← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: شريك الأصل أحق من شريك المصالح، ما لم يترك الطلب بها بغير خلافً نصَّ عليه في المغنى والشرح، والإنصاف وغيرها. وأجاب أيضا: وأما الشفعة بالمصالح، كالطريق والسيل ونحوه، فشريك الأصل مقدم عليه، أي: على الشريك في المصالح مطلقا، لأن شريك الأصل في الشفعة مما لا نزاع فيه بين العلماء فيما أعلم. وأما مسألة: زيادة المشتري في الثمن، لعلمه أنّ الشريك يشفع، فلا بأس بذلك؟ إذا كان راغبا في الشراء، ولا يكون هذا إضرارا، إن شاء أخذ وإن شاء ترك، لكن يشترط أن يكون الأخذ فورا، فإن تراخى عن الأخذ بطلت شفعته، انتهى. وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل الشفعة على الفور؟ فأجاب: هي على الفور، إذا لم يطالب بها من حين يخبر بالبيع، فليس له شفعة. وسئل الشيخ: عبد الله بن حمد الحجازي: عمن أخبر بالشراء فلم يشفع، وشهد عليه عدل ثم طلب الشفعة وجحد علمه السابق بها؟ فأجاب: خبر العدل الثقة يقبل، لكن إن كان المخبر

стр. 2592

منبها بطلب الشفعة في الحال، وسعى إلى المشتري ليدفع إليه ثمنه، إن أمكنه ذلك ثبتت الشفعة، وإن كان غائبا أو مريضا أو غير ذلك من الأعذار، وأمكنه الإشهاد على الطلب فلم يشهد، بطلت. سئل الشيخ عبد الله بن حسن: عن شريك بيع نصيبه مع شركائه بغير رضاه إذا طلب الشفعة في نصيب الباقين من الشركاء، هل له شفعة؟ فأجاب: الذي بيع نصيبه بغير رضاه، إن كان قد تقدم منه طلب بالشفعة وقت البيع، فلم يجب لوجود معارض فله الشفعة، وأما إذا لم يطلب، أو طلب ولا معارض، فأعرض عنه رغبة، سقطت شفعته، انتهى. قال الشيخ عبد الله أبا بطين: ادعى زيد على عمرو في شقص بيع، ظنه مرهونا في المدة وأوجبنا عليه اليمين: بأنه يحسبه في المدة السابقة رهنا في يد المشتري، وأنه من حين علم أنه شراء شفع عليه، فإذا حلف فله الشفعة في الشقص المبيع، بقدر نصيبه السابق، وباقيه لعمرو بقدر نصيبه السابق، فيصير السهم المبيع بينهم، على قدر ملكهم السابق، هذا إذا كان ثمنه معلوما، فإن لم يعلم قدر ثمنه فلا يثبت فيه شفعة. سئل الشيخ: إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ﵏: عن تأني الشفيع في دفع الثمن؟

стр. 2593

فأجاب: وأما أناة الشفيع في دفع الثمن إلى المشتري، إذا لم يطلبه المشترى، فلا تبطل به الشفعة. وسئل: عن الشفعة في منازل النخل خاصة؟ فأجاب: وأما النخل الذي اشترى بجميع حقوقه وتوابعه، فالمتعارف بين أهل الوقت: أن منازل النخل من آكد التوابع; فأما الشفعة فيها: فإن كان الشافع لا شركة له في المبيع إلا فيما شفع فيه، فله الشفعة ويعطى ثمنه، وإن كان شريكا في غيرها، وإنما شفع فيها فقط، فلا شفعة، لما في ذلك من تفريق الصفقة، والضرر على المشتري. سئل الشيخ: سعد بن حمد بن عتيق رحمهما الله: عمن ارتحل من بلده إلى بلد الزبير، وأقام فيه مدة عشرين سنة وتزوج فيه عند القبوريين، ويصلى وراءهم، وفي أثناء المدة مات مورثه، وله ملك وبيع شقص منه، وخرج بعد أربع سنين، فطلب الشفعة في الشقص؟ فأجاب: أما السؤال عن ثبوت الشفعة للشخص الموصوف في الشقص المبيع، فلعل السائل خطر بباله ما قاله جمع من العلماء: أنه لا شفعة لكافر على مسلم، وتلك مسألة أخرى غير المسئول عنها، وقريب مما سأل عنه السائل، الكلام في التوارث بين أهل نجد، وبين من نشأ في تلك البلدان، أو انتقل إليها من أهل نجد، بعد ظهور الدعوة الإسلامية، مثل من انتقل من بلاد الإسلام إلى تلك البلدان،

стр. 2594

ومكث فيها وبقي مع المشركين، وطالت إقامته بينهم يخالطهم، ويصلي معهم، ويأكل ذبائحهم، فلعل السائل خطر بباله شيء من ذلك; فاعلم: أن الذي علمنا من حال أهل هذه الدعوة الإسلامية، وعلمائهم ﵏: أنهم لم يروا قطع التوراث بين أهل نجد، وبين من كان في تلك البلدان ممن وصفنا. وقد حدثني أبي ﵀: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وأولاده وأتباعهم ﵏، ما قطعوا التوارث بين أهل نجد، وبين من كان في تلك البلدان; إذا عرف ذلك، فالذي يظهر لي: ثبوت الشفعة لمن كان كما وصفنا، كما نقول في مسألة الميراث، والشخص المسئول عنه، له حكم غيره من الشركاء، إذا بيع الشقص في غيبة الشريك، وفي ثبوت الشفعة للغائب خلاف، والقول الراجح قول الجمهور، وهو ثبوت الشفعة للغائب، إذا طلبها عند علمه بالبيع، والأدلة من السنة تدل على ذلك. ويدل عليه حديث جابر: أن النبي ﷺ قال: " الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا " ١ مع ما دلت عليه الأحاديث العامة، في ثبوت الشفعة للشريك، قال في الشرح الكبير: إذا لم يعلم بالبيع إلا عند قدومه، فله المطالبة وإن طالت غيبته، لأنه خيار يثبت لإزالة الضرر عن المال، فتراخى الزمان قبل العلم به لا يسقطه، كالرد بالعيب، ومتى علم فحكمه في المطالبة حكم الحاضر، في أنه إن طالب على

