، فقال النبي ﷺ أما من ثمر حائط بني فلان فلا، ولكن كيل مسمى إلى أجل مسمى" رواه ابن ماجه وغيره، ورواه الجوزجاني في المترجم، وقال: أجمع الناس على الكراهة لهذا البيع.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما السلم في ثمرة نخل بعينه، أو زرع بعينه، فهذا لا يجوز، بل لا بد أن يكون السلم في ذمته، وإن أسلم إليه في ذمته، واشترط عليه أن يعطيه من ثمرة نخله أو زرعه، فقد أجاز الشيخ تقي الدين هذا الشرط، وأما منع السلم في زرع غير معلوم، أو كيل غير معلوم، فلما فيه من جهالة المسلم فيه، ومن شروط السلم ما في الحديث " من أسلم في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم، إلى أجل معلوم ".
تعذر التسليم في السلم
سئل الشيح عبد الله بن الشيخ: إذا تعذر تسليم المسلم فيه، فهل ينفسخ بنفس التعذر؟
فأجاب: إذا تعذر تسليم المسلم فيه، ففيه روايتان،
إحداهما: أن المسلم بالخيار بين الصبر، وبين أخذ الثمن إن
стр. 2325
كان موجودا، وإلا فمثله إن كان مثليا.
والثانية: أنه ينفسخ بنفس التعذر، والرواية الأولى أظهر.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا أسلم إلى محل يوجد فيه عاما، فانقطع وتحقق بقاؤه لزم تحصيله ولو شق، كبقية الديون، وإن تعذر أو بعضه بأن لم يوجد، خير المسلم بين الصبر إلى وجوده، أو الفسخ ويرجع برأس ماله إن وجد، أو عوضه إن عدم، هذا حكم المسألة، لكن الذي أرغب الناس فيه: ترك المضايقة في ذلك، والتجاوز في التقاضي كما ورد.
الإعتياض عن دين السلم
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا أسلم إلى آخر في طعام معلوم، ثم طلب منه أن يبيع عليه أرضا يملكها، بدين السلم المذكور في مجلس عقد السلم؟
فأجاب: لا يصح البيع المذكور، لأنه اعتياض عن دين السلم قبل قبضه، وهو غير صحيح.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن أسلم إلى آخر دراهم في طعام، وخاف عدم الوفاء، فاشترى منه شيئا بثمن مؤجل بأجل دين السلم، مراده: إن لم يحصل وفاء، اقتضى حقه من ثمن ذلك المبيع.
فأجاب: إن كان هذا المبيع مشروطا مع عقد السلم، فالسلم صحيح، وأما البيع فليست صورته صورة خيار، وإنما
стр. 2326
هو تعليق للبيع على شرط عدم وفاء دين السلم، وتعليق البيع على شرط مستقبل، لا يصح عند الجمهور.
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن استدان سلما أو غيره، ورهن نصيبه من الثمرة، ثم احتاج إلى زيادة مؤنة فأتى إلى المسلم في الثمرة، وقال: أقرضني أو أسلم علي، وإلا استلمت من غيرك وقدمته في الثمرة الموجودة، والثمرة لا تفي بجميع ذلك؟
فأجاب: الذي أرى - والله أعلم- أنه يؤمر المرتهن بتقويم الكداد ببيع أو نحوه، دفعا لضرره، إن لم يخف فوات مال المرتهن المقوم عند الكداد، فإن خيف فوات مال المقوم، فلا يُزال الضرر بالضرر، فإما أن يقال للكداد ساق على كدك، أو استأجر من يسقيه ويقوم عليه، وكذلك إذا عجز المقوم بأن لم يبق في يده ما يخرجه على الفلاح، فإما أن يترك له بعض الكد، ويترك بعضه لمن يقوم بقية المدة، أو نحو ذلك مما يزال فيه ضرر الكل.
وأما قول بعض الناس للمقوم، إذا عجز أو خاف تلف ماله: أنفق وإلا قدمنا عليك من يقوم الكد، فليس هذا بصواب; كيف يزال ضرر الكداد، بضرر غريمه المنفق عليه؟! والذي نرى في مثل هذا: النظر إلى حال الاثنين، ودفع الضرر مهما أمكن عنهما، ولا يزال ضرر أحدهما بارتكاب ضرر الآخر.
стр. 2327
رأس مال السلم
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد ﵀: إذا أراد أن يسلم إلى آخر دراهم، وعرفا السعر ودفع المسلم بعض الدراهم إلى المسلم إليه، وبعضها أعطاها أجير المسلم إليه أو غريمه، أو تقاولا على سعر وفرقها أو استوفى بها ... إلخ؟
فأجاب: إذا أراد إنسان أن يسلم إلى إنسان مائة مثلا، أو ساومه وعرفا السعر، ثم دفعها إليه متفرقة، أو أعطاها أجيره أو غريمه، فاعلم أن الذي عليه جمهور العلماء، أن من شرط صحة السلم: قبض رأس المال في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل القبض بطل العقد، فإن أخر رأس المال في مجلس آخر، وتراضيا على إمضاء العقد، وأسلمها إليه صح ; فإن أسلم إليه بعض الدراهم، صح فيما أسلم إليه، وبطل فيما لم يقبض، فإذا أحضره بعد ذلك، ودفعه إلى المسلم إليه، وقبله، صح كالذي قبله، وأما إذا لم يكن أسلم إليه رأس المال، بل دفعه إلى أجير المسلم إليه أو غريمه، ولم يقبضه المسلم إليه، فإن ذلك لا يصح عند الجمهور.
