ذمته، ثم يتساقطان، ويجعل هذا من المقاصة المباحة ; وكذلك ذكروا: إذا اشترى منه سلعة، وشرط عليه أن يوفيه بها، صح العقد وفسد الشرط، وبعض الناس: يريد أن يجعل هذه حيلة إلى قلب الدين الذي في ذمته دينا آخر، وينسب الصحة إلى الإقناع والمنتهى، وهما من أشد الناس كلاما وتحريما لمثل هذا، حتى إنهما يحرمان صورا مع كون المتعاقدين لم يقصدا الحيلة، لئلا يتخذ ذريعة، مثل العينة وغيرها.
وأنا قد ذكرت لكم مرارا: إذا ادعى أحد في هذا وأمثاله الجواز، فاسألوه عن الحيل المحرمة التي هي مخادعة لله، ما معناها وما صورتها؟ مثال ذلك: أنك تسألني عن رجل اشترى منك سلعة بعشرين مشخصا وهي تساوي العشرين ثيابا أو طعاما أو غيرهما، قلت لك: هذا صحيح بالإجماع ; فإذا قلت: إنه لم يشتر مني، ولم أبرئه إلا لأنه يريد أن يقرضني مائتي مشخص، بربح عشرين مشخصا، وقال لي: هذا ربا لا يصح، ولكن بعني سلعة تساوي عشرين، ثم بعد ذلك أبرئني منها، قلت لك هذا صريح الربا، والمخادعة لله بلا شك وكذلك أشباه هذه الصورة، فالذي يجعل التحيل على بيع الطعام قبل قبضه من المقاصة، أو يجعل بيع السلعة ليوفيه بها، حيلة إلى جعل كون رأس مال السلم دينا، مع تصريحهم بتحريمه بلا هذه الحيلة، اسألوه: ما الفرق بين هاتين الصورتين وبين تلك؟، فإنه لا يجد فرقا إلا بالمكابرة.
стр. 2347
وههنا فائدة: ينبغي التنبيه عليها، وهي: أن الحيل على الربا قد نشأتم عليها أنتم ومشايخكم، وتسمونها "التصحيح" والأمور التي نشأ الإنسان عليها، صعب عليه مفارقتها بالكلية، والاستجابة لله والرسول، وترك مذهب الآباء وما عليه المشايخ، أمر عظيم لا يوفق له أكثر الخلق، فأمر الحيل ومسائله مثل أمر الشرك، فكما أنكم لم تفهموا الشرك أول مرة، ولا ثانية ولا ثالثة، ولم تفهموه كله إلى الآن، فكذلك الحيل، لأجل نشأتكم عليها، وتسميتها التصحيح تحتاج منكم إلى نظر وفطنة، فأكثروا التدبر لها، والمطالعة والتمثيل في إغاثة اللهفان وغيرها.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما مسألة المقاصة، فتفهم كلامهم فيها، وصرح صاحب المغني بجواز المقاصة، لكن ذكر الخلوتي بحثا، فقال: لعل ذلك ما لم يكن حيلة، ومراده في صورة المقاصة، فيما إذا اشترى بثمن نقده ثم أوفاه به، ولا يبعد المنع من ذلك مع الحيلة.
سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عمن اشترى تمرا نسيئة من غريمه، ثم رده عليه عما في ذمته؟
فأجاب: إن كان قبضه قبضا صحيحا، جاز أن يوفيه به المشتري، إذا كان له قدرة على أن يوفيه دينه، بخلاف ما إذا كان لا يقدر على الوفاء لعسرته، واضطره إلى أن يستدين له من نفسه ليوفيه، فهذا لا يجوز لوجهين،
أحدهما: أن
стр. 2348
المعسر يجب إنظاره، وهذا إضرار به يزيد به عسرته
الثاني. أنه من قلب الدين الذي نص عليه العلماء ﵏ كشيخ الإسلام ابن تيمية- أنه لا يجوز.
الحوالة بدين السلم
سئل الشيح عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: إذا أسلم رجل دراهم بتمر أو حب، فلما حل الأجل وخاف صاحب السلم أن التمر الذي أسلم فيه لا يساوي رأس ماله، وقال صاحبه: ما أبغي إلا رأس مالي إلى أجل، ولولا الأجل ما رضي صاحب الدين.
فأجاب: هذه مسألة فيها خلاف بين العلماء، والأحسن والأحوط تركها.
وسئل عن الحوالة بدين السلم؟
فأجاب: أما الحوالة بدين السلم، فقال في المغني: وأما الحوالة به فغير جائزة، ومعنى الحوالة به: أن يكون لرجل طعام من سلم، وعليه مثله من قرض أو سلم أو بيع، فيحيل من عليه الطعام على الذي له عنده السلم، فلا يجوز، وإن أحال المسلم إليه بالطعام الذي عليه لم يصح أيضا، لأنه معاوضة بالمسلم فيه قبل قبضه، فلم يجز كالبيع، انتهى كلامه.
واختار الشيخ تقي الدين: جواز الحوالة بدين السلم والحوالة عليه، وعلله بتعاليل جيدة، فعلى القول بجوازه لا يجوز للمحال بيعه قبل قبضه من نفسه، فلا بد أن يقبضه من
стр. 2349
نفسه قبل البيع، فإذا قبضه ثم بعد ذلك باعه لموكله، فلا بأس إن شاء الله ; وأما الشافعية فلا يجوزون القبض في مثل هذه الصورة ; وأما الحوالة بالمسلم فيه، فالأكثرون لا يجوزونه، وأجازه الشيخ تقي الدين لأنه لا محذور فيه ; لأن الحوالة ليست بيعا.
الإقالة في السلم
وسئل هل تجوز الإقالة في جميع ما أسلم فيه، أو تجوز في البعض؟
فأجاب: حكى ابن المنذر على جوازها الإجماع، وفي جوازها في البعض روايتان، والأظهر جوازها في البعض.
وسئل: إذا انفسخ العقد بإقالة أو غيرها، هل يصرف ذلك الثمن في عقد آخر؟
فأجاب: هذه المسألة فيها خلاف، والأظهر من ذلك المنع.
وسئل: إذا تقايلا دين السلم، فهل يجوز التفرق قبل قبض رأس المال؟
فأجاب: قال في المنتهى ويجوز إقالة في السلم وبعضه، بدون قبض رأس ماله، أو عوضه إن تعذر في مجلسه، لأنه إذا حصل الفسخ ثبت الثمن في ذمة البائع، فلم يشترط قبض بدله في المجلس كالقرض، وفيه وجه: يشترط، انتهى، قلت: هو الذي جزم به في مختصر الشرح، والله أعلم.
стр. 2350
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: حكى ابن المنذر الإجماع على جوازها في جميعه، وفي البعض روايتان عن أحمد، ولا بد من قبض رأس المال في مجلس الإقالة.
أخذ الثمار في السلم خرصا
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عن رجل له تمر معلوم المقدار على رجل آخر فلما حضرت ثمرته أخذه خرصا بلا وزن بتراض منهما، ورجل له آصع معلومة كيلا، فاستوفى منها سنبلا وزنا، دق منه زنبيلا وكالوه، فلما عرفوا قدره كيلا أخذ باقيه وزنا بقدره؟
فأجاب: الاستيفاء أوسع من غيره، فلم ير به بأسا.
وأجاب أيضا: وأما أخذ الثمار في السلم خرصا، فالذي يتوجه عندنا الجواز، إذا كان الثمر المأخوذ دون ما في الذمة بيقين، لحديث جابر المخرج في الصحيح، فيكون من باب أخذ الحق والإبراء عما بقي.
وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: يجوز أن يأخذ المسلم فيه جزافا، مثل أن يأخذ ثمرة من التمر خرصا على رءوس النخل، أو في البيدر ; قال البخاري -رحمه الله تعالى-: باب إذا قاص أو جازف في الدين فهو جائز، تمرا بتمر أو غيره، ثم روى بإسناده عن جابر: "أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ يشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي ليأخذ تمر نخله بالذي له، فأبى، فدخل
стр. 2351
رسول الله ﷺ الحديقة فمشى فيها، ثم قال لجابر: جُذَّ له فأوف الذي له فجَذَّه بعدما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضل له سبعة عشر وسقا، فجاء جابر النبي ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره فقال: أخبر بذلك ابن الخطاب فذهب جابر إلى عمر فأخبره، فقال: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليبارَكَنَّ فيها" ١ انتهى.
فترجمة البخاري، والحديث الذي ذكره، دال على جوازه، وهو اختيار شيخنا ﵀، وترجم البخاري على حديث جابر ترجمة أخرى، فقال: باب إذا قضى دون حقه وحلله فهو جائز، انتهى ; وباب الإيفاء عندهم أوسع من باب البيع، ويغتفر فيه ما لا يغتفر في البيع.
وأما كلام الفقهاء، فقال في المغني والشرح: لا يقبض ما أسلم فيه كيلا إلا بكيل، ولا وزنا إلا بوزن، ولا بغير ما قدر به وقت العقد، لأن الكيل والوزن يختلفان، فإن قبضه بذلك، أي قبض المكيل وزنا، والموزون كيلا، فهو كقبضه جزافا، ومتى قبضه جزافا، فإنه يأخذ قدر حقه ويرد الباقي، ويطالب بالنقص إن نقص، وهل له أن يتصرف في قدر حقه من قبل أن يعتبره؟ على وجهين، انتهى.
فمعنى كلامهم: أنه إذا قبضه جزافا فلا بأس به، لكن لا يتصرف فيه ببيع أو نحوه حتى يعتبره بما قدر به، وهذا على الرواية الأولى التي هي المذهب عندهم، وقد عرفت أن الراجح الجواز.
стр. 2352
وأجاب أيضا: وأما إذا قبض التمر خرصا، بأن يكون في ذمة زيد لعمرو تمر قرضا أو سلما، فأراد أن يأخذ منه نخلة بخرصها من الدين الذي في ذمته، فلا أعلم فيه منعا إذا تراضيا على ذلك، ولم يكن بينهما شرط عند العقد، فأما مع الشرط فلا يجوز خصوصا في مسألة القرض، فهو أبلغ، لأن كل قرض جر نفعا فهو ربا.
وقال أيضا: ومن الأمور المنهي عنها: أن التاجر يأتي فأخبره، ويأخذ نخله منه خرصا أو بعضه، وفي ذمته له شيء معلوم، فيصير أخذ مجهولا عن معلوم، وهذا ربا، وكذلك أعظم من هذا: أن يشتريه منه كدّاد النخل أو غيره، وهو في رءوسه، بلا كيل ولا وزن ولا قبض، وهذا نهى عنه الرسول ﷺ نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، فالذي ننصحكم به التواصي بالحق، والقيام على الجاهل وردعه، ورده إلى الحق
وأجاب أيضا: هو والشيخ عبد الرحمن بن حسن: ومن ذلك أخذ الثمار في السلم خرصا، فيتوجه عندنا جواز ذلك، إذا كان المأخوذ أنقص مما في الذمة، لحديث جابر، فيكون من باب أخذ بعض الحق والإبراء عما بقي، والله أعلم.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: وأما أخذ بعض دين السلم خرصا، فالجمهور على المنع، وذكر ابن عبد البر عن بعض العلماء، أنه يجوز إذا أخذ دون حقه،
стр. 2353
وبه أفتى شيخنا الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد رحمهما الله تعالى.
وأجاب أيضا: قال البخاري ﵀: باب إذا قاصه أو جازفه في الدين فهو جائز، زاد في رواية كريمة تمرا بتمر أو غيره، وساق حديث جابر أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي، ليأخذ ثمر نخله بالذي له، فأبى ... الحديث ; وبه استدل ابن عبد البر وغيره من العلماء ﵏، على جواز أخذ الثمر على الشجر عما في الذمة، إذا علم أنه دون حقه، إرفاقا بالمدين وإحسانا إليه، وسماحة بأخذ الحق ناقصا، وترجم البخاري بهذا الشرط، فقال: إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، وساق حديث جابر أيضا.
فأما إذا كان يحتمل أنه دون حقه، أو مثله أو فوقه، فهذا غير جائز أن يأخذ عما في الذمة شيئا مجازفة أو خرصا، لا سيما إذا كان دين سلم، لما روى البخاري وغيره عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم " ١ ومضمون هذا الحديث عام، وبه أخذ الجمهور، وقد يقال إن قضية جابر قضية عين لا عموم لها، ويترجح المنع بهذا سدا للذريعة، لا سيما في هذه الأوقات لكثرة الجهل، والجراءة بأدنى شبهة.
стр. 2354
وسئل أيضا: إذا خاف صاحب الدين عدم الوفاء، فطلب من الغريم أن يعطيه الثمرة عما في ذمته؟
فأجاب: إذا كان الأمر كذلك، جاز أن يأخذ الثمرة خرصا على رءوس الشجر، إذا كان دون حقه، ودليله ما أشرت إليه من حديث جابر، قال البخاري -رحمه الله تعالى-: باب إذا قاصه أو جازفه في الدين فهو جائز ; وساق حديث جابر: " أن أباه توفي وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ فيها ليشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ فكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى " ١ وساق الحديث بتمامه، وبه استدل ابن عبد البر أيضا وغيره من العلماء ﵏، على جواز ذلك، فلا بد من تحقق الشرط المذكور.
وأما إذا كان يحتمل أنه دون حقه أو أكثر، فهذا لا يجوز لما عرفت من الحديث الصحيح " من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم " ٢ هذا هو الأصل، ودل حديث جابر على جواز أخذها خرصا، لما في ذلك من الإرفاق بالمدين وبراءة ذمته من الدين، بأخذ الغريم له ناقصا.
وأجاب ابنه الشيخ عبد اللطيف: حديث جابر حديث صحيح مشهور، خرجه الجماعة وترجم له تراجم متعددة، بحسب ما تضمن من الفقه ; فقال البخاري: باب إذا قاصه أو جازفه في الدين تمرا بتمر وغيره وذكره، وقال باب إذا قضى دون حقه فهو جائز، وكذلك أهل السنن وسياقهم متقارب،
стр. 2355
وقال البخاري في باب المقاصة والمجازفة، قال وهب بن كيسان: " إن جابر بن عبد الله أخبره أن أباه توفي، وترك عليه ثلاثين وسقا لرجل من اليهود، فاستنظره جابر فأبى أن ينظره، فكلم جابر رسول الله ﷺ ليشفع له إليه، فجاء رسول الله ﷺ وكلم اليهودي ليأخذ ثمر نخله بالذي له فأبى، فدخل رسول الله ﷺ النخل فمشى فيه، ثم قال لجابر: جُذَّ له فأوف له الذي له فَجَذَّه بعد ما رجع رسول الله ﷺ فأوفاه ثلاثين وسقا، وفضلت له سبعة عشر، فجاء جابر إلى رسول الله ﷺ ليخبره بالذي كان، فوجده يصلي العصر، فلما انصرف أخبره بالفضل، فقال: أخبر بذلك ابن الخطاب فجاء جابر إلى عمر فقال عمر: لقد علمت حين مشى فيها رسول الله ﷺ ليبارَكَنَّ فيها " ١.
وقبل هذا قال ﵀: باب إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز، وساق الحديث مختصرا من طريق آخر، لكن ذكر فيه شاهدا للترجمة، وهو قوله: "فأتيت النبي ﷺ فسألهم أن يقبلوا ثمر حائطي ويحللوا أبي" إذا عرف هذا بطل قول السائل، وظاهر هذا إباحة بيع المجهول بالمعلوم في الجنس، فلا جهالة والحالة هذه ; لأن الحديث صريح في أن تمر الحديقة دون الثلاثين، وإنما بورك فيه لما مشى فيه رسول الله ﷺ .