стр. 2595

الفور استحق، وإلا بطلت شفعته. وأجاب الشيخ: عبد الله بن الشيخ عبد اللطيف رحمهما الله: إذا ثبت إسلام الآخذ بالشفعة، لزم تمكينه ولو مع كبيرته، ووكيله يقوم مقامه في ماله وعليه. سئل الشيخ: حسن بن حسين بن على: إذا اشترى شقصا في نخل أو أرض بشقص آخر، هل تقع فيه شفعة؟. فأجاب: نعم تقع الشفعة، ويقوم الشقص - الذي هو الثمن - بقيمته يوم التبايع، ويدفعه الشفيع، ولا عذر لهما بالجهل في وقوع الشفعة، وربما قصد الحيلة في إبطال الشفعة بذلك. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا بيع شقص في وقف، والوقف على معين، هل له فيه شفعة؟ فأجاب: المسألة فيها خلاف بين العلماء، منهم من يقول بثبوت الشفعة فيه، ولا يتبين لي الراجح من أقوال العلماء في ذلك. وسئل الشيخ عبد العزيز بن حسن: عن الشفعة ببيت المال؟ فأجاب: وما ذكرت أن الشيخ ذكر: أن الشركة ببيت المال لا تثبت بها شفعة، فهذا هو الحق لكونه وقفا، والوقف لا يشفع به، انتهى.

стр. 2596

قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: ما حكم به الشيخ عبد العزيز، بأن بيت المال لا يشفع به من هو في يده، ولا المتولى عليه، هو القول الصحيح. وسئل الشيخ: عبد الله بن حمد الحجازي: عن الشفعة في المبيع، إذا وقفه المشتري؟ فأجاب: الذي ترجح عندي، أن المشتري إذا وقف وقفا صحيحا، أنه لا شفعة فيه، هذا نص الإمام أحمد، وما سواه ففيه الشفعة. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: ما الحال التي يستحق اليتيم والغائب الشفعة فيها، والمشتري قد طال عهده، وأحدث بناء أو غرسا؟ فأجاب: الشافع مخير بين أخذ البناء والغراس بالقيمة، مع ثمن الشقص أو الترك، وهذا الذي يترجح عندنا; ومتأخروا الحنابلة يقولون: إنه مخير بين أخذه بالقيمة، أو تركه في الأرض بأجرة، إلا إن أراد المشتري قلع الغراس أو البناء فله ذلك، لكن يلزمه تسوية حفر الأرض، ونقصها إن نقصت. وسئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ محمد: عن قوله في الإقناع في الشفعة: وإن نما عنده نماء متصلا، كشجر كبر وطلع لم يؤبر تبعه في عقد وفسخ، هل للشفيع أخذ النماء المتصل، إذا كان سببه مال المشتري ... إلخ؟

стр. 2597

فأجاب: المجزوم به عند جمهور الحنابلة: أن النماء المتصل كالشجر يكبر وطلع لم يؤبر، يتبع في الأخذ بالشفعة والرد بالعيب، فيكون ملكا للشفيع، قال في الإنصاف: وقاله الأصحاب، منهم القاضي في المجرد، وابن عقيل في الفصول، والمصنف في المغني، والكافي والشرح وغيرهم، انتهى، وفي شرح الإقناع كالرد بالعيب، فيأخذه الشفيع بزيادته، لا يقال: فلم لا يكون حكم الزوج إذا طلق قبل الدخول؟ لأن الزوج يقدر على الرجوع بالقيمة، إذا فاته الرجوع في العين، وهذا يسقط حقه منها إذا لم يرجع في الشقص، فافترقا، انتهى. فهذا كلام فقهاء الحنابلة، ولم يحك في الإنصاف خلافا في المذهب، لكن إذا قاسوه على الرد بالعيب، فأبو العباس ابن تيمية اختار هناك: أن النماء المتصل كالمنفصل، يكون للمشتري لا للبائع، وقال: نص عليه أحمد في رواية ابن منصور، قال في الإنصاف: فعلى هذا يقوم على البائع، انتهى; أي: في الرد بالعيب، ولا يبعد قياس مسألتنا عليه، مع أني أتوقف عن الإفتاء في هذه المسألة، والله أعلم. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: إذا لم يشفع ولي اليتيم ليتيمه ... إلخ؟ فأجاب: إن ترك الولي الشفعة لمصلحة ظاهرة، فلا شفعة بعد البلوغ، وإن تركها تفريطا منه، فالشفعة باقية بحالها لليتيم إذا بلغ.

стр. 2598

وسئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: هل يلزم الشفيع الأخذ بالثمن الساقط من ذمة البائع؟ فأجاب: الذي يظهر لي إما أن يأخذه بثمنه الذي اشتراه به، ساقطا من ذمة البائع، وإما أن يترك. سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: عن رجل باع سهما له بسبعة وعشرين في الباطن، وأشهد بأنه باثنين وعشرين؟ فأجاب: إن ثبت بالبينة أنه سبعة وعشرون، ثبت بها الثمن، وإن لم يكن له بينة، فليس له إلا ما شهدت عليه البينة، فإذا صار البائع مقرا أنه سبعة وعشرون، ولا يتهم أن له شيئا من الملاحظ، ثبت أن الثمن سبعة وعشرون، فإن اتهمه الشفيع أحلفه أن هذا هو الثمن، والشفيع بالخيار بعد ذلك، وإذا كان في المبيع سبيل، أو عيب وشرطه البائع على المشتري، وأقر به البائع، لزم الشفيع، ولا يسمع إنكاره. وأجاب الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن ﵀: البيع إذا شرط فيه شرط يفسده فسد، ولو بعد قيام الشفيع على الشفعه، ولو لم يشهد الشهود إلا بعد قيام الشريك عليها، ولو كانوا شهود البيع، ولم تذكر شهادتهم في وثيقة البيع، إذا كانوا عدولا غير متهمين. وأجاب أيضا: الحكم بصحة البيع لا يمنع الشفعة، لأن ثبوت الشفعة يتوقف عليه توقف المسبب على سببه، فلو حصل رجوع عن تصحيح بيع الشقص، انتفت الشفعة.

