(رسالة الإمام سعود بن عبد العزيز إلى سليمان باشا)
هذه الرسالة أيضا للإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد بن سعود رحمهم الله تعالى، وهذا نصها: ١.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
من سعود بن عبد العزيز، إلى سليمان باشا ; أما بعد: فقد وصل إلينا كتابكم، وفهمنا ما تضمنه من خطابكم، وما ذكرتم من أن كتابنا المرسل إلى يوسف باشا على غير ما أمر الله به ورسوله، من الخطاب للمسلمين، بمخاطبة الكفار والمشركين، وأن هذا حال الضالين، وأسوة الجاهلين، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [سورة آل عمران آية: ٧] .
فنقول في الجواب عن ذلك بأننا متبعون ما أمر الله به رسوله، وعباده المؤمنين، بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ
стр. 282
بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٥] ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٨] ، وذلك أن الله أوجب علينا النصح لجميع أمة محمد ﷺ . ومن النصح لهم بيان الحق لهم، بتذكير عالمهم، وتعليم جاهلهم، وجهاد مبطلهم، أولا بالحجة والبيان، وثانيا بالسيف والسنان، حتى يلتزموا دين الله القويم، ويسلكوا صراطه المستقيم، ويبعدوا عن مشابهة أصحاب الجحيم، وذلك أن " من تشبه بقوم فهو منهم " ١ كما ورد ذلك عن الصادق الأمين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. وقد قال تعالى في كتابه المبين: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٥] ، وقال تعالى لهذه الأمة: ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة آية: ٣١-٣٢] .
ومن تلبيس إبليس، ومكيدته لكل جاهل خسيس أن يظن أن ما ذم الله به اليهود والنصارى والمشركين، لا يتناول من شابههم من هذه الأمة، ويقول إذا استدل عليه بالآيات القرآنية، والأحاديث النبوية: هذه الآيات نزلت في المشركين، نزلت في اليهود، نزلت في النصارى ; ولسنا منهم. وهذا من أعظم مكائده، وتلبيسه، فإنه فتن بهذه
стр. 283
الشبهة كثيرا من الأغبياء والجاهلين، وقد قال بعض السلف - لمن قال له ذلك -: مضى القوم وما يعني به غيركم. وقال بعض العلماء: إن مما يحول بين المرء وفهم القرآن أن يظن أن ما ذم الله به اليهود والنصارى والمشركين، لا يتناول غيرهم، وإنما هو في قوم كانوا فبانوا. وقد قال الإمام الحافظ سفيان بن عيينة - وهو من أتباع التابعين -: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبّادنا، ففيه شبه من النصارى. وقد ثبت عن النبي ﷺ في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي سعيد الخدري، أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه. قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: " فمن؟ " " ١ وهذا لفظ البخاري. والأحاديث والآثار في هذا المعنى كثيرة.
وقد قال ابن عباس، ﵄، في قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالا وَأَوْلادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ ْ﴾ الآية قال: "ما أشبه الليلة بالبارحة! كالذين من قبلكم هؤلاء بنو إسرائيل، شبهنا بهم، لا أعلم إلا أنه ﷺ قال: والذي نفسي بيده، لتتبعنهم، حتى لو دخل الرجل منهم جحر ضب لدخلتموه ". فكيف يظن من له أدنى تمسك بالعلم، بعد هذه الأدلة الواضحة، والبراهين القاطعة، أن هذه الأمة لا تشابه اليهود
стр. 284
والنصارى، ولا تفعل فعلهم، ولا يتناولهم ما توعد الله به اليهود والنصارى إذا فعلوا مثل فعلهم؟ ومن أنكر وقوع الشرك والكفر في هذه الأمة فقد خرق الإجماع، وسلك طريق الغي والابتداع.
ولسنا بحمد الله نتبع المتشابه من التنْزيل، ولا نخالف ما عليه أئمة السنة من التأويل، فإن الآيات التي استدللنا بها على كفر المشرك وقتاله هي من الآيات المحكمات في بابها، لا من المتشابهات واختلف أئمة المسلمين في تأويلها والحكم بظاهرها وتفسيرها، بل هي من الآيات التي لا يعذر أحد من معرفة معناها، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٢] ، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٥] ، وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] .
وأما قولكم: فإنا لله الحمد على الفطرة الإسلامية والاعتقادات الصحيحة، ولم نزل بحمده تعالى عليها، عليها نحيا وعليها نموت، كما قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية [سورة إبراهيم آية: ٢٧] ، فظاهرنا وباطننا بتوحيده تعالى في ذاته وصفاته، كما بين في محكم كتابه، قال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾
стр. 285
[سورة النساء آية: ٣٦] .
وقال ﷺ : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله "، ١ وقال ﷺ " بني الإسلام على خمس " ٢ إلخ ; فنقول:
غاض الوفاء وفاض الجور وانفرجت ... مسافة الخلف بين القول والعمل
وليس الإيمان بالتحلي، ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال. فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، أنا مسلم، أنا من أهل السنة والجماعة، وهو من أعداء الإسلام وأهله، منابذ لهم بقوله وفعله، لم يصر بذلك مؤمنا، ولا مسلما، ولا من أهل السنة والجماعة، ويكون كفره مثل اليهود، فإنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم.
فإن أصل الإسلام شهادة ألا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ومضمون شهادة ألا إله إلا الله ألا يعبد إلا الله وحده، فلا يدعى إلا هو، ولا يستغاث إلا به، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجى إلا هو، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [سورة الكهف آية: ١١٠] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٢٣] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] .
стр. 286
فكل من دعا مخلوقا، أو استغاث به، أو جعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان أغثني، أو انصرني، أو اقض ديني، أو اشفع لي عند الله، في قضاء حاجتي، أو أنا متوكل على الله وعليك، فهو مشرك في عبادة الله غيره، وإن قال بلسانه: لا إله إلا الله، وأنا مسلم.
وقد كفّر الصحابة ﵃ مانعي الزكاة، وقاتلوهم، وغنموا أموالهم، وسبوا نساءهم، مع إقرارهم بسائر شرائع الإسلام، وذلك لأن أركان الإسلام، من حقوق لا إله إلا الله، كما استدل به أبو بكر الصديق ﵁ على عمر، حين أشكل عليه قتال مانعي الزكاة، حين قال له: "كيف تقاتل الناس؟ وقد قال رسول الله ﷺ : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها، عصموا مني دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله. فقال أبو بكر: الزكاة من حقها، والله لو منعوني عقالا، كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه، قال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق " أخرجاه في الصحيحين وغيرهما من كتب الإسلام. فكيف بمن كفر بمعنى لا إله إلا الله؟ وصار الشرك وعبادة غير الله هو دينه، وهو المشهور في بلده، ومن أنكر ذلك عليهم كفروه، وبدعوه، وقاتلوه، فكيف يكون من هذا فعله، مسلما من أهل السنة والجماعة، مع منابذته لدين الإسلام، الذي بعث الله به رسوله ﷺ من توحيد الله،
стр. 287
وعبادته وحده لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، إلى غير ذلك من المجاهرة بالكفر، والمعاصي، واستحلال محارم الله ظاهرا؟!
فشعائر الكفر بالله، والشرك به، هي الظاهرة عندكم، مثل بناء القباب على القبور، وإيقاد السرج عليها، وتعليق الستور عليها، وزيارتها بما لم يشرعه الله ورسوله، واتخاذها عيدا، وسؤال أصحابها قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفات، هذا مع تضييع فرائض الله التي أمر الله بإقامتها، من الصلوات الخمس، وغيرها، فمن أراد الصلاة صلى وحده، ومن تركها لم ينكر عليه، وكذلك الزكاة ; وهذا أمر، قد شاع، وذاع، وملأ الأسماع، في كثير من بلاد الشام، والعراق، ومصر، وغير ذلك من البلدان.
وقد حدث ذلك في هذه البلدان، كما ذكر ذلك العلماء في مصنفاتهم، من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة. فمن ذلك ما ذكره أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي قال: لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وإكرامها بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع، فيها: يا مولاي افعل بي كذا وكذا، وأخذ
стр. 288
تربتها تبركا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: أبو بكر الصديق، أو محمد، أو علي، أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر، انتهى.
فانظر إلى هذا الإمام، كيف ذكر حدوث الشرك في وقته؟ واشتهاره عند العامة الجهال، وتكفيره لهم بذلك، وهو من أهل القرن الخامس، من تلامذة القاضي أبي يعلى الحنبلي، ونقل كلامه هذا غير واحد من أئمة الحنابلة، كأبي الفرج ابن الجوزي، في كتاب تلبيس إبليس.
وقال الإمام أبو بكر الطرطوشي المالكي، لما ذكر حديث أبي واقد الليثي، ولفظه: قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون حولها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال النبي ﷺ : الله أكبر، إنها السنن، قلتم - والذي نفسي بيده - كما قالت بنو إسرائيل
стр. 289
لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم ".
قال الطرطوشي: فانظروا رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة، أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمونها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، ويضربون بها المسامير والخرق فهي ذات أنواط، فاقطعوها، انتهى.
فإذا كان اتخاذ هذه الشجرة لتعليق الأسلحة، والعكوف حولها، اتخاذ آلهة مع الله، مع أنهم لا يعبدونها، ولا يسألونها، فما ظنك بالعكوف حول القبر؟ والدعاء به ودعائه، والدعاء عنده، فأي نسبة بالفتنة بشجرة إلى الفتنة بالقبر، لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟
وقال الحافظ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل، المعروف بأبي شامة الشافعي في كتابه الباعث في إنكار البدع والحوادث:
ومن هذا القسم أيضا ما قد عم به الابتلاء، من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة من كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا، ممن شهر بالصلاح والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك، ثم يتجاوزون هذا، إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون
стр. 290
الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لها.
وهي ما بين عيون، وشجر، وحائط، وحجر. وفي مدينة دمشق من ذلك مواضع متعددة، كعوينة الحمى، خارج باب توما، والعمود المخلق داخل الباب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسةخارج باب النصر، في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط التي في الحديث. ثم ساق حديث أبي واقد الليثي المتقدم، ثم ذكر أنه بلغه بعض أهل العلم ببلاد إفريقية، أنه كان إلى جانبه عين تسمى عين العافية، كان العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، فمن تعذر عليه نكاح أو ولد قال: امضوا بي إلى العافية، فتعرف فيها الفتنة، فخرج في السَّحر، فهدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع بها رأس إلى الآن.
قال: وأدهى من ذلك وأمر إقدامهم على الطريق السابلة يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية التي هي من بناء الجن، في زمن نبي الله سليمان بن داود ﵉، أو من بناء ذي القرنين، أو من بناء غيره، مما يؤذن بالتقدم، على ما نقلناه في كتاب تاريخ دمشق، وهو الباب الشمالي ; ذكر لهم بعض من لا يوثق به، في شهور سنة ست وثلاثين وستمائة، أنه رأى مناما يقتضي أن
стр. 291
ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت، وقد أخبرني عنه ثقة أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريق المارة فيه، وجعلوا الباب بكماله مسجدا مغصوبا، وقد كان الطريق يضيق بسالكيه، فتضاعف الضيق والحرج، على من دخل ومن خرج، ضاعف الله نكال من تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان على هدمه، وإزالة اعتدائه، اتباعا لسنة رسول الله ﷺ في هدم مسجد الضرار، انتهى كلامه.