وأجاب أيضا: لا بد من قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل قبضه لم يصح، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه بيوم أو يومين أو ثلاثة، وأكثر، ما لم يكن شرطا.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر: إذا افترقا في بيع السلم قبل قبض الثمن ... إلخ؟
стр. 2328
فأجاب: وأما إذا طلب رجل من آخر، أن يسلم إليه، فلما كان بعد ذلك بيوم جاءه بالدراهم، يريد أن يسلم إليه، فأبى وقال: بدا لي، فإنه لا يلزمه ذلك، لأنه لابد من قبض رأس مال السلم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل قبضه لم يصح، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي; ومالك: يجوز أن يتأخر بعد يوم أو يومين وأكثر، ما لم يكن ذلك شرطا.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما إذا باع إنسان على آخر طعاما بالكيل، وهو موصوف في الذمة، فيشترط لصحته قبض الثمن في المجلس، لئلا يصير بيع دين بدين، وإن كان الطعام ليس في الذمة، بل هو موجود في منْزل صاحبه، وباع هذا الطعام المعين بكيل معلوم، والمشتري قد رآه أو وصف له، فهذا يصح العقد فيه، وإن لم يقبض الثمن في المجلس، ويلزم العقد فيه بالتفرق من المجلس.
وسئل: عمن أقرض رجلا دراهم، ثم أسلم المقترض إلى غريمه دراهم في طعام، يوفيه بها عن القرص؟
فأجاب: هذا يمنع منه، لأن هذا يتخذ وسيلة إلى أن يسلم إليه الذي في ذمته، فلما علموا أن هذا لا يجوز، وهو إسلام ما في الذمة، اتخذوا هذا حيلة، ولو لم يكن ذلك مقصودا لهما، فإن هذا من باب سد الذرائع عن التحيل إلى إسلام ما في الذمة.
стр. 2329
وسئل: عمن استسلم من آخر دراهم، ثم اشترى بها منه طعاما ... إلخ؟
فأجاب: إن كان بشرط أو مواطأة فلا يجوز، وأما إذا أخذ الدراهم وذهب ليشتري بها من غيره، فلم يجد عند غيره شيئا ثم رجع فاشترى منه، فلا بأس بذلك.
وسئل: إذا أسلم إلى آخر، مثل ما أسلم فلان ... إلخ؟
فأجاب: إذا أسلم رجل على آخر، مثل ما أسلم فلان فهذا سلم فاسد، بل لا بد من تقديره بالكيل، أو الوزن في مجلس العقد، والحديث الصحيح نص في ذلك، وأما ما ذكره الشيخ تقي الدين، وابن القيم رحمهما الله: من صحة البيع بما ينقطع به السعر، وبما باع به فلان، فلا يقولان بذلك في السلم فيما أظن، لأنهما إنما ذكرا ذلك في البيع فقط، مع أن الشارح قال: لا نعلم في اشتراط ذلك خلافا.
سئل الشيخ: سليمان بن عبد الله بن الشيخ، عن الجدد المغشوشة، هل تصح رأس مال سلم؟
فأجاب: وأما جعلها رأس مال سلم، فيصح ذلك لانتفاء المانع، لأنها معلومة.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن جعل رأس مال السلم عرضا.
стр. 2330
فأجاب: يجوز جعل رأس مال السلم عرضا من العروض، على الصحيح.
стр. 2331
فصل (بعض صور المعاملات الربوية)
قال الشيخ: حسن، وإبراهيم وعبد الله وعلي: أبناء الشيخ محمد، ﵏: ومنها- أي المعاملات الربوية- ما يجري في بعض البلدان، إذا حل دين السلم باعه صاحبه على الذي هو في ذمته قبل قبضه فيبيعه ويربح فيه، وهو لم يقبضه؟
وهذا لا يجوز، لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه نهى عن بيع الطعام قبل قبضه: ولا فرق بين من هو عليه وغيره، وفي الحديث الآخر عن النبي ﷺ " أنه نهى عن ربح ما لم يضمن " ١ فإذا باع إنسان طعاما على بائعه، فقد باعه قبل قبضه، وحصل له ربح في طعام لم يدخل في ضمانه، فصار في هذا مخالفا لما نهى عنه النبي ﷺ من البيع قبل القبض، وأخذ ربح ما لم يضمن.