стр. 2599

باب الوديعة سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: المشرك إذا أودع المسلم، أو: أودعه المسلم ... إلخ؟ فأجاب: يصح الإيداع والتوديع والرهن وشبهه، وعليه الحذر من المداهنة والمجالسة التي يرى، أو يسمع فيها المنكر. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله تعالى: إذا أودع إنسان وديعة، هل له التصرف فيها بسلف أو غيره؟ وكذا إذا ارتحل من محله، أو مات مودعه؟ فأجاب: أما الاقتراض من الوديعة، فلا يجوز إلا أن يعلم رضا صاحب المال، فإن شك في رضاه لم يجز، وإن لم يكن على المال خطر، وإذا دفعت إليه الوديعة في غير بلده، وأمره صاحبها أن يذهب بها إلى بلده، وعلم من صاحب المال: أنه يرضى باقتراضه منها، واقترض منها، فلما قدم بلده ردها على هيئتها، فهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى، لكن من اقترضها فهي ثابتة في ذمته، حتى يأخذها صاحبها، فلو عزلها وتلفت ضمنها.

стр. 2600

وأجاب بعضهم: وأما الاقتراض من الوديعة، فإن علم المودع علما يطمئن إليه قلبه: أن صاحب المال يرضى بذلك، فلا بأس بذلك، وهذا إنما يعرف من رجل اختبرته خبرة تامة، وعلمت منْزلتك عنده، كما نقل ذلك عن غير واحد، وكما كان النبي ﷺ يفعل في بيوت بعض أصحابه، وكما بايع عن عثمان وهو غائب، ومتى وقع في ذلك شك، لم يجز الاقتراض، والله أعلم. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: إذا كان عند رجل دين أو وديعة، فادعى رجل أنه وارثه.... إلخ؟ فأجاب: إذا كان عند رجل دين أو وديعة، فادعى رجل أنه وارث صاحبها ولا وارث له غيره، لزم الدفع، وفيها قول ثان، والأول أظهر. وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ﵏: عن دعوى المودع انتقال الوديعة إليه بالبيع؟ فأجاب: هذا مما لا يقبل قوله فيه، بل حكمه حكم سائر المودعين، وكلام الفقهاء صريح في أنه لا يقبل قوله مطلقا، بل في مسائل مخصوصة، بعضهم اكتفى بعدها عن حدها، وما عداها فهو باق على أصله، وقد أشار بعضهم إلى ذلك، في الكلام على قبول قول الأمين في المضاربة، وغيرها من مسائل هذا الباب، وعموم قولهم في باب الدعاوى والبينات داخل فيه، ما لم ينص على استثنائه; وإن وقفت

стр. 2601

على كلام خاص في هذه المسألة، رفعته إليك إن شاء الله؟ وذكر ابن رجب في شرح الأربعين في شرح حديث " لو أعطى الناس بدعواهم " ١ شيئا من تعريف المدعى، فراجعه إن شئت.

стр. 2602

باب إحياء الموات سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ، وحمد بن ناصر: هل إجراء الماء على الأرض يكون إحياء؟ فأجابا: قال في الإنصاف، وإحياء الأرض أن يحوزها بحائط، أو يجري لها ماء، أو يحفر فيها بئرا، هذا هو الصحيح من المذهب نص عليه، وقطع به الخرقي وابن عبدوس، والقاضي والشريف، وصاحب الهداية والخلاصة والوجيز وغيرهم; وقيل: إحياء الأرض ما عد إحياء، وهو عمارتها بما تتهيأ به لما يراد بها، من زرع أو بناء أو إجراء ماء، وهو رواية عن أحمد، اختارها القاضي وابن عقيل والشيرازي، وابن الزاغوني، والموفق في العمدة وغيرهم; وعلى هذا قالوا: يختلف باختلاف غرض المحيي، من مسكن وحظيرة وغيرهما، فإن كان مسكنا اعتبر بناء حائط بما هو معتاد، وقيل: ما يتكرر كل عام، كالسقي والحرث فليس بإحياء، وما لا يتكرر فهو إحياء، قاله في المغني; ولم يورد في المغنى خلافه. وقوله: إحياء الأرض أن يجري لها ماء، يعني: أن

стр. 2603

إحياء الأرض أن يجري لها ماء، إن كانت لا تزرع إلا بالماء، ويحصل أيضا بالغراس، قال في الفروع: ويملكه بغرس وإجراء ماء، نص عليه. وسئل الشيخ عبد الله بن الشيخ هل مرافق الأملاك، كالأفنية والطرق ومسيل الماء مملوكة، ويثبت فيه حق الاختصاص؟ فأجاب: المسألة فيها وجهان; والأظهر منهما: ثبوت الاختصاص. قال الشيخ: عبد العزيز بن حسن بن يحيى، ذكر لعبد العزيز أبو وحيمد، وإدريس بن حسين: أن من أراد أن يبث في الأرض الموات، خارج جدار نخل "الودي" بغرس أو غيره، فلا يمنع، لكن يمنع من إحداث قليب غير آبار النخيل الموجودة الآن، ويمنع من إحداث ضرر على "الوضائم" بتضييق عليها، أو سد منفس لها معروف، فمن أحدث من ذلك شيئا أزيل، لسبق الاستحقاق، وإن رأى أهل الخبرة والإنصاف من أهل عشيرة: أن الجزوى في سنين المحل أصلح لحال الملك، لزمتهم لتوفير الماء عليهم، والله أعلم. وسئل الشيخ سليمان بن عبد الله رحمهما الله: إذا كان أرض موات لم يعرف أنه جرى عليها إحياء، لكن هنا من يدعيها ويعرف أنها ملك فلان أو جماعة، وربما يقاتلون من أراد أن يحييها في الجاهلية، وربّما أن دعواهم أنها تحاذي