فانظر إلى كلام هؤلاء الأئمة، وما حدث في زمانهم من الشرك، وأنه قد عم الابتلاء به في وقتهم، ومعلوم أنه لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه، وتأمل كلامه في تخصيصه دمشق بما حدث فيها من الشرك والأوثان، وتمنيه إزالة ذلك، وهي بلده، ومستوطنه. وقال ابن القيم ﵀، في كتابه إغاثة اللهفان: ومن أعظم مكائده - التي كاد بها أكثر الناس، وما نجا منها إلا من لم يرد الله فتنته - ما أوحاه قديما وحديثا إلى حزبه وأوليائه، من الفتنة بالقبور، حتى آل الأمر فيها إلى أن عبد أربابها، ثم جعلت تلك الصور أجسادا لها ظل، ثم جعلت أصناما وعبدت مع الله؛ وكان أول هذا الداء العظيم في قوم نوح وأطال الكلام في ذلك إلى أن قال: وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها على يد شيخ الإسلام، وحزب الله الموحدين،
стр. 292
كالعمود المخلق، والنصب الذي كان بمسجد النارنج عند المصلى يعبده الجهال، والنصب الذي كان تحته الطاحون، الذي عنده مقابر النصارى، ينتابه الناس للتبرك، وكان صورة صنم في نهر القلوط ينذرون له، ويتبركون به. وقطع الله سبحانه المسجد الذي عند الرحبة يسرج عنده ويتبرك به المشركون، وكان عمودا طويلا على رأسه حجر كالكرة، وعند مسجد درب الحجر نصب قد بني عليه مسجد صغير يعبده المشركون، يسر الله كسره.
فما أسرع أهل الشرك إلى اتخاذ الأوثان من دون الله، ولو كانت ما كانت، ويقولون: إن هذا الحجر، وهذه الشجرة، وهذه العين، تقبل النذر، أي تقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة وقربة يتقرب بها الناذر إلى المنذور له، ويتمسحون بذلك النصب ويستلمونه.
ولهذا أنكر السلف التمسح بحجر المقام، الذي أمر الله أن يتخذ مصلى، كما ذكره الأزرقي في كتاب مكة، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٥] . قال: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة شيئا ما تكلفته الأمم، ذكر لنا من رأى أثره وأصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه حتى اخلولق، انتهى.
وقال ابن القيم ﵀، في كتابه المشهور: بزاد
стр. 293
المعاد في هدى خير العباد ; لما ذكر غزوة الطائف، وقدوم وفدهم على رسول الله ﷺ وأنهم سألوه أشياء، وكان فيما سألوه: أن يدع لهم اللات ثلاث سنين لا يهدمها، واعتذروا أن مرادهم بذلك أن لا يروعوا نساءهم وسفهاءهم، فأبى عليهم رسول الله ﷺ فما برحوا يسألونه سنة، ويأبى عليهم، حتى سألوه شهرا واحدا بعد قدومهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئا مسمى.
قال: لما ذكر فوائد القصة، ومنها: أنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها مع القدرة البتة ; وهكذا حكم المشاهد التي بنيت على القبور التي اتخذت أوثانا وطواغيت تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم والتبرك والنذر والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنْزلة اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، وأعظم شركا عندها وبها، والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق أو ترزق أو تحيي وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها وبها ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، وسلكوا سبيلهم حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم شبرا بشبر،
стр. 294
وذراعا بذراع. وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم. وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة. ونشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام. وقلت العلماء، وغلبت السفهاء. وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولكن لا تزال طائفة من العصابة المحمدية بالحق قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين. ومنها جواز صرف الإمام الأموال، التي تصير إلى هذه المشاهد والطواغيت في الجهاد ومصالح المسلمين ; فيجوز للإمام، بل يجب عليه أن يأخذ أموال هذه الطواغيت التي تساق إليها، ويصرفها على الجند والمقاتلة ومصالح المسلمين، كما " أخذ النبي ﷺ أموال اللات، وأعطاها لأبي سفيان يتألفه بها، وقضى منها دين عروة والأسود ". وكذا يجب عليه هدم هذه المشاهد التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا ; وله أن يقطعها للمقاتلة، أو يبيعها، ويستعين بأثمانها على مصالح المسلمين. وكذا الحكم في أوقافها، فإن وقفها، والوقف عليها باطل، وهو مال ضائع، فيصرف في مصالح المسلمين; فإن الوقف لا يصح إلا في قربة وطاعة لله ورسوله، فلا يصح الوقف على مشهد ولا قبر يسرج عليه ويعظم وينذر
стр. 295
له، ويحج إليه، ويعبد من دون الله، ويتخذ إلها من دونه; وهذا لا يخالف فيه أحد من أئمة الإسلام، ومن اتبع سبيلهم.
وقال الشيخ قاسم، في شرح: درر البحار، وهو من أئمة الحنفية: النذر الذي يقع من أكثر العوام، يأتي إلى قبر بعض الصلحاء، قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب، أو الطعام، أو الشمع، كذا، باطل إجماعا، لوجوه;
منها: أن النذر للمخلوق لا يجوز. ومنها: أن ذلك كفر، إلى أن قال: وقد ابتلي الناس بذلك، لا سيما في مولد أحمد البدوي; انتهى كلامه.
وقال الأذرعي في قوت المحتاج، شرح المنهاج، وهو من أئمة الشافعية: وأما النذر للمشاهد التي بنيت على قبر ولي أو شيخ، أو على اسم من حلها من الأولياء، أو تردد في تلك البقعة من الأنبياء والصالحين، فإن قصد الناذر بذلك - وهو الغالب، أو الواقع من مقصود العامة - تعظيم البقعة، والمشهد، والزاوية، أو تعظيم من دفن بها ممن ذكرنا، أو نسبت إليه، أو بنيت على اسمه، فهذا النذر باطل، غير منعقد. فإن معتقدهم أن لهذه الأماكن خصوصيات بأنفسها، ويرون أنها مما يدفع بها البلاء، ويستجلب به النعماء،
стр. 296
ويستشفى بالنذر لها من الأدواء، حتى إنهم ينذرون لبعض الأحجار، لما قيل: إنه جلس إليها، أو استند إليها عبد صالح، وينذرون لبعض القبور السرج، والشموع، والزيت، ويقولون: القبر الفلاني، والمكان الفلاني، يقبل النذر، يعنون بذلك أنه يحصل بالنذر له الغرض المأمول، من شفاء مريض، وقدوم غائب، أو سلامة مال، وغير ذلك من أنواع نذر المجازاة. فهذا النذر، على هذا الوجه، باطل لا شك فيه، بل نذر الزيت، والشمع، ونحوهما، للقبور، باطل مطلقا.
من ذلك: نذر الشموع الكثيرة العظيمة، لقبر الخليل ﷺ ، ولقبر غيره من الأنبياء والأولياء; فإن الناذر لا يقصد بذلك إلا الإيقاد على القبر، تبركا وتعظيما، ظانا أن ذلك قربة. وأكثر من ينذر ذلك، يصرح بمقصوده، فيقول: لله علي كذا من الشمع مثلا، يوقد عند رأس الخليل، أو على القبر الفلاني، أو قبر الشيخ فلان، فهذا مما لا ريب في بطلانه. والإيقاد المذكور، محرم، سواء انتفع به منتفع هناك، أم لا، لأن الناذر لم يقصد ذلك، ولا مر بباله، بل قصده وغرضه ما أشرنا إليه; فهذا الفعل من البدع الفاحشة، التي عمت بها البلوى، وفيها مضاهاة لليهود والنصارى، الذين لعنوا في الحديث الصحيح، على تعاطيهم ذلك على قبور أنبيائهم ﵈. انتهى.
فانظر إلى تصريح هؤلاء الأئمة، بأن هذه الأعمال
стр. 297
الشركية، قد عمت بها البلوى، وشاعت في كثير من بلاد الشام وغيرها، وأن الإسلام قد اشتدت غربته، حتى صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا; وأن هذه المشاهد، والأبنية التي على القبور، قد كثرت، وكثر الشرك عندها وبها، حتى صار كثير منها، بمنْزلة اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، بل أعظم شركا عندها وبها، وهذا مما يبطل قولكم: إنكم على الفطرة الإسلامية، والاعتقادات الصحيحة، ويبين أن أكثركم قد فارق ذلك، ونبذه وراء ظهره، وصار دينه الشرك بالله، ودعاء الأموات، والاستغاثة بهم، وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، والتمسك بالبدع المحدثات.
وأما قولكم: فنحن مسلمون حقا، وأجمع على ذلك أئمتنا أئمة المذاهب الأربعة، ومجتهدو الدين والملة المحمدية.
فنقول: قد بينا من كلام الله، وكلام رسوله، وكلام أتباع الأئمة الأربعة، ما يدحض حجتكم الواهية، ويبطل دعواكم الباطلة، وليس كل من ادعى دعوى، صدقها بفعله; فما استغنى فقير، بقوله: ألف دينار، وما احترق لسان، بقوله: نار، فإن اليهود أعداء رسول الله ﷺ قالوا لرسول الله لما دعاهم إلى الإسلام، قالوا: نحن مسلمون، إلا إن كنت تريد أن نعبدك، كما عبدت النصارى المسيح، وقالت: النصارى مثل ذلك; وكذلك فرعون، قال لقومه:
стр. 298
﴿مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [سورة غافر آية: ٢٩] ، وقد كذب، وافترى في قوله ذلك، وحالكم، وحال أئمتكم، وسلاطينكم تشهد بكذبكم وافترائكم في ذلك. وقد رأينا لما فتحنا الحجرة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، عام اثنين وعشرين، رسالة لسلطانكم: سليم، أرسلها ابن عمه، إلى رسول الله ﷺ يستغيث به، ويدعوه، ويسأله النصر على الأعداء، من النصارى وغيرهم; وفيها من الذل، والخضوع، والعبادة، والخشوع، ما يشهد بكذبكم. وأولها: من عبيدك السلطان سليم، وبعد: يا رسول الله، قد نالنا الضر، ونزل بنا من المكروهما لا نقدر على دفعه، واستولى عباد الصلبان على عباد الرحمن، نسألك النصر عليهم، والعون عليهم، وأن تكسرهم عنا، وذكر كلاما كثيرا، هذا معناه وحاصله. فانظر إلى هذا الشرك العظيم، والكفر بالله الواحد العليم، فما سأله المشركون من آلهتهم، العزى، واللات، فإنهم إذا نزلت بهم الشدائد، أخلصوا لخالق البريات.
فإذا كان هذا حال خاصتكم، فما الظن بفعل عامتكم، وقد رأينا من جنس كلام سلطانكم، كتبا كثيرة، في الحجرة، للعامة والخاصة، فيها من سؤال الحاجات، وتفريج الكربات، ما لا نقدر على ضبطه، وقد ورد في الحديث الذي
стр. 299
رواه أبو داود، وغيره: " أن النبي ﷺ أخبر أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار، إلا واحدة، قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ١.
فأهل السنة والجماعة هم أتباع رسول الله ﷺ في كل زمان، ومكان; وهم الفرقة الناجية، كالصحابة، والتابعين، والأئمة، الأربعة، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم القيامة. وقد بعث الله جميع رسله بتوحيده، ورفع مناره، وطمس الشرك، ومحو آثاره.
ومن أعظم الشرك والضلال: ما وقع في هذه الأمة، من البناء على القبور، ومخاطبة أصحابها بقضاء الأمور، وصرف كثير لها من العبادات، والنذور. فهذا النبي ﷺ هل تجد في عصره بناء على قبر صالح؟ أو ولي؟ أو شهيد؟ أو نبي؟ بل نهى عن البناء على القبور، كما ثبت في صحيح مسلم وغيره.
وكذلك أصحابه من بعده، فتحوا الشام، والعراق، وغالب أقطار الأرض، فهل تجدون أحدا منهم بنى على قبر أو دعاه؟ أو استغاث به؟ أو نذر له؟ أو ذبح له؟ أو وقف عليه وقفا؟ أو أسرج عليه؟ بل ثبت عنه ﷺ النهي عن ذلك، والتغليظ فيه، ولعن من فعله، كما ثبت عنه أنه " بعث علي بن أبي طالب ﵁ أن لا يدع تمثالا إلا طمسه، ولا قبرا مشرفا إلا سواه " ٢ رواه مسلم، وكذلك لم
стр. 300
يكن أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، يقول - إذا نزلت بهم ترة، أو عرضت له حاجة – لميت: يا سيدي فلان، أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقوله بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين; ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها؛ بل: " لما قحط الناس، في زمان عمر بن الخطاب، استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك، إذا أجدبنا بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا، فيسقون ". فهذا توسل بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، ولهذا: توسلوا بعد وفاته بدعاء العباس. وهذا كله تحقيق لما بعث الله به رسوله ﷺ من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله وحده، الذي هو حقيقة معنى لا إله إلا الله; فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، ولا يدعى معه إله آخر، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٧١] ، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . فاتخاذ الأحبار، والرهبان أربابا، هو من فعل اليهود، والنصارى.
стр. 301
وقال غير واحد من العلماء: إن من أسباب الكفر، والشرك: الغلو في الصالحين، كعبد القادر وأمثاله، بل الغلو في علي بن أبي طالب ﵁، بل الغلو في الأنبياء، كالمسيح، وغيره; فمن غلا في نبي، أو ولي، أو جعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان، أغثني، أو انصرني، أو أنا في حسبك، فكل هذا شرك، وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل.
قال ابن القيم ﵀، في شرح المنازل: ومن أنواع الشرك: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، إلى أن قال: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله، قال: وما أعز من تخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره!
وأما قولكم: وأما ما اعترينا، وما ابتلينا به من الذنوب، فليست أول قارورة كسرت في الإسلام، ولا يخرجنا من دائرة الإسلام، كما زعمت الخوارج، من الفرق الضالة، الذين عقيدتهم، على خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة.
فنقول: نحن بحمد الله، لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، وإنما نكفر لهم، بما نص الله ورسوله، وأجمع
стр. 302
عليه علماء الأمة المحمدية، الذين هم لسان صدق في الأمة، أنه كفر، كالشرك في عبادة الله غيره، من دعاء، ونذر، وذبح، وكبغض الدين وأهله، والاستهزاء به.
وأما الذنوب، كالزنى، والسرقة، وقتل النفس، وشرب الخمر، والظلم، ونحو ذلك، فلا نكفر من فعله إذا كان مؤمنا بالله ورسوله، إلا إن فعله مستحلا له، فما كان من ذلك فيه حد شرعي أقمناه على من فعله، وإلا عزرنا الفاعل بما يردعه، وأمثاله عن ارتكاب المحرمات.
وقد جرت المعاصي، والكبائر، في زمن رسول الله ﷺ وأصحابه، ولم يكفروا بها، وهذا مما رد به أهل السنة والجماعة، على الخوارج، الذين يكفرون بالذنوب، وعلى المعتزلة، الذين يحكمون بتخليده في النار، وإن لم يسموه كافرا، ويقولون: ننَزله منْزلة، بين المنْزلتين، فلا نسميه كافرا، ولا مؤمنا، بل فاسقا، وينكرون شفاعة رسول الله ﷺ يوم القيامة، ويقولون: لا يخرج من النار أحد دخلها، بشفاعة، ولا غيرها.
ونحن بحمد الله، برآء من هذين المذهبين: مذهب الخوارج، والمعتزلة; ونثبت شفاعة رسول الله ﷺ وغيره من الأنبياء، والصالحين، ولكنها لا تكون إلا لأهل التوحيد خاصة، ولا تكون إلا بإذن الله، كما قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٨] ، وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ
стр. 303
عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] .
فذكر في الشفاعة شرطين: أحدهما: أنها لا تكون إلا بعد الإذن من الله للشافع، لا كما يظنه المشركون الذين يسألونها من غير الله في الدنيا. وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة آية: ٢٢-٢٣] .
قال ابن القيم، رحمه الله تعالى، في الكلام على هذه الآية: وقد قطع الله سبحانه الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها، قطعا يعلم من تأمله وعرفه أن من اتخذ من دون الله وليا، أو شفيعا، فمثله: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٤١] . فالمشرك إنما يتخذ معبوده، لما يحصل له به من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة، من هذه الأربع: إما مالك لما يريده عابده منه، فإن لم يكن مالكا، كان شريكا للمالك، فإن لم يكن شريكا، كان معينا أو ظهيرا، فإن لم يكن معينا ولا ظهيرا، كان شفيعا عنده؛ فنفى سبحانه المراتب الأربع نفيا مرتبا، منتقلا من الأعلى إلى ما دونه، فنفى الملك، والشركة، والمظاهرة، والشفاعة، التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي: الشفاعة بإذنه.
стр. 304
فكفى بهذه الآية ورا، وبرهانا، ونجاة، وتجريدا للتوحيد، وقطعا لأصول الشرك ومواده، لمن عقلها; والقرآن مملوء من أمثالها، ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في نوع وقوم قد خلوا من قبل، ولم يعقبوا وارثا; وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن; ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا، فقد ورثهم من هو مثلهم، وشر منهم، ودونهم، وتناول القرآن لهم، كتناوله لأولئك؛ ولكن: الأمركما قال عمر بن الخطاب، ﵁: "إنما تنقض عرى الإسلام، عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية " أي: لأنه إذا لم يعرف الجاهلية والشرك، وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، ودعا إليه، وصوبه، وحسنه، وهو لا يعرف أنه هو الذي كان عليه الجاهلية، أو نظيره، أو شر منه، أو دونه؛ فتنتقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان، وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ﷺ ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة، وقلب حي، يرى ذلك عيانا; وبالله التوفيق، انتهى.
وهذا الذي ذكره غير واحد عن أئمة العلم، من تغير الإسلام، وغربته، قد أخبر به الصادق المصدق، صلوات
стр. 305
الله وسلامه عليه، كما ثبت عنه في صحيح مسلم، أنه قال: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١ وفي حديث ثوبان، الذي في صحيح مسلم وغيره: " ولا تقوم الساعة، حتى يعبد فئام من أمتي الأوثان "، وفي حديث العرباض بن سارية: أنه ﷺ قال:" إنه من يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا. فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين، المهديين، من بعدي. تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة ضلالة " ٢ أخرجه: أبو داود، وغيره. وفي صحيح البخاري عنه ﷺ أنه قال:?" لا تقوم الساعة حتى تضطرب إليات نساء دوس، حول ذي الخلصة " ٣. وهذا الذي تقدم ذكره، من كلام أهل العلم، من حدوث الشرك وغيره من البدع في هذه الأمة، وكثرته، هو مصداق ما أخبر به النبي ﷺ في هذه الأحاديث، وغيرها.
وأما قولكم: فكيف التجري بالغفلة، على إيقاظ الفتنة، بتكفير المسلمين وأهل القبلة، ومقاتلة قوم يؤمنون بالله واليوم الآخر، واستباحة أموالهم وأعراضهم، وعقر مواشيهم وحرق أقواتهم، من نواحي الشام ... إلخ؟
فنقول: قد قدمنا أننا لا نكفر بالذنوب، وإنما نقاتل ونكفر من أشرك بالله، وجعل لله ندا يدعوه كما يدعو الله، ويذبح له كما يذبح لله، وينذر له كما ينذر لله ويخافه،
стр. 306
كما يخاف الله، ويستغيث به عند الشدائد، وجلب الفوائد، ويقاتل دون الأوثان والقباب المبنية على القبور، التي اتخذت أوثانا تعبد من دون الله; فإن كنتم صادقين في دعواكم أنكم على ملة الإسلام، ومتابعة الرسول ﷺ فاهدموا تلك الأوثان كلها، وسووها بالأرض، وتوبوا إلى الله، من جميع الشرك والبدع، وحققوا قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
ومن صرف من أنواع العبادة شيئا لغير الله، من الأحياء والأموات، فانهوه عن ذلك، وعرفوه أن هذا مناقض لدين الإسلام، ومشابهة لدين عباد الأصنام؛ فإن لم ينته عن ذلك، إلا بالمقاتلة، وجب قتاله، حتى يجعل الدين كله لله; وقوموا على رعاياكم بالتزام شعائر الإسلام وأركانه، من إقام الصلاة جماعة في المساجد؛ فإن تخلف أحد، فأدبوه، وكذلك: الزكاة التي فرض الله، تؤخذ من الأغنياء، وترد على أهلها الذين أمر الله بصرفها إليهم. فإذا فعلتم ذلك فأنتم إخواننا، لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، يحرم علينا دماؤكم وأموالكم. وأما إن دمتم على حالكم هذه، ولم تتوبوا من الشرك، الذي أنتم عليه، وتلتزموا دين الله الذي بعث الله به رسوله، وتتركوا الشرك والبدع والمحدثات، لم نزل نقاتلكم، حتى تراجعوا دين الله القويم، وتسلكوا صراطه المستقيم، كما أمرنا الله بذلك،
стр. 307
حيث يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٩] ، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] . ونسأل الله العظيم أن يهدينا، وسائر أمة محمد ﷺ إلى دينه القويم، ويجنبنا طريق المغضوب عليهم والضالين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
حرر في اليوم الرابع عشر، من شهر ذي القعدة، سنة خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة.
стр. 308
(توقيع الشريف غالب وعلماء الحرمين على الرسالة) .
الحمد لله رب العالمين.
نشهد - ونحن علماء مكة، الواضعون خطوطنا، وأختامنا في هذا الرقيم - أن هذا الدين، الذي قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، ودعا إليه إمام المسلمين سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله، ونفي الشرك، الذي ذكره في هذا الكتاب، أنه هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن ما وقع في مكة والمدينة، سابقا، ومصر والشام وغيرهما من البلاد إلى الآن، من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب، أنه: الكفر، المبيح للدم والمال والموجب للخلود في النار; ومن لم يدخل في هذا الدين، ويعمل به، ويوالي أهله، ويعادي أعداءه، فهو عندنا كافر بالله واليوم الآخر، وواجب على إمام المسلمين والمسلمين، جهاده وقتاله، حتى يتوب إلى الله مما هو عليه، ويعمل بهذا الدين.
أشهد بذلك، وكتبه الفقير إلى الله تعالى: عبد الملك بن عبد المنعم، القلعي، الحنفي، مفتي مكة المكرمة، عفى عنه، وغفر له.
أشهد بذلك، وأنا الفقير إلى الله سبحانه: محمد
стр. 309
صالح بن إبراهيم، مفتي الشافعية بمكة، تاب الله عليه.
أشهد بذلك، وأنا الفقير إلى الله تعالى: محمد بن محمد عربي، البناني، مفتي المالكية، بمكة المشرفة، عفا الله عنه، وأصلح شأنه.
أشهد بذلك، وأنا الفقير إلى الله: محمد بن أحمد، المالكي، عفا الله عنه.
أشهد بذلك، وأنا الفقير إلى الله تعالى: محمد بن يحيى، مفتي الحنابلة، بمكة المكرمة، عفا الله عنه آمين.
أشهد بذلك، وأنا الفقير إليه تعالى: عبد الحفيظ بن درويش العجيمي، عفا الله عنه.
شهد بذلك: زين العابدين جمل الليل; شهد بذلك: علي بن محمد البيتي.
أشهد بذلك، وأنا الفقير إلى الله تعالى: عبد الرحمن جمال، عفا الله عنه.
شهد بذلك، الفقير إلى الله تعالى: بشر بن هاشم الشافعي عفا الله عنه.
الحمد لله رب العالمين، أشهد أن هذا الدين الذي قام به الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ودعانا إليه إمام المسلمين: سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله ونفي الشريك له، هو الدين الحق، الذي جاء به النبي ﷺ ،
стр. 310
وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقا، والشام، ومصر وغيرها من البلدان، من أنواع الشركالمذكورة في هذا الكتاب، أنه الكفر المبيح للدم، والمال; وكل من لم يدخل في هذا الدين، ويعمل بمقتضاه، كما ذكر في هذا الكتاب، فهو كافر بالله واليوم الآخر; وكتبه: الشريف غالب بن مساعد، غفر الله له آمين، الشريف: غالب.
بسم الله الرحمن الرحيم ما حرر في هذا الجواب، من بديع النطق وفصل الخطاب، وما فيه من الأدلة الصحيحة الصريحة، المستنبطة من الكتاب المبين، وسنة سيد المرسلين، نشهد: بذلك، ونعتقده، ونحن: علماء المدينة المنورة، وندين الله به، ونسأله تعالى الموت عليه.
ونقول: الحمد لله رب العالمين، نشهد بأن هذا الذي قام به الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، ﵀، ودعانا إليه إمام المسلمين: سعود بن عبد العزيز، من توحيد الله ، ونفي الشرك، هو الدين الحق، الذي لا شك فيه ولا ريب; وأن ما وقع في مكة والمدينة سابقا، والشام ومصر، وغيرها من البلدان، إلى الآن، من أنواع الشرك المذكورة في هذا الكتاب، أنها: الكفر المبيح للدم والمال. وكل من لم يدخل في هذا الدين، ويعمل به، ويعتقده، كما ذكر الإمام في هذا الكتاب، فهو
стр. 311
كافر بالله واليوم الآخر، والواجب على إمام المسلمين وكافة المسلمين، القيام بفرض الجهاد، وقتال أهل الشرك والعناد. ١ وكل من خالف ما في هذا الكتاب، من أهل مصر، والشام، والعراق، وكل من كان على دينهم الذي هم عليه الآن، فهو كافر مشرك من موقعه، ويمكنه في ذلك، وإزالة ما عليه من الشرك والبدع، وأن ويجعل رايته بالنصر خافقة، إنه سميع مجيب، وصلى الله على محمد وآله وصحبه. أشهد بذلك، وأنا الفقير بن حسين بالروضة الشريفة.
وكتبه الفقير إليه عز شأنه: محمد صالح رضوان، شهد بذلك، وكتبه: محمد بن إسماعيل، كتبه الفقير إلى الله عز شأنه:?حسن وعليه ختمهم.
стр. 312
(تنبيه الشيخ سليمان بن عبد الله على قول ابن غنام)
قال الشيخ: سليمان بن الشيخ عبد الله، بن محمد رحمهم الله تعالى، منبها على قول الشيخ: حسين بن غنام، رحمه الله تعالى، على شرح حديث عمر، في قول النبي ﷺ لجبرائيل: (وكتبه) قال الشارح المذكور، أي: أنها منَزلة من عنده، وأنها كلامه القائم بذاته، المنَزه عن الحروف والصوت; قال الشيخ رحمه الله تعالى: قوله: وأنها كلامه القائم بذاته، المنَزه عن الحروف والصوت; هذا الكلام جرى على مذهب الكلابية، ومن تبعهم من الأشعرية أن الكلام هو المعنى القائم بالذات، المنَزه عن الحرف والصوت; فعلى هذا يكون عندهم ليس هو عين كلام الله لأنه حروف وأصوات، وإنما هو عبارة عن كلام الله كما قد صرحوا بذلك في كتبهم.
والحق في ذلك، هو ما دل عليه الكتاب، والسنة، والإجماع: أن الله تعالى لم يزل متكلما كيف شاء، إذا شاء بحرف وصوت، كما دل على ذلك القرآن، والأحاديث. فأما القرآن، فواضح.
وأما الأحاديث، ففي صحيح البخاري وغيره: " أن الله تعالى ينادي آدم يوم القيامة بصوت "، وهذا نص، وفيه نحو أربعة عشر حديثا.
وأما الإجماع، فيكفي في ذلك أنه لا يعرف عن صحابي، ولا تابعي، حرف واحد يخالف ذلك. وقد أفرد العلماء هذه المسألة بالتصنيف، والله أعلم.
стр. 313
(رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى الأحسائي لما نصب في المساجد من يتهم بمذهب الأشاعرة)
وكتب الشيخ: عبد الرحمن بن حسن - رحمه الله تعالى - رسالة أرسلها، لما بلغه أن الشيخ عبد اللطيف بن مبارك نصب في بعض مساجد الأحساء من يتهم بمذهب الأشاعرة، من غير إذن الإمام، وهذا نصها:
بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخوين المكرمين: محمد بن عبد الله، وعبد الله بن سالم، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وما ذكرتما عن نصب الشيخ عبد اللطيف لهؤلاء الثلاثة، فالعاد أن مثل هذا يراجع فيه الإمام، لأن نصبه له في أمر خاص، وهو فصل القضايا بين الناس. وأما النظر فيما يصلح للإمامة والتدريس، فيرد إلى الإمام، وربما أن الإمام يجعل لنا فيه بعض الشورى، لأن كثيرا من الناس ما يخفانا حالهم، وعقائدهم، ونصب الإمام القضاة بنجد كذلك.
والشيخ أحمد بن مشرف يسامي الأكابر، ومثلهم ما ينسب له، والذي نعلم عنه: صحة المعتقد في توحيد الأنبياء والمرسلين، الذي جهله أكثر الطوائف. كذلك: هو رجل سلفي، يثبت من صفات الرب تعالى ما وصف به نفسه، ووصفه به رسول الله ﷺ على ما يليق بجلال الله وعظمته.
وأما أهل بلدكم في السابق وغيرهم، فهم أشاعرة،
стр. 314
والأشاعرة: أخطؤوا في ثلاث من أصول الدين، منها: تأويل الصفات، وهو صرفها عن حقيقتها، التي تليق بالله، وحاصل تأويلهم: سلب صفات الكمال عن ذي الجلال.
أيضا، أخذوا ببدعة عبد الله بن كلاب، في كلام الرب تعالى وتقدس، ورد العلماء عليهم في ذلك شهير، مثل: الإمام أحمد، والشافعي، وأصحابه، والخلال في كتاب السنة، وإمام الأئمة: محمد بن خزيمة، واللالكائي، وأبو عثمان الصابوني الشافعي، وابن عبد البر، وغيرهم من أتباع السلف، كمحمد بن جرير الطبري، وشيخ الإسلام الأنصاري.
وقد رجع كثير من المتكلمين الخائضين، كالشهر ستاني، شيخ أبي المعالي، وكذلك أبو المعالي، والغزالي، وكذلك الأشعري قبلهم في كتاب الإبانة، والمقالات. ومع هذا، وغيره، فبقي هذا في المتأخرين، المقلدين لأناس من المتأخرين، ليس لهم اطلاع على كلام العلماء، وكانوا يعدون من العلماء.
وأخطؤوا أيضا في التوحيد، ولم يعرفوا من تفسير لا إله إلا الله إلا أن معناها القادر على الاختراع، ودلالة لا إله إلا الله على هذا دلالة التزام، لأن هذا من توحيد الربوبية الذي أقر به الأمم، ومشركو العرب، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥] الآيات، وهي
стр. 315
كثيرة في القرآن، يحتج تعالى عليهم بذلك على ما أنكروه من توحيد الإلهية، الذي هو معنى لا إله إلا الله، مطابقة، وتضمنا. وهو الذي دعا إليه الناس في أول سورة البقرة، وفي سورة آل عمران، والنساء، وغيرها; ودعت إليه الرسل: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [سورة هود آية: ٢] ، وهو الذي دعا إليه رسول الله ﷺ وفد نصارى نجران، ودعا إليه العرب قبلهم، كما قال أبو سفيان لهرقل، لما سأله عما يقول; قال: يقول: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [سورة النساء آية: ٣٦] ، وكل السور المكية في تقرير معنى لا إله إلا الله، وبيانه.
فإذا كان العلماء في وقتنا هذا، وقبله، في كثير من الأمصار، ما يعرفون من معنى لا إله إلا الله إلا توحيد الربوبية، كمن كان قبلهم في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وابن رجب، اغتروا بقول بعض العلماء من المتكلمين أن معنى لا إله إلا الله القادر على الاختراع، وبعضهم يقول: معناها: الغني عمن سواه، المفتقر إليه ما عداه، وعلماء الأحساء ما عادوا شيخنا، ﵀، في مبدأ دعوته إلا من أجل أنهم ظنوا أن عبادة يوسف، والعيدروس، وأمثالهما، لا يستفاد بطلانها من كلمة الإخلاص. والله سبحانه بين لنا معنى هذه الكلمة، في مواضع كثيرة من القرآن، قال تعالى عن خليله ﵇: ﴿وَإِذْ
стр. 316
قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] ، فعبر عن هذه الكلمة بمعناها، وهو: نفي الشرك في العبادة، وقصرها على الله وحده. وقال عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] . فإذا كان هذا التوحيد، الذي هو حق الله على العباد، قد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت، فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور؟ خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله، ومحبته، والدعوة إليه، وتطلب أدلته، واستحضارها ذهنا، وقولا، وطلبا، ورغبة.
فهذه نصيحة مني لكل إنسان، دعاني إليها غربة الدين، وقلة المعرفة، فينبغي أن تشاع وتذاع، في محاضر أهل العلم، يقبلها من وفقه الله للخير، فإنها خير مما كتبتم فيه بأضعاف أضعاف، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 317
(رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى أعيان أهل الأحساء)
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان والأعيان، من أهل الأحساء: الشيخ عبد اللطيف بن مبارك، وابنيه، وأولاد عبد الله الوهيبي، وعبد الله بن عبد القادر، وعبد الله بن عمير، وإخوانهم: من أهل المدارس، والمساجد، وفقنا الله وإياهم لتوحيده، وأهّلنا وإياهم لمعرفته، ومحبته، وتأييده. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فمن المعلوم لديكم، أن شيخنا شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وعفا عنه، تبين بدعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن لا يصرف من العبادة شيء لأحد سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] ، ثم ذكر دين المشركين، وأنكره تعالى، في أول هذه السورة وغيرها، فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٤-١٥] . والآيات في إخلاص العبادة، وإفراد الرب تعالى بها في القرآن كثير، تفيد الحصر لمن تدبرها.
стр. 318
ولا يخفاكم أن شيخنا ﵀، لما تبين بهذه الدعوة الإسلامية، وجد العلماء في الأحساء وغيرها، لا يعرفون التوحيد من الشرك، بل قد اتخذوا الشرك في العبادة دينا; فأنكروا دعوته لجهلهم بالتوحيد، ومعنى لا إله إلا الله، فظنوا أن الإله، هو: القادر على الاختراع; وهذا وغيره من توحيد الربوبية حق، لكنه لا يدخل في الإسلام بدون توحيد الإلهية، وهي العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ َلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٤-٦٥-٦٦] .
والذي يبين لكم أن العلماء ما عرفوا التوحيد، ولا عرفوا هذا الشرك: كون أرباب القبور من الأموات تعبد، وتصرف الرغبات والرهبات إليها، ولا عالم من علماء الأحساء أنكر هذا، بل قد صار إنكارهم لإخلاص العبادة لله وحده; ومن دعا إلى الإخلاص كفّروه، وبدّعوه. ولا نعلم أحدا من علماء الأحساء صدع بهذا الدين، وعرَفه، وعرّفه، وهو دعوة الرسل، كما قال بعض السلف: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالدين في هاتين الكلمتين، والقرآن كله يقرر ذلك، يعرفه من تدبره. فلما أنه برق للشيخ حسين بن غنام، ﵀ هذا الدين، وأنه هو الحق الذي لا ريب فيه، صنف في تقريره
стр. 319
المصنفات، وقال في بعض نظمه:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها
فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها
وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها
فعرف ﵀ أن فعلهم عند القبور، هو دين لأرباب القبور.
والمقصود: أن الإمام فيصل بن تركي - وفقه الله وهداه وتولاه - ألقى الله في نفسه ما حصل من الفترة منكم وغيركم عن هذا الدين، والرغبة فيه والترغيب; فعزم على تجديد هذه الدعوة مخافة أن تدرس، لأن الله فتح على كثير من الناس الدنيا وكثرتها، والتنافس فيها هلاك، لأن بها تحصل الغفلة عن الدين، والإعراض عن دين المرسلين، وتكون المحبة لها، والبغض عليها; حتى إن بعض الناس، يقرب الرافضي وأمثاله لمصلحة دنياه، ولا يميز بين الخبيث والطيب لما أشرب من هواه الذي طبع على قلبه فأعماه وأصماه. فإن حصل منكم وأمثالكم قيام في هذا الدين، وسؤال العامة عن أصول الدين، وقراءة منكم وتدريس في كتب التوحيد، التي وجودها حجة عليكم، فهذا هو الواجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
стр. 320
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧] .
والذي هذه حاله، ما يستحق أن يصير في مدرسة ومسجد، يأكل وقفهما، لأنه أوقع نفسه في الوعيد الشديد، وغفل عن أوجب العلوم، وأفرضها.
فاجعلوا لكم قصدا حسنا مع ربكم، ولا تضيعوا دينكم فتبوؤوا بإثم من حولكم من الجهال، إذا تركتم تعلم دينكم، كما في كتاب النبي ﷺ لهرقل: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، ففي هذه الآية بيان التوحيد في العبادة، ونفي الشرك فيها، وبيان أن هذا هو الإسلام. وهذا الخط لكم، فيه بشارة ونذارة، والسلام.