← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

النكاح، وكذا كل قربة والمنع منه، والله أعلم، انتهى. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما أخذ الجعل على عقد النكاح، فلا بأس به إذا أعطي بغير شرط، فإن كان بشرط فلا أدري وأنا أكرهه. وسئل: عن عمار ما انهدم؟ فأجاب: أما من استأجر عقارا، فإنه يلزم المؤجر عمار ما انهدم من الحائط، وكذلك عمار البئر التابعة للعقار في طي ما اختلف من طيها ونحوه، ونقل ما في بطنها من تراب إن احتاج إلى ذلك، فالإجارة توافق المساقاة في أحكام، وتخالفها في أشياء أعني فيما يجب على المالك، وما لا يجب عليه. فصل سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: هل حكم المزارعة والإجارة واحد ... إلخ؟ فأجاب: المذهب التفريق فمن الأصحاب من قال: المساقاة عقد جائز ليس بلازم ومنهم من قال: إنها لازمة في حق صاحب العقار، جائزة في حق المساقي، وأما الإجارة فالظاهر أنها عقد لازم من الطرفين، ليس لأحدهما فسخها. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: الإجارة عقد لازم، وهو قول جمهور العلماء، لأنها بمعنى البيع، وأما

стр. 2522

معنى اللازم والجائز، فاللازم هو الذي لا يتمكن أحد المتعاقدين من فسخه إلا برضا الآخر، والجائز هو الذي يفسخه بغير رضا صاحبه. سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: عمن آجر أجيرا فحصل له مانع إلخ؟ فأجاب: إذا آجر أجيرا إلى مكان يجيء منه بشيء، فحصل له مانع لزمته الأجرة. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: الأجير الخاص لا يستحق شيئا، إذا فسخ بلا عذر. وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا ترك الأجير شيئا مما التزم به ... إلخ؟ فأجاب: أما مسألة الأجير، فما التزمه لصاحب النخل، فإن قام به كله فله أجرة المثل، فإن ترك شيئا مما التزمه نقص من الأجر بحسب ذلك ولكن هذا يحتاج إلى نظر من له معرفة بهذه الأمور ويتحرى فيها العدل من الجانبين لصعوبتها. وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: الذي مشى عليه متأخرو الحنابلة، أنه إذا امتنع من تمام المدة لا شيء له، وكذا المستأجر إذا حوله قبل تمام المدة، لا شيء له من الأجرة، لكن قال في المبدع على المقنع، بعد ما ذكر

стр. 2523

المذهب الذي ذكرناه، يحتمل أن له الأجرة بقسطه، وهو قول أكثر الفقهاء، لأنه استوفى ملك غيره على وجه المعاوضة، كالمبيع إذا استوفى بعضه ومنعه المالك بقيته، انتهى. وقال الوزير في الإفصاح: واختلفوا فيما إذا حول المالك المستأجر في أثناء الشهر فقالوا له أجرة ما سكن إلا أحمد فإنه قال لا أجرة له وكذلك قال إذا تحول الساكن لم يكن له أن يسترد أجرة ما بقي انتهى وهذا الذي نميل إليه مع أن للنظر فيه مدخلا. وأجاب الشيخ: عبد الله أبا بطين، وأما الأجير إذا مات قبل تمام عمله، فللعلماء من أصحابنا وغيرهم، في هذه المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: لا يستحق شيئا; والثاني: يستحق بقسطه; والثالث: إن ترك العمل لعذر شرعي يستحق، وإلا فلا. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: الذي يفتى به أنه إن ترك لعذر فله أجرة الماضي، وإن تركه لغير عذر فليس له شيء منها، إلا بعد كمال المدة، وهذا القول هو المشهور في المذهب. سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: عمن استأجر من يعمل له في الذمة؟ فأجاب: إذا استأجر أجيرا يعمل له في الذمة، مثل أن يحمل له شيئا إلى موضع معين وتلف المحمول قبل تمام

стр. 2524

العمل فلا يستحق الأجير شيئا والحالة هذه، لأن الأجرة في مقابلة العمل، وهو الحمل إلى الموضع المشروط، فإذا لم يمكن تسليم العمل الذي وقع عليه العقد، لم يجب تسليم الأجرة التي هي في مقابلته، كما لا يجب تسليم الثمن في المبيع إلا بتسليم المبيع، فالعمل في الإجارة كالمبيع، والأجرة كالثمن، ولهذا لو استأجر خياطا يخيط ثوبه فخاطه، وتلف قبل تسليمه لربه، لم يستحق الخياط شيئا، ومسألتنا أولى بعدم الاستحقاق، وهذا بخلاف ما إذا استأجر دابة بعينها ليركبها إلى موضع معين، أو استأجرها لحمل شيء معلوم، فإن صاحبها يستحق من الأجرة بقدر ما قطع من المسافة، في صورة تلف الدابة المعينة. وسئل بعضهم: إذا استأجر رجلا على رعي دابة وطلاها عن جرب فأخذ يرعاها ثم ماتت الدابة حتف أنفها هل يستحق شيئا من الأجرة؟ فأجاب: هذه المسألة فيها قولان للعلماء هما روايتان عن الإمام أحمد، أحدهما: أنه لا يستحق شيئا من الأجرة إلا بتسليم العين، وهذا هو المشهور في المذهب، قال في الإنصاف: ويضمن الأجير المشترك ما جنت يده أو تلف بفعله على الصحيح من المذهب وقال أيضا: وتجب الأجرة بنفس العقد هذا المذهب; وتستحق كاملة بتسليم العين، أو بفراغ العمل الذي بيد المستأجر، كطباخ استؤجر لعمل شيء في بيت المستأجر، انتهى.

стр. 2525

قال في المغني: وإنما توقف استحقاق تسليمه على العمل، لأنه عوض فلا يستحق تسليمه إلا مع تسليم المعوض، كالصداق والثمن في المبيع، ولا ضمان عليه، أي الأجير المشترك، فيما تلف من حرزه أو بغير فعله إذا لم يتعد; قال في الإنصاف: هذا المذهب، قال الزركشي: هو المنصوص عليه في رواية الجماعة، ثم قال: ولا أجرة له فيما عمل فيه، أي الذي تلف في يده، سواء قلنا إنه لا يضمن أو عليه الضمان، هذا هو المذهب مطلقا، وعليه أكثر الأصحاب. والقول الثاني: أن له أجرة ما عمل في بيت ربه دون غيره; وعنه: له أجرة البناء لا غير، نص عليه في رواية ابن منصور، وعنه: له أجرة البناء والمنقول إذا عمل في بيت ربه. وقال ابن عقيل في الفنون: له الأجرة مطلقا، لأن وضعه النفع فيما عينه له كالتسليم إليه، كرفعه إلى البائع غرارة، وقال ضع الطعام فيها، وكاله فيها كان ذلك قبضا لأنه كيله; ولهذا لو ادعيا طعاما في غرارة أحدهما كان له، قال في الإنصاف وهو قوي، وقال في المنتهى وشرحه: وله أي الحامل أجرة حمله إلى محل تلفه، ذكره في التبصرة، واقتصر عليه في الفروع، لأن ما عمل فيه من عمل بإذن; وعدم تمام العمل ليس من جهته، وهذا القول هو الذي يترجح عندنا، والله أعلم. وأجاب الشيخ: عبد الله بن عبد اللطيف بن

стр. 2526

عبد الرحمن: وأما الرجل الذي استأجر جملا يحمل عليه إلى موضع معين فلما انتصف في الطريق أخذ الجمل وحمله، فنعم يكون له أجرته من غير إشكال، قدر ما مشى من طريقه. وأجاب الشيخ علي بن عيسى: الذي أخذ أحمالا ليحملها على جماله إلى بلد معين، بأجرة معلومة فلما كان في بعض الطريق أخذت الجمال والأحمال، فلا يستحق شيئا من الأجرة، حتى يسلم الأحمال في البلد المعين هذا الذي نفتي به نحن ومشايخنا، وأما بعض مشايخ نجد، فيفتي بأن له من الأجرة بقدر حمله إلى محل تلفه، كما في المنتهى، لكن اعترض بعض الأصحاب على صاحب المنتهى، في قوله: وله أجرة حمله إلى محل تلفه. قال الشيخ عبد الله أبا بطين: تعليله هنا وجوب أجرة المحمول إلى محل تلفه، لأن عدم تمام العمل ليس من جهة الأجير فلا فرق، وعلله هنا - أعني تلف المحمول - بأن وضع العمل فيه بإذن، فيقال: وهكذا خياطة الثوب ونحوها بإذن، فالظاهر عدم الفرق، وأنه كالمشترك قبل تمام العمل وتسليمه، فما الذي أخرج صورة الحمل كما قال هنا، وما عللت به صورة الحمل، في أن عدم تمام العمل ليس من جهة الأجير، وبأن عمله بإذن موجود في غيرها. سئل الشيح: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: هل يعطى الأجير من المال الحرام؟

стр. 2527

فأجاب: أما الرجل المستأجر للأجير فلا يجوز له أن يعطيه أجرته من المال الحرام الذي عنده وإنما يعطيه من الحلال فإن أعطاه أجرته من الحرام ولم يشعر جاز له التصرف ولا إثم عليه وإثمه على المستأجر. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر ﵀: إذا استأجر إنسان من آخر ناضحا يسقي عليه، وشرط عليه إن مات الناضح، أو عجف فالأجرة تامة، وإن لم يبق عليه إلا يوم واحد ورضي كل منهما بذلك؟ فأجاب: الذي يظهر لي صحة ذلك العقد، إذا كانت الأجرة معلومة والمدة معلومة، وأما الشرط فهو فاسد، فإن مات الناضح أو عجف، لزم المستأجر قسط ما مضى من المدة، وانفسخ فيما بقي إن لم يتراضيا على إتمام العمل على ناضح آخر. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله: عمن استأجر أرضا ليزرعها وتركها؟ فأجاب: إذا تعذر الزرع بمانع لم تلزمه الأجرة، لأن الانتفاع بها غير ممكن، فإن أمكنه الانتفاع بالأرض بالزرع في بقية المدة فلم يفعل، فعليه الأجرة، وقال الشيخ: يثبت قسط المثل. وسئل: إذا استأجر رجل أرضا بأربعين مثلا وانتقلت إلى أن المستأجر يؤجرها بعشرة وصاحب الأرض قد شرط

стр. 2528

على المستأجر مدة سنين وأراد المستأجر الفسخ، هل تدخل في حكم وضع الجوائح؟ فأجاب: الذي نفهم من كلام أهل العلم، أنها لا تدخل في مسألة وضع الجوائح، لأن المراد بذلك إذا كانت الجائحة من قبل الله، بآفة سماوية كالمطر والبرد، والسيول وأشباه ذلك، وأما الإجارة فهي لازمة من قبل المؤجر والمستأجر، إلا إذا انهدمت الدار، وتعطلت الأرض بآفة سماوية، انفسخت الإجارة فيما بقي من المدة، وأما هذه الصورة، فهي مثل أن يشتري سلعة غالية، ثم ترخص بعد ذلك بتغير الأسعار، وإذا نقصت عن العادة بتعذر المنفعة المقصودة بالعقد، فله الأجرة كاملة، وقال الشيخ: تقسط الأجرة بقسط ما تلف. وإذا استأجرها للزرع، فزرعها ثم تلف، فالظاهر أنه لا يلزمه شيء. وسئل: إذا استأجرها بصبرة فتلف الزرع إلا قدر الصبرة فهل يدفعه إلى المؤجر؟ فأجاب: إذا تلفت بآفة فإنه يدفع إليه أجرة كاملة واختار الشيخ وضع الجوائح، وأن كلا على قدر حصته. وأجاب أيضا: إذا اكترى رجل من آخر أرضا أو نخلا، فأصابته جائحة فإنه يطرح عن المؤجر بقدر ما نقصت الجائحة من الثمرة من الأجرة.

стр. 2529

وأجاب الشيخ: حسين بن الشيخ: وما ذكرت من جهة الجائحة التي جرت على الزروع من البرد، فهو ينظر إلى معدل المغل، فإذا صارت هذه الأرض مثلا، يجيء زرعها على المتوسط قيمة كذا وكذا، أعطى العامل صاحب الأرض قدره، ويسقط عن الزارع قدر هذه الجائحة، وكذلك النخل إذا صارت هذه الجائحة كما تذكر بردا، فمثل ما ذكرنا في الزرع كل شيء يسقط بقدره. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا استأجر إنسان أرضا بدراهم يريدها للزراعة، وزرعها وأصاب الزرع جائحة سماوية، بحيث لم يحصل منها إلا ثلث ما يحصل منها في العادة، فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء، فالجمهور يقولون تثبت الدراهم في ذمة المستأجر ولا يسقط منها شيء; وأما الشيخ تقي الدين، فاختار ثبوت الجائحة، وأنه يسقط من الأجرة بقدر الجائحة الخارجة عن العادة، وهذا هو الذي عليه الفتوى اليوم. وأجاب الشيخ صالح بن محمد الشثري: إذا أوجرت الأرض فلم تنبت أو غرق زرعها أو تلفت بجراد أو حرق ونحوه، فالمذهب عند علماء الحنابلة أن الأجرة لازمة، ولو تلف ما استؤجرت له، وشيخ الإسلام ﵀ وأتباعه، يرون دخولها في حكم وضع الجوائح، وأفتى بها شيخنا الشيخ عبد الرحمن بن حسن، فوضع أجرة الحوانيت في الرياض مدة تعطلها في أيام الحرب.

стр. 2530

وأجاب الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما ثبوت الجائحة في إجارة الأرض ونحوها، فاختيار الشيخ تقي الدين معلوم لديكم وأكثر العلماء على خلافه; قال في المغني: فإن استأجر أرضا فزرعها فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافا، لأن المعقود عليه منافع الأرض ولم تتلف، وإنما تلف مال المستأجر فيها، فصار كدار استأجرها ليقصر فيها ثيابا، فتلفت الثياب فيها انتهى. فظاهر قوله: فلا شيء على المؤجر يتناول الأجرة وغيرها، لكن قال في الاختيارات - لما ذكر إثبات الجائحة في أجرة الأرض - وبعض الناس يظن أن هذا خلاف ما في المغني من الإجماع، وهو غلط، فإن الذي في المغني: أن نفس الزرع إذا تلف يكون من ضمان المستأجر صاحب الزرع، لا يكون كالثمرة المشتراة، فهذا ما فيه خلاف; وإنما الخلاف في نفس أجرة الأرض ونقص قيمتها، فيكون كما لو انقطع الماء عن الرحى، انتهى. وقد ذكر الشيخ عن اختياره: أنه خلاف ما رواه عن أحمد، ولم يحك صاحب الإنصاف إثبات الجائحة، في صورة الإجارة عن غير الشيخ، إلا ما حكاه عن أبي الفضل ابن حمزة في الحمام، وفرق الأصحاب بين الثمرة المشتراة وبين الأجرة، بأن المعقود عليه في الإجارة نفع الأرض، فالتالف غير المعقود عليه، والمعقود عليه في الثمرة المشتراة،

стр. 2531

هو نفس الثمرة، فهي التالفة، والله أعلم; والذي نعتمده في المسألة هو الإلزام بجميع الأجرة، إن تعذر الصلح بين الخصوم. وأجاب أيضا: وأما مسألة الجائحة في الإجارة، فالشيخ تقي الدين ﵀، يقول بثبوت الجائحة في الإجارة للأرض ونحوها، كما ثبت في الثمرة المشتراة بنص الحديث; وأكثر العلماء يفرقون بين الصورتين، على خلاف ما قاله الشيخ، وهو الذي نفتي به، أعني بقول أكثر العلماء. وسئل: عن الأجير الخاص هل يستنيب؟ فأجاب: وأما الأجير الخاص، فكلامهم صريح في أنه لا يستنيب مطلقا، وعبارتهم: وإن كانت الإجارة على عينه في مدة أو غيرها فمرض، لم يقم غيره مقامه، لأن الإجارة وقعت على عمله بعينه، لا على شيء في ذمته، أشبه ما لو اشترى معينا، لم يجز أن يدفع إليه غيره ولا يبدله. وأما الاستئجار للرعي، فصرحوا بأنه لا يصح العقد في الرعي إلا على مدة معلومة، لأن العمل فيها لا ينحصر، وتعريفهم الأجير الخاص: بأنه من استؤجر مدة معلومة يستحق المستأجر نفعها في جميعها، مرادهم جميع نفعه لا بعضه، لأنهم صرحوا بأنه إذا لم يستحق جميع نفعه في جميع المدة فهو مشترك، قال في الشرح: فالخاص هو الذي يقع العقد عليه في مدة معلومة، يستحق المستأجر نفعه في