стр. 2604

بلدهم العامرة، ولو مسيرة ميل؟ فأجاب: الذي تصور لنا في هذه المسألة، أن الأرض المذكورة لم يعرف أنه أجرى عليها إحياء أصلا، ولا هنا إلا مجرد دعوى هذا الشخص، أن آباءه تسموا عليها، وادعوا أنها ملكهم من غير إحياء، فإن كان الأمر كذلك، فاعلم: أن هذه الأرض باقية على حكم الموات، فمن أحياها - والحالة هذه - ملكها بإجماع العلماء، القائلين بملك الأرض الموات بالإحياء، قال في الشرح الكبير: ما لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء، بغير خلاف بين القائلين بالإحياء، لأن الأخبار المروية متناولة له، كحديث جابر مرفوعا " من أحيا أرضا ميتة فهي له " ١ رواه أحمد والترمذي وصححه، وعن سعيد بن زيد مرفوعا مثله، رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، وعن عائشة مثله، رواه مالك وأبو داود; قال ابن عبد البر: هو متلقى بالقبول عند فقهاء المدينة وغيرهم، إلى غير ذلك من الأحاديث، وقال في المبدع: الموات إذا لم يجر عليه ملك أحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، فإنه يملك بالإحياء، انتهى. ونقل أبو الصقر عن أحمد، في أرض بين قريتين، ليس فيها مزارع ولا عيون وأنهار، تزعم كل قرية أنها لهم ; فإنها ليست لهؤلاء، ولا لهؤلاء، حتى يعلم أنهم أحيوها; فمن أحياها فهي له، فعرفت: أن مجرد دعوى أنها ملك لهم، من غير إحياء، لا تصير به الأرض ملكا لهم، بل هي باقية على

стр. 2605

الأصل، وهذا مما لا يمتري فيه أحد; وقد ذكر كثير من الأصحاب، ما ذكر الشارح، وصاحب المبدع. وأما قولك: وأشكل علينا هذا، مع قول الفقهاء: من تحجر مواتا فهو أحق به; فكأنك ظننت أن التحجر هو مجرد التسمي عليه بالملك ودعواه، فاعلم: أن الأمر ليس كذلك، قال في الإقناع: ومن تحجر مواتا، بأن حفر بئرا ولم يصل إلى مائها أو أدار حول الأرض ترابا، أو حجرا أو جدارا صغيرا، لم يملكه بذلك، وهو أحق به، انتهى باختصار. وقال في الشرح الكبير: تحجر الموات: الشروع في إحيائه، مثل أن يدير حول الأرض ترابا، أو أحجارا، أو يحيطها بجدار صغير، فلا يملكها بذلك، لأن الملك بالإحياء، وليس هذا إحياء، لكن يصير أحق الناس به، لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " رواه أبو داود وغيره فعرفت: أن مجرد دعوى أنها ملكهم من غير إحياء لا يملكونها به، وأن دعواهم أنها ملكهم ليس من التحجر، وأن التحجر هو الشروع في الإحياء على ما وصفنا، فبطلت دعواهم، وبقيت سالمة من الاختصاص وملك معصوم، فتملك بالإحياء. وقولك: إن الفقهاء قالوا إن أحياه غيره ملكه; ليس كذلك على الإطلاق، قال في الإقناع: فإن لم يتم إحياءه وطالت المدة عرفا كثلاث سنين، قيل له: إما أن تحييه، وإما

стр. 2606

أن تتركه إن حصل متشوف للإحياء، فإن طلب المهلة لعذر أمهل شهرين أو ثلاثة، أو أقل على ما يراه الحاكم، وإن لم يكن له عذر فلا يمهل، وإن أحياه غيره في مدة المهلة، أو قبلها لم يملكه، وبعدها ملكه. وقولك: قال في شرح الزاد، باب إحياء الموات، وهي الأرض المنفكة عن الاختصاصات، وملك معصوم، بخلاف الطرق والأفنية، ومسيل المياه، والمحتطبات ونحوها، وما جرى عليها ملك معصوم، شراء أو عطية أو غيرهما، فلا يملك شيء من ذلك بالإحياء، فظاهر هذا أنها لا تملك بالإحياء، ولو كانت مواتا إذا كان هنا من يدعي الملك، فكلامك هذا الذي زعمت: أنه ظاهر كلامه في شرح الزاد، غير صحيح، فليس في كلامه ما يدل على ذلك، لا بنص ولا ظاهر ولا مفهوم. وإنما الذي في كلامه: أنه إذا كان لها مالك معصوم لا تملك بالإحياء، وهذه الأرض المسئول عن حكمها في هذه المسألة، لم يثبت لمدعي الملك فيها ملك أصلا، بل قد أقر بأنه لم يحيها، والأرض الموات لا تملك إلا بالإحياء، ولم يوجد; فكلام صاحب شرح الزاد فيما إذا ثبت الملك، وهذه الأرض لم يثبت ملكها بعد، وقد عرفت أن مجرد الدعوى ليس بشيء، وهكذا يقال فيما نقلت من كلام العلماء ابن عبد البر وغيره، فالشأن في ثبوت الملك.