وقول السائل: وهو ممنوع شرعا ; عبارة لا ينبغي أن تورد على الأحاديث النبوية، وهل الشرع إلا ما جاء عن الله وعن رسوله ﷺ وأيضا فهي فاسدة في نفسها، فإن الاعتياض
стр. 2356
بالمجهول عن المعلوم في الجنس جائز في غير ربا الفضل، إذا حصل التراضي ; لأن للمدين أن يزيد و" خيركم أحسنكم قضاء " ١ ولرب الدين أن يضع من دينه ما شاء، وفي حديث كعب "ضع الشطر" وأنت امنع هذه المسألة، لما فيها من الضرر والغرر في المبايعات والمعاملات، هذا ما ظهر لي وهو المعروف من القواعد الشرعية، فانتبه لا زالت قريحتك وقادة زكية.
الرهن والكفيل بالمسلم فيه
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل يجوز الرهن والكفيل، بالمسلم فيه؟
فأجاب: الظاهر الجواز في قول أكثر الفقهاء.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: الأصح من الروايتين، والمعتمد في الفتوى عندنا: أنه يصح، وفاقا للأئمة الثلاثة.
وأجاب: الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما أخذ الرهن والضمين بدين السلم، ففيه عن أحمد روايتان، إحداهما: لا يجوز أخذ الرهن، ولا أخذ الكفيل بذلك، وهذا هو المشهور في المذهب ; والرواية الأخرى: يجوز ; اختاره الموفق وغيره، وهو قول أكثر العلماء، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ; وقوله: بثمنه، أي رأس مال السلم إذا فسخ عقد السلم، ورجع إلى رأس ماله، فلا يصح أخذ الرهن والضمين به، على المشهور في المذهب، والصحيح الجواز.
وأجاب أيضا: وأما الرهن والضمين في السلم، فيجوز شرطهما عند أكثر العلماء، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى.
стр. 2357
باب القرض
سئل الشيخ عبد الله بن محمد: عن حديث القرض الذي يقال إنه بثمانية عشر ضعفا، صحيح أم لا؟
فأجاب: حديث القرض لا يصححه الحفاظ.
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا كسدت السكة بتحريم السلطان لها أو بغيره، أو رخصت ... إلخ؟
فأجاب: قد بسط القول في هذه المسألة ناظم المفردات وشارحها، فنتحفك بنقل كلامهما ملخصا، قال الناظم:
والنقد في المبيع حيث عينا ... وبعد ذا كساده تبينا
نحو الفلوس ثم لا يعامل ... بها فمنه عندنا لا تقبل
بل قيمة الفلوس يوم العقد ... والقرض أيضا هكذا في الرد
أي: إذا وقع العقد بنقد معين، كدراهم مكسرة أو مغشوشة، أو بفلوس، ثم حرمها السلطان فمنع المعاملة بها قبل قبض البائع لها، لم يلزم البائع قبضها، بل له الطلب بقيمتها يوم العقد، وكذلك لو أقرضه نقدا أو فلوسا، فحرم
стр. 2358
السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض لم يلزم المقرض قبوله، ولو كان باقيا بعينه لم يتغير، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد، إن أفضى إلى ربا الفضل، فإذا كان دراهم أعطى عنها دنانير، وبالعكس لئلا يؤدي إلى الربا.
ومثله من رام عود الثمن ... من رده المبيع خذ بالأحسن
قد ذكر الأصحاب ذا في ذي الصور ... الصور والنص في القرض عيانا قد ظهر
مثل ما تقدم، أي: من اشترى معيبا ونحوه، بدراهم مكسرة أو مغشوشة أو فلوسا، وأقبضها للبائع فحرمها السلطان، ثم رد المشتري المبيع لعيب ونحوه، وكان الثمن باقيا فرده، لم يلزم المشتري قبوله منه لتعيبه عنده، والأصحاب ذكروا هذه الصور بالقياس على القرض، والنص عن الإمام، إنما ورد في القرض في الدراهم المكسرة، قال: يقومها كم تساوي يوم أخذها ثم يعطيه ; وقال مالك والليث والشافعي: ليس له إلا مثل ما أقرضه ; لأن ذلك ليس بعيب حدث بها، فهو كرخص سعرها، ولنا أن تحريمها منع نفاقها وأبطل ماليتها، فأشبه كسرها.
والنص بالقيمة في بطلانها ... لا في ازدياد القدر أو نقصانها
بل إن غلت فالمثل فيها أحرى الصور ... كدانق عشرين صار عشرا
يعني أن النص في رد القيمة، إنما ورد من الإمام فيما إذا أبطلها السلطان فمنع المعاملة بها، لا فيما إذا زادت قيمتها
стр. 2359
أو نقصت، مع بقاء التعامل بها وعدم تحريم السلطان لها، فيرد مثلها سواء غلت أو رخصت أو كسدت، إلى أن قال:
وشيخ الإسلام فتى تيمية ... قال قياس القرض عن جلية
الطرد في الديون كالصداق ... وعوض في الخلع والإعتاق
والغصب والصلح عن القصاص العقد ... ونحو ذا طرا بلا اختصاص
أي قال شيخ الإسلام بحر العلوم: أبو العباس تقي الدين ابن تيمية ﵀، في شرح المحرر، قياس ذلك - أي القرض - فيما إذا كانت مكسرة أو فلوسا وحرمها السلطان، وقلنا يرد قيمتها في جميع الديون في بدل المتلف والمغصوب مطلقا، والصداق والفداء والصلح عن القصاص والكتابة انتهى. قال: وجاء في الدين نص حرره الأثرم إذ يحقق ; يعني قال ابن تيمية: إن الأصحاب إنما ذكروا النص عن أحمد في القرض، قال وكذلك المنصوص عن أحمد في سائر الديون، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله سئل: عن رجل له على رجل دراهم مكسرة أو فلوس، فسقطت المكسرة، قال: يكون له بقيمتها من الذهب.
وقولهم إن الكساد نقصا ... فذاك نقص النوع عيب رخصا
قال ونقص النّوع ليس يعقل ... فيما سوى القيمة ذا لا يجهل
يعني في تعليل القاضي ومن تابعه والأصحاب، بوجوب رد قيمة الفلوس إذا كسدت، لمنع السلطان التعامل بها، بأن
стр. 2360
الكساد يوجب النقصان وهو نوع عيب، معناه عيب النوع، إذ ليس المراد عيب الشيء المعين، فإنه ليس هو المستحق، وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا نقصان قيمتها، هذا معنى كلام الشيخ تقي الدين في الاستدلال، لما ذكره المصنف عنه، في البيتين المذكورين، كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى - إلى أن قال:
وخرج القيمة في المثلى ... بنقص نوع ليس بالخفي
واختاره وقال عدل ماض ... خوف انتظار السعر بالتقاضي
ثم نقل الشارح كلام الشيخ - إلى أن قال: إذا أقرضه أو غصبه طعاما فنقصت قيمته، فهو نقص النوع، فلا يجبر على أخذه ناقصا، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، قال: ويخرج في جميع الديون من الثمن والصداق، والفداء والصلح عن القصاص، مثل ذلك كما في الأثمان، انتهى ملخصا ;
وكثير من الأصحاب تابعوا الشيخ تقي الدين في إلحاق سائر الديون بالقرض ; وأما رخص السعر، فكلام الشيخ صريح في أنه يوجب رد القيمة أيضا ; وهو أقوى، فإذا رفع إلينا مثل ذلك، وسطنا بالصلح بحسب الإمكان، هيبة الجزم بذلك.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا غلت الدراهم المتعامل بها، أو رخصت الخ؟
стр. 2361
فأجاب: قد ذكر الأصحاب ﵏، أنه إذا وقع البيع بنقد معين، كدراهم مكسرة أو مغشوشة، أو فلوسا، ثم حرمها السلطان، فمنع المعاملة بها قبل قبض البائع لها، لم يلزم البائع قبضها، بل له الطلب بقيمتها يوم العقد، وكذا لو أقرضه نقدا أو فلوسا، فحرم السلطان المعاملة بذلك، فرده المقترض لم يلزم المقرض قبوله، ولو كان باقيا بعينه لم يتغير، وله الطلب بقيمة ذلك يوم القرض، وتكون من غير جنس النقد إن أفضى إلى ربا الفضل.