وأجاب أيضا: الشيخ عبد الله: وكذلك إذا حل أجل التمر، وعرف أنه إن أراد أن يأخذ تمره من الكداد، لم يحصل له، وخاف أن يقول إن أخذت تمري وقفت، فإذا تحقق أنه لا يحصل له تمر يأخذه، قال اشتره مني، وجاءه التاجر في نخله، ووزنه ورده عليه، وهذه من الحيل الباطلة، المفضية إلى الربا، فالتمر إذا حل ينبغي أن ينظر في حال ديّانه، فإن علم منه أنه يوفيه تمره بتمامه، ولو ما باع عليه منه
стр. 2332
شيئا، ووزن له وصار مالا للتاجر، إن أراد أخْذَه، أخذه ونقله من عنده، فهذا لا بأس أن يبيعه عليه بعد قبضه، وإن كان ما يحصل له أن ينقله، وعرف أنه إن لم يبعه، عليه لم يوفه، فهذا لا يجوز بيعه، فإن باعه فهو بيع فاسد، والحيل ما تحل الحرام، ولا تجوز في أمور الدين.
وأجاب أيضا: إذا كان لإنسان عند آخر تمر، فباعه على الذي هو في ذمته قبل قبضه، فهو بيع فاسد بالسنة الثابتة، عن النبي ﷺ أنه " نهى عن بيع الطعام قبل قبضه " وهو عام في النهى عن بيعه ممن هو عليه، أو من أجنبي، ولأنه إذا باعه لمن هو في ذمته، فقد ربح فيما لم يدخل في ضمانه، وقد ثبت في السنن عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربح ما لم يضمن، وحكى في المبهج رواية عن أحمد: أنه يجوز بيعه من بائعه قبل قبضه، رواية ضعيفة في المذهب، لأنها تخالف ظاهر السنة، وتخالف ما عليه الجمهور، بل أكثر العلماء: أنه لا يجوز الاعتياض عن المسلم فيه قبل قبضه قال في المغني: فأما بيع المسلم فيه من بائعه، فهو أن يأخذ عما أسلم فيه عوضا عن المسلم فيه، فهذا حرام سواء كان المسلم فيه موجودا أو معدوما، وسواء كان العوض مثل المسلم فيه في القيمة، أو أقل أو أكثر، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وذكر ابن أبي موسى عن أحمد رواية أخرى، فيمن أسلم في بر فعدمه عند المحل فرضي أن يأخذ الشعير مكان
стр. 2333
البر جاز، ولم يجز أكثر من ذلك، وهذا يحمل على الرواية التي فيها: البر والشعير جنس واحد، والصحيح في المذهب خلافه، وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلم فيه مكانه، يتعجله ولا يؤخره، إلا الطعام، قال ابن المنذر: ثبت أن ابن عباس قال: "إذا أسلم في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلمت فيه وإلا فخذ عوضا أنقص منه، ولا تربح مرتين،" رواه سعيد; ولنا: قول النبي ﷺ " من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره " ١ رواه أبو داود، وابن ماجه، ولأن أخذ العوض عن المسلم فيه بيع له، فلم يجز، كبيعه من غيره، انتهى.
فتبين بما ذكرناه: أن بيع المسلم فيه قبل قبضه لا يجوز، ولو لمن هو في ذمته، كما هو ظاهر الأحاديث، ومن أجاز ذلك احتج بكلام ابن عباس، وكلام ابن عباس لا تعارض به سنة رسول الله ﷺ وأيضا فقوله: ولا تربح مرتين، يخالف ظاهر الحديث، عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربح ما لم يضمن، لأنه نهى عن ربحه مطلقا، والمسلم فيه قبل قبضه من ضمان البائع، فلا يباح ربحه قبل قبضه.
وسئل أيضا إذا باع العامي دين السلم قبل قبضه؟
فأجاب: لا يجوز ذلك، كما نص عليه في الشرح، واستدل عليه بالحديث الصحيح، وأما الرواية الثانية، التي اختارها الشيخ، فالمراد جواز بيعه من بائعه فقط لا مطلقا، بدليل تعليل الشيخ بذلك، قال في المبدع وغيره: رواية بأنه
стр. 2334
يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه، اختاره الشيخ، وقال هو قول ابن عباس، لكن يكون بقدر القيمة فقط، لئلا يربح فيما لم يضمن قال: وكذا كره أحمد في بدل القرض، انتهى.
وبدليل ما ذكره صاحب الإنصاف، عند قول صاحب المقنع: ومن اشترى مكيلا أو موزونا، لم يجز بيعه حتى يقبض، هذا هو المذهب مطلقا، وعليه الأصحاب. وعنه: يجوز لبائعه، اختاره الشيخ، وجوز التولية فيه والشركة، انتهى.
فدل ذلك على أن المراد بيعه من بائعه، والصحيح عندنا عدم جواز بيعه من بائعه وغيره حتى يقبضه، فيكون بيع العامي المسؤول عنه باطلا، لمخالفته للحديث: " نهي عن بيع الطعام قبل قبضه " ثم رأيت كلام الشيخ في الاختيارات على عمومه، كما ذكره صاحب الإنصاف في السلم، فقال: يصح بيع الدين في الذمة من الغريم وغيره، وهو رواية عن أحمد، وقاله ابن عباس لكن يكون بقدر القيمة، لئلا يربح فيما لم يضمن.
وأجاب أيضا: وإذا كان لإنسان عند آخر تمر، وأمر صاحب التمر الذي هو عنده، أن يبيعه على أجنبي أو غيره، فهذه مسألة استنابة من عليه الحق للمستحق، وهي جائزة، لكن لا يجوز له بيعه حتى يقبضه من نفسه لموكله، فإذا قبضه ثم باعه جاز، ولا بد من وزن ثان، إلا أن يكون المشتري قد حضر الوزن الأول، فيجري فيه الخلاف الذي تقدم، وتقدم في باب البيع.
стр. 2335
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمهما الله: وكذلك بيع دين السلم، لا يجوز إلا بعد قبضه، ولو على من هو في ذمتة، وهذا قول جمهور العلماء، وهو الأصح إن شاء الله تعالى.
وأجاب أيضا: وأما إذا قبض دين السلم قبضا تاما، يتمكن من التصرف فيه، جاز له أن يبيعه على من أوفاه به مطلقا، وليست هذه من صور عكس العينة.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما دين السلم فلا يباع قبل القبض، ولا يؤخذ ممن هو عليه عوض عن دين السلم، في قول أكثر العلماء.
وأجاب أيضا: أما بيع دين السلم لمن هو عليه، فأكثر أهل العلم لا يجوزونه، والشيخ ابن تيمية يرى الجواز.
وأجاب أيضا وأما بيع دين السلم المستقر لمن هو في ذمته، فيشترط لصحته: أن يكون بسعر يومه، وأن يقبض العوض في المجلس، كما إذا أخذ عن الذهب فضة وعكسه.
وأجاب الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: وأما قولكم: إن حل الربا أفتى به الشثري ... الخ، فلا يخفى عليك أن التحليل والتحريم، إذا كان مخالفا للكتاب والسنة، وفعل ذلك متعمدا، فهذا كفر; وقد ذكر العلماء: أن من أحل ما حرمه الله، وحرم ما أحله الله، فهو كافر، وأما إذا كانت الفتوى في المسائل
стр. 2336
الخلافية، وأخذ بأحد أقوال العلماء، إما مجتهدا، أو مقلدا، فهذا لا ينكر عليه ولا يضلل، فضلا عن كونه يرمى بأعظم من ذلك.
وأما المسألة التي أفتى بها، فقد سبقه على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه، وطائفة من العلماء، فقال في الجواب لما سئل عن رجل باع قمحا بثمن مؤجل، فلما حل الأجل لم يكن عند المدين إلا قمح، هل يجوز له أن يأخذ قمحا؟
فأجاب: نعم يجوز له أن يأخذ قمحا، وليس في ذلك ربا عند أكثر العلماء، كأبي حنيفة والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد، إذا كان أخذ القمح أرفق بالمدين، فالأفضل أخذه، انتهى، قال الموفق: والذي يقوى عندي جوازه، إذا لم يفعله حيلة، ويقصده في ابتداء العقد، انتهى.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، في جواب له، المسألة الأولى: إذا اشترى إنسان من آخر طعاما يجري فيه الربا بنسيئة ثم اشترى منه بذلك الثمن ما لا يجوز بيعه به نسيئة، ففي المسألة خلاف مشهور، فمذهب أحمد وطائفة تحريم ذلك، ومذهب الشافعي جوازه.
واختار الشيخ تقي الدين جواز ذلك للحاجة، وكثير من أهل الزمان لو لم يأخذ منه غريمه طعاما، ما أوفاه فلو امتنع من أخذ الطعام ذهب حقه، فالظاهر أن الشيخ يجيز ذلك ; لأن هذا حاجة أبلغ إلى احتياجه إلى الطعام، إلى آخر كلامه.
إذا تحققت هذا: فلا ينبغي الاعتراض على الشثري فيما
стр. 2337
أفتى به، لأنه أخذ بكلام من ذكرنا من أهل العلم، ولو وجهنا العتب عليه، لتوجه العتب على من قاله من العلماء قبله، ولا ينبغي لنا أن نتعرض على من تقدمنا من العلماء، ولا من تأخر ما لم يكن مخالفا لكتاب الله وسنة رسوله.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن رجل أعطى رجلا دراهم مضاربة، يسلمها في الثمرة وبعد ذلك احتاج، وقال: رد علي دراهمي، ويصير لك الطعام المؤجل؟
فأجاب: هذا بيع لدين السلم قبل قبضه، وفي الحديث الذي رواه الجماعة " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " ١
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن التولية في دين السلم ... إلخ؟
فأجاب: لا تصح، لكونها من أنواع البيع، لكنها اختصت بهذه الأسماء، كاختصاص الصرف والسلم بأسمائها، والجميع بيع، فالتولية: البيع برأس المال، والشركة: بيع بعضه بقسطه من الثمن، ولا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه، قال في المغني والشرح: بغير خلاف نعلمه، لنهيه ﵇ عن بيع الطعام قبل قبضه.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن أخذ الشعير عن البر في السلم؟
стр. 2338
الاختلاف في حلول الأجل
فأجاب: وأما أخذ صاع شعير عن صاع بر فلا يجوز.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن أخذ دابة ونحوها عما في الذمة ... إلخ؟
فأجاب: وأما أخذ الدابة عما في ذمة المدين من الطعام، فلا يجوز على قول جمهور العلماء، لأنه صرف للسلم إلى غيره، وهو منهي عنه، وأجازه ابن عباس إذا كان أقل من قيمة الطعام، فإنه قال: "خذ عرضا أنقص ولا تربح مرتين".
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن دين السلم الثابت في الذمة، هل يصح الشراء به من الذي هو في ذمته عرضا؟ كأرض أو نخل أو غير ذلك؟
فأجاب: لا يجوز عند أكثر العلماء أن يأخذ عرضا عن دين السلم ممن هو في ذمته، واحتجوا بحديث " من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره " ١ وعن أحمد رواية أخرى: أنه يجوز أن يأخذ عرضا بدون حقه، اختاره الشيخ لقول ابن عباس: "إذا أسلفت في شيء فإن أخذت ما أسلفت فيه وإلا خذ عرضا أنقص منه ولا تربح مرتين" وعند مالك: يجوز أن يأخذ غير الطعام يتعجله ولا يتأجله، فبان لك أن الجمهور على المنع مطلقا، واختيار الشيخ الذي هو رواية عن أحمد ما ذكرته، وعليه عمل أهل هذه البلدان فيما مضى.
سئل الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عمن
стр. 2339
باع ربويا بدراهم نسيئة على شخص، ثم أحاله على آخر بما له عليه هل يجوز أن يعتاض عنها ربويا، على كلام الفقهاء؟
فأجاب: أما إذا باع ربويا بدراهم نسيئة على شخص، ثم أحاله على آخر بما له عليه، فاعتاض عنها ربويا، فإنه لا بأس بذلك، لأنه إنما منع من الاعتياض عن ثمن الربوي، بما لا يباع به نسيئة من منعه، لكونه ذريعة إلى بيع الربوي بالربوي نسيئة، وهذا إنما يتصور بين البائع والمشتري، والاعتياض في مسألتنا، إنما هو بين المشتري والمحال عليه، وهو أجنبي من العقد الأول، الواقع بين البائع والمشتري.
وسئل أيضا: عن بيع العجم- وهو النوى- بالطعام نسيئة؟
فأجاب: أما بيع العجم بالطعام نسيئة فلا يصح لكونه مكيلا بناء على المشهور عند أصحابنا الحنابلة رحمهم الله تعالى، من أن علة ربا الفضل في الطعام كالتمر ونحوه، هي الكيل فقط، وأما عند من يجعل علة ربا الفضل في التمر ونحوه، هي كونه مكيلا مطعوم آدمي، كما هو اختيار الموفق، والشيخ تقي الدين، ومن يجعل العلة هي الطعم فقط، ومن لا يعلل، كالمانعين من القياس، المخصصين الأعيان الواردة في حديث عبادة بالربا، فلا بأس بذلك.
وأجاب بعضهم: وأما إذا أسلم رجل على آخر ريالا
стр. 2340
بحب إلى أجل معلوم، فلما حل الأجل أعسر صاحب الحب، فنقول: هل يجوز أن يأخذ عرضا عن الحب؟ حيوانا أو غيره؟ فهذه المسألة فيها روايتان عن الإمام أحمد، الأولى- وهي المقدمة عندهم- ليس له إلا ما أسلم فيه، لقوله ﵇ " من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره " ١ والرواية الثانية: يجوز، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لقول ابن عباس: "إذا أسلمت في شيء إلى أجل، فإن أخذت ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضا أنقص منه ولا تربح مرتين" والله أعلم أن المراد بقدر القيمة.
وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عرض علينا أحمد العجيري كتابا فيه حكم سعيد بن عيد، بصحة العقد والبيع الذي صدر من سهل بن باتل، في بيع النخل بالدين الحال الذي في الذمة قبل قبضه، وكتب على هذا الحكم بأنه لا ينقض إذا حكم به من يراه، وقد حكم به شيخنا محمد بن عبد الوهاب ﵀، كما حدثني به الوالد عفا الله عنه، وقال بصحته شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم رأيت ابن عوين تعرض لهذا ولم ينشرح له صدره ; لأنه رأى خلافا لبعض الفقهاء، نسبه لكل العلماء، ولم ينظر ما قالوه في أن حكم القاضي لا ينقض بمثل هذا الخلاف، وهو في كتابه الذي نقله، إذا عرفت هذا: فالعمل على ما حكم به سعيد لا ينقض، والله أعلم.