стр. 2532

جميعها، كمن استؤجر لخدمة أو خياطة، أو رعاية شهرا أو سنة، سمي خاصا لأن المستأجر يختص بنفعه في تلك المدة دون سائر الناس، والمشترك الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب أو بناء حائط، أو حمل شيء إلى مكان معين، أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها، كالكحال والطبيب، سمي مشتركا لأنه يتقبل أعمالا لاثنين في وقت واحد، ويعمل لهم، فيشتركون في منفعته، فسمي مشتركا لاشتراكهم في منفعته، انتهى. فهذا صريح في تعريف الخاص بأنه الذي يختص مستأجره بجميع نفعه في مدة الإجارة، وأنه إذا لم يستحق جميع نفعه ولو كان على مدة فهو مشترك، وتسمية أحدهما خاصا، والآخر مشتركا صريح في ذلك، وقال في الإقناع وشرحه: الأجير الخاص من قدر نفعه بالزمن، بأن استؤجر لخدمة أو عمل في بناء أو خياطة يوما أو أسبوعا ونحوه، يستحق المستأجر نفعه، في جميع المدة المقدر نفعه فيها، لا يشركه فيها أحد، فإن لم يستحق نفعه في جميع الزمن فمشترك - إلى أن قال - والأجير المشترك: من قدر نفعه بالعمل، كخياطة ثوب وبناء حائط، أو على عمل في مدة لا يستحق نفعه في جميعها، كالطبيب والكحال، أو يتقبل الأعمال لجماعة في وقت واحد يعمل لهم، يشتركون في نفعه فلذلك سمي مشتركا، انتهى. فدل كلامهم على أنه إذا استأجر واحد أو جماعة رجلا،

стр. 2533

ليرعى لهم عددا معلوما من الماشية، شهرا أو سنة ونحو ذلك، فهذا خاص كإجارة موسى ﵇ نفسه المدة المذكورة، وكاستئجار البدوي من يرعى إبله أو غنمه سنة أو نحوها، لأنه يختص بنفعه في تلك المدة، ودل على أنه إذا دفع قروي إلى بدوي ناقته ليرعاها سنة، ودفع إليه آخر ناقتين، ودفع إليه آخر نحو ذلك، أن هذا مشترك، لأنه يتقبل أعمالا لجماعة في وقت لا يختص بنفعه واحد، لأنه يأخذ لمن شاء ماشيته ليرعاها في تلك المدة، وكون عمله مقدرا بمدة لا يخرجه عن كونه مشتركا، كما صرحوا به. وأما قولهم: في الأجير المشترك، لا أجرة له فيما عمل حتى يسلمه لربه معمولا، فالذي نرى ونعمل به في حال رعاة الإبل، كمعاملة الحضر مع البدو اليوم، فالذي يأخذ الإبل للناس ليرعاها ويقوم عليها أنه لا يستحق شيئا ما لم يسلمها لربها، لأنه مشترك، فلو هلكت قبل تسليمها لربها لم يستحق شيئا، انتهى. وأجاب الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: وأما الأجير إذا صار الخلل منه، فلا أجرة له ولا يضمن إلا إن فرط. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: وأما الراعي لجماعة أو مختص بمنفعة واحد، فالظاهر من كلام أهل العلم: أن الراعي لا ضمان عليه إلا بالتعدي والتفريط، سواء كان لجماعة أو لشخص معين، ولا أعلم في ذلك خلافا.

стр. 2534

وأجاب بعضهم: وأما الراعي فلا ضمان عليه إن شاء الله تعالى، إلا أن يفرط في رعيته. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: رعاة الغنم إذا ضيعوا منها شيئا، فإن كانوا فرطوا فيها بنوم عنها أو بغيره، لزمهم ضمانها، وإن لم يفرطوا لم يلزمهم، وعليهم الاجتهاد في طلبها، فإن وجدوها، وإلا ليس لهم على ما ضاع منها أجرة. سئل الشيخ: حمد بن ناصر بن معمر: إذا قال صاحب البعير الكروة عشرة، وقال المكتري ثمانية ... إلخ؟ فأجاب: إذا اختلفا في قدر الأجرة، فهو كما إذا اختلفا في قدر الثمن في المبيع، نص أحمد على أنهما يتحالفان، وهو مذهب الشافعي، قال في الشرح، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى وإذا قال صاحب البيت: أكريتك سنة وقال المستكري سنتين، فالقول قول المالك مع يمينه، قال في الشرح: لأنه منكر للزيادة، فكان القول قوله بيمينه، كما لو قال بعتك هذا العبد بمائة، وقال بل هذين العبدين بمائتين. وسئل بعضهم: إذا اختلفا في قدر الأجرة؟ فأجاب: إذا أعطى ثوبه خياطا بلا عقد، ثم اختلفا في قدر الأجرة، فقال في الشرح: إذا دفع ثوبه إلى خياط ليخيطه، أو قصار ليقصره من غير عقد، ولا تعريض بأجرة، مثل أن يقول: خذ هذا فاعمله، وأنا أعلم أنك إنما تعمل

стр. 2535

بأجرة، وكان القصار والخياط منتصبين لذلك، ففعلا ذلك، فلهما الأجرة، لأن العرف الجاري بذلك يقوم مقام القول، فصار كعقد البلد، ولأن شاهد الحال يقتضيه، فصار كالتعريض، فأما إن لم يكونا منتصبين لذلك، لم يستحقا أجرة إلا بعقد أو شرط، أو تعريض به، لأنه لم يجرِ عرف يقوم مقام العقد، فهو كما لو تبرع به، وفي المسألة قول آخر: له الأجرة مطلقا، سواء كان منتصبا للعمل بأجرة أو لم يكن، قال في الإنصاف: وهو الصحيح من المذهب، وعليه كثير من الأصحاب. سئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ محمد ﵏: عن أرض مغصوبة، أو نخل استأجرها إنسان مدة معلومة كل سنة بجديدة أو ربع مثلا وبطل التعامل بها ولم نعلم قيمتها وقت العقد. فأجاب: يبعد تعذر معرفة القيمة في الجديدة أو الربع لقرب العهد بالتعامل وإذا فرضناه فقياس كلامهم فيما إذا كان رأس مال السلم جوهرة ونحوها وفيما إذا باعه الشقص المشفوع بجوهرة ونحوها وجهلت القيمة: أن القول قول المستأجر هنا لأنه غارم وإن جهلها المؤجر والمستأجر معا فمقتضى القواعد الرد إلى أجرة المثل وهي: ما انتهت إليه رغبات الناس بعد الاشتهار لأن ما قَوَّمَه المقومون في قياس ما ذكروه وفيما إذا وقع ثمن الشقص المشفوع عرضا وكان موجودا أن يعرض على المقومين ليشهدوا بقيمته.

стр. 2536

باب العارية وسئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن رجل له أرض، فقال من أراد أن يبني له فيها دارا، فإذا أراد الانتقال فليأخذ خشبه، ولتعد لي أرضي، فبنى فيها أناس وسكنوا مدة من الدهر، ثم مات رب الأرض، فهل يكون إذنه في عمارتها والسكنى فيها هبة؟ أو ملحقة بالعارية؟ فأجاب: هذه فيما يظهر ملحقة بالعارية، ونحن نذكر لك كلام صاحب الشرح، قال فيه: باب العارية، وهي: إباحة الانتفاع بعين من أعيان المال، وتنعقد بكل لفظ وفعل يدل عليها، وهي هبة منفعة، تجوز في كل المنافع إلا منافع البضع، وتجوز مطلقة وموقتة، وللمعير الرجوع فيها متى شاء، سواء كانت مطلقة أو مؤقتة، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك: إن كانت موقتة فليس له الرجوع قبل الوقت، وإن لم يوقت مدة لزمه تركه مدة ينتفع بها في مثلها، لأن المعير قد ملكه المنفعة مدة، وصارت العين في يده بعقد مباح، فإن أشغله بإذنه في شيء يستضر المستعير برجوعه فيه لم يجز له الرجوع، مثل أن يعيره سفينة لحمل متاعه، لم

стр. 2537

يجز له الرجوع ما داما في لجة البحر، وله الرجوع قبل دخولها في البحر، وبعد خروجها منه، لعدم الضرر. وإن أعاره أرضا للدفن لم يرجع حتى يبلى الميت، وله الرجوع قبل الدفن، وإن أعاره حائطا ليضع عليه أطراف خشبه لم يرجع ما دام عليه، وإن أعاره أرضا لم يرجع إلى الحصاد، إلا أن يكون مما يحصد قصيلا فيحصده، وإن أعارها للغراس أو البناء، وشرط عليه القلع في وقت، أو عند رجوعه ثم رجع، لزمه القلع، لقول النبي ﷺ " المؤمنون على شروطهم " ١ حديث صحيح، وليس على صاحب الأرض ضمان نقصه، ولا نعلم في هذا خلافا، فأما تسوية الحفر: فإن كانت مشروطة عليه لزمه لما ذكرنا وإلا لم يلزمه، وإن لم يشترط المعير القلع لم يلزم المستعير، لما فيه من الضرر، فإن ضمن له النقص لزمه، فإن قلع فعليه تسوية الأرض، وكذلك إن اختار أخذ بنائه وغراسه فإنه يملكه، فإن أبى القلع في الحالة التي لا يجبر عليها، فبذل له المعير قيمة الغراس والبناء ليملكه، أجبر المستعير عليه كالشفيع مع المشتري، والمؤجر مع المستأجر، فإن قال المستعير أنا أدفع قيمة الأرض لتصير لي لم يلزم المعير، وبهذا كله قال الشافعي. وقال أبو حنيفة ومالك: يطالب المستعير بالقلع من غير ضمان، إلا أن يكون أعاره مدة معلومة فرجع قبل انقضائها، لأن المعير لم يغره، فإن امتنع المعير من دفع القيمة وأرش النقص، وامتنع المستعير من القلع ودفع الأجر لم يقلع، ثم

стр. 2538

إن اتفقا على البيع بيعت الأرض بغراسها وبنائها، ودفع إلى كل واحد منهما قدر حقه، وإن أبيا البيع ترك بحاله، وقلنا لهما انصرفا فلا حكم لكما عندنا حتى يتفقا، انتهى المقصود ملخصا، فتأمله يتبين لك منه الجواب عن سؤالك، لا سيما قوله: وإن أعارها للغراس أو البناء إلى آخره. سئل الشيخ: حمد بن ناصر: هل منيحة الناقة ونحوها كالعارية والقول فيها سواء؟ فأجاب: المنيحة عارية، لأنه قبضها للانتفاع بها فهو قابض لحظ نفسه، وللمعير الرجوع في العارية متى شاء، فإن تلفت عند المستعير فهل هي مضمونة بكل حال، كما هو المشهور عن أحمد والشافعي، أم لا تضمن مطلقا كما هو المشهور عن مالك وأبي حنيفة، وهو اختيار ابن القيم في الهدي، أم لا تضمن إلا أن يشترط ضمانها، كما هو اختيار الشيخ، ولا يخفى الراجح عند التأمل، وبالله التوفيق. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن استعار عارية ورهنها بغير إذن المالك فلما تبين للمالك أراد أخذها. فأجاب: ذلك ليس بتقرير من المالك: بل هو خيانة من المستعير حيث رهنها بلا إذن المالك وللمالك أخذها من المرتهن، وقد نص في الشرح الكبير على أنه لا يجوز له رهنها بلا إذن المالك.

стр. 2539

وسئل: هل يضمن المستعير العارية إذا تلفت؟ وهل يعتبر تفريطه؟ فأجاب: لا تضمن إلا بالتفريط فيها. وأجاب أيضا: من استعار دابة وتلفت من كده فهو يغرمها، وإذا استعار عبد شيئا فتلف، فإن غرامته في رقبته، على قول من يقول بضمان العارية. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: والدابة المعارة إذا ماتت عند المستعير لزمته قيمتها، سواء فرط أو لم يفرط. وأما منيحة الحرام فحرام، وعليه إثمها، وعلى الآخذ الثاني إثمها أيضا إذا علم ذلك فإنه يجب ردها إلى صاحبها. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: إذا قال أعرتك، قال بل آجرتني؟ فأجاب: إذا قال المالك أعرتك، قال بل آجرتني فالقول قول المالك، وكذلك الغاصب إذا ادعى أنه غصبه، فالقول قول المالك، وقيل القول قول الغاصب. وسئل بعضهم: إذا اختلف المعير والمستعير في الدابة بعد مضي المدة فقال المالك آجرتك وقال الآخر أعرتني، ولا بينة لهما؟ فأجاب: قال في الشرح إذا اختلف الراكب ورب الدابة فقال المالك هي عارية وقال رب الدابة أكريتكها

стр. 2540

وكانت الدابة باقية لم تنقص وكان الاختلاف عقيب العقد فالقول قول الراكب لأن الأصل عدم عقد الإجارة ويرد الدابة إلى مالكها ولأن الأصل براءة ذمته منها وإن كان الاختلاف بعد مضي مدة لها أجرة فالقول قول المالك فيما مضى من المدة دون ما بقي منها وحكي ذلك عن مالك وقال أصحاب الرأي: القول قول الراكب وهو منصوص الشافعي، لأنهما اتفقا على تلف المنافع على ملك الراكب وادعى المالك عوضا لها، والأصل عدم وجوبه وبراءة ذمة الراكب منه، فكان القول قوله. ولنا: أنهما اختلفا في كيفية انتقال المنافع إلى ملك الراكب فكان القول قول المالك; كما لو اختلفا في عين، فقال المالك; بعتكها، وقال الآخر: وهبتها، ولأن المنافع تجري مجرى الأعيان في الملك والعقد عليها، ولو اختلفا في الأعيان كان القول قول المالك، فكذا هنا، وما ذكروه يبطل بهذه المسألة، فيحلف المالك وتستحق الأجرة، والله أعلم.

стр. 2541

باب الغصب سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: عما يأخذه الأعراب ونحوهم ممن هو مثلهم، أو من أهل القرى؟ فأجاب: أما ما يأخذونه ممن هو مثلهم في ترك ما فرض الله عليهم والتهاون بما حرمه الله، مما يكفر أهل العلم فاعله، فلا إشكال في حله كما أفتى به شيخ الإسلام وغيره من العلماء وهو ظاهر لظهور دليله، وأما إذا كان المأخوذ من أهل القرى ونحوهم، ممن يلتزم أركان الإسلام، ولا يظهر منه ما ينافيه، فحكم ما أخذ منه حكم الغصب، وتفصيله لا يجهل. وسئل: عمن عرف متاعه وهو إما ضائع أو مسروق، ولم يعرف المشتري من اشترى منه، هل يؤخذ بلا ثمنه، أو يعطى ما اشترى به؟ فأجاب: إذا قامت البينة أنه ضائع أو مسروق أخذ بلا عوض، ويرجع على من اشتري منه ولو لم يعرفه. وأجاب أيضا: ومسألة الذي يجد عين ماله عند رجل، يدعي أنه اشتراه ممن لا يعرفه أو من حربي أو بدوي،

стр. 2542

فليس له إلا يمينه، وإذا ثبت أن المال مسروق، أو وجده عند رجل، أخذه صاحبه ولو ادعى أنه اشتراه ممن لا يعرفه. وأجاب أيضا: وإذا اشترى سلعة وعرفها صاحبها، فإذا أقام البينة: أنها يوم تتلف وتضيع وهي في ملكه، فيأخذها صاحبها، ويرجع المشتري على من غره، وإذا أخذ الكفار مال مسلم، وتملكه مسلم منهم بشراء أو هبة، ما صار لصاحبه الأول عليه سبيل. وأجاب ابنه الشيخ: عبد الله: الفقهاء ﵏، قد ذكروا هذه المسألة، وذكروا أن المغصوب منه يأخذ عين ماله أينما وجده، سواء كان الغاصب، أو المشتري أو المنتهب، ويرجع المشتري على الغاصب أو السارق بالثمن، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الغاصب غنيا أو فقيرا، ومن أسلم على شيء في يده قد ملكه في الجاهلية، لم ينْزع من يده في الإسلام، لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، وكذلك ما حصل بينهم من القتل والإتلافات، فالذي نفتي به أنه لا يطالب بشيء من ذلك، وذلك لأن حال الناس قبل هذا الدين، أكثرهم حاله كحال أهل الجاهلية الأولى، وكل قوم لهم عادة وطريقة استمروا عليها، تخالف أحكام الشرع في المواريث والدماء والديات وغير ذلك، ويفعلون ذلك مستحلين له، فإذا أسلموا لم يطالبوا بشيء مما فعلوه في جاهليتهم، وتملكوه من المظالم ونحوها، وأما الديون والأمانات: فالإسلام لا يسقطها، بل يجب أداؤها إلى أربابها، والله أعلم.

стр. 2543

وأما المرأة إذا أعطاها ولدها ثلث ماله في الشرك، وأسلمت وهو في يدها، فهو لها، ولا يجوز للعصبة يأخذونه منها في الإسلام وإن كانوا ظلموها في الشرك، وأخذوه من يدها وطردوها في الجاهلية، وأسلموا وهو في أيديهم، فلا لها عليهم سبيل. وأجاب أيضا: فيما أملاه على الشيخ عبد الرحمن بن حسن، وله معه بعض مشاركة وتصرف، نقلته من خطه، وصورته: ما يأخذه الأعراب ممن هو مثلهم، فالأقرب أن يقال فيه بمضمون ما نص عليه شيخ الإسلام ﵀: بأن المكسوب من التتر، أو العرب الذين يغير بعضهم على بعض، فيأخذ هؤلاء من هؤلاء، وهؤلاء من هؤلاء، لا يحرم شراؤه والاعتياض عنه، إن لم يعرف صاحبه الذي أخذ منه، ومفهومه: أنه إن عرف، حرم شراؤه وردّ إلى صاحبه. وأما إذا أخذه مثل هؤلاء الأعراب من مسلم، فإن لم يعرف صاحبه، جعل في المصالح، وقد نص على ذلك شيخ الإسلام أيضا، فيما اشتراه مسلم من التتر، إذا لم يعرف صاحبه جعل في المصالح، وأعطي مشتريه ما اشتراه به، لأنه لم يصر إليها إلا بنفقته، وإن لم يقصد ذلك; هذا كلامه بحروفه، ومقتضاه: إن عرف صاحبه يردّ إليه مجانا، لأن ذلك البائع لا يملك مال المسلم، وكذا المشتري بناء على أن المرتد لا يملك مال المسلم بغير رضاه بحال، وكذا الحربي إذا لم يسلم; هذه طريقته المقررة في كتبه.

стр. 2544

وسئل أيضا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀، ما حكم مال المسلم إذا أخذه الكفار، ثم اشتراه بعض التجار؟ فأجاب: يتفرع عن ذكر هذه المسألة تحريرا وتقريرا، فنقول: اختلف العلماء ﵏ في الكافر الأصلي، هل يملك مال المسلم بالقهر أم لا؟ فذهب القاضي أبو يعلى: إلى أنه يملكه، وهو المذهب عنده; والمذهب عند أبي الخطاب: أنهم لا يملكونه، وحكى طائفة عن أحمد روايتين، منهم ابن عقيل في فنونه ومفرداته، وصحح فيها عدم الملك; وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه: إن أحمد ﵀ لم ينص على الملك ولا عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، والصواب: أنهم يملكونها ملكا مقيدا، لكن لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه، انتهى. وقوله: مقيدا، أي: بالإسلام عليها، كما صرح به في كتاب الصارم وغيره، ونصه: ولو أسلم الحربي وبيده مال مسلم، قد أخذه من المسلمين بطريق الاغتنام ونحوه، مما لا يملك به مسلم من مسلم، لكونه محرم في دين الإسلام كان له ملكا ولم يرده إلى المسلم الذي كان يملكه، عند جماهير العلماء من التابعين ومن بعدهم، وهو معنى ما جاء عن الخلفاء الراشدين، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك، ومنصوص أحمد، وقول جماهير أصحابه، بناء على أن الإسلام أو العهد، قرر ما بيده من المال الذي كان يعتقده

стр. 2545

ملكا له، لأنه خرج عن مالكه المسلم في سبيل الله، ووجب أجره على الله، وأخذه متحللا له، وقد غفر الله له بإسلامه ما فعله في دماء المسلمين وأموالهم، فلا يضمنه بالرد إلى مالكه، كما لم يضمن ما أتلفه من النفوس والأموال، ولا يقضي ما تركه من العبادات، لأن كل ذلك كان تابعا للاعتقاد، فلما رجع عن الاعتقاد غفر ما تبعه من الذنوب، فصار ما بيده من المال لا تبعة عليه، فلم يؤخذ منه كجميع ما بيده من العقود الفاسدة التي كان يستحلها. ومن العلماء من قال: يرده على مالكه المسلم، وهو قول الشافعي وأبي الخطاب، بناء على أن اغتنامهم لا يملك به مسلم من مسلم بأن يغنمه أو يسرقه، فإنه يرد إلى مالكه المسلم، لحديث ناقة النبي ﷺ وهو فيما اتفق الناس - فيما نعلم - عليه ولو كان قد ملكوه لملكه الغانم منهم ولم يرده، والأول أصح، لأن المشركين كانوا يغنمون من أموال المسلمين الشيء الكثير من الكراع والسلاح وغير ذلك، وقد أسلم عامة أولئك المشركين، فلم يسترجع النبي ﷺ من أحد منهم مالا، مع أن بعض تلك الأموال لا بد أن يكون باقيا، انتهى المقصود. وهو صريح في أن المقرر للملك، إنما هو إسلامهم، وهو المانع من رد ما بأيديهم مما أخذوه من مال المسلمين، وهي طريقة حسنة، قد صار إليها شيخنا الجد ﵀ آخرا، بعد أن كان يفتي بقول الشافعي وموافقيه، لكن يرد

стр. 2546

على هذه الطريقة: ما روى مسلم في صحيحه عن وائل بن حجر، قال كنت عند رسول الله ﷺ فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى على أرضي يا رسول الله في الجاهلية، وهو امرؤ القيس بن عابس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان، قال: " بيّنتك قال ليس لي بينة، قال: يمينه قال إذًا يذهب بها، قال: ليس لك إلا ذلك " ١ الحديث. وقد بنى: ابن الصيرفي هذه المسألة، على القاعدة المشهورة: هل الكفار مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ الرواية الصحيحة: أنهم مخاطبون بها، وهو قول الجمهور من الفقهاء والمتكلمين، فعلى ذلك لا يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء، ولا بالحيازة إلى دارهم، وقد تقدم لك في كلام الشيخ ما ذهب إليه الإمام الشافعي وأبو الخطاب، من أنهم لا يملكونها مطلقا، قال في القواعد الأصولية، وسمعت بعض شيوخنا يعزو وجوب الضمان على الحربي، إلى إسحاق بن راهويه ﵀، وقد يرد على ما عزا إلى إسحاق من وجوب ضمان التالف، حديث " الإسلام يجُبُّ ما قبله " ٢ وقد نقل بعض الشافعية عن المزني: أنه استدل بالحديث المذكور فيما أتلفه الكافر ثم أسلم. وأما ما ذهب إليه القاضي ﵀، من أنهم يملكونها بالاستيلاء، مع الحيازة إلى دارهم، فلا دليل عليه، وقد أورد العلماء ﵏ على هذا القول سؤالا، لا يمكن أن يجاب

стр. 2547

عنه إلا بتكلف، وليس هذا محل ذكره، وهذا كله في الكافر الأصلي، وأما المرتد فلا يملك مال المسلم بحال، ولا نعلم أحدا قال به، وإنما الخلاف فيما أتلفه إذا كان في طائفة ممتنعة، أو لحق بدار حرب، والمذهب أنه يضمن ما أتلفه مطلقا. إذا عرفت ذلك فاعلم: أنه قد يغلط بعض الناس في معنى الإتلاف والتلف، فيظن أنه إذا استنفق المال، أو باعه أو وهبه ونحو ذلك يسمى تلفا، وليس كذلك، بل هو تصرف، وقد فرق العلماء بين التلف والتصرف، ومن صور التلف أن يضيع من بين يديه، أو يسرق أو يحرق أو يغرق، أو يقتل ونحو ذلك مما يسمى تلفا وضابطه: فوات الشيء على وجه لا يعد من أنواع التصرفات. فيكون الجواب عن السؤال على ما تقرر: أن هذا المال الذي اشتراه بعض التجار ممن أخذه، يرد إلى مالكه الأول من غير ثمن، ويرجع مشتريه بالثمن على من اشترى منه، حتى يستقر الضمان على الآخذ، فلو كان الكافر يملك بمجرد الاستيلاء، لم يرد النبي ﷺ على ابن عمر فرسه التي أخذها العدو لما ظهر عليها المسلمون، فلو كانت قد أخذت على ملك الكافر، لتعلقت بها حقوق الغانمين والمستحقين، كسائر الغنيمة، فلما ردها رسول الله ﷺ على ابن عمر، دل على أنها باقية على ملكه، وليس لتخصيصه بها دون سائر الغانمين معنى غير ذلك، وعمل بذلك أصحاب رسول الله ﷺ بعده

стр. 2548

والأحاديث معروفة في كتب الأحكام وغيرها. والقائلون: بأن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء وحده، أو بالحيازة إلى دارهم، لا يخالفون فيما دلت عليه الأحاديث، من أنه إذا أخذها المسلمون منهم ردت إلى صاحبها بغير شيء، قال في الشرح: في قول عامة أهل العلم، منهم عمر وسلمان بن ربيعة، وعطاء والنخعي والليث والثوري، ومالك والأوزاعي والشافعي، وأصحاب الرأي، ودليلهم: ما تقدمت الإشارة إليه، وهو حجة من قال إنهم لا يملكونها بالاستيلاء. وروى سعيد والأثرم عن جابر بن حيوة، أن أبا عبيدة "كتب إلى عمر بن الخطاب ﵁ فيما أحرزه المشركون من المسلمين، ثم ظهر المسلمون عليهم بعد، قال: من وجد ماله بعينه فهو أحق به، ما لم يقسم" فمفهوم قوله: ما لم يقسم، أنه إذا قسم مع الغنيمة فليس هو أحق به، لكن اشترط العلماء لذلك: أن لا يكون الإمام ولا المسلمون قد اطلعوا على أنه مال مسلم، فإن اطلع الإمام والمسلمون قبل قسمه فقسم، وجب رده وصاحبه أحق به بغير شيء، لأن قسمته كانت باطلة من أصلها، فهو كما لو لم يقسم. فأما إذا قسم من غير علم أنه مال مسلم، ففيه عن أحمد روايتان; إحداهما: يكون صاحبه أحق به بالثمن الذي حسب به على آخذه، وكذلك إن بيع في الغنيمة ثم قسم ثمنه

стр. 2549

فهو أحق به بالثمن، وهذا قول أبي حنيفة والثوري، والأوزاعي ومالك، واستدل لذلك بأن النبي ﷺ قال لصاحب البعير: " إن أصبته قبل أن نقسمه فهو لك، وإن أصبته بعدما قسم أخذته بالقيمة " وهذا الحديث لم أره معزوا إلى شيء من كتب الحديث، قالوا: وإنما امتنع أخذه له بغير شيء كي لا يفضي إلى حرمان آخذه من الغنيمة، أو تضييع الثمن على المشترى من الغنيمة وحقه ينجبر بالثمن، فيرجع صاحب المال في عين ماله. والرواية الثانية: أنه لا حق له فيه بعد القسمة بحال، نص عليه أحمد في رواية أبي داود وغيره، وهو ظاهر ما تقدم عن عمر، وقال الشافعي وابن المنذر: يأخذه صاحبه قبل القسمة وبعدها، ويعطى مشتريه ثمنه من خمس المصالح، لأنه لم يزل عن ملك صاحبه، فوجب أن يستحق أخذه بغير شيء كما قبل القسمة، ويعطى من حسب عليه القيمة، لئلا يفضي إلى حرمان أخذ حقه من الغنيمة، وجعل من سهم المصالح لأن هذا منها، وهذا القول قد تقدمت الإشارة إليه في كلام شيخ الإسلام، وهذا الخلاف فيما بعد القسمة إنما هو فيما استولى عليه الكافر الأصلي، ثم غنمه المسلمون فقسموه على الغانمين، وهم لا يعلمون أنه مال مسلم، فالحكم منصب على المسألة بقيودها. وأما إذا تخلفت القيود أو بعضها، وجب الرجوع إلى الأصل، وهو رد مال المسلم بغير شيء; ففي المسألة أربعة

стр. 2550

قيود، يجب اعتبارها على القول المشهور، وهو أنه لا يأخذها صاحبها إذا قسمها المسلمون، أو اشتراها التجار من غنيمة المسلمين إلا بالقيمة أو الثمن، بخلاف ما إذا لم يقسم في غنيمة المسلمين، أو اشتراها التاجر من غير الغنيمة، فإنها ترد إلى مالكها الأول بغير شيء على القولين. وقد روى مسلم في صحيحه: "أن قوما أغاروا على سرح النبي ﷺ فأخذوا ناقة وجارية من الأنصار، فأقامت عندهم أياما ثم خرجت في بعض الليل، قالت فما وضعت يدي على ناقة إلا رغت، حتى وضعتها على ناقة ذلول، فامتطيتها ثم توجهت إلى المدينة، ونذرت: إن نجاني الله عليها أن أنحرها، فلما قدمت المدينة استعرفت الناقة، فإذا هي ناقة رسول الله ﷺ فأخذها، وقلت: يا رسول الله إني نذرت أن أنحرها، فقال: بئسما جازيتيها، لا نذر في معصية الله " وفي رواية " لا نذر فيما لا يملك ابن آدم " ١ وهذا الحديث من أقوى الأدلة: على أنهم لا يملكون مال المسلم بالاستيلاء ولا بالحيازة، والله أعلم. وقد يستأنس من أفتى في المسألة من غير تحقيق ولا تفريق، بأن المسلم إذا وجد عين ماله مع من اشتراه، من مرتد أو غيره، يأخذه بالثمن، ويعتمد في ذلك على ما نقله عن شيخ الإسلام، فيمن اشترى مال المسلم من التتر لما دخلوا الشام، إن لم يعرف صاحبه صرف في المصالح، وأعطى مشتريه ما اشتراه به، لأنه لم يصر لها إلا بنفقته، وإن

стр. 2551

لم يقصد ذلك، كما رجحه فيمن اتجر في مال غيره وربح انتهى; وهذا يفيد من تأمله: أن الشيخ لا يقول بأنهم يملكونها، لأن القول بالملك يقتضي أنها تكون لمن اشتراها منهم، وقد أفتى بأنها تكون في المصالح، إذا لم يعرف صاحبها، ولا تقر في يد من اشتراها منهم. وأما قوله: وأعطى مشتريه ما اشتراه به، لأنه لم يصر لها إلا بنفقته، فعلل إعطاءه الثمن بأنه لم يصر للمصالح إلا بنفقة المشتري، وهذا يخالف ما لو كان المالك موجودا، فإنه قد صار له قبل الأخذ والشراء، فلا يستحق المشتري عليه نفقة، لأنه لم يستفد هذا الشيء من جهته، بل يكون حكم يده حكم الأيدي المترتبة على يد الغاصب، وبما قررناه يظهر الجواب عن المسألة، وأنه لا يصح قياس ما جرى في هذه السنين، مما وقع من نهب البغاة والمرتدين والظالمين، على ما أخذه الكافر الأصلي من أموال المسلمين. وقد سئل شيخنا: الشيخ عبد الله ﵀ في آخر حياته، عن هذه الأموال، فأفتى بأنها غصوب يحكم لها بحكم الغصب، وأفتى بذلك أيضا الشوكاني قاضي صنعاء، وما ظننت أن أحدا من المعروفين بالعلم يخالفهما، انتهى. وسئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: عن شراء نهب البدو ... إلخ؟ فأجاب: أما نهب البدو بعضهم بعضا: فالذي أرى عدم

стр. 2552

الشراء منهم مطلقا، إذا تحقق أنه بعينه نهب، لاشتباه أمرهم. وقال أيضا ﵀: "مسألة" قال المجد: باب أن درك المبيع على البائع، إذا خرج مستحقا، عن الحسن عن سمرة، قال قال رسول الله ﷺ " من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به، ويتبع المبتاع من باعه " ١ رواه أحمد وأبو داود والنسائي وفي لفظ " إذا سرق من رجل متاع أو ضاع منه، فوجده بيد رجل بعينه فهو أحق به، ويرجع المشتري على البائع بالثمن " ٢ رواه أحمد وابن ماجه. أقول: ما رأيت في كلام أحد من العلماء ما يخالف هذا الحديث، بل كل ما رأيت من كلامهم موافق لهذا الحديث، قال أحمد ﵀: أذهب إلى حديث سمرة يرفعه " من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به، ويتبع المبتاع من باعه " ٣ يرويه هشام عن موسى بن السائب، عن قتادة عن سمرة، قال: وموسى بن السائب ثقة، ولا يلتفت إلى قول من طعن في رواية الحسن عن سمرة، لاختلاف أئمة الحديث في سماع الحسن عن سمرة، فابن المديني يصحح سماعه عن سمرة، والترمذي يصحح حديثه عنه، والإمام أحمد لا يصحح سماعه عنه، ومع هذا يحتج بحديثه عنه في مواضع كثيرة، لأن المرسل عنده، وعند مالك وأبي حنيفة حجة، وعند الشافعي تفصيل في ذلك، فهو حجة ما لم يعارضه مثله، أو ما هو أقوى منه، ويقال: إن رواية الحسن من صحيفة، وهذا لا يقدح كما قرر ذلك العلامة ابن القيم ﵀ أحسن تقرير.

стр. 2553

ورأيت فتوى منسوبة إلى إسماعيل بن رميح، يقول: إن صاحب المتاع إذا وجد متاعه بيد المشتري من الغاصب ونحوه، أنه لا يستحقه حتى يدفع الثمن للمشتري، ورد على من خالف في ذلك، وخطأه، وهو المخطئ بلا شك، واستدل بقول الشيخ تقي الدين: ومن لم يخل مال غيره من التلف إلا بما أدى عنه، رجع به في أظهر قولي العلماء، ولم يلتفت الناقل لكلام الشيخ ﵀، إلى ما قبل هذه العبارة وما بعدها، حتى يتبين له معنى كلام الشيخ. وصورة كلام الشيخ في حكم المظالم المشتركة قال - بعد كلام سبق ـ: وكذلك من خلص مال غيره بما أدى عنه رجع به عليه مثل من خلص ماله من قطاع الطرق أو متول ظالم أو عسكر ظالم ولم يخلصه إلا بما أدى عنه، فإنه يرجع بذلك عليه وهو محسن إليه بذلك و ﴿هَلْ جَزَاءُ الْأِحْسَانِ إِلَّا الْأِحْسَانُ﴾ [سورة الرحمن آية: ٦٠] وإن لم يكن مؤتمنا على ذلك المال، ولا مكرها على الأدى عنه، فإنه محسن إليه بذلك، فإذا خلص عشرة آلاف درهم بألف درهم، كان من المحسنين، فإذا أعطاه الألف كان قد أعطاه بدل قرضه، وبقي عمله وسعيه إحسانا إليه لم يجزه به، هذا أصوب قولي العلماء. ومن جعل مثل هذا متبرعا ولم يعطه شيئا، فقد قال منكرا من القول وزورا، وقد قابل الإحسان بالإساءة; ومن قال هذا هو المشروع الذي بعث الله به رسوله، فقد قال على الله

стр. 2554

غير الحق، لكنه قول بعض العلماء، وخالفهم آخرون، انتهى; وقوله ﵀: ومن لم يخلص مال غيره هذا فيمن قصد التخليص لمال الغير، لا لمن قصد التملك. ورأيت في أثناء كلام شيخ الإسلام ﵀ أنه قال: وأما معاملة التتار، فيجوز أن يبتاع الرجل من مواشيهم، كما يبتاع من مواشي التركمان والأكراد، وأنه إذا كان الذي معهم ومع غيرهم، أموال يعرف أنهم غصبوها من معصوم، لم يجز شراؤها لمن يتملكها، لكن إن شريت على طريق الاستنقاذ، لتصرف في مصارفها الشرعية - فتصرف إلى أصحابها إن أمكن، وإلا صرفت في مصالح المسلمين - جاز، انتهى. ورأيت فتوى له ﵀: سئل شيخ الإسلام عمن اشترى فرسا ثم ولدت عنده حصانا، وأخذ السلطان الفرس وأهدى الحصان إلى رجل وأعطاه عوضه ثم ظهرت الفرس أنها مكسوبة نهبا من قوم فهل يحرم ثمن الحصان؟ فأجاب: إن كان صاحب الفرس معروفا ردت إليه فرسه ورجع المشتري بالثمن على بائعه ورجع عليه بقيمة الحصان الذي يستحقه صاحبه لكونه غره وإن كانت مكسوبة من التتر أو الأعراب الذين يغير بعضهم على بعض، فيأخذ هؤلاء من هؤلاء وهؤلاء من هؤلاء ولم يعرف صاحبها لم يحرم على مهدي الحصان عوض هديته والله أعلم.

стр. 2555

فقوله: إن كان صاحب الفرس معروفا ردت إليه فرسه ورجع المشتري بالثمن على بائعه، صريح في أنه لا شيء على صاحب الفرس وأنه لا يطالبه بالثمن الذي دفعه للبائع، وأنه إنما يطلبه من البائع، انتهى، ومشترى الفرس في هذه المسألة مغرور لم يعلم أنها منهوبة، كما يدل على ذلك حديث سمرة " من وجد متاعه " ١ ولم يفرق بين كون المشتري مغرورا، أو غير مغرور، ومن استدل على خلاف ذلك بما ذكره كثير من العلماء في حكم الغنيمة، أن المسلم إذا وجد ماله في الغنيمة من الكفار، إن كان قبل القسمة أحذه بغير شيء، وإن كان بعدها فله أخذه ممن هو بيده بقيمته; وكذلك إذا وجده بيد من اشترى من كافر، أنه يأخذه بالثمن الذي اشتراه به، فهذا بناء على أن الكفار يملكون أموال المسلمين بالاستيلاء عليها. وفي المسألة قولان للعلماء، هما روايتان عن الإمام أحمد، إحداهما أنهم يملكونها بالقهر والاستيلاء، وهو قول مالك وأبي حنيفة; والقول الآخر: أنهم لا يملكونها، بل هي باقية على ملك المسلم; وأصحاب هذا القول يقولون: إن المسلم إذا وجد ماله في الغنيمة، يأخذه بغير شيء ولو بعد القسمة، أو وجده في يد من اشتراه من الكفار، أخذه من المشتري بغير شيء يرجع به عليه، ومن المعلوم أن الغاصب ونحوه، لا يملك ما أخذه بإجماع المسلمين، ففي حكم الغنيمة حجة ظاهرة لتصحيح ما قلنا.

стр. 2556

وأما من استدل على خلاف ذلك، بحديث "لا ضرر ولا إضرار " ١ فهو استدلال مردود، لأن في الاستدلال به على هذه المسألة دفع ضرر بضرر، ومن المعلوم أن صاحب المتاع المغصوب، إذا وجده بعينه، أقوى جانبا من المشتري الذي ماله في ذمة الغاصب فكيف ندفع ضرر من ماله في ذمة الغاصب، بتحميل الضرر من وجد ماله بعينه؟ فلو لم يكن في هذه المسألة حديث عن النبي ﷺ ولا كلام للأئمة وأتباعهم، لم يكن في هذا الحديث دليل للمخالف بل هو على العكس أقرب وأقوى وقد روى ابن أبي شيبة: أن حذيفة عرف جملا له عند رجل، فخاصمه إلى قاض من قضاة المسلمين، فصارت على حذيفة اليمين، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما باع ولا وهب، وروي عن شريح قال: إذا شهد الشهود أنها دابته، أحلفه بالله ما أهلكت ولا أمرت مهلكا، فهذا صريح في دفع الدابة إلى صاحبها بلا دفع ثمن، لأنهم لم يذكروه. وأجاب أيضا: وأما من وجد ماله المسروق أو الضال ونحوه عند إنسان مشتريه، فلا أرى العدول عن العمل بالحديث الذي احتج به الأئمة أحمد وغيره، وهو حديث سمرة عن النبي ﷺ قال: " من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به، ويتبع المبتاع " ٢ ويعضد ذلك ما روى ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين: أن حذيفة عرف جملا له عند إنسان، فخاصم فيه إلى قاض من قضاة المسلمين، فصارت على حذيفة يمين في القضاء، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما باع ولا وهب;

стр. 2557

وروى ابن أبي شيبة عن شريح أنه قال: إذا شهد الشهود أحلفه بالله، ما أهلكت ولا أمرت مهلكا. وأما تضمين من نهب مال مسلم في هذه الحادثة ١ فالذي نعتقده: وجوب رده على صاحبه، وتضمينه إن تلف. وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين، عن مسلم له ثمرة أخذها جيرانه، يدعون أنهم اشتروها من رجل آخر اشتراها من عدو تغلب عليهم، من أمراء الأتراك المتغلبين على البلاد، وأقام صاحب الثمرة بينة: أن هذا الرجل الذي باعها على جيرانه، استوهبها من العدو المتغلب فوهبها له، والبينة تشهد بإقرار البائع لها، وكذلك تشهد البينة على إقرار المشترين، الذين باشروا أخذها من رءوس النخل ... إلخ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا بد من الكلام على أصل هذه المسألة، وهو ما حكم مال المسلم إذا استولى عليه الكفار، هل يملكونه بذلك أم لا؟ وفي المسألة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد، حكاهما أكثر الأصحاب؟ أحدهما: لا يملكونه بذلك، اختاره جماعة من الأصحاب، وهذا مذهب الشافعي، والرواية الأخرى: يملكونه وهو قول مالك وأبي حنيفة، فعلى هذا هل يملكونه بمجرد الاستيلاء؟ أو بالحيازة إلى دارهم؟ الثاني: قول أبى حنيفة، قال في القواعد الفقهية: وهو

стр. 2558

المنصوص عن أحمد، قال في الفروع: نص عليه فيما بلغ به قبرص، يرد إلى صاحبه، ليس غنيمة ولا يؤكل، لأنهم لم يحوزوه إلى بلادهم، ولا إلى أرض هم الأغلب عليها، ولهذا قيل: أصبنا في قرب هرمز من متاع المسلمين، قال يعرف. وقال أبو العباس ﵀: لم ينص أحمد على الملك، ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا، لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه، انتهى; ولهذا إذا وجدها صاحبها قبل القسمة أخذها مجانا. ومن فوائد الخلاف في هذه المسألة: أن من أثبت الملك للكفار من أموال المسلمين، أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها قسمتها، والتصرف فيها، ما لم يعلموا صاحبها، وإن كان الكافر أسلم، وهي في يده فهو أحق بها، ومن لم يثبت الملك لم يجوز قسمتها، وتوقف إذا جهل ربها، ولربه أخذه بغير شيء حيث وجده، ولو بعد القسمة أو الشراء منهم، أو إسلام آخذه وهو معه، فيأخذه من مشتريه مجانا، فعلى القول بعدم الملك، ومقتضى اختيار أبي العباس: أن الثمرة المذكورة باقية على ملك صاحبها، يرجع بها مجانا على من هي بيده، ومقتضى هذا القول أيضا: أن صاحبها يضمنها من انتفع بها، إذا كانت تالفة، وعلى القول الثاني: يأخذها صاحبها ممن هي في يده مجانا، إن كان مُتَّهبا، وإن كان مشتريا أعطاه الثمن الذي اشتراها به.

стр. 2559

وإذا اختلف في كونه مشتريا، أو متهبا، وأقام من هي في يده بينة أنه مشتر، وأقام صاحب الثمرة بينة أنه أقر أنه متهب، فالظاهر تعارض البينتين، فيصيران كمن لا بينة لهما، ويكون القول قول صاحب الثمرة بيمينه، أن ما في يده متهب، لأنه غارم، كالمذهب فيمن اشترى أسيرا مسلما من الكفار بنية الرجوع، وتنازعا في قدر ما دفع فيه، أن القول قول الأسير، لأنه منكر زيادة، ولأنه غارم. وكلامهم هذا واختلافهم، إنما هو في الكفار الأصليين، وأما المرتدون: فكلامه ﵏ صريح في أن حكمهم ليس كذلك، وأنهم لا يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين، لأنهم صرحوا أن المرتد إذا أسلم، وفي يده مال مسلم، أن صاحبه يأخذه مطلقا، ولم نرهم ذكروا في ذلك خلافا، وإنما تنازعوا في تضمينه ما أتلفه حال ردته، وفي تضمينه ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، المذهب منهما عند أصحابه الضمان، ومن لم يضمنه علل ذلك بأن في تضمينه تنفيرا له عن الإسلام، ولم يعللوه بأنه ملكه، وقد أجمعوا: أن الكافر الأصلي، لا يضمن ما أتلفه حال كفره، على القولين جميعا، أعني: ملكه لمال المسلم وعدمه، ولم نعلم بينهم نزاعا في أن المرتد إذا أسلم، يرد ما في يده من أموال المسلمين. واختلفوا في الأصلي إذا أسلم، هل ينْزع ما في يده من أموال المسلمين؟ فظهر من كلامهم الفرق بين الأصلي

стр. 2560

والمرتد، وأن المرتد لا يملك مال المسلم بالاستيلاء; وعلى هذا فمن انتقل إليه مال مسلم من مرتد، بقهر أو هبة أو شراء، فصاحبه أحق به إذا وجده بغير شيء. إذا ثبت ذلك: فهؤلاء الأعداء الذين استولوا على نجد وأهلها، من حكمنا بكفره منهم، فحكمه حكم المرتدين، لا الأصليين، لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها; وإن كان الشرك موجودا فيهم كثيرا، فهذا الذي نراه ونعتقده، والله أعلم. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: إذا عرف رجل دابته عند رجل، فالذي نفتي به أن صاحبها يأخذها مجانا، ويرجع المشتري على من باعه مطلقا عرفه أم لا، هذا هو الذي قرره الشيخ عبد الله أبا بطين، في مسألة مشهورة له، صدرها بحديث سمرة الذي رواه عنه الحسن، ورواية الحسن عن سمرة حجة عند الإمام أحمد، ومن وافقه من العلماء، وأفتى به الشيخ عبد الرحمن بن حسن أخيرا، وأخبر أنه لا يزال ضرر المشتري بضرر المالك، لأن المالك أحق بدفع ضرره، لحديث " لا يزال الضرر بالضرر " ولفظ حديث سمرة " من وجد متاعه عند رجل أو قال عند مشتريه، فهو أحق به، ويتبع المبتاع من باعه " ١ وأبا بطين ﵀ مسئول عن هذه المسألة، واستدل السائل بالحديث الذي في السنن، فقال هو لا يقاوم حديث سمرة في الصحة، وعمل الجمهور بحديث سمرة كاف في
следующие страницы →