ووجه رد القيمة فيما ذكرنا: أما في مسألة البيع، فلأنها من ضمان المشتري حتى يقبضها البائع، وقد تعيبت بيد المشتري فلم يلزم البائع قبولها، وأما في مسألة القرض، فلأنها بقيت في ملك المقترض فلم يملك ردها، وإنما يملك القيمة والحالة هذه على المذهب، فيما إذا منع السلطان المعاملة بها خاصة، أما إذا زادت قيمتها أو نقصت مع بقاء التعامل بها، وعدم تحريم السلطان لها، فيرد مثلها سواء غلت أو رخصت أو كسدت، هذا حاصل المذهب في المسألة عند أكثر الأصحاب.
وقال شيخ الإسلام: تقي الدين ﵀: قياس القرض فيما تقدم جميع الديون، من بدل المتلف والمغصوب، والصداق والصلح عن القصاص، والكتابة ; قال: وكذا نص أحمد في جميع الديون، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل، له على رجل دراهم مكسرة، فسقطت المكسرة أو
стр. 2362
فلوس، قال: يكون له عليه قيمتها من الذهب، انتهى.
وقال الشيخ أيضا: وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة، إذا منع التعامل بها، فالواجب القيمة، فيخرج في سائر المتلفات كذلك في الغصب والقرض، فإنه معلوم أنه ليس المراد عيب الشيء المعين، فإنه ليس هو المستحق، وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا نقصان قيمتها، فإذا أقرضه أو غصبه طعاما، فنقصت قيمته، فهو نقص النوع، فلا يجبر على أخذه ناقصا، فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين إفلاس المدين، وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص، وأما الأنواع فلا عيب فيها بالحقيقة، وإنما نقصانها كعيبها، انتهى.
فالحاصل: أن الأصحاب إنما أوجبوا رد قيمة ما ذكرنا في القرض، والثمن المعين خاصة فيما إذا منع السلطان التعامل بها فقط، ولم يروا رد القيمة في غير القرض والثمن المعين، وكذا لم يوجبوا رد القيمة والحالة هذه فيما إذا كسدت بغير تحريم السلطان لها، ولا فيما إذا غلت أو رخصت ; وأما الشيخ تقي الدين فأوجب رد القيمة في القرض والثمن المعين، وكذلك سائر الديون فيما إذا كسدت مطلقا، وكذلك إذا نقصت القيمة فيما ذكروا في جميع المثليات، والله أعلم.
стр. 2363
وسئل الشيخ: حسن بن حسين بن علي: عن رجل عنده لآخر جدد، حال كون صرف الريال خمسا من الجدد، فطالت المدة حتى بلغ مبلغا هل يحكم له بالقيمة حال الاستدانة، أو القرض ... إلخ؟
فأجاب: قال في شرح المفردات عند قول الناظم:
والنص بالقيمة في بطلانها ... لا في ازدياد القدر أو نقصانها
ما لفظه، أي: أن النص إنما ورد عن الإمام أحمد، فيما إذا أبطلها السلطان فمنع المعاملة بها، لا فيما إذا زادت قيمتها أو نقصت، مع بقاء التعامل بها، وعدم تحريم السلطان لها فيرد مثلها سواء غلت أو رخصت أو كسدت، وسواء كان الغلاء والرخص كثيرا، بأن كان عشرة بدانق، فصارت عشرين بدانق وعكسه أو قليلا، لأنه لم يحدث فيه شيء إنما تغير السعر، فأشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت، قال:
والشيخ في زيادة أو نقص ... مثلا كقرض في الغلا والرخص
أي: وقال الشيخ الموفق، إذا زادت قيمة الفلوس أو نقصت رد مثلها، كما لو اقترض عرضا مثليا، كبر وشعير ونحاس وحديد، فإنه يرد مثله ولو غلا أو رخص ; لأن علو القيمة ونقصانها لا يسقط المثل عن ذمة المستقرض، فلا يوجب المطالبة بالقيمة، وهذا معنى ما تقدم، من أن نص الإمام بالقيمة إنما هو إذا أبطل السلطان المعاملة بها، لا في
стр. 2364
زيادة القيمة أو نقصانها، انتهى ; وحكى فيه مذهب مالك والشافعي والليث القول بالمثل، ثم قال: ولنا أن تحريمها منع نفاقها، وأبطل ماليتها، فأشبه كسرها، انتهى.
وقال الشيخ: تقي الدين في شرح المحرر: إذا أقرضه أو غصبه طعاما، فنقصت قيمته فهو نقص النوع، فلا يجبر على أخذه ناقصا فيرجع إلى القيمة، وهذا هو العدل، فإن المالين إنما يتماثلان إذا استوت قيمتهما، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين إفلاس المدين، وعيب العين المعينة خروجها عن المعتاد، انتهى، وكلام الشيخ هذا، هو الذي ذكره الناظم عنه تخريجا له واختيارا، فقد عرفت أنه تحصل في المسألة من حيث هي ثلاثة أقوال، التفريق بين ما إذا حرمها السلطان، فبطلت المعاملة بها بالكلية، ومثله إن تكسرت أو كسدت، فلا يتعامل بها فالقيمة، وبين ما إذا كان غايته الغلاء والرخص، مع بقاء المعاملة بحالها، فالمثلي والمثل مطلقا كما هو المنقول عن مالك والشافعي والليث، وثالثها: اختيار أبي العباس، وهو المعتمد لدينا في الفتوى.
تنبيه: في المثلي الذي اختار أبو العباس القيمة فيه أوجه، أصحها: أن المثلي ما حصره كيل أو وزن، وجاز السلم فيه، فإن وجد أحد الوصفين دون الآخر فليس بمثلي، وذكر معناه في الروض وغيره من كتب الأصحاب، وعلى هذا فالجدد ليست مثلية ; لأنه لا يجوز السلم فيها لعدم الانضباط، فإنها تختلف بالكبر والصغر، والثقل والخفة،
стр. 2365
والطول والصفاء والخضرة، وقلة الفضة وكثرتها ; وأيضا ففيها فضة، ولا يجوز إسلام أحد النقدين في الآخر، لكن رأيته جزم في الإقناع بأن الدراهم المغشوشة مثلية، والجدد مثلها فيما يظهر لي، والله أعلم.
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: هل يجوز طلب ما أقرض؟
فأجاب: وأما قولك: هل يجوز للمقرض أن يطلب المقترض ما أقرضه، إذا أخر الرد وأبطأ عليه، فلا علمت به بأسا، وهذا الذي يقوله العوام: إنه لا يجوز طلبه، ما علمت له أصلا، والذي ذكره الفقهاء، وحكوا فيه القولين: إذا أقرضه إلى أجل معلوم، هل يجوز طلبه قبل الأجل؟ فعند الحنابلة وكثير من الفقهاء، أن القرض لا يتأجل بالتأجيل، والقول الثاني: أنه يتأجل بالتأجيل، فلا يطلبه قبل حلول الأجل الذي أجله إليه.