وسئل: إذا اتفقا على تقويم الرهن بثمن حاضر،
стр. 2341
وحسبوا الطعام المؤجل بسعر وقته، بدراهم، على صاحب الرهن؟
فأجاب: هذا لا يجوز، لأنه اعتياض دراهم زائدة على رأس ماله، فهذا عين الربا وليس له إلا ما أسلم فيه، أو رأس ماله إن اتفقا على فسخ العقد، وأما الربح والتقويم بسعر الوقت، فهذا لا يصح.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا كان لرجل على آخر طعام، فلم يجد عنده ما يوفيه، فأعطاه دراهم على السعر عن الطعام الذي في ذمته ... إلخ؟
فأجاب: لا يجوز ذلك، وهو قول جمهور العلماء، قال في المغني والشرح: لا نعلم فيه خلافا، أعني إذا كان الطعام سلما أو مبيعا، وإن لم يكن سلما وكان عمارة نخل، أو قرضا أو أجرة أو قيمة متلف، فهذا يجوز لصاحبه أن يأخذ ثمنه ممن هو في ذمته، بشرط قبضه في المجلس، لئلا يكون بيع دين بدين ; لأنه ليس مبيعا، وأما السلم والمبيع، فلا يجوز بيعه قبل قبضه ولو لبائعه، وذلك لصحة الأحاديث عن رسول الله ﷺ بالنهي عنه. فثبت في الصحيحين عنه ﷺ قال " من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه " ١ وفي لفظ في الصحيحين " فلا يبعه حتى يكتاله " ٢ فإذا باعه رب الدين لبائعه قبل قبضه، فقد خالف النصوص الواردة عن النبي ﷺ من وجهين
أحدهما: أنه باعه
стр. 2342
قبل قبضه، والنبي ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، ولم يفرق بين بيعه لمن هو عليه وبين غيره، ومن زعم أن بيعه لمن هو عليه جائز، فعليه الدليل الذي يخصص العموم، وإلا فلا يجوز مخالفته السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ لقول أحد من الناس.
الثاني: أنه قد ثبت في السنن عن النبي ﷺ أنه نهى عن ربح ما لم يضمن، فإذا باعه لبائعه بربح فقد ربح فيما لم يضمن، لأنه لا يدخل في ضمانه إلا بعد قبضه، فيصير هذا الربح حراما، وقد أخذ جمهور العلماء بظاهر الأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وأجروها على ظاهرها وعمومها، وشمولها للبائع وغيره، حتى إنهم منعوا من الاعتياض عن المسلم فيه، فقالوا: لا يجوز أن يأخذ عنه عوضا، ولا يستبدل به، واحتجوا لذلك بما روى أبو داود، وابن ماجه عن النبي ﷺ قال: " من أسلم في شيء فلا يصرفه إلى غيره " ١.
وغاية ما يحتج به من أجاز بيعه لبائعه قبل قبضه: كلام الشيخ تقي الدين ﵀، الذي حكاه صاحب الإنصاف وغيره، أنه أجاز ذلك، واحتج بكلام ابن عباس الذي رواه عنه ابن المنذر، ومثل هذا لا تعارض به النصوص الصحيحة عن النبي ﷺ في منع بيع الطعام قبل قبضه، والشيخ ﵀ من الأئمة المجتهدين، لكن إذا خالف كلامه الحديث الصحيح، وجب الأخذ بالحديث الصحيح دون ما خالفه، وما
стр. 2343
أحسن ما قاله الشافعي: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، ومعلوم: أن الشيخ ﵀ قد اطلع على هذه الأحاديث، في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وأنه تأولها.
لكن إذا لم نعلم وجه تأويله، ولم يتبين لنا رجحان دليله، لم يجز لنا أن نخالف هذه الأدلة الثابتة عن النبي ﷺ في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، بل نجريها على عمومها للبائع وغيره، حتى يثبت عندنا دليل راجح يخصص هذا العموم، وإلا فلا يجوز لنا أن نتركها تقليدا للشيخ ﵀، ولا غيره، بل يجب اتباع النص.
فإذا أفتى بعض المفتين بخلافها، وعارض الأحاديث بكلام الشيخ، وكلام ابن عباس، أجيب بما أجاب به ابن عباس لمن خالفه في المتعة، حيث يقول: "يوشك أن تنْزل عليكم حجارة من السماء أقول قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر" وأبلغ من هذا في الزجر عن مخالفة النصوص، لقول بعض العلماء، قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] ، كما استدل بها الإمام أحمد، فقال: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [سورة النور آية: ٦٣] أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله، أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك.
стр. 2344
فالواجب فيما تنازع فيه العلماء: رده إلى الله وإلى رسوله، كما قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٠] وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] فإذا وجدنا مسألة قد اختلف فيها العلماء، وجب علينا الرد إلى النصوص، فما وافق النصوص وجب الأخذ به، وما خالفها وجب رده.
وأما تركها لقول بعض العلماء، والتعليل بأنهم أعلم منا بمعانيها، فلا يجوز، بل هذا عين التقليد المذموم الذي أنكره شيخنا ﵀، كما أنكره العلماء قبله.
وسئل أيضا: إذا أراد أن يشتري له طعاما من السوق فقال صاحب الطعام أعطني ثمن طعامي الذي لي عليك، ذهبا أو فضة، على ما كان يباع في السوق؟
فأجاب: أما إذا أسلم على رجل في طعام، ولم يوجد ذلك الطعام عند الحلول، فلا يجوز له أن يأخذ عن الطعام دراهم على السعر، هذا الذي يترجح عندي في المسألة.
وسئل إذا دفع إلى آخر دراهم، وقال اشتر بها طعاما مثل الذي لك علي؟
فأجاب: الأظهر عدم الصحة.
وأجاب أيضا: إذا كان لرجل تمر على آخر، ودفع إلى
стр. 2345
غريمه دراهم يشتري له بها تمرا مثل الذي عليه، فهذه المسألة فيها تفصيل، قال في المغني: ولو دفع زيد إلى عمرو دراهم، وقال: اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك علي، لم يصح ; لأن دراهم زيد لا يكون عوضها لعمرو، فإن اشترى الطعام بعينها أو في ذمته، فهو كتصرف الفضولي، وإن قال اشتر لي بها طعاما، ثم اقبضه لنفسك ففعل جاز، وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز، لأنه لا يجوز أن يكون قابضا من نفسه لنفسه، انتهى.
فتبين بما ذكرناه: أن الذي يجوز في مسألة السؤال، أن يدفع إليه الدراهم ويأمره أن يشتري بها للدافع، فإذا اشترى بها طعاما لموكله قبضه الوكيل للموكل ثم أذن له الموكل أن يقبضه لنفسه قبضا ثانيا، وفعل ذلك جائز، ومنعه أصحاب الشافعي.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: لا يصح أن يدفع إليه دراهم عن الذي له عليه من التمر، وطريق الصحة أن يقول: اشتر بها طعاما واقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك فيصح.
قال الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: يجري عندكم مسألتان، الأولى: صورة المقاصة، يريد بعض الناس أن يحتال على المنهي عنه، من بيع الطعام قبل قبضه، ويقول للشريك - إذا جاء بدراهم - بعها علي بتمر، قدر الذي في
стр. 2346
ذمته، ثم يتساقطان، ويجعل هذا من المقاصة المباحة ; وكذلك ذكروا: إذا اشترى منه سلعة، وشرط عليه أن يوفيه بها، صح العقد وفسد الشرط، وبعض الناس: يريد أن يجعل هذه حيلة إلى قلب الدين الذي في ذمته دينا آخر، وينسب الصحة إلى الإقناع والمنتهى، وهما من أشد الناس كلاما وتحريما لمثل هذا، حتى إنهما يحرمان صورا مع كون المتعاقدين لم يقصدا الحيلة، لئلا يتخذ ذريعة، مثل العينة وغيرها.
وأنا قد ذكرت لكم مرارا: إذا ادعى أحد في هذا وأمثاله الجواز، فاسألوه عن الحيل المحرمة التي هي مخادعة لله، ما معناها وما صورتها؟ مثال ذلك: أنك تسألني عن رجل اشترى منك سلعة بعشرين مشخصا وهي تساوي العشرين ثيابا أو طعاما أو غيرهما، قلت لك: هذا صحيح بالإجماع ; فإذا قلت: إنه لم يشتر مني، ولم أبرئه إلا لأنه يريد أن يقرضني مائتي مشخص، بربح عشرين مشخصا، وقال لي: هذا ربا لا يصح، ولكن بعني سلعة تساوي عشرين، ثم بعد ذلك أبرئني منها، قلت لك هذا صريح الربا، والمخادعة لله بلا شك وكذلك أشباه هذه الصورة، فالذي يجعل التحيل على بيع الطعام قبل قبضه من المقاصة، أو يجعل بيع السلعة ليوفيه بها، حيلة إلى جعل كون رأس مال السلم دينا، مع تصريحهم بتحريمه بلا هذه الحيلة، اسألوه: ما الفرق بين هاتين الصورتين وبين تلك؟، فإنه لا يجد فرقا إلا بالمكابرة.
стр. 2347
وههنا فائدة: ينبغي التنبيه عليها، وهي: أن الحيل على الربا قد نشأتم عليها أنتم ومشايخكم، وتسمونها "التصحيح" والأمور التي نشأ الإنسان عليها، صعب عليه مفارقتها بالكلية، والاستجابة لله والرسول، وترك مذهب الآباء وما عليه المشايخ، أمر عظيم لا يوفق له أكثر الخلق، فأمر الحيل ومسائله مثل أمر الشرك، فكما أنكم لم تفهموا الشرك أول مرة، ولا ثانية ولا ثالثة، ولم تفهموه كله إلى الآن، فكذلك الحيل، لأجل نشأتكم عليها، وتسميتها التصحيح تحتاج منكم إلى نظر وفطنة، فأكثروا التدبر لها، والمطالعة والتمثيل في إغاثة اللهفان وغيرها.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما مسألة المقاصة، فتفهم كلامهم فيها، وصرح صاحب المغني بجواز المقاصة، لكن ذكر الخلوتي بحثا، فقال: لعل ذلك ما لم يكن حيلة، ومراده في صورة المقاصة، فيما إذا اشترى بثمن نقده ثم أوفاه به، ولا يبعد المنع من ذلك مع الحيلة.
سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عمن اشترى تمرا نسيئة من غريمه، ثم رده عليه عما في ذمته؟
فأجاب: إن كان قبضه قبضا صحيحا، جاز أن يوفيه به المشتري، إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه، بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء لعسرته، واضطره إلى أن يستدين له من نفسه ليوفيه، فهذا لا يجوز لوجهين،
أحدهما: أن
стр. 2348
المعسر يجب إنظاره، وهذا إضرار به يزيد به عسرته
الثاني. أنه من قلب الدين الذي نص عليه العلماء ﵏ كشيخ الإسلام ابن تيمية- أنه لا يجوز.
الحوالة بدين السلم
سئل الشيح عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: إذا أسلم رجل دراهم بتمر أو حب، فلما حل الأجل وخاف صاحب السلم أن التمر الذي أسلم فيه لا يساوي رأس ماله، وقال صاحبه: ما أبغي إلا رأس مالي إلى أجل، ولولا الأجل ما رضي صاحب الدين.
فأجاب: هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، والأحسن والأحوط تركها.
وسئل عن الحوالة بدين السلم؟
فأجاب: أما الحوالة بدين السلم، فقال في المغني: وأما الحوالة به فغير جائزة، ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل طعام من سلم، وعليه مثله من قرض أو سلم أو بيع، فيحيل من عليه الطعام على الذي له عنده السلم، فلا يجوز، وإن أحال المسلم إليه بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا، لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم يجز كالبيع، انتهى كلامه.
واختار الشيخ تقي الدين: جواز الحوالة بدين السلم والحوالة عليه، وعلله بتعاليل جيدة، فعلى القول بجوازه لا يجوز للمحال بيعه قبل قبضه من نفسه، فلا بد أن يقبضه من
стр. 2349
نفسه قبل البيع، فإذا قبضه ثم بعد ذلك باعه لموكله، فلا بأس إن شاء الله ; وأما الشافعية فلا يجوزون القبض في مثل هذه الصورة ; وأما الحوالة بالمسلم فيه، فالأكثرون لا يجوزونه، وأجازه الشيخ تقي الدين لأنه لا محذور فيه ; لأن الحوالة ليست بيعا.
الإقالة في السلم
وسئل هل تجوز الإقالة في جميع ما أسلم فيه، أو تجوز في البعض؟
فأجاب: حكى ابن المنذر على جوازها الإجماع، وفي جوازها في البعض روايتان، والأظهر جوازها في البعض.
وسئل: إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها، هل يصرف ذلك الثمن في عقد آخر؟
فأجاب: هذه المسألة فيها خلاف، والأظهر من ذلك المنع.
وسئل: إذا تقايلا دين السلم، فهل يجوز التفرق قبل قبض رأس المال؟
فأجاب: قال في المنتهى ويجوز إقالة في السلم وبعضه، بدون قبض رأس ماله، أو عوضه إن تعذر في مجلسه، لأنه إذا حصل الفسخ ثبت الثمن في ذمة البائع، فلم يشترط قبض بدله في المجلس كالقرض، وفيه وجه: يشترط، انتهى، قلت: هو الذي جزم به في مختصر الشرح، والله أعلم.
стр. 2350
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: حكى ابن المنذر الإجماع على جوازها في جميعه، وفي البعض روايتان عن أحمد، ولا بد من قبض رأس المال في مجلس الإقالة.
أخذ الثمار في السلم خرصا
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عن رجل له تمر معلوم المقدار على رجل آخر فلما حضرت ثمرته أخذه خرصا بلا وزن بتراض منهما، ورجل له آصع معلومة كيلا، فاستوفى منها سنبلا وزنا، دق منه زنبيلا وكالوه، فلما عرفوا قدره كيلا أخذ باقيه وزنا بقدره؟
فأجاب: الاستيفاء أوسع من غيره، فلم ير به بأسا.
وأجاب أيضا: وأما أخذ الثمار في السلم خرصا، فالذي يتوجه عندنا الجواز، إذا كان الثمر المأخوذ دون ما في الذمة بيقين، لحديث جابر المخرج في الصحيح، فيكون من باب أخذ الحق والإبراء عما بقي.
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: يجوز أن يأخذ المسلم فيه جزافا، مثل أن يأخذ ثمرة من التمر خرصا على رءوس النخل، أو في البيدر ; قال البخاري -رحمه الله تعالى-: باب إذا قاص أو جازف في الدين فهو جائز، تمرا بتمر أو غيره، ثم روى بإسناده عن جابر: "أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ يشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل