← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وأما من استدل على خلاف ذلك، بحديث "لا ضرر ولا إضرار " ١ فهو استدلال مردود، لأن في الاستدلال به على هذه المسألة دفع ضرر بضرر، ومن المعلوم أن صاحب المتاع المغصوب، إذا وجده بعينه، أقوى جانبا من المشتري الذي ماله في ذمة الغاصب فكيف ندفع ضرر من ماله في ذمة الغاصب، بتحميل الضرر من وجد ماله بعينه؟ فلو لم يكن في هذه المسألة حديث عن النبي ﷺ ولا كلام للأئمة وأتباعهم، لم يكن في هذا الحديث دليل للمخالف بل هو على العكس أقرب وأقوى وقد روى ابن أبي شيبة: أن حذيفة عرف جملا له عند رجل، فخاصمه إلى قاض من قضاة المسلمين، فصارت على حذيفة اليمين، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو، ما باع ولا وهب، وروي عن شريح قال: إذا شهد الشهود أنها دابته، أحلفه بالله ما أهلكت ولا أمرت مهلكا، فهذا صريح في دفع الدابة إلى صاحبها بلا دفع ثمن، لأنهم لم يذكروه. وأجاب أيضا: وأما من وجد ماله المسروق أو الضال ونحوه عند إنسان مشتريه، فلا أرى العدول عن العمل بالحديث الذي احتج به الأئمة أحمد وغيره، وهو حديث سمرة عن النبي ﷺ قال: " من وجد متاعه عند رجل فهو أحق به، ويتبع المبتاع " ٢ ويعضد ذلك ما روى ابن أبي شيبة، عن ابن سيرين: أن حذيفة عرف جملا له عند إنسان، فخاصم فيه إلى قاض من قضاة المسلمين، فصارت على حذيفة يمين في القضاء، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما باع ولا وهب;

стр. 2557

وروى ابن أبي شيبة عن شريح أنه قال: إذا شهد الشهود أحلفه بالله، ما أهلكت ولا أمرت مهلكا. وأما تضمين من نهب مال مسلم في هذه الحادثة ١ فالذي نعتقده: وجوب رده على صاحبه، وتضمينه إن تلف. وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين، عن مسلم له ثمرة أخذها جيرانه، يدعون أنهم اشتروها من رجل آخر اشتراها من عدو تغلب عليهم، من أمراء الأتراك المتغلبين على البلاد، وأقام صاحب الثمرة بينة: أن هذا الرجل الذي باعها على جيرانه، استوهبها من العدو المتغلب فوهبها له، والبينة تشهد بإقرار البائع لها، وكذلك تشهد البينة على إقرار المشترين، الذين باشروا أخذها من رءوس النخل ... إلخ؟ فأجاب: الحمد لله رب العالمين، لا بد من الكلام على أصل هذه المسألة، وهو ما حكم مال المسلم إذا استولى عليه الكفار، هل يملكونه بذلك أم لا؟ وفي المسألة قولان مشهوران للعلماء، هما روايتان عن أحمد، حكاهما أكثر الأصحاب؟ أحدهما: لا يملكونه بذلك، اختاره جماعة من الأصحاب، وهذا مذهب الشافعي، والرواية الأخرى: يملكونه وهو قول مالك وأبي حنيفة، فعلى هذا هل يملكونه بمجرد الاستيلاء؟ أو بالحيازة إلى دارهم؟ الثاني: قول أبى حنيفة، قال في القواعد الفقهية: وهو

стр. 2558

المنصوص عن أحمد، قال في الفروع: نص عليه فيما بلغ به قبرص، يرد إلى صاحبه، ليس غنيمة ولا يؤكل، لأنهم لم يحوزوه إلى بلادهم، ولا إلى أرض هم الأغلب عليها، ولهذا قيل: أصبنا في قرب هرمز من متاع المسلمين، قال يعرف. وقال أبو العباس ﵀: لم ينص أحمد على الملك، ولا على عدمه، وإنما نص على أحكام أخذ منها ذلك، قال: والصواب أنهم يملكونها ملكا مقيدا، لا يساوي أملاك المسلمين من كل وجه، انتهى; ولهذا إذا وجدها صاحبها قبل القسمة أخذها مجانا. ومن فوائد الخلاف في هذه المسألة: أن من أثبت الملك للكفار من أموال المسلمين، أباح للمسلمين إذا ظهروا عليها قسمتها، والتصرف فيها، ما لم يعلموا صاحبها، وإن كان الكافر أسلم، وهي في يده فهو أحق بها، ومن لم يثبت الملك لم يجوز قسمتها، وتوقف إذا جهل ربها، ولربه أخذه بغير شيء حيث وجده، ولو بعد القسمة أو الشراء منهم، أو إسلام آخذه وهو معه، فيأخذه من مشتريه مجانا، فعلى القول بعدم الملك، ومقتضى اختيار أبي العباس: أن الثمرة المذكورة باقية على ملك صاحبها، يرجع بها مجانا على من هي بيده، ومقتضى هذا القول أيضا: أن صاحبها يضمنها من انتفع بها، إذا كانت تالفة، وعلى القول الثاني: يأخذها صاحبها ممن هي في يده مجانا، إن كان مُتَّهبا، وإن كان مشتريا أعطاه الثمن الذي اشتراها به.

стр. 2559

وإذا اختلف في كونه مشتريا، أو متهبا، وأقام من هي في يده بينة أنه مشتر، وأقام صاحب الثمرة بينة أنه أقر أنه متهب، فالظاهر تعارض البينتين، فيصيران كمن لا بينة لهما، ويكون القول قول صاحب الثمرة بيمينه، أن ما في يده متهب، لأنه غارم، كالمذهب فيمن اشترى أسيرا مسلما من الكفار بنية الرجوع، وتنازعا في قدر ما دفع فيه، أن القول قول الأسير، لأنه منكر زيادة، ولأنه غارم. وكلامهم هذا واختلافهم، إنما هو في الكفار الأصليين، وأما المرتدون: فكلامه ﵏ صريح في أن حكمهم ليس كذلك، وأنهم لا يملكون ما استولوا عليه من أموال المسلمين، لأنهم صرحوا أن المرتد إذا أسلم، وفي يده مال مسلم، أن صاحبه يأخذه مطلقا، ولم نرهم ذكروا في ذلك خلافا، وإنما تنازعوا في تضمينه ما أتلفه حال ردته، وفي تضمينه ذلك قولان، هما روايتان عن أحمد، المذهب منهما عند أصحابه الضمان، ومن لم يضمنه علل ذلك بأن في تضمينه تنفيرا له عن الإسلام، ولم يعللوه بأنه ملكه، وقد أجمعوا: أن الكافر الأصلي، لا يضمن ما أتلفه حال كفره، على القولين جميعا، أعني: ملكه لمال المسلم وعدمه، ولم نعلم بينهم نزاعا في أن المرتد إذا أسلم، يرد ما في يده من أموال المسلمين. واختلفوا في الأصلي إذا أسلم، هل ينْزع ما في يده من أموال المسلمين؟ فظهر من كلامهم الفرق بين الأصلي

стр. 2560

والمرتد، وأن المرتد لا يملك مال المسلم بالاستيلاء; وعلى هذا فمن انتقل إليه مال مسلم من مرتد، بقهر أو هبة أو شراء، فصاحبه أحق به إذا وجده بغير شيء. إذا ثبت ذلك: فهؤلاء الأعداء الذين استولوا على نجد وأهلها، من حكمنا بكفره منهم، فحكمه حكم المرتدين، لا الأصليين، لأن دارهم دار إسلام، وحكم الإسلام غالب عليها; وإن كان الشرك موجودا فيهم كثيرا، فهذا الذي نراه ونعتقده، والله أعلم. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: إذا عرف رجل دابته عند رجل، فالذي نفتي به أن صاحبها يأخذها مجانا، ويرجع المشتري على من باعه مطلقا عرفه أم لا، هذا هو الذي قرره الشيخ عبد الله أبا بطين، في مسألة مشهورة له، صدرها بحديث سمرة الذي رواه عنه الحسن، ورواية الحسن عن سمرة حجة عند الإمام أحمد، ومن وافقه من العلماء، وأفتى به الشيخ عبد الرحمن بن حسن أخيرا، وأخبر أنه لا يزال ضرر المشتري بضرر المالك، لأن المالك أحق بدفع ضرره، لحديث " لا يزال الضرر بالضرر " ولفظ حديث سمرة " من وجد متاعه عند رجل أو قال عند مشتريه، فهو أحق به، ويتبع المبتاع من باعه " ١ وأبا بطين ﵀ مسئول عن هذه المسألة، واستدل السائل بالحديث الذي في السنن، فقال هو لا يقاوم حديث سمرة في الصحة، وعمل الجمهور بحديث سمرة كاف في

стр. 2561

الاحتجاج به، مع أن الحديث فيه عكرمة بن خالد، أو خالد بن عكرمة، انتهى كلامه. وقال: ما وقع في هذه السنين من النهب والظلم، يرد ما وجد منه إلى مالكه، من غير أخذ قيمة ولا ثمن، وحكم يد المشتري حكم الأيدي المترتبة على يد الغاصب; قلت إن كان عكرمة بن خالد بن سلمة، فقد قال البخاري فيه هو منكر الحديث، قاله في الخلاصة; وأما خالد بن عكرمة، فلم أجد له ذكرا فيها، وأما عكرمة بن خالد بن العاص فوثقة بن معين، انتهى، ثم إني نظرت فيها، فيمن روى عن أسيد بن حضير، فلم يذكر عكرمة بن خالد فيمن روى عنه، فلعل مراد الشيخ عبد الله أبا بطين، عكرمة بن خالد بن سلمة، انتهى. وقال الشيخ: حمد بن عتيق، وبعد: بلغني ما ساءني، وهو أنك تنكر على من اشترى من أموال أهل الإحساء، التي تؤخذ منهم قهرا، ولا ينكر مثل هذا إلا من يعتقد معتقد أهل الضلال، القائلين إن من قال لا إله إلا الله لا يكفر، ومن له مشاركة فيما قرره المحققون، قد اطلع على أن البلد إذا ظهر فيها الشرك، وأعلنت فيها المحرمات، وعطلت فيها معالم الدين، أنها تكون بلاد كفر، تغنم أموال أهلها، وتستباح دماؤهم. وأجاب الشيخ عبد اللطيف: الذي جاءكم مع اللصوص، هو من مال قحطان، ولا يخفاكم أن كثيرا من قحطان: يلتزم الأحكام في التحليل والتحريم، ويتحاشا من

стр. 2562

الاعتداء إلا على من اعتدى عليه، ولا يعجبني أكل ما أخذ منهم على هذا الوجه; وأما نهائب الأعراب، التي لا يعرف حال أهلها، فلبعض أهل العلم كلام في جواز شرائها وتملكها، وأما استحباب اجتناب ذلك كله، فهو طريقة جمهور أهل العلم. وأجاب الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: إذا وجد المسلم ماله بعينه عند أحد، فإنه يأخذ ماله من المرتد، أو ممن انتقل إليه بعوض وغيره بغير شيء، لأن المرتد لا يملك مال المسلم بأمان ولا غيره، لأن إعطاءه الذمة إنما هو على ماله، لا على مال المسلم; والمرتد: هو الذي دخل في الإسلام، وصدر منه ناقض من نواقض الإسلام، من قول أو فعل، بخلاف الكافر الأصلي الذي لم يدخل في الإسلام أصلا، هذا مضمون كلام العلماء. وأجاب الشيخ: عبد الله بن عبد العزيز العنقري: الذي عرف ماله عند أخيه المسلم، وهو مأخوذ منه انتهابا، لا يخفى أن مثل هذا يأخذ ماله ممن وجده عنده، لأن العلماء ﵏ ذكروا أن الأيدي المترتبة على يد الغاصب عشر، كلها أيدي ضمان، ومنها: يد المشتري من الغاصب; إذا علم ذلك: فقد ذكر الشيخ عبد الله أبا بطين، وغيره من مشائخ هذه الدعوة، أن البدوي إذا عرف ماله عند حضري، قد اشتراه من بدوي آخر، ليس له انتزاعه منه، إذا كان كل من البدويين ينهب من الآخر; ومثل البدو اليوم.

стр. 2563

فالذي أرى: أنه إن كان المال الذي عرفه عند أخيه المسلم، قد أخذه منه قبل أن يتوب عن حاله الأولى، فالظاهر أنه ما ينتزعه من أخيه المسلم، لأنه أخذه منه وهو في حال كل منهما يأخذ مال صاحبه، وإن كان المال أخذ بعد التوبة، فهو يأخذه ممن وجده عنده بغير بذل ثمن. سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن نهب البدو بعضهم بعضا، إذا عرف أحدهم منه شيئا عند الحضر ... إلخ؟ فأجاب: إذا عرف أحدهم ماله عند حضري، وثبت أنه منهوب منه بالبينة، فالذي نفتي به في أزمنة هذا الاختلاف: أنه يعطي المشتري ثمنه الذي دفع إليه، ويأخذ ماله إن لم يكونوا حربا للحضر، وقد أفتى بذلك غير واحد من متأخري الأصحاب. وسئل: عن قولهم من خلص مال غيره ... إلخ؟ فأجاب: قولهم إن من خلص مال غيره من هلكة، استحق أجرة المثل; قالوا: كما لو أخرجه من بحر، أو خلصه من فم سبع، أو وجده بمهلكة، بحيث يظن هلاكه في تركه، لأنه يخشى هلاكه وتلفه على مالكه، بخلاف اللقطة; وفيه حث وترغيب في إنقاذ الأموال من الهلكة، لكن لو قيل في هذه الأزمنة: إن من وجد حيوان غيره بمهلكة، بحيث يظن هلاكه بتركه فأنقذه بنية الرجوع على ربه بما غرمه، أو

стр. 2564

بأجرة عمله، والحال إن لم يكتمه لم يكن بعيدا رجوعه; ولا يفهم من قولهم هذا: أن المشتري من الغاصب ونحوه يرجع بثمنه على المغصوب منه، إذا أخذ سلعته، لأنهم ذكروا هذه المسألة وفسروها بما ذكرنا، وذكروا أن المشتري من الغاصب يرجع بثمنه على من اشترى منه، لا على من عرف سلعته وأخذها، وهذا ظاهر. وقولهم: من خلص متاع غيره، من جملة ما تضمنه كلام الشيخ، في قوله: ومن لم يخلص مال غيره من التلف إلا بما أدى، رجع به في أظهر قولي العلماء، لأنه محسن، فقوله: لأنه محسن، مشعر بأن ذلك فيمن خلص مال غيره استنقاذا لصاحبه، لا ليتملكه، لأنه الذي يوصف بالإحسان; وأما الذي يشتري من الغاصب ونحوه للتملك، ويستعمل المبيع ويعجفه إن كان حيوانا، فهذا لا يوصف بأنه محسن; وأيضا الحديث المرفوع، الذي احتج به الإمام أحمد وغيره " من وجد متاعه عند إنسان فهو أحق به ويتبع المبتاع من باعه " ١ لا يجوز أن يعارض بقول أحد كائنا من كان. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: ودفع الشاة عن غنم إلى ذي يد قاهرة، تلزم جميع الغنم.

стр. 2565

سئل الشيخ: علي بن الشيخ حسين بن الشيخ ﵏: عن رجل غصب شجرا ثم بايع به هل يضمن الغاصب غلة نخل من بايعه، كما ضمن نماء الغصب؟ فأجاب: هذا المغصوب من أفسد العقود; وقد ذكروا في العقد الفاسد، ما يبين أن لصاحب النخل أو الشجر، الرجوع على الغاصب، بما أخذ منه المالك، قال في الإقناع: ومنافع المقبوض بعقد فاسد كمنافع المغصوب، تضمن بالفوات والتفويت. وسئل: عن الأيدي المترتبة على يد الغاصب؟ فأجاب: الأولى، والثانية: يد المشترى منه، ويد المستعير; الثالثة: يد المستأجر; الرابعة، والخامسة: يد المتملك بلا عوض، ويد القابض بعقد أمانة، السادسة: يد المتزوج للأمة المغصوبة، إذا تزوجها وكانت بيده وماتت; السابعة: يد المتصرف في المال بما ينميه، كالمضارب والمزارع، إذا تلف بيد العامل ونحوه; الثامنة: يد القابض تعويضا، بأن يجعل المغصوب عوضا في نكاح، أو خلع أو إيفاء دين ونحوه; التاسعة: يد المتلف للمغصوب، نيابة عن الغاصب، كالذابح للحيوان المغصوب، يرجع بما ضمنه للمالك على الغاصب، إن لم يعلم بالحال; العاشرة: الغاصب من الغاصب، فالقرار على الثاني مطلقا.

стр. 2566

وسئل أيضا ﵀: إذا استأجر رجل أرضا مغصوبة، هل يحرم عليه نصيبه؟ لتولده من الأرض المغصوبة؟ فأجاب: يد هذا العامل إحدى الأيدي المترتبة على يد الغاصب، وكلها أيدي ضمان، وقد مثلوا الثالثة بيد المستأجر; والسابعة بيد المساقي والمضارب والشريك، فأرجى هذه الأيدي: اليد العاشرة مما عدى التحريم والتغريم. سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: عن الوجهين المذكورين في ثمر ما غرسه الغاصب، هل هو للغاصب أو حكمه حكم الزرع؟ فأجاب: إن قلنا للغاصب، فلصاحب الأرض أجرة أرضه إلى حين يتسلمها، وإن قلنا حكمه حكم الزرع، واختار صاحب الأرض أخذه بنفقته، فالظاهر: أن ابتداءها في النخل ونحوه، من سقيه بعد جذاذه للسنة المستقبلة، إلى حين اختيار أخذه; وهذا الخلاف والحكم، إنما هو في ثمر ما غرسه الغاصب، وأما ثمر الشجر المغصوب، فهو لربه بغير خلاف; وأما إيجابهم الأجرة على من حبس حرا غصبا مدة لمثلها أجرة، فالذي يظهر أن مرادهم: كل من له منفعة يصح عقد الإجارة عليها، قال في شرح الإقناع معللا عدم ضمان غاصب الأمة مهرها، إذا حبسها عن النكاح، حتى فات نكاحها بسبب كبرها، قال: لأن النفع إنما يضمن بالتفويت، إذا كان مما

стр. 2567

يصح المعاوضة عليه بالإجارة، والبضع ليس كذلك; وقد قالوا في العبد المغصوب: إذا كان ذا صنائع، لزم الغاصب أجرة أعلاها; قال بعضهم: فدل كلامهم أنه لو لم يحسن صنعة، لم يلزمه أجرة صنعة مقدرة، ولو حبسه مدة لا يمكن أن يتعلم فيها صنائع. وأما صفة: تقويم المريض إذا أتلفه متلف، فقال المجد في شرح الهداية: من استهلك على رجل زرعا أخضر، ضمن قيمته على رجاء السلامة والعطب; قال: وهذا مذهب مالك، وقياس مذهبنا في تقويم المريض، والجاني ونحوهما، انتهى; فظهر: أن صفة ذلك في تقويم المريض ونحوه، أن يقال: يساوي إذا كان ترجى حياته ويخاف موته، ثلاثين ريالا مثلا، وإن كان لا يخاف عليه الموت من ذلك المرض، يساوي خمسين مثلا، وإن كان لا ترجى سلامته يساوي مثلا عشرة، فإذا كان ترجى حياته ويخاف موته، صارت قيمته ثلاثين، فهي الواجب فيه، انتهى. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ: إذا أفسدت دابة إنسان بالليل ملك الغير، ما كيفية الضمان؟ فأجاب: صفة التقويم في الزرع الأخضر ونحوه، أن ينظر أهل المعرفة ما نقص الزرع من الثمر، فيغرم له قيمة ذلك الناقص، هذا هو الذي يظهر من كلام الفقهاء. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: الزرع إذا

стр. 2568

ضمن على المتلف، ينظر لقيمته إن كان سليما أو مريضا، كالعبد الجاني، فإن جنايته تتعلق برقبته، ويقوم إذا استغرقت الجناية قيمة رقبته بحسب حاله، إن صحيحا فصحيح، وإن مريضا فمريض; وبالجملة: فالضمان بحسب القيمة في المقومات، أو مثله في المثليات. فصل سئل الشيخ محمد ﵀: عمن في يده شيء لا يعرف مالكه؟ فأجاب: وإن اشتبه الحال على من وقع في يده شيء لا يعرف مالكه، فله التصدق بثمنه. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: العدائل المجهول صاحبها، وهي المنائح، العلماء ﵏ قد ذكروا: أن المال المجهول صاحبه، يتصدق به صاحبه مضمونا، أو يدفعه إلى الحاكم; وقد أفتى الشيخ تقي الدين: أن الغاصب إذا تاب وهو فقير، جاز له الأكل مما بيده من المال المغصوب، مع معرفة المالك وعدمها، فقد يؤخذ منه أن المسؤول عنه، أولى بجواز أكل ما بيده من المذكور إذا كان فقيرا. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ: عمن قطع السيل على ناس ودمر عليهم؟ فأجاب: يضمن ما دمر عليهم بسببه، والدابة المركوبة

стр. 2569

يضمن الراكب ما أتلفت، وأما التي لا تركب فهدر ما أتلفت، وما أتلفت البهيمة بلا سبب تعد من صاحبها، فهو هدر. وأما الأرض التي للعشرة، إذا سرح فيها واحد منهم مواشيه بغير إذنهم وخربت شيئا، لزمة غرامتة إذا كان في الليل، وأما في النهار فيلزم كل واحد منهم يحرس زرعه، أو يقسمون ويجعلون جدرانا. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: على أهل الدواب أن يحفظوها ليلا، وما أكلته بالليل فهو مضمون لصاحبه بقيمته، وما أكلته نهارا فلا ضمان فيه، لأن الحفظ والحراسة في النهار على أهل المزارع والخضرة، إلا إن فتح صاحب الدابة لها بابا مغلقا، أو هدم جدارا وأدخلها، فيضمن حيئنذ. وأجاب الشيخ محمد بن مقرن: لا ينبغي للجار يضر بجاره، ففي النهار يحفظ أهل الأموال أموالهم، وفي الليل يضمن أهل المواشي ما أتلفت; والنخل الذي عليه جدار يحميه عن البقر، إذا دخلت فيه الغنم يحفظها أهلها، وكذلك الإبل إذا أفسدت ما هو محمي. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد ﵀: عن الصائل المعاند؟ فأجاب: دفعه بالأسهل فالأسهل، فإن اندفع بغير قتل لم يجز قتله، وإن لم يندفع إلا بالقتل، جاز قتله ودمه هدر.

стр. 2570

وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: من قصد إنسانا بخشبة ونحوها ليضربه بها، فللمقصود دفعه بالأسهل، أو بالهرب عنه ما أمكنه، فإن لم يندفع بذلك، فله ضربه بما يندفع به، وأرجو أنه ما يضمن والحالة هذه. سئل بعضهم: هل يضمن مالك الضاري، من الدواب وغيره ما جناه؟ فأجاب: إذا علم المالك ذلك من طبعها بتجربة، وجب عليه حبسها، فإن لم يحبسها ضمن، حتى قيل: إن الإنسان إذا عرف أنه يعين الناس بعينه، وجب حبسه. وسئل بعضهم أيضا: عن البلد إذا كان بها حيوان كثير من بقر وغنم وغيره ويلحق أهل النخيل والزروع بإهمالها ضرر عظيم، وربما تسلط العدو الكافر بأشياء تضر المسلمين بإهمالها، فلما رأى ولي الأمر ذلك نبه بحفظها: إما أن تربطوا أدباشكم أو تجعلون لها راعيا يحفظها، ومن عصى وأهمل دبشته، تواني آمر بعقرها أدبا له، أيجوز ذلك أم لا؟ وإن اعترض معترض، وقال: على أهل الزرع حفظها بالنهار، وعلى أهل الدبش حفظها بالليل، ونحن غير طائعين في هذا، فبينوا لنا رحمكم الله؟ فأجاب: إن كان الأمر كما ذكر في السؤال، من خوف المضرة وعمومها، على أهل النخيل والحروث والزروع، من إتلاف زروعهم وفسادها، وضياع غرسهم وخرابه، من إهمال

стр. 2571

الأدباش، فيجب على ولي الأمر: رفع الضرر وكف الأذى عن الناس، لما روى الحاكم بسنده عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال:"لا ضرر ولا ضرار، من ضار ضره الله، ومن شاق شق الله عليه " ١ وعن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: " لا ضرر ولا إضرار في الإسلام " ٢. وعن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي ﷺ قال: " ملعون من ضار مؤمنا أو مكر به " ٣ قال الإمام الحافظ أبو الفرج: عبد الرحمن بن رجب ﵀ في شرح الأربعين على هذا الحديث: إن الضرر نفسه منتف في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك; وقيل، الضرر: أن يدخل على غيره ضررا بما ينتفع هو به، والضرار: أن يدخل على غيره ضررا بلا منفعة له به. فهذا يصرح: أن الواجب على الإمام، وولي الأمر أن يرفع الأشياء التي بها يحدث المضرة والفساد، لا سبب لم تحدث به مضرة على أحد، ورفع المضرة في هذه المسألة ممكن فعلها، بربطها، أو يجعل لها رعاة; والناس إذا أمرهم ولي الأمر بذلك لما يراه من الصلاح، وجب عليهم السمع والطاعة فيما يحبون، وفيما يكرهون، ومن عصاه استحق العقوبة. والمعترض بهذا الحديث: ليته تعلم قبل أن يتكلم أن معنى الحديث نوع، وهذا نوع آخر; فنحن نفتي وأئمتنا

стр. 2572

رحمهم الله بما أفتى به رسول الله ﷺ أن البهيمة إذا شذت من المرعى الذي جرت به العادة أنه يكون بالفلاة خارج البلد، وشذت عن الراعي، أن لا ضمان على مالكها، وأما إذا سيبها تلقاء الزروع وأهملها تخرب على الناس، فعليه الضمان ولو نهارا. وقال الحافظ بن رجب ﵀ في شرح الأربعين على حديث النعمان بن بشير من سيب دابته ترعى بقرب زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع لو كان نهارا، وهذا هو الصحيح، لأنه مفرط بإرسالها في هذه الحال، انتهى كلامه. حاصل الجواب: أن أهل البلدان إذا كان لهم ماشية تضر الزرع، والحرث، بإهمالها، ورأى الإمام رفع المضرة عن الناس بحفظها برد أو رعاة لها، لزمهم ذلك، ومن أبى استحق الأدب. والنبي ﷺ لم ينه عن ربطها، ولا نهى أن يجعل لها رعاة، ولا أمر بتسييبها وإهمالها بين الزروع والنخيل، وإنما ذكر الحكم في الضمان أنه متعلق بفساد الليل، ونحن نقول بذلك، وأما ما يراه ولي الأمر من المصالح هذا نوع آخر، ولو ذهبنا نذكره لطال. ونحن نذكر للمسترشد من ذلك نوعين الأول: إذا كان لإنسان ابن مجنون، ومن المعلوم أن القلم قد رفع عنه، وحصل منه تعدي على الناس بضرب وغيره، فيلزم أباه أن

стр. 2573

يحفظه، ولا يقال: إنه رفع القلم عنه. الثاني: من له ولد أو غلام صغير، وتبين منه فجور وفساد، فعلى أبيه ووليه زجره وأدبه ومنعه من ذلك، وإن كان القلم قد رفع عنه. وبهذا يتبين لك أيها المسترشد: أن المنع من الفساد والمضرة غير الحكم، هذا نوع، وهذا نوع، ويتبين لك فساد قول المعترض: إن هؤلاء قد رفع القلم عنهم فلا تتعرضوهم، ولا تمنعوهم، وهذا باب واسع يتبين لك أن النبي ﷺ أباح أشياء واستحبها، ولما رأى الخلفاء الراشدون عاقبتها الضرر والفساد نهوا عنها. منها: قوله ﷺ "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله " ١ وقد منعهن الخليفة الراشد عمر ولم ينكر، ومنها: أنه استحب الجمة واللمة من الشعر، وكانت مستحبة للرجال، وقد حلق عمر ذلك من رأس نصر بن حجاج، وطرده إلى البصرة لما تغزلت بحسنه النساء، وخشي من الضرر والفساد، ومنها: حكمه ﷺ في شارب الخمر أربعين جلدة وقد زاد عمر أربعين فكان ثمانين جلدة ولم ينكره. ومنها: أن الطلاق على عهده ﷺ الثلاث مجموعة واحدة، فلما رأى عمر ﵁ أن الناس تتابعوا في ذلك أمضاه عليهم، فجعل الثلاث ثلاثا مُبِينة للمرأة من زوجها أدبا وعقوبة لهم، وهذا كله بحضرة الصحابة ولم ينكر.

стр. 2574

فتأمل أيها المسترشد: أن الحكم يتغير بموجباته وأسبابه، والحكم نوع والسمع والطاعة نوع آخر، والأسباب التي كانت على عهده ﷺ غير الأسباب التي كانت على عهد عمر، ولا تكن كمن قيل فيه: وكم عائبا قولا صحيحا ... وآفته من الفهم السقيم سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: عن حديث هند، وحديث " لا تخن من خانك " ١؟ فأجاب: هذه تسمى مسألة الظفر، فمن الناس من منع مطلقا، واستدل بقوله: " ولا تخن من خانك " ٢ ومنهم من أباح مطلقا، واستدل بحديث هند، ومنهم من فصل، وقال: حديث هند له موضع، والآخر له موضع، فإن كان سبب الحق ظاهرا لا يحتاج لبينة، كالنكاح والقرابة، وحق الضيف، جاز الأخذ بالمعروف، كما أذن لهند، وأذن للضيف إذا منع أن يعقبهم بقدر قراه. وإن كان سبب الحق خفيا، وينسب الآخذ إلى خيانة أمانته، لم يكن له الأخذ وتعريض نفسه للتهمة والخيانة، ولعل هذا أرجح الأقوال، وبه تجتمع الأدلة، وأما إذا قدر على استيفاء حقه من مال الغاصب من غير أمانته، ولا يمكن رفعه إلى الحاكم، فلا أعلم في هذا بأسا، وقد أفتى به ابن سيرين، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٦] .

стр. 2575

وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: إذا كان لرجل على آخر حق، وقدر له على مال، فهذه المسألة قد اختلف العلماء فيها على خمسة أقوال، وتسمى هذه المسألة مسألة الظفر، أحدها: أنه ليس له أن يخون من خانه، ولا يجحد من جحده، ولا يغصب من غصبه، وهذا ظاهر مذهب أحمد ومالك. والثاني: يجوز أن يستوفي قدر حقه إذا ظفر بماله، سواء ظفر بجنسه أو بغير جنسه، وفي غير الجنس يدفعه إلى الحاكم يبيعه، ويستوفي ثمنه منه; وهذا قول أصحاب الشافعي. والثالث: يجوز أن يستوفى قدر حقه إذا ظفر بجنس ماله، وليس له أن يأخذ من غير الجنس، وهذا قول أصحاب أبي حنيفة. والرابع: إن كان عليه دين لغيره، لم يكن له الأخذ، وإن لم يكن عليه دين فله، وهذا إحدى الروايتين عن مالك. والخامس: إن كان سبب الحق ظاهرا، كالنكاح والقرابة وحق الضيف، جاز للمستحق الأخذ بقدر حقه، كما أذن فيه النبي ﷺ لهند أن تأخذ من مال أبي سفيان، ما يكفيها ويكفي بنيها، وكما أذن لمن نزل بقوم ولم يضيفوه، أن يعقبهم في مالهم بمثل قراه، كما في الصحيحين عن عقبة بن عامر، قال قلت للنبي ﷺ إنك تبعثنا فننْزل بقوم لا يقرونا فما ترى؟ فقال لنا: " إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، فإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم " ١.

стр. 2576

وإن كان سبب الحق خفيا، بحيث يتهم بالأخذ والنسب إلى الخيانة ظاهرا، لم يكن له الأخذ، وعرض نفسه للتهمة والخيانة، إن كان في الباطن آخذ حقه، كما أنه ليس له أن يتعرض للتهمة التي تسلط الناس على عرضه، وإن ادعى أنه محق غير متهم، قال ابن القيم ﵀: وهذا القول أصح الأقوال وأسدها، وأوفقها للشريعة، وبه تجتمع الأحاديث. فإنه قد روى: أبو داود في سننه، من حديث يوسف بن ماهك، قال: كنت أكتب لفلان نفقة أيتام كان وليهم، فغالطوه بألف درهم فأداها إليهم، فأدركت له من أموالهم مثلها، فقلت اقبض الألف الذي ذهبوا به منك، قال: لا، حدثني أبي، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك " ١ وهذا وإن كان في حكم المنقطع، فإن له شاهدا من وجه آخر، وفي المسند عن بشير بن الخصاصية، أنه قال: "يا رسول الله: إن لنا جيرانا لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، فإذا قدرنا لهم على شيء أنأخذه؟ قال: أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". فهذه الأحاديث: تبين أن المظلوم في نفس الأمر، إذا كان ظلمه غير ظاهر، وقدر على مال لمن ظلمه وأخذه خيانة، لم يكن له ذلك، وإن كان هو يقصد أخذ نظير حقه، لكن خان الذي ائتمنه، فإنه إذا سلم إليه ماله، فأخذ بعضه بغير إذنه ولا باستحقاق ظاهر كان خائنا، وإن قال أنا مستحق في

стр. 2577

نفس الأمر لما أخذته، لم يكن له ما ادعاه ظاهرا معلوما، وصار كالمتزوج امرأة فأنكرت نكاحه، ولا بينة، فإذا قهرها على الوطء من غير حجة ظاهرة، فإنه ليس له ذلك، ولو قدر أن الحاكم حكم على رجل بطلاق امرأته ببينة اعتقد صدقها، وكانت كاذبة في الباطن، لم يكن له أن يطأها لما يعلم في الباطن. فإن قيل: هذا ليس بخيانة بل هو استيفاء حق، والنبي ﷺ نهى عن خيانة من خان، وهو أن يأخذ من ماله ما لا يستحق نظيره. فأجاب شيخ الإسلام ﵀ عن هذا السؤال، بأن قال: هذا ضعيف لوجوه; أحدها: أن الحديث فيه "أن قوما لا يدعون لنا شاذة ولا فاذة إلا أخذوها، أفنأخذ من أموالهم بقدر ما يأخذون منا؟ فقال: لا" الثاني: أنه قال: " ولا تخن من خانك " ١ ولو أريد بالخيانة الأخذ على طريق المقابلة، لم يكن فرقا بين من خانه ومن لم يخنه، وتحريم مثل هذا ظاهر، ولا يحتاج إلى بيان وسؤال، وهو قوله: " ولا تخن من خانك " ٢ فعلم أنه أراد أنك لا تقابله على خيانته، فتفعل به مثل ما فعل بك، فإذا أودع الرجل الرجل مالا فخانه في بعض، ثم أودع الأول نظيره فأراد أخذ ماله منه، فهذا هو المراد بقوله: " ولا تخن من خانك " ٣. الثالث: أن كونه خيانة لا ريب فيه، وإنما الشأن في جوازه على وجه القصاص، فإن الأمور منها ما يباح القصاص

стр. 2578

فيه، كالقتل وقطع الطريق وأخذ المال، ومنها: ما لا يباح فيه القصاص، كالفواحش والكذب ونحو ذلك، قال الله تعالى في الأول: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [سورة الشورى آية: ٤٠] وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [سورة النحل آية: ١٢٦] فأباح الاعتداء والعقوبة بالمثل، فلما قال ﷺ هنا " ولا تخن من خانك " ١ علم أن هذا مما لا يباح فيه العقوبة بالمثل، والله أعلم; فإذا تقرر هذا: عرفت أن الصواب في المسألة، ما رجحه الشيخ تقي الدين وابن القيم رحمهما الله فيما تقدم، وهذا هو الموافق لقواعد الشرع. وأجاب الشيخ حسين بن الشيخ محمد: وأما مسألة الظفر، فإن كان سبب الحق ظاهرا، جاز له أن يأخذ قدر حقه. وسئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عن حديث عمران بن حصين، في قصة العقيلي الذي قال للنبي ﷺ "بم أخذتني، وأخذت سابقة الحاج؟ فقال: أخذتك بجريرة حلفائك ثقيف " ٢. فأجاب: الحديث أخرجه الإمام أحمد ومسلم، وأبو داود والنسائي، وها أنا أسوق رواية أحمد في مسنده: حدثنا إسماعيل عن أيوب، عن أبي قلابة عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين، قال: "كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله ﷺ وأسر

стр. 2579

أصحاب رسول الله ﷺ رجلا من بني عقيل، وأصيبت معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق، فقال: يا محمد يا محمد يا محمد، فقال: ما شأنك؟ فقال: بم أخذتني؟ وأخذت سابقة الحاج؟ إعظاما لذلك، فقال: أخذت بجريرة حلفائك ثقيف ثم انصرف عنه، فقال: يا محمد يا محمد، وكان رسول الله ﷺ رحيما رفيقا، فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال إني مسلم، قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح ثم انصرف عنه، فناداه يا محمد يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: إني جائع فأطعمني، وظمآن فأسقني، قال: هذه حاجتك؟ قال ففدي بالرجلين. وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت معها العضباء، فكانت المرأة في الوثاق، فانفلتت ليلة من الوثاق، فأتت الإبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه، حتى انتهت إلى العضباء فلم ترغ، قال: وهي ناقة منوقة، فقعدت في عجزها وزجرتها فانطلقت، ونذروا بها وطلبوها فأعجزتهم، ونذرت: إن الله نجاني عليها لأنحرنها، فلما قدمت المدينة رآها الناس، فقالوا العضباء ناقة رسول الله ﷺ قالت: إني نذرت إن الله نجاني عليها لأنحرنها، فأتوا إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: سبحان الله بئسما جازتها، إن الله أنجاها لَتنحرها، لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد " ولأبي داود: ابن آدم.

стр. 2580

قال النووي ﵀: في شرحه: قوله ﷺ " أخذت بجريرة حلفائك " ١ أي: بجنايتهم، قوله ﷺ " لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح " ٢ معناه: لو قلت كلمة الإسلام قبل الأسر، حين كنت مالك أمرك، أفلحت كل الفلاح، لأنه لا يجوز أسرك لو أسلمت قبل الأسر، فكنت فزت بالإسلام وبالسلامة من الأسر، ومن الاغتنام; وأما إذا أسلمت بعد الأسر، فيسقط الخيار في قتلك، ويبقى الخيار بين الاسترقاق، والمن والفدى; وفي هذا جواز المفاداة، وأن إسلام الأسير لا يسقط حق الغانمين منه، بخلاف ما لو أسلم قبل الأسر، انتهى. فليس في الحديث دليل على أن المسلم يؤخذ بجناية غيره أو حق عليه، بخلاف الكافر فإنه يؤخذ ويغنم ماله لكفره، ولو كان من قوم معاهدين، إذا نقضوا العهد، كحال هذا الرجل العقيلي، فإنه لما قال إني مسلم، قال له رسول الله ﷺ " لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح " ٣ وهو صريح في أن هذا الرجل لم يكن قبلُ مسلما. وفي الحديث أيضا: ما يدل على ذلك، وهو قوله: "ففدى الرجل بعد بالرجلين" فتأمله فإنه ظاهر بحمد الله، والحديث لا علة له; قال الحافظ المنذري: وأخرجه مسلم والنسائي بطوله، وأخرج الترمذي منه طرفا، وأخرج النسائي وابن ماجه منه طرفا، انتهى كلامه ﵀; وقد ذكرنا في أول الحديث ما وقفنا عليه من مخرجيه، واتحفنا السائل بسياق الإمام أحمد ﵀.

стр. 2581

وقال ابنه الشيخ: عبد اللطيف: سألت والدي ﵀ عما يفعله بعض الأمراء بنجد، من أخذ ابن العم بجريرة ابن عمه، أو غير ابن عمه من الأصول والفروع، هل له مستند شرعي؟ أو لا مستند له؟ فأجاب: اعلم وفقك الله أن أهل نجد، كانوا قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية فيهم، بأسوأ حال; أما الأعراب: فلا يلتفت أحد منهم لشريعة الإسلام، لا في العبادات ولا في غيرها من الأحكام، ولا في الدماء ولا في الأموال، ولا في النكاح ولا في الطلاق، والمواريث وغير ذلك; وكانوا في شر عظيم فيما بينهم من الحروب، كل طائفة تقاتل الأخرى وتستحل دماءها وأموالها، والحضر عندهم في غاية الذل، يأخذون المال منهم كرها. فلما من الله بهذه الدعوة وأقام الجهاد، أجلبوا كلهم على محاربة من دعاهم إلى الإسلام، والتزام شرائعه وأحكامه، فحصل التأييد من الله لمن قام بدينه، فجاهدوا الأعراب وغيرهم على طاعة ربهم والتزام ما شرعه، فبقوا على جهاد الأعراب، كلما أسلمت قبيلة جاهدوا بها الأخرى، فما زالوا يجاهدونهم على أن يسلموا ويصلوا ويزكوا، وأكثرهم ألقى السلم لأهل الإسلام، لكن بقي من البغي والظلم والعدوان، على من قدروا عليه واستضعفوه، ممن دخل فيما دخلوا فيه من الإسلام، فكل من نهب أو قطع طريقا، أو قتل استند إلى قبيلة، فلا يقدر أحد من ولاة الأمر أن يأخذ الحق

стр. 2582

منه والحالة هذه. فلو تركوا رأسا ولم ينظر إلى جنايتهم، ونظر إلى جناية المباشر فقط، لفهم يفهمه بعض القاصرين، من حديث: " لا يجني جان إلا على نفسه " ١ لضاعت حقوق الناس ودماؤهم وأموالهم، وعطلت القواعد الشرعية، وقصر بالحديث عما يتناوله، ويدل عليه عند إمعان النظر، فعلى قدر ما أحدثوا من البغي، والظلم والعدوان والتعاون على ذلك، ساغ للأئمة أن يحبسوا ابن العم في ابن عمه، ليقوم بأداء ما وجب عليه من الحق والطاعة في المعروف من نصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف والبراءة من المحاربين وقطاع الطريق، ومثل هذه القبائل: لما تركوا ما وجب من أمر الشرع مع القدرة على القيام، ورضوا محاربة الله ورسوله، ساغ للأئمة ما ذكر، وما لم يتم الواجب إلا به فهو واجب. وأيضا: فلو خلوا بين أهل الإسلام، وبين هذا الجاني من أبناء عمهم، لتمكن المظلوم من أخذ حقه ورد مظلمته، فهم قد آووا محدثا، وفي الحديث: " لعن الله من آوى محدثا " ٢ وفي الحقيقة: هذا إحسان إلى القبيلة، وسبب لتخليصهم من ارتكاب ما حرم عليهم، وهذا الذي أخذ في ابن عمه، لم يقصد ماله، بل حبس لأخذ ما بيد مولاه الذي هو ابن عمه. وبالجملة: فهذا من أسباب صلاح الناس وصيانتهم،

стр. 2583

وهذا الذي ذكرناه هو الذي تأوله الأئمة، وظهرت مصلحته، وقَلَّت مفسدته، والذي أخذ النبي ﷺ ناقته العضباء، قال له: لم تأخذ سابقة الحاج؟ فقال: " أخذتها بجريرة حلفائك من ثقيف " ١ أو كما قال ﷺ قلت: فظهر من هذا البيان الذي أفاده شيخنا، أنه حكم خاص بأهل القوة والنصرة، بخلاف المستضعف الذي لا قدرة له ولا جناية، ولا مصلحة في حبسه ولا يؤبه له عند قبيلته، فعلى الحاكم إمعان النظر في جلب المصالح ودفع المفاسد. ثم ذيل على ذلك ذيلا، فقال ﵀: ما قاله شيخنا ووالدنا حفظه الله، في أسر ابن العم في ابن عمه لمصلحة، فهو الحكم العدل، وهو الذي عليه أكثر السلف، فإن الرجل إذا قطع السبيل وأخافه وامتنع بنفسه، وترك من يؤويه وينصره، صار قوة له وإعانة له على ظلمه، فإن أخذ بجريرته وأسر فيه، حصل له فيه ودع وامتناع، وهذا يعلم بالاضطرار. قال الخطابى في شرح سنن أبي داود، في باب النذر فيما لا يملك ابن آدم، حدثنا سليمان بن حرب، ومحمد بن عيسى قالا حدثنا حماد، عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين قال: " كانت العضباء لرجل من بني عقيل، وكانت من سوابق الحاج قال فأسر فأتى به النبي ﷺ وهو في وثاق، والنبي ﷺ على حمار عليه قطيفة، فقال: يا محمد علام تأخذني، وتأخذ سابقة الحاج، قال: آخذك بجريرة حلفائك من ثقيف. وكانت ثقيف قد أسروا

стр. 2584

رجلا من أصحاب النبي ﷺ " قال الشيخ: قوله: " آخذك بجريرة حلفائك من ثقيف " اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: هذا يدل على أن بني عقيل عاهدوا، أن لا يتعرضوا للمسلمين، ولا أحد من حلفائهم، فنقض حلفاؤهم العهد، ولم ينكره بنو عقيل، فأخذوا بجريرتهم; وقال آخرون: هذا الرجل كافر لا عهد له، وقد يجوز أخذه وأسره وقتله، فإذا جاز أن يؤخذ بجريرة نفسه وهي كفره، جاز أن يؤخذ بجريرة غيره، ممن كان على مثل حاله من حليف وغيره، ويحكى معنى هذا عن الشافعي. وفيه وجه ثالث، وهو: أن يكون في الكلام إضمار، يريد أنك إنما أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك، ويفدوا بك الأسيرين الذين أسرتهم ثقيف، ألا تراه يقول: ففدى الرجل بعد بالرجلين انتهى، فتأمل هذا فإنه يدلك على صواب الحكم; والآية وهي قوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [سورة الأنعام آية: ١٦٤] ليس فيها ما يدفع هذا ولا يرده. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا قال لا تعطه قبلي ... إلخ؟ فأجاب: لم أر في هذه المسألة نصا، ومقتضى أصولهم: أنه لا يلزم المقول له إبقاء ما عنده، فإذا أعطى صاحب الحق حقه، لم يكن ضامنا ولا محالا عليه، ومقتضى قوله ﷺ " أد الأمانة إلى من ائتمنك " ١ وجوب الدفع إلى

стр. 2585

المستحق حقه، ولا يمنعه حقه بمجرد قول إنسان لا تعطه، وقد يثبت لهذا القائل حق وقد لا يثبت، ولكن ينبغي للمدعي رفع الأمر للحاكم إن كان ثم حاكم، وينظر الحاكم فيه بمقتضى الشرع، إن رأى الحاكم القضاء على الغائب قضى للمدعي بما ادعى به، وإن أمكن إحضار المدعى عليه أحضره مع خصمه ونظر في أمرهما، هذا ما ظهر لي، والله أعلم.

стр. 2586

باب الشفعة سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: هل تثبت الشفعة بالشركة في الطريق والبئر؟ والشركة في السيل؟ فأجاب: تثبت للجار إذا كان شريكا في الطريق والبئر، ولا تثبت الشفعة بالشركة في الجدار، ولا بالشركة في السيل. وسئل ابنه الشيخ عبد الله: إذا لم يكن بينهما إلا شركة في البئر، فهل تثبت الشفعة. فأجاب: إذا لم يكن بينهما إلا شركة في البئر خاصة، فالصحيح من أقوال العلماء والمفتى به عندنا: أن للشريك الشفعة، كما هو اختيار الشيخ ابن تيمية وغيره من العلماء، وإذا اشترى رجل أرضا ليس لشريكه فيها شركة، لا في ماء ولا في طريق، ليس له فيها شفعة. وأجاب أيضا: قولك هل تثبت الشفعة بالشركة في البئر والطريق ومسيل الماء؟ فالمفتى به عندنا أنها تثبت بذلك، كما

стр. 2587

هو اختيار الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء. وأجاب أيضا: وأما الجار إذا كان شريكا لجاره في طريق وليس لغيرهما فيه شركة، ففي الشفعة خلاف، والمشهور الراجح أن له الشفعة، وهو المفتى به عندنا، وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وأجاب أيضا: إذا باع شريك في مسيل حقه، وأراده شريكه بالشفعة جاز، وأما شفعة الجوار ففيها خلاف بين العلماء، ولا عادتنا نفتي بلزوم الشفعة فيها، إلا إذا كان فيها شركة من طريق أو ماء. وسئل الشيخ: محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عن ثبوت الشفعة بالشركة بالسيل: فأجاب: المذهب عدم ثبوت الشفعة بالطريق، والسيل مثله، واختيار الشيخ التشفيع بمرافق الأملاك، من الطرق والبئر والسيل، وهو الذي عليه الفتوى عند أئمة هذه الدعوة، لحديث " الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا " ١ ولمفهوم حديث: " فإذا وقعت الحدود، وصرفت الطرق، فلا شفعة " ٢ وهو الذي نفتي به، انتهى. سئل الشيخ: حمد بن ناصر، على القول بإثبات الشفعة بالشركة في الطريق، هل إذا باع عقاره وقد وقعت الحدود إلا أن الشركة باقية في البئر، والطريق ومسيل الماء، هل

стр. 2588

يأخذ المبيع كله ... إلخ؟ فأجاب: على القول بإثبات الشفعة بالشركة في البئر والطريق، يأخذ الشفيع المبيع كله، بالشركة في البئر والطريق، ولا يختص ذلك في البئر نفسها، ولا بالطريق وحده، وقد نص على ذلك أحمد في رواية أبي طالب، فإنه سأله عن الشفعة لمن هي؟ قال: للجار إذا كان الطريق واحدا، فإذا صرفت الطرق، وعرفت الحدود فلا شفعة، ويدل على ذلك: ما رواه أهل السنن الأربعة، من حديث جابر قال: قال رسول الله ﷺ " الجار أحق بشفعة جاره، ينتظره بها وإن كان غائبا، إذا كان طريقهما واحدا " ١ وفي حديث جابر المتفق عليه " الشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق، فلا شفعه " ٢ فمفهوم الحديث الآخر، موافق لمنطوق الأول، بإثبات الشفعة إذا لم تصرف الطرق، والشركة في البئر تقاس على الشركة في الطريق، لأن الشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر عن الشريك، ومع بقاء الشركة في البئر والطريق، يبقى الضرر بحاله، وهذا اختيار الشيخ تقي الدين، وهو الذي عليه الفتوى. وأما الشفعة فيما لم ينقل وليس بعقار، كالشجر إذا بيع مفردا ونحو ذلك، فاختلف العلماء في ذلك، والمشهور في المذهب أنها لا تثبت فيه، وهو قول الشافعي وأصحاب

стр. 2589

الرأي، وعن أحمد رواية أخرى: أن الشفعة تثبت في البناء والغراس، وإن بيع مفردا، لعموم قوله ﷺ " الشفعة فيما لم يقسم " ١ ولأن الشفعة تثبت لدفع الضرر، والضرر فيما لم يقسم أبلغ منه فيما ينقسم، وقد روى الترمذي من حديث عبد العزيز بن رفيع، عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ " الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء " ٢ وقد روى مرسلا، وقد رواه الطحاوي من حديث جابر مرفوعا، ولفظه: " قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شيء ". وسئل أيضا: هو، والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهم الله تعالى: عن الشفعة في أرض لا تمكن قسمتها إجبارا. فأجاب: هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها، وفيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد; الأولى: أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته، فأما ما لا تمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير، والعضادة، والطريق الضيق، والعرص الضيقة، فلا شفعة فيه، وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي، وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة، قال الموفق في المغنى: وهو ظاهر المذهب، لما روى عن النبي ﷺ أنه قال: "لا شفعة في فناء ولا في طريق ولا في منقبة" والمنقب الطريق الضيق، رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل.

стр. 2590

والرواية الثانية: تثبت الشفعة فيه، وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج، ورواية عن مالك، واختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي، والشيخ تقي الدين، قال الحارثي: وهو الحق، لعموم قوله ﵇ " الشفعة فيما لم يقسم " ١ وسائر الألفاظ، ولأن الشفعه تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة، والضرر في هذا النوع أكثر، لأنه يتأبد ضرره، وهذا هو المفتى به عندنا، وهو الراجح. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: في هذه المسألة عن الإمام أحمد روايتان، إحداهما- وهي المذهب عند أكثر الأصحاب - لا تجب الشفعة إلا فيما يقسم قسمة إجبار، فلا تجب في الدار الضيقة والبئر ونحو ذلك، لحديث جابر مرفوعا: " أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " ٢ قالوا: والحدود إنما تقع فيما يقبل القسمة، فإذاً تقدير الحديث: الشفعة في كل شيء يقبل القسمة ما لم يقسم، والرواية الثانية: ثبوت الشفعة في ذلك، اختارها ابن عقيل والشيخ تقي الدين وغيرهما; قال الحارثي: وهو الحق; وروى عبد الله بن أحمد عن عبادة مرفوعا: " أنه قضى بالشفعة بين الشركاء في الدور والأرضين " ٣. سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ﵀: هل الأحق بالشفعة شريك البئر، أو النخل؟ فأجاب: ومسألة الشريك في البئر ليس له شفعة، بل الشفعة للشريك في النخل.

стр. 2591

وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: شريك الأصل أحق من شريك المصالح، ما لم يترك الطلب بها بغير خلافً نصَّ عليه في المغنى والشرح، والإنصاف وغيرها. وأجاب أيضا: وأما الشفعة بالمصالح، كالطريق والسيل ونحوه، فشريك الأصل مقدم عليه، أي: على الشريك في المصالح مطلقا، لأن شريك الأصل في الشفعة مما لا نزاع فيه بين العلماء فيما أعلم. وأما مسألة: زيادة المشتري في الثمن، لعلمه أنّ الشريك يشفع، فلا بأس بذلك؟ إذا كان راغبا في الشراء، ولا يكون هذا إضرارا، إن شاء أخذ وإن شاء ترك، لكن يشترط أن يكون الأخذ فورا، فإن تراخى عن الأخذ بطلت شفعته، انتهى. وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل الشفعة على الفور؟ فأجاب: هي على الفور، إذا لم يطالب بها من حين يخبر بالبيع، فليس له شفعة. وسئل الشيخ: عبد الله بن حمد الحجازي: عمن أخبر بالشراء فلم يشفع، وشهد عليه عدل ثم طلب الشفعة وجحد علمه السابق بها؟ فأجاب: خبر العدل الثقة يقبل، لكن إن كان المخبر

стр. 2592

منبها بطلب الشفعة في الحال، وسعى إلى المشتري ليدفع إليه ثمنه، إن أمكنه ذلك ثبتت الشفعة، وإن كان غائبا أو مريضا أو غير ذلك من الأعذار، وأمكنه الإشهاد على الطلب فلم يشهد، بطلت. سئل الشيخ عبد الله بن حسن: عن شريك بيع نصيبه مع شركائه بغير رضاه إذا طلب الشفعة في نصيب الباقين من الشركاء، هل له شفعة؟ فأجاب: الذي بيع نصيبه بغير رضاه، إن كان قد تقدم منه طلب بالشفعة وقت البيع، فلم يجب لوجود معارض فله الشفعة، وأما إذا لم يطلب، أو طلب ولا معارض، فأعرض عنه رغبة، سقطت شفعته، انتهى. قال الشيخ عبد الله أبا بطين: ادعى زيد على عمرو في شقص بيع، ظنه مرهونا في المدة وأوجبنا عليه اليمين: بأنه يحسبه في المدة السابقة رهنا في يد المشتري، وأنه من حين علم أنه شراء شفع عليه، فإذا حلف فله الشفعة في الشقص المبيع، بقدر نصيبه السابق، وباقيه لعمرو بقدر نصيبه السابق، فيصير السهم المبيع بينهم، على قدر ملكهم السابق، هذا إذا كان ثمنه معلوما، فإن لم يعلم قدر ثمنه فلا يثبت فيه شفعة. سئل الشيخ: إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ﵏: عن تأني الشفيع في دفع الثمن؟

стр. 2593

فأجاب: وأما أناة الشفيع في دفع الثمن إلى المشتري، إذا لم يطلبه المشترى، فلا تبطل به الشفعة. وسئل: عن الشفعة في منازل النخل خاصة؟ فأجاب: وأما النخل الذي اشترى بجميع حقوقه وتوابعه، فالمتعارف بين أهل الوقت: أن منازل النخل من آكد التوابع; فأما الشفعة فيها: فإن كان الشافع لا شركة له في المبيع إلا فيما شفع فيه، فله الشفعة ويعطى ثمنه، وإن كان شريكا في غيرها، وإنما شفع فيها فقط، فلا شفعة، لما في ذلك من تفريق الصفقة، والضرر على المشتري. سئل الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق رحمهما الله: عمن ارتحل من بلده إلى بلد الزبير، وأقام فيه مدة عشرين سنة وتزوج فيه عند القبوريين، ويصلى وراءهم، وفي أثناء المدة مات مورثه، وله ملك وبيع شقص منه، وخرج بعد أربع سنين، فطلب الشفعة في الشقص؟ فأجاب: أما السؤال عن ثبوت الشفعة للشخص الموصوف في الشقص المبيع، فلعل السائل خطر بباله ما قاله جمع من العلماء: أنه لا شفعة لكافر على مسلم، وتلك مسألة أخرى غير المسئول عنها، وقريب مما سأل عنه السائل، الكلام في التوارث بين أهل نجد، وبين من نشأ في تلك البلدان، أو انتقل إليها من أهل نجد، بعد ظهور الدعوة الإسلامية، مثل من انتقل من بلاد الإسلام إلى تلك البلدان،

стр. 2594

ومكث فيها وبقي مع المشركين، وطالت إقامته بينهم يخالطهم، ويصلي معهم، ويأكل ذبائحهم، فلعل السائل خطر بباله شيء من ذلك; فاعلم: أن الذي علمنا من حال أهل هذه الدعوة الإسلامية، وعلمائهم ﵏: أنهم لم يروا قطع التوراث بين أهل نجد، وبين من كان في تلك البلدان ممن وصفنا. وقد حدثني أبي ﵀: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأولاده وأتباعهم ﵏، ما قطعوا التوارث بين أهل نجد، وبين من كان في تلك البلدان; إذا عرف ذلك، فالذي يظهر لي: ثبوت الشفعة لمن كان كما وصفنا، كما نقول في مسألة الميراث، والشخص المسئول عنه، له حكم غيره من الشركاء، إذا بيع الشقص في غيبة الشريك، وفي ثبوت الشفعة للغائب خلاف، والقول الراجح قول الجمهور، وهو ثبوت الشفعة للغائب، إذا طلبها عند علمه بالبيع، والأدلة من السنة تدل على ذلك. ويدل عليه حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: " الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا " ١ مع ما دلت عليه الأحاديث العامة، في ثبوت الشفعة للشريك، قال في الشرح الكبير: إذا لم يعلم بالبيع إلا عند قدومه، فله المطالبة وإن طالت غيبته، لأنه خيار يثبت لإزالة الضرر عن المال، فتراخى الزمان قبل العلم به لا يسقطه، كالرد بالعيب، ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر، في أنه إن طالب على

стр. 2595

الفور استحق، وإلا بطلت شفعته. وأجاب الشيخ: عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف رحمهما الله: إذا ثبت إسلام الآخذ بالشفعة، لزم تمكينه ولو مع كبيرته، ووكيله يقوم مقامه في ماله وعليه. سئل الشيخ: حسن بن حسين بن على: إذا اشترى شقصا في نخل أو أرض بشقص آخر، هل تقع فيه شفعة؟. فأجاب: نعم تقع الشفعة، ويقوم الشقص - الذي هو الثمن - بقيمته يوم التبايع، ويدفعه الشفيع، ولا عذر لهما بالجهل في وقوع الشفعة، وربما قصد الحيلة في إبطال الشفعة بذلك. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا بيع شقص في وقف، والوقف على معين، هل له فيه شفعة؟ فأجاب: المسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم من يقول بثبوت الشفعة فيه، ولا يتبين لي الراجح من أقوال العلماء في ذلك. وسئل الشيخ عبد العزيز بن حسن: عن الشفعة ببيت المال؟ فأجاب: وما ذكرت أن الشيخ ذكر: أن الشركة ببيت المال لا تثبت بها شفعة، فهذا هو الحق لكونه وقفا، والوقف لا يشفع به، انتهى.
следующие страницы →