وقال أيضا هو والشيخ حسين وإبراهيم، وعلي أبناء الشيخ: ومنها: أي المعاملات الربوية، ما يفعله بعض الناس إذا كان عنده تمر قد استغنى عنه، ورأى السعر رخيصا وأراد إبداله بتمر من الثمرة المقبلة، أقرضه لمن يعطيه بدله تمرا جديدا، وليس هذا بالقرض المسنون، إنما هذا إبدال تمر بتمر نسيئة، وإبدال التمر بتمر نسيئة لا يجوز، بل هو ربا ثبت عن النبي ﷺ النهي عنه، والقرض المندوب إليه: قصد
стр. 2366
المقرض الإرفاق بالمقترض ونفعه، أما إذا كان قصده نفع نفسه إبدال تمر بتمر آخر، فليس بقرض إنما هو بيع نهى عنه ; لأنه بيع تمر بتمر، قال عبد الله بن عمر ﵁ "السلف على ثلاثة أوجه: سلف تسلفه تريد به وجه الله، فلك وجه الله ; وسلف تريد به وجه صاحبك، فلك وجه صاحبك ; وسلف لتأخذ به طيبا بخبيث، فذلك الربا"
ومنها ما يفعله بعض الناس: يقرض غريمه دراهم وغيرها، ويتسامح عنه في الاستيفاء، فيسامحه الغريم، فالمبايعة إذا بايعه فلعميله بيع، ولغيره بيع من الناس أغلى منه، لأن العميل يقرضه ويسامحه في الاستيفاء، فيقول فلان فلان، يسلف ويتسامح، ويأخذ ويدع، ولا يعلم المتعاقدان أن هذا ربا، وكل قرض جر منفعة فهو ربا، ولأنه إذا زاده في البيع لأجل تأخيره بعض الدين الذي قد حل عليه، كان ما أخذه في مقابلة التأخير ربا، من جنس ربا الجاهلية الذي نزل القرآن بتحريمه، وقد ذكر العلماء: أن من كان له قرض عند رجل، أو عليه دين حال، فأهدى إليه صاحب الدين هدية قبل الوفاء، فإنه لا يقبلها بل يردها، فإن لم يفعل فليحسبها من الدين الذي له في ذمة المهدي.
وقد جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " إذا أقرض أحدكم قرضا فأهدى إليه أو حمله على الدابة فلا يقبل، إلا أن يكون جرى بينه وبينه معاملة قبل ذلك " ١ قال عبد الله بن سلام: "إذا كان لك على رجل حق، فأهدى إليك
стр. 2367
حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قَتّ١، فلا تأخذه فإنه ربا"
وأجاب أيضا: الشيخ عبد الله، إذا كان عند إنسان تمر أو حب، وكسد في يده لأجل رخصه، وأراد أن يسلفه إنسانا إلى الثمرة المقبلة، لأجل منفعة ثمرة المقبل، فهذا لا يجوز ; لأنه قرض يجر نفعا إليه، وكل قرض يجر منفعة فهو ربا. وأجاب أيضا: وإذا اقترض منه ليوفيه، فالمسألة فيها خلاف، والأظهر الكراهة لا التحريم، وإذا أقرض فلاحه في شراء بقرة أو بذر، فالظاهر المنع ; لأنه قرض جر منفعة.
وأجاب أيضا: إذا أعطى آخر دراهم معلومة ينتفع بها، بشرط نفع معلوم ما دامت الدراهم في يده، فهذا من أنواع الربا، بل كل قرض جر نفعا فهو ربا، ويجب على من أخذ الدراهم أن يردها إلى صاحبها، ثم ينظر في حال الدافع والمدفوع إليه، فإن كانا يعتقدان أن هذا لا يجوز، وأن ما فعلاه حرام عليهما، وجب على الأمير تأديبهما بما يزجرهما وأمثالهما عن ذلك، وما قبضه دافع الدراهم في مقابلة الدراهم، وجب رده إلى ربه، ولا يباح لقابضه ; لأنه ربا.
وأجاب أيضا: وأما الذي يعطي إنسانا دراهم، ويأكل عليها شيئا معلوما، ورأس ماله باق، فهذا حرام لا يجوز، ويعطي رأس ماله، ولا يحتسب عليه ما أكله قبل الإسلام، بل
стр. 2368
صاحب الدراهم يعطي رأس ماله ولا ينجم، بل يعطاه حاضرا، إلا إن كان من عليه الدراهم معسرا، فينظر إلى ميسرة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٠] .
وسئل أيضا: الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله تعالى: عن الرهون التي استعملها كثير، إذا احتاج إنسان: أخذ مالا من آخر، لا بعقد القرضة بل على سبيل الإباحة والتراضي، ودفع المحتاج إلى صاحب المال أرضه بالمزارعة، لأجل المال الذي في ذمته ... الخ؟
فأجاب: قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله ﷺ " لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا بيع ما ليس عندك " ١ رواه أبو داود والترمذي، وصححه.
قال علماؤنا رحمة الله عليهم: بين النبي ﷺ أنه لا يحل أن يقرض الرجل الرجل ويبيعه ليحابيه، لأجل ذلك القرض،
стр. 2369
وهو من أكثر حيل الربا وقوعا، كما إذا أقرضه ألفا، وباعه ما يساوي مائة بخمسين، لأجل ذلك القرض ; وقد جاء عنه ﷺ وعن أصحابه ﵃ أجمعين: تحريم الهدية بعد عقد القرض قبل الوفاء، فعن أنس بن مالك ﵁ أنه سئل عن الرجل يقرض أخاه المال فيهدي إليه، فقال: قال رسول الله ﷺ " إذا أقرض أحدكم قرضا، فأهدى إليه أو حمله على الدابة، فلا يركبها ولا يقبلها، إلا أن يكون بينه وبينه قبل ذلك " ١ رواه ابن ماجه بإسناد حسن.
وعن أبي بردة بن أبي موسى، قال قدمت المدينة، فلقيت عبد الله بن سلام، فقال: "إنك بأرض الربا فيها فاش، فإن كان لك على رجل حق، فأهدى إليك حمل تبن، أو حمل شعير، أو حمل قت، فلا تأخذه فإنه ربا" رواه البخاري في صحيحه، وروى مثله سعيد بن منصور في سننه عن أبي بن كعب، وروى عن ابن مسعود نحو ذلك، وعن سالم بن أبي الجعد، قال: "جاء رجل إلى ابن عباس، فقال: إني أقرضت رجلا يبيع السمك عشرين درهما، فأهدى إلي سمكة قومتها بثلاثة عشر درهما، فقال خذ منه سبعة دراهم" رواه سعيد في سننه بإسناد صحيح.
وعن ابن عمر، أنه "أتاه رجل فقال: إني أقرضت رجلا بعيرا فأهدى إلي هدية جزلة، فقال: رد إليه هديته أو احسبها له" رواه سعيد أيضا ; فإذا كان هذا فيما يتبرع به للمقرض بعد القرض، فكيف إذا تواطآ على التبرع، مثل أن يقرض من
стр. 2370
يعيره داره، أو يرهنها عند من يأذن له في سكناها، أو يضاربه بأقل من جعل مثله، أو يبتاع منه الشيء بأضعاف قيمته، أو يكري داره بثلث كراها، أو يدفع إليه شجرة مساقاة بأضعاف جعل مثله، انتهى.
فتأمل رحمك الله: هذا الكلام بعين الإنصاف، ليتبين لك أن الرهون التي تفعل عندكم لأجل المال الذي في ذمته، فيصبر عليه، وينظره ما دام يستغل الشجر أو الأرض، هو حيلة على أكل الرهن والانتفاع به، لأجل القرض، ولو لم يكن في ذمته ذلك المال لم يتركه يستغل أرضه، وربما تركها له بدون قيمة مثلها، فهذا هو المحاباة، وهو الربا الذي نص العلماء على تحريمه، سواء سمي ذلك المال قرضا أو غيره، أو كان دينا في ذمته، وكان أهل الجاهلية قبل الإسلام، إذا كان لأحدهم دين على رجل إلى أجل، فحل الأجل قال له: إما أن تقضي وإما أن تربي، فيزيده هذا في المال، ويزيده هذا في الأجل، فحرم الله ذلك ; فلولا أن الأرض أو الشجر أو الدار ينتفع بها، لما صبر عليه وأنظره.
وعن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: " لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها " ١ متفق عليه وقال الخطابي ﵀ "جملوها" معناه: أذابوها حتى تصير ودكا، فيزول عنها اسم الشحم ; قال: وفي هذا الحديث بيان، أن كل حيلة يحتال بها للتوسل إلى محرم، فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه.
стр. 2371
وأما إن كان صاحب المال لا يقدر على وفائه، فينجمه عليه صاحب الدين بقدر غلته عليه كل سنة، ويأخذ الغلة ويحسبها بسعر يومها، ولا بأس بذلك إذا خلت عن المحاباة، والله أعلم.
وأجاب أيضا: وأما الأرض ورهونها، فيجوز أن تعطوا الرجل أرضه لمن يحرثها، ولصاحب الأرض جزء معلوم من الثمرة ; وأما أن يرهنها رجل آخر بدراهم معلومة، ويأخذ صاحب الدراهم غلتها من كل الثمرة، فهذا لا يجوز، سواء كان من الثمرة أو غيرها من بقية الثمار.
وأجاب أيضا: وأما الرهون التي تؤكل غلتها بغير بذر ولا حرث، فلا يجوز، ويرد صاحب الأرض على المرتهن ما قبضه من دراهم كانت أو طعاما، فإن كان معسرا لزمه إنظاره إلى ميسرة، فإن قدر على وفاء البعض أوفاه بما قدر عليه.
وأجاب الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر: وأما الذي ما عنده إلا أرض مرهونة، رهنها تاجر آخر، داخل آخر فيها بدراهم، فهي فاسدة ربا، ويصير رأس مال، وما أكل من ثمارها بعد ما أسلم يحسب عليه من رأس ماله، فإن كان ما عند صاحب الدين إلا أرضه، وأراد أن يتراضيا هو وإياه على قطعة منها يوفيه بها فحسن، ويحضرهما اثنان عدلان يعرفان القيمة، إن كان له رأس مال فهو يرد ما أسلم من يده، الدراهم دراهم، والعروض عروضا، وإن كان ما له إلا قدر معيشته
стр. 2372
وعياله، فلا يأخذ صاحب الدين إلا ما فضل من كفاية عياله، ويستوفى منه بقدر السهم الذي يأخذ منه أولا، ودين الربا الذي مضى في الشرك، إن كان يقدر يوفيه رأس ماله فيوفيه، وإلا ما له إلا ما فضل عن معشيته وعياله، وبقره الذي يحرث عليها، لا يأخذها إذا كان أخذها يضر به ويعطل حرثه.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين، وقول أحمد: أكره قرض الدور ... إلخ، وذلك لأنه قرض جر منفعة، وبعض الناس يتوصل إلى ذلك بحيلة باطلة، إذا أراد أن يرتهن دارا، أو أرضا في قرض، وينتفع بها، أظهروا صورة بيع، وهو في باطن الأمر رهن، فيبيعه ما يساوي مائة بخمسين، أو أقل أو أكثر بأقل من قيمتها، ويشترط الخيار، وهذا يسميه بعض الناس: بيع الأمانة، وأما إذا كان بيعا حقيقيا ظاهرا وباطنا، بأن يبيعه إياها بقيمتها من غير نقص، ويشترط الخيار، فلا بأس بانتفاعه بالمبيع في مدة الخيار، كما نص عليه أحمد ; وهذه العقود المنهي عنها حرام عند العلماء، وقالوا: يحرم تعاطيهما عقدا فاسدا، فإذا كان العقد فاسدا، فتعاطيه حرام على المتعاقدين جميعا.
سئل الشيخ: حسين وعبد الله ابنا الشيخ محمد: عمن اشترى نخلا بثمن معين، ونذر نذرا لله على أنه متى دفع البائع دراهمي أن أرجع إليه نخله وإذا ادعى البائع في النخل هل له أخذه ... الخ؟.
فأجابا: هذا العقد المذكور في السؤال عقد باطل، وهو
стр. 2373
حيلة على الربا، وهو من باب " كل قرض جر نفعا فهو ربا" وتحيله بهذا العقد والنذر لا يحل له الربا، وهي حيلة باطلة، والحيل لا تجوز في الدين ; ويجب على المشتري رد الثمن، ويعود النخل إلى بائعه، وأما ما أكل في حال كفره وجهله من غلة النخل، فإنه لا يطالب بذلك.
وسئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: عن قول الصحابة وغيرهم، فيما إذا أهدى الغريم لصاحب الدين شيئا وأخذه، فهو ربا؟
فأجاب: هذا كذلك ذكر الفقهاء أنه لا يجوز أخذه، إلا أن يعاوضه عنه، أو يحسبه من دينه، إلا إن كان شيئا جرت عادة به قبل دينه، فلا بأس.
وأجاب أيضا: وأما المنفعة التي يجرها القرض، فهي حرام، ومنها الهدية لأجل إقراضه إياه، إلا أن يحسبها من دينه فلا بأس، وكذلك لو قضاه خيرا مما أخذ منه، من غير شرط ولا مواطاة، فلا بأس، لأن النبي ﷺ استلف بكرا، ورد خيرا منه، وقال: " خيركم أحسنكم قضاء " ١.
وسئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عن صاحب السفينة إذا أقرض أجيره؟ وقوله: سلفني ... إلخ؟
فأجاب: وأما صاحب السفينة، وقوله: سلفني، فلا، ولو يجعله من الأجرة، ويقدمها عليه جاز.
وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أخذ في الجاهلية أو غيرها نفع دراهم ... إلخ؟
стр. 2374
فأجاب: إذا كان المتعاقدان جاهلين بالتحريم، أو كان ذلك في الجاهلية قبل الإسلام ثم أسلما، فإنه يجب على من أخذ الدراهم ردها إلى صاحبها، وربا الجاهلية موضوع ; وأما قبض الدراهم في مقابلة نفع دراهمه في جاهليته، أو بعد إسلامه قبل أن يبلغه النهي، فهو له، فإن كان العوض لم يقبض، بل كان باقيا في ذمة المقترض، فليس للمقرض إلا رأس ماله، ولا يأخذ معه زيادة، وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٨] إلى قوله: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٩] وعقود الشرك ما مضى منها في حال الشرك، وقبضه المتعاقدان قبل الإسلام، يقران على ما مضى منه ; لأن الإسلام يهدم ما قبله ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٧٥] .
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب: إذا اختلف المقرض والمقترض ... إلخ؟
فأجاب: وإذ اختلفا فقال المقرض أقرضتك، وقال الآخر وهبتني، فالقول قول المقرض مع يمينه.
стр. 2375
باب الرهن
سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: عن رهن ما في ذمة الغير.
فأجاب: الرهن على ما في ذمة الغير من أجرة وما أشبهها، فغير صحيح.
صيغة الرهن
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد ﵏: عما إذا قال: دينك قادم في نخلي أو زرعي ... الخ؟
فأجاب: إذا توفرت شروط الصحة واللزوم، واطرد العرف بهذه الصيغة، أو بالمعاطاة فيما يتناول، أو بالتخلية المعتبرة في نحو ما ذكر بدون صيغة لفظية، فلا مانع، قال في الغاية، وينعقد بلفظ ومعاطاة، انتهى ; فأما التزام لفظ مخصوص، فليس فيه أثر ولا نظر، قاله أبو العباس.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: هذا ليس برهن، وإنما هو وعد، فيصير المقول له ذلك أسوة الغرماء، وإن لم يكن له غريم غيره، فيستحب الوفاء بوعده، ولا يجب عند أكثر العلماء.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا قال أنا مقدمك في ثمرة هذا النخل، بعد التأبير، أو الزرع الأخضر، اعتبر فيه مقاصدهما، وأما في عرف لسان أهل زماننا، فإن كان ذلك يدل على الرهن اعتبر، وإلا فلا.
стр. 2376
وسئل الشيخ عبد الله العنقري: عمن له على آخر دراهم، فقال: هذا بعيري مثلا، قضابة لك، فيه دراهمك إلى نصف شهر، فإن مضى ولم أخلصك، فبعه وخذ دراهمك ... الخ؟
فأجاب: الذي قال بعيري قضابة لك في دراهمك، فإذا مضى نصف الشهر فبعه، فالظاهر أن هذا توكيل في البيع المذكور، فإذا احتاط لنفسه وباعه، وأشهد على البيع فلا بأس.
أحكام المرهون
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: عما يصح الرهن فيه في الإسلام إلخ؟
فأجاب: الرهن الصحيح في الإسلام، أن يرهن عنده شيئا يقبضه، من عروض ودواب، أو أرض أو نخل أو دار، ولا ينتفع بشيء من الرهن ما دام مرهونا، فإن انتفع بشيء من غلته حسبه من الدين.
وسئل: هل يجوز رهن الصبرة من الطعام الذي لا يعرف قدره بالكيل والوزن؟
فأجاب: ما جاز بيعه جاز رهنه، ولا وجه للمنع.
وسئل: عن رهن المبيع في مدة الخيار أو رهن مشتريه؟
فأجاب: لا يصح رهن المبيع في مدة الخيار، فإن رهنه المشتري والخيار له وحده صح، وبطل خياره.
стр. 2377
وسئل: عن رهن الوارث تركة الميت ... الخ؟
فأجاب: وإذا رهن الوارث تركة الميت أو باعها، وعلى الميت دين، صح في أصح الروايتين، وهو الصحيح إن شاء الله.
وسئل: إذا استعار من آخر شيئا، أو غصبه فأراد صاحبه رهنه؟
فأجاب: يصح رهنه في العارية، والمغصوب إذا أراد غاصبه رده.
وسئل: عن رهن المكيل والموزون قبل قبضه؟
فأجاب: وأما رهن المكيل والموزون قبل قبضه، ففيه خلاف، والمشهور من المذهب أنه لا يجوز قياسا على البيع، قال في الإنصاف: ظاهر ما قطع به المصنف في باب الرهن، عدم جواز رهنه، حيث قال: ويجوز رهن غير المكيل والموزون قبل قبضه، قال في القاعدة الثانية والخمسين: قال القاضي في المجرد وابن عقيل، لا يجوز رهنه ولا هبته، ولا إجارته قبل قبضه، كالبيع ; ثم ذكر في الرهن عن الأصحاب: أنه لا يصح رهنه قبل قبضه، انتهى ; واختار القاضي الجواز، واختاره الشيخ تقي الدين.
وأما رهن الثمرة المعدومة، كأن يرهن الثمرة قبل أن تخلق، فهذا لا يصح ; لأنه معدوم، فإذا أراد أن يرهن الثمرة دون الأصل، والثمرة لم تخلق لم يصح، إلا أن يرهن الأصل، فيصح حينئذ، وتكون الثمرة التي تستحدث رهنا ; لأن نماء الرهن يكون رهنا تبعا لأصله ; والخلاف بين
стр. 2378
الفقهاء، إنما هو في رهن الثمرة الموجودة قبل بُدُوّ صلاحها.
قال في الإنصاف: وما لا يجوز بيعه لا يجوز رهنه، إلا الثمرة قبل بدو صلاحها من غير شرط القطع، والزرع الأخضر، فيجوز في أحد الوجهين، وهو المذهب جزم به في الوجيز، واختاره القاضي، وهو من مفردات المذهب ; والوجه الثاني: لا يجوز انتهى ملخصا ; وأما رهن أجرة المؤبر فالظاهر عدم الصحة، لأن الأجرة دين في ذمة المؤجر، ليست عينا معينة، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه.
وأجاب الشيخ: سعيد بن حجي: يجوز رهن ثمرة النخل قبل بدو صلاحها، والزرع الأخضر، قال الموفق: باب ما يصلح رهنه وما لا يصلح، إلى أن قال: ويصح رهن الثمرة قبل بدو صلاحها، والزرع الأخضر مطلقا، وبشرط التبقية ; لأن الغرر يقل فيه لاختصاصه بالوثيقة، مع بقاء الدين بحاله، خلاف البيع، انتهى، وكذا قال غيره من فقهاء الحنابلة، ولا شيء يرده.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين، بعد كلامه على مسألة بيع العمل في المساقاة، قال: وأما الرهن فحكمه حكم البيع، فما صح بيعه صح رهنه، وقد نصوا على أنه لا يصح رهن الثمرة قبل ظهورها، فعدم صحة رهن العمل أولى.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا قال لا أضمن إلا أن ترهنني كذا وكذا؟
стр. 2379
فأجاب: الذي يظهر الصحة فيما ذكر، لكونه تبرع بالتزام حق، إنما يلزم ويثبت ويجب بالتزامه، فإذا التزمه وطلب الوثيقة عليه صح.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما رهن الضامن فلا يصح ; لأنه لم يثبت له حق عند المضمون عنه، ولا يعلم أنه يئول إلى الثبوت.
سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب: عمن رهن عقاره، وعليه دين كثير ... الخ؟
فأجاب صورة المسألة أولا: أن الراجح الذي عليه كثير من العلماء أو أكثرهم، أن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، وقبض كل شيء هو المتعارف، وقبض الدار والعقار هو تسلم المرتهن له، ورفع يد الراهن عنه، هذا هو القبض بالإجماع ; ومن زعم أن قوله: مقبوض، يصيره مقبوضا، فهو خارق للإجماع، مع كونه زورا مخالفا للحس.
إذا ثبت هذا: فنحن ما أفتينا بلزوم هذا الرهن، إلا لضرورة وحاجة، فإذا أراد صاحبها أن يأكل أموال الناس، ويخون في أمانته لمسألة مختلف فيها، فالرجوع إلى الفتوى بقول الجمهور في هذه المسألة، فإن رجعنا إلى كتاب الله وسنة رسوله، في إيجاب العدل وتحريم الخيانة، فهذا هو الأقرب قطعا، وإن رجعنا إلى كلام غالب العلماء، فهم لا يلزمون ذلك إلا برفع يد الراهن، وكونه في يد المرتهن.
стр. 2380
وأما قولك: لم أجد الخلاف إلا في الصدقة والهبة، فهذا هو العجب، تراهم يبطلون العتق الذي هو من أحب الأشياء إلى الله، ويسري في ملك الغير، ويردون الصدقة بعد ما يأخذها الفقير، لأجل العدل ووفاء الدين، ويمنعونه في الرهن ولو كان صحيحا.
وأما قولك: إن صح هذا لم يحتج إلى الحجر ; فيقال: إن الحجر يمنع تصرفه مطلقا، ولو كان فيه إصلاح لنفسه وللغرماء، وأما هذه المسألة فتصرفه صحيح كله، إلا ما عصى الله فيه ورسوله، وخان أمانته وظلم الناس.
وهذا هو المطابق للعقل والنقل، ولكن هذا وحشة الغربة، كما استوحشوا من إنكار الشرك.
لزوم الرهن بالقبض ورهن المواشي
وسئل ابنه الشيخ عبد الله: عن رهن المواشي وعن القبض؟
فأجاب: أما رهن المواشي هل يجوز أم لا؟ فالجواز ظاهر لا يخفى، كما دلت عليه السنة الصحيحة، وإنما الإشكال في القبض، هل هو شرط لصحة الرهن أو غير شرط، والمشهور عند أهل العلم: أن القبض شرط لصحة الرهن وأما استدامة القبض، فهل هي شرط أم لا؟ فعلى قول من يشترط الاستدامة فالأمر ظاهر، وعلى القول الثاني إذا قبضه المرتهن، فلا بأس أن يأذن للراهن في الانتفاع به، فيكون تحت يد الراهن ينتفع به والرهن بحاله.
وأجاب أيضا: هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها على
стр. 2381
قولين، بل أقوال ; والمشهور في المذهب: أنه لا يصح إلا بقبضه، للآية الكريمة، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: يلزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض، كالبيع، ولكن يجبر الراهن على التسليم، وقال في الإنصاف: الصحيح من المذهب أنه لا يلزم إلا بالقبض، وعنه: أن القبض ليس بشرط في المتعين، فيلزم بمجرد العقد، نص عليه، فعليها متى امتنع الراهن من تقبيضه، أجبر عليه كالبيع ; وإن رده المرتهن على الراهن بعارية أو غيرها ثم طلبه، أجبر الراهن على رده، انتهى.
وأما قول السائل: هل استدامته شرط في اللزوم؟ فهذا ينبني على الخلاف في أصل المسألة، فعلى قول الجمهور: الاستدامة شرط للزوم الرهن، وهو المذهب، وهو قول أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي: استدامة القبض ليست شرطا، قال في الإنصاف: واستدامته شرط في اللزوم هذا المذهب، وعنه أن استدامته في المتعين ليست بشرط، اختاره في الفائق، انتهى ملخصا.
وأجاب ايضا: لا يلزم الرهن إلا بالقبض، وفرقوا في هذه المسألة فقالوا: ما كان مكيلا أو موزونا لا يلزم رهنه إلا بالقبض ; وفيما عداهما روايتان، إحداهما: لا يلزم إلا بالقبض ; والثانية: يلزم بمجرد العقد، والأول أصح، واستدامة القبض شرط للزوم الرهن، فإن أخرجه من يده باختياره زال لزوم الرهن ; وقال مالك: لا يزول الرهن ولو
стр. 2382
أخرجه من يده، وهو الذي عليه العمل اليوم.
وأجاب أيضا هو والشيخ حمد بن ناصر: قد اختلف العلماء، هل من شرط صحة الرهن القبض؟ أم يصح ويكون رهنا بمجرد العقد؟ فمذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنه: أنه لا يلزم إلا بالقبض، وقبل القبض يكون جائزا لا لازما ; ومذهب مالك ﵀: يلزم بمجرد العقد قبل القبض كالبيع. فإذا علمت الخلاف في أصل المسألة ; فالقائلون باشتراط القبض، اختلفوا فيما إذا أخرجه المرتهن باختياره، هل يزول لزومه ويبقى العقد كأنه لم يوجد فيه قبض؟ فمذهب الحنابلة يزول لزومه، فإن عاد إلى المرتهن عاد لزومه بحاله بحكم العقد السابق، وهذا مذهب أبي حنيفة ; وقال الشافعي: استدامة القبض ليست شرطا، وذلك لأنه عقد يعتبر القبض في ابتدائه، فلم تشترط استدامته، وهذا هو المفتى به عندنا.
وأجاب أيضا الشيخ حمد بن ناصر: المسألة اختلف الفقهاء فيها على قولين، بل أقوال، فالمشهور في المذهب: أنه لا يصح إلا بقبضه، للآية الكريمة، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وقال مالك: يلزم الرهن بمجرد العقد قبل القبض كالبيع، ولكن يجبر الراهن على التسليم ; وقال في الإنصاف: الصحيح من المذهب أنه لا يلزم إلا بالقبض ; وعنه: أن القبض ليس بشرط في المتعين، فيلزم بمجرد العقد
стр. 2383
نص عليه، فعليها متى امتنع الراهن من تقبيضه أجبر عليه كالمبيع، وإن رده المرتهن على الراهن بعارية أو غيرها، ثم طلبه أجبر الراهن على رده.
وأما استدامته فينبني على الخلاف في أصل المسألة، فعلى قول الجمهور الاستدامة شرط للزوم الرهن، وهو المذهب، وهو قول أبي حنيفة ومالك ; وقال الشافعي: استدامة القبض ليست شرطا، قال في الإنصاف: واستدامته شرط في اللزوم هذا المذهب، وعنه: أن استدامته في المتعين ليست بشرط، اختاره في الفائق.
وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: إذا رهن نخله أو زرعه، واحتاج لما يصلح الرهن وامتنع المرتهن من مداينته؟.
فأجاب: هذا القول مبني على لزوم الرهن وإن لم يقبض، والصحيح خلافه، وأن الرهن لا يلزم إلا بالقبض، والاستدامة، كما هو شرط للزوم أيضا على المختار عند عامة الأصحاب، قال في الشرح الكبير: ولا يلزم الرهن إلا بالقبض، ويكون قبل رهنا جائزا يجوز للراهن فسخه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وسواء في ذلك المكيل والموزون وغيرهما ; وقال بعض أصحابنا: في غير المكيل والموزون رواية أنه يلزم بمجرد العقد، وقد نص عليه الإمام أحمد في رواية الميموني، وبه قال مالك، ووجه الأولى قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٨٣] .
стр. 2384
فعلى هذا: إن تصرف الراهن فيه قبل القبض بهبة أو بيع أو عتق، أو جعله صداقا أو رهنه ثانيا، بطل الرهن الأول، سواء قبض الهبة أو المبيع أو الرهن الثاني أو لم يقبضه، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره زال لزومه، وبقي العقد كأن لم يوجد فيه قبض ; وهذا التفريع على القول الصحيح، فأما على قول من قال: ابتداء القبض ليس بشرط، فالأولى أن يقال: الاستدامة غير مشروطة، انتهى ملخصا.
وفي الإنصاف: ولا يلزم إلا بالقبض، فشمل مسألتين ; إحداهما: أن يكون موصوفا غير معين، فلا يلزم إلا بالقبض، وهذا المذهب وعليه الأصحاب، فعلى هذا يكون قبل القبض جائزا، وقال الزركشي: ظاهر كلام الخرقي، وابن أبي موسى والقاضي، وابن عقيل: أن القبض شرط في صحة الرهن.
الثانية: أن يكون معينا كالعبد والدار ونحوهما، فالصحيح من المذهب أنه لا يلزم إلا بالقبض كغير المتعين، قال في الكافي وابن منجا وغيرهما: هذا هو المذهب، ونصره أبو الخطاب، والشريف أبو جعفر وغيرهما واستدامته شرط في اللزوم، هذا المذهب وعليه أكثر الأصحاب، وعنه: أن استدامته في المعين ليس بشرط واختاره في الفائق، انتهى ملخصا.
وقد علمت: أن المذهب الصحيح المنصور، عند أكثر
стр. 2385
الأصحاب، اشتراط القبض واستدامته للزوم، والغالب أن مثل هذا الرهن، كرهن العقارات والثمار والمواشي، لا تقبض أو لا يستديم الراهن قبضها، كما هو الواقع في هذه الأقطار، فعلى القول الصحيح لا يقع على الراهن أضرار لزوال اللزوم، وله أن يتصرف فيه برهن وغيره، فإذا تصرف بطل الرهن الأول، وصح الثاني، ولا يلزم إلا بشرطه المتقدم، ولا يسع الناس إلا هذا.
وقد رأينا مما يترتب على القول الثاني، من التضييق والخصومات والتشاجر ما الله به عليم، والقائل من أصحابنا بأنه يلزم بمجرد العقد لا دليل معه، وإنما قوي عنده هذا القول لما رأى عمل عوام الناس على استعمال هذه الرهون، واعتقاد لزومها، فيظن أنه قد أفتاهم من هو من العلماء، ولو سلمنا صحة صدور تلك الفتوى عن عالم، فليس حجة في العدول عن القول الصحيح ; لأن الحجة التي تنفع المستدل، إنما هي الأدلة الشرعية، وهي: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس الصحيح، والاستصحاب على خلاف فيه ; وما سوى الخمسة ليس دليلا شرعيا، والإجماع: هو اتفاق مجتهدي العصر على قول واحد.
وأما المقلد فليس معدودا من أهل العلم، كما ذكره أبو عمر بن عبد البر، والعلامة ابن القيم وغيرهما ; فلا إله إلا الله، كم غير من أحكام الشرع بعرف العوام، وكم دار من تتبع الرخص بين الجهال والطغام، وكم حمل على المشائخ