стр. 2607

وأما قولك: وأكثر الأرض سواء قربت من العمران أو بعدت، لا تخلو ممن يدعي ملكه، حتى إنهم في الجاهلية يمنعون من رعي الأرض إلا بثمن، فقد ذكر الفقهاء أن الأرض لا تملك إلا بالإحياء، وذكروا ما يثبت به الإحياء، واختلفوا هل تملك بالتحجر أم لا؟ فذهب طائفة إلى أنها لا تملك بذلك، وهو المذهب المشهور عن أحمد، وهو قول الجمهور; وعن أحمد رواية أنها تملك بالتحجر، ذكرها الحارثي واختارها، وذكر من صور التحجر كما نقلناه، وليس الدعوى بأنها ملك لهم مع إقرارهم بأنهم لم يحيوها من الإحياء، ولا من التحجر، فتبقى الأرض على الإباحة. وسئل: عن إطلاقهم ما قرب من العامر؟ فأجاب: ظاهر كلامهم لا فرق في ذلك بين الزرع ونحوه، ولا بين الدور، والمعنى يقتضي ذلك; والأصل: أن ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يملك، وحديث: " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " فمفهومه: أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء، لأنه تابع للمملوك; فإذا عرفت ذلك، فمتى وجد هذا المعنى في الزرع، وتعلق ما قرب منه بمصالحه، لم يملك لما ذكرنا. قال في الشرح: كل ما تعلق بمصالح العامر من طرقه ومسيل الماء، ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته، لا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب، وكذلك ما تعلق بمصالح

стр. 2608

القرية كفنائها، ومرعى ماشيتها ومحتطبها، وطرقها ومسيل مائها، لا يملك بالإحياء، لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم، وكذلك حريم البئر والنهر والعين، وكل مملوك لا يجوز إحياء كل ما تعلق بمصالحه، لقوله ﵇: " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم " وقال في الإقناع: ولا يملك بإحياء ما قرب من عامر وتعلق بمصالحه، كطرقه وفنائه ومجمع ناديه ومسيل مائه، ومطرح قمامته وملقى ترابه وآلاته، ومرعاه ومحتطبه، وحريم البئر والنهر والعين، ومرتاض الخيل، ومدفن الأموات، ومناخ الإبل، والمنازل المعتادة للمسافرين حول المياه، والبقاع المرصدة لصلاة العيدين والاستسقاء، والجنائز ودفن الموتى ونحوهم، فكل مملوك لا يجوز إحياء ما تعلق بمصالحه، قال في شرحه: لمفهوم قوله ﵇: " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " ولأن ذلك من مصالح الملك فأعطى حكمه، فعرفت أنه لا فرق في ذلك، بين البيوت والقرى والزرع والشجر وغيرها، إذا وجد ما ذكرنا فيها وتعلق بمصالحها. وظهر من كلام صاحب الشرح الكبير: أن إطلاقكم ما قرب من العامر لا يملك بإحياء على إحدى الروايتين خطأ، إما من الأصل المنقول منه أو من غيره، لأن ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه لا يملك بالإحياء بغير خلاف، وإنما الخلاف في المذهب فيما قرب من العامر ولم يتعلق بمصالحه، هل

стр. 2609

يملك بالإحياء أم لا، على روايتين عن أحمد، إحداهما يملك بالإحياء وهي المذهب، وبه قال الشافعي، والثانية: لا يملك بالإحياء، وبه قال الليث وأبو حنيفة، وفي هذا القدر كفاية. وسئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ، عن أرض موات تبايعها أناس في الجاهلية، أو في الإسلام كانت قرب بلاد عامرة مسير ثلث فرسخ، صارت محتجرا لأهل العامرة، على عادة مشوا عليها، هل إذا أحياها إنسان يملكهما، ولو ادعى مدع أنها بشراء، لكنها موات كما ذكرنا؟ فأجاب: قال في الشرح الكبير: الموات قسمان; أحدها: ما لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، فهذا يملك بالإحياء بغير خلاف. القسم الثاني: ما جرى عليه ملك، وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما له مالك معين، وهو ضربان: أحدهما: ما ملك بشراء أو عطية، فهذا لا يملك بالإحياء بغير خلاف، قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع، أن لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه؟ الثاني: ما ملك بالإحياء ثم ترك حتى عاد مواتا، فهو كالذي قبله سواء. الثاني: ما يوجد عليه آثار ملك قديم جاهلي، كآثار الروم ومساكن ثمود ونحوهم، فهذا يملك بالإحياء في أظهر الروايتين; والثانية: لا يملك، لأنها آثار لمسلم أو ذمي أو

стр. 2610

بيت المال، أشبه ما لو تعين مالكه، قال شيخنا، ويحتمل: أن كل ما فيه أثر الملك، ولم يعلم زواله قبل الإسلام، أنه لا يملك. النوع الثالث: ما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معين، فظاهر كلام الخرقي: أنه لا يملك، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، لما روى كثير بن عبد الله بن عوف عن أبيه عن جده، قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من أحيا أرضا مواتا في غير حق مسلم فهي له " فقيده في غير حق مسلم، ولأن هذه الأرض لها مالك، فلم يجز إحياؤها كما لو كان معينا، فإن كان له ورثة فهي لهم، وإن لم يكن له ورثة ورثه المسلمون. والثانية: أنها تملك بالإحياء، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، لعموم الأخبار، وكل ما قرب من العامر وتعلق بمصالحه، من طرقه ومسيل مائه، ومطرح قمامته، وملقى ترابه، لا يجوز إحياؤه بغير خلاف في المذهب، وكذلك ما تعلق بمصالح القرية، كفنائها ومرعى ماشيتها، ومحتطبها ومسيل مائها، لا يملك بالإحياء، لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم، وكل مملوك لا يجوز إحياؤه وما تعلق بمصالحه، لقوله ﷺ " من أحيا أرضا ميتة في غير حق مسلم فهي له " فمفهومه: أن ما تعلق به حق مسلم لا يملك بالإحياء، انتهى، من الشرح الكبير ملخصا.

стр. 2611

وقال في الإقناع: وهي - أي الموات - الأرض المنفكة عن الاختصاصات وملك معصوم، فإن كان الموات لم يجر عليه ملك لأحد، ولم يوجد فيه أثر عمارة، ملك بالإحياء، وإن علم ولم يعقب لم يملك، وأقطعه الإمام من شاء، وإن كان قد ملك بالإحياء، ثم ترك حتى دثر وعاد مواتا لم يملك بإحياء، إذا كان لمعصوم; إن علم مالكه المعين غير معصوم، فإن كان بدار حرب واندرس كان كموات أصلي، يملكه مسلم بإحياء، وإن كان فيه أثر ملك غير جاهلي، كالخرب التي ذهبت أنهارها واندرست آثارها، ملك بالإحياء، وكذلك إن كان جاهليا قديما كديار عاد، انتهى. فقد عرفت: أن هذا المحيي الثاني الأرض المذكورة، لا يملكها بإحيائه لها، إذا ثبت الإحياء الأول بشروطه، وثبت التبايع المذكور ودعوى الشراء، والله أعلم. وأجاب بعضهم: وأما من أراد إحياء الأرض الميتة، فليس لأحد منعه إذا لم يكن قريبا من الأرض العامرة، ولا يجوز لأحد تحجره على المسلمين. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما إذا تحجر إنسان مواتا بما يعد تحجرا، كما ذكروه في باب إحياء الموات، فإنه أحق بها من غيره، وقد بين الفقهاء حكم المسألة في إحياء الموات. وأما إذا تنازعا أرضا ميتة كل منهما يريدها له ولم يسبق

стр. 2612

أحدهما الآخر، فلم أر تصريحا في هذه المسألة من كلامهم، ولعل اقتسامها على السواء والحالة هذه، يشبه ما ذكروه في بعض المسائل. وسئل أيضا: الشيخ عبد الله: عن مستأجر أجرى ماءه إلى موات ... إلخ؟ فأجاب: وأما إذا أجرى مستأجر الأرض، أو المستعير من بئر تلك الأرض الموات، وزرعها به ملكها، لأنه هو المحيي، ومن أحيا الأرض الميتة فهي له، والمستأجر ونحوه يملك الماء بإخراجه من البئر، فهو ملك له لا لصاحب الأرض. سئل الشيخ: حسن بن حسين بن علي: عن "الثمد" إذا عمره من يصيد عليه إلخ؟ فأجاب: الثمد إذا عمره إنسان ليصيد عليه فله بيعه، لأنه من باب إحياء الموات. سئل الشيخ: عبد الله بن صالح الخليفي، فيما يتعاطاه أهل الوقت، من الأعراب وأشباههم، من حماية الأغوار، وأوكار الطيور التي في رؤوس شواهق الجبال، وادعائهم ملكيتها بمجرد الدعوى، أو وضع صورة وسم على صخرة من تلك الصخور، أو علامة من العلامات، واعتقادهم: أن ذلك يثبت ملكيتها ملكا تاما يتوارثونه، ويطالبون به، هل يثبت الملك بذلك، أو تثبت الأحقية؟ وإذا ثبت أحد الأمرين، ثم

стр. 2613

حصل فيها شيء من فراخ الطيور، هل تتبعها في وصفها، بحيث لو أخذه غير مدعي الوكر نزع من يده؟ أو يكون ملكا له، ولا ينْزع من يده، لأنه من جهة المباح المشترك بين الناس؟ أفتونا مأجورين. فأجاب: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده. أما بعد: فإن الله ، قد جعل عباده شركاء في المباحات، من الماء، والكلأ، والنار، والصيد، والمعادن، وغير ذلك مما أباح لهم، وأذن لهم في اكتسابه، ونص رسول الله ﷺ على ذلك في غير ما حديث، ولم يجعله لأحد دون أحد، ولم يملكه أحد إلا بالحيازة التامة، التي ذكرها الفقهاء في كتبهم. وأما ما وقع عنه السؤال: من ملكية الأغوار، والأوكار، وغيرها من موات الأرض، فإن العلماء قد عرفوا ذلك، ووضحوه أتم إيضاح، في باب إحياء الموات، وهذه الأوكار لم يكن عليها مما ذكروا، ولا قريبا منه، من جميع ما يثبت به الملك، بل ولا من جميع ما تثبت به الأحقية، فإنهم قالوا: فإن تحجر مواتا، بأن أدار حوله أحجارا، أو ترابا، أو شوكا، أو حائطا غير منيع، أو حفر بئرا لم يصل ماءها، أو حرث الأرض، أو خندق حولها، لم يملكه بذلك، ولكنه أحق به من غيره، ووارثه من بعده، فهذه الأوكار خالية من سبب

стр. 2614

الملك، وسبب الأحقية; فهده حال الأغوار، والأوكار; وأما ما يحصل فيها من الطيور والفراخ، فهذه مسألة قد كشف العلماء قناعها، وأبرزوا لعين البصيرة شعاعها، فقد ذكروا في أول البيوع، وفي كتاب الصيد، ما لعله يشفي ويكفي. قال في المنتهى، في كتاب الصيد: ومن حصل أو عشش بملكه صيد أو طائر، لم يملكه بذلك، ولغيره أخذه; وعبارته في أول البيوع كعبارة المقنع والإقناع، في الموضعين معناها معنى عبارة المنتهى، لكن مقتضى عبارتهم كغيرهم: أنه يحرم على الغير دخول ملكه بغير إذنه، فإن خالف ودخل بغير إذنه حرم، وملك ما أخذه، من الطيور والكلأ، والمعدن الجاري، ولم ينتزع من يده. قال ابن القيم ﵀: في كتابه "زاد المعاد" لما ذكر كلاما طويلا في مسألة اشتراك الناس في المباح، وعلى هذا: فإذا دخل غيره بغير إذنه، فأخذ منه شيئا من الكلأ ونحوه، ملكه، لأنه مباح في الأصل، فأشبه ما لو عشش في أرضه طائر، أو حصل فيه ظبي، أو نضب ماؤها عن سمك، فدخل إليه فأخذه. فإن قيل: فهل له منعه من دخول ملكه؟ وهل يجوز له دخوله في ملكه بغير إذنه؟ قيل: قد قال بعض أصحابنا، لا يجوز له دخول ملكه لأخذ ذلك، بغير إذنه، وهذا لا أصل له في كلام الشارع،

стр. 2615

ولا في كلام الإمام أحمد ﵀، بل قد نص أحمد ﵀: على جواز الرعي في أرض غير مباحة، مع أن الأرض ليست ملكا له، ولا مستأجرة - إلى أن قال: - والصواب أنه يجوز له دخولها، لأخذ ما له أخذه، وساق كلاما في هذا المبحث - إلى أن قال في آخره - فدل ذلك على جواز الدخول، إلى بيت غيره وأرضه، غير المسكونة، لأخذ حقه من الماء والكلأ، فهذا ظاهر القرآن، وهو مقتضى نص أحمد ﵀، وبالله التوفيق، انتهى. وذكر في الفصل قبله كلاما، يدل على ما دل عليه كلامه في هذا الفصل، وذكر في أثناء كلامه هذا كما ترى: أن له دخول البيوت والأرض المملوكة، غير المسكونة، بلا إذن أصحابها، لأخذ المباح منها. فإذا كان هذا حال الأرض المملوكة، ملكا تاما، وحكم العلماء ونصوص الفقهاء فيها، وفيما يحصل فيها من المباحات، فكيف بحال شواهق الجبال ورؤوس الهضبات، التي لا ملك عليها، ولا أثر إحياء، ولا سبب استحقاق، إلا أنه يوجد عليها خط أو خطان، أو صخرة منصوبة، أو أن الأمير الفلاني من الأعراب، قال: هذا ملكي، أو ملك آل فلان، فما تجدي هذه الأشياء من تأثير الملك، واستحقاق نزع المباح، من يد من أخذه، وملكه بالحيازة، وقد أذن له الشارع في أخذه، وبماذا يستحقه مدعي الملك بلا حقيقة؟ فالذي يعلم من لوامع عبارات العلماء، وسواطع إشارات

стр. 2616

الفقهاء: أن هذه الأغوار والأوكار، حكمها كغيرها من الأرض المباحة، وأن الناس فيها شركاء، لم يستحقها أحد دون أحد، إلا من سبق إليها، وأقام عندها وحفظها، فهو أحق بها إلى أن يفارقها، كحال الأمكنة المباحة للعامة، من المساجد والمجالس والأسواق، ومواضع العبادات، والبيع والشراء، لورود النصوص بذلك، لكن لو استوى في السبق جماعة فهم شركاء. وإن بنى برجا محكما، أو عمل بركة لقصد الصيد، فما حصل فيها فهو له، وإن عملها لغير قصد الصيد فكغيرها، هو أحق بما يحصل فيها، ولغيره أخذه، كما ذكره في الإقناع وغيره، والله المسئول أن يوفقنا للصواب، وأن يلهمنا رشدنا، إنه على ذلك قدير، وبالإجابة جدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم دائما أبدا. وسئل الشيخ حسن بن حسين بن علي عن جماعة شرعوا في إجراء نهر ثم تركوه ثم جاء آخرون فعملوا فيه وتركوه قبل إكماله، ثم جاء آخرون فأكملوا العمل وأجروه؟ فأجاب: إن كان تركه الأول رغبة عنه، فليس له شيء من نفقته; وإن كان تركه عجزا، قله قدر ما بقي يقدر له ذلك من أثر عمله. وأجاب الشيخ: محمد بن عبد اللطيف: أما الأولى،

стр. 2617

والثانية، فلا يملكونه، لأن الملك لا يثبت إلا بإحياء تام، لكن الجماعة الأولى الذين شرعوا في العمل أحق به من غيرهم، إلا أن يكونوا تركوه رغبة عنه، بصريح لفظ أو دلالة عرفية، كسكوتهم وعدم منازعتهم المدة الطويلة، مع رؤيتهم من يعمل فيه; وأما الجماعة الثالثة، وهم الذين أحيوه فهم المستحقون له، إن كانت الأولى لم تنازعهم، فإن كانت قد نازعت، فهي أحق كما تقدم. سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين: عن واد غرس فيه في الزمن السابق ويسقون نخيلهم من السيل، وغرس ناس أعلى منهم، وطلبوا لهم مسيلا من الوادي، وأهل الغرس الأول عليهم ضرر ... إلخ؟ فأجاب: هذه المسألة مذكور حكمها في كتب الفقه، في باب إحياء الموات، قالوا: ولمن في أعلى ماء غير مملوك، كماء الأمطار والأنهار الصغار، أن يسقي ويحبسه إلى كعبه، قالوا: ولو أراد إنسان إحياء أرض فوقهم، فهل لهم منعه؟ على قولين، أصحهما: ليس لهم منعه إن لم يضر بهم، لكن ليس له أن يسقي قبلهم، لسبقهم، ولأنهم ملكوا الأرض بحقوقها قبله، فلا يملك إبطال حقوقهم، وسبقهم إياه بالسقي من حقوقها، ولحديث " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " ولا فرق بين واد كبير، أو صغير، لأنه إذا صار السيل غير جيد، ولو كان الوادي كبيرا أضربهم وسده عنهم، هذا الذي ذكره الفقهاء ومشوا عليه، انتهى.

стр. 2618

وسئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: عن السيل إذا سقى مزارع الرجل الأعلى، وفرغ منه إلى آخره؟ فأجاب: لا يمنع عن زرع الذي يليه ولو لم يكن له قسم، وكذلك العين لا يمنع ما فضل من مائها. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: ومن المعلوم المشتهر عند الفقهاء، أن الأعلى يسقى قبل الأسفل، ويحبس إلى الجدر، ومن خالف في ذلك فلا التفات إليه. وأجاب ابنه الشيخ عبد الله: إن كان ملكه سابقا فله أن يحبس إلى الجدر، وإن لم يكن ملكه سابقا على من تحته، فكل له شركة ويعطى بالقسمة قدر حقه، انتهى. قال عبد العزيز بن عثمان بن عبد الجبار: المسيل الذي هو شركة بين البلدين، يدعى محمد أن السيل قد انتحى عنهم، وأن الشعبة ارتفعت، وأنكر خصماؤه، وأن الضرر عليهم أكثر، فالضرر يزال عمن كان مستضرا بما يمكن إزالته، من أخذ تراب أو غيره، يلزم الأمير يبعث إليه أربعة رجال عدولا، من أهل الأمانة والديانة، من غير أهل البلدتين، أو من له شركة في السيل، فمن رأوا عليه الضرر أزيل عنه. وأجاب إبراهيم بن حسن: أن بطن الوادي يضرب بمدرج مع وجه الأرض، ويقسم بينهم كل على حسب حاله من أراضيهم.

стр. 2619

وقال الشيخ: علي بن حسين بن الشيخ: نظرت في هذا الحكم، فرأيته صحيحا موافقا لأصول الشرع، فإذا طويت السلسلة المذكورة، قسم السيل على قدر الأملاك التي تسيل من هذا الوادي في البلدين. وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: نظرت في خط عبد العزيز بن عثمان، وما أمضاه في السيل المذكور، فرأيته صحيحا موافقا لما تقرر في كتب الأحكام. وقال ابنه الشيخ عبد اللطيف: نظرت فيما ذكر أعلاه، فيجب العمل بمقتضاه. قال الشيخ عبد العزيز بن حسن: زيد ما يمنع من تحويض نخله الذي في الوضيمة، وإن حصل فيها حبط من السيل فنقله على أهل الوضيمة، إلا ما كان في حياض النخل، فنقله على صاحبه. سئل الشيخ: عبد الله بن محمد: عن قوله: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ" ١؟ فأجاب: أما معنى قوله: " لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ " ٢ فقال الخطابي: تأويله أن الرجل إذا حفر بئرا في موات، ملكها بالإحياء، فإذا جاء قوم لينْزلوا في ذلك المكان الموات، ويرعوا نباتها وليس هناك ماء إلا تلك البئر، فلا يجوز له منع أولئك القوم من شرب ذلك الماء، لأنه لو منعهم منه لا يمكنهم رعي ذلك الكلأ، فكأنه منعهم عنه.

стр. 2620

وأجاب أيضا: وأما الفجاج التي يحجرها أهل البلد لا يرعاها الناس، فهذا لا يجوز في الإسلام، وحكم الشرع: أن الناس شركاء في الكلأ والمرعى. وأجاب أيضا: والحجر ما يجوز في الإسلام، إلا رأيا يراه الأمير مصلحة للمسلمين. وأجاب أيضا: أما الحجر، فالحضري لا يحجر على الحضري، الحجر على البدوي، عن كل ما تصله سارحة البلاد، ويصله حشاش، وما وراء هذا لا يحجر. وأجاب الشيخ: عبد الله أبا بطين: وأما نهيه ﷺ عن منع فضل الماء، فهذا إذا كان لرجل بئر، واحتاج الناس لسقي بهائمهم، فلا يحل له أن يمنعهم ما فضل عن حاجته، وهذا إذا كان الماء في قراره، وأما ما يخرج الإنسان من البئر في بركته أو آنيته، فإنه يملكه ويختص به، ويجوز له بيعه; وأما نهيه عن منع الكلأ، فالكلأ والعشب ونحوه النابت في أرضه; وبعض العلماء يقولون: إذا كان في أرض محوطة، فلا يدخلها إلا بإذن صاحبها، وقال الشيخ تقي الدين: إذا ترك زرع أرضه قاصدا كلأها، فإنه يختص به، ويجوز له بيعه. وأجاب بعضهم: وأما الكلأ فإن الناس فيه شركاء، سواء قرب أو بعد. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: والحمى لا أعلم دليلا شرعيا يدل عليه، إلا ما حمى ولي الأمر.

стр. 2621

باب الجعالة سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد ﵀: إذا ذهبت لرجل دابة، وجعل لمن جاء بها شيئا فأخبر، ولم يعمل شيئا؟ فأجاب: جزم الفقهاء بأنه لا يستحق الجعل، فلو التقطها مثلا قبل أن يعلم بالجعالة، لم يستحق الجعل; قال في الشرح الكبير- في باب الجعالة - هي أن يقول: من رد عبدي، أو لقطتي فله كذا، فإذا قال ذلك، فمن فعله بعد أن بلغه، استحقه لما ذكرنا من الآية، وحديث أبي سعيد، يعني قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِير﴾ [سورة يوسف آية: ٧٢] وحديث أبي سعيد، في رقية اللديغ; قال: وإن فعل قبل ذلك لم يستحقه، سواء رده قبل بلوغه الجعل، أو بعده، إذا التقطه لقطة قبل أن يبلغه الجعل، لم يستحق الجعل، لأنه التقطها بغير عوض، وعمل في مال غيره بغير جعل، فلم يستحق شيئا، كما لو التقطها، ولم يجعل فيها ربها شيئا. وفارق الملتقط بعد بلوغه الجعل، فإنه إنما بذل منافعه بعوض جعله، فاستحقه كالأجير إذا عمل بعد العقد، وسواء

стр. 2622

كان التقاطه لها بعد الجعل أو قبله، لما ذكرناه، ولا يستحق أخذ الجعل بردها، لأن الرد واجب عليه من غير عوض، فلم يجز أخذ العوض عن الواجب، كسائر الواجبات، وسواء ردها قبل العلم بالجعل أو بعده، وكذلك ما يأخذه الملتقط، في موضع يجوز له أخذه، عوضا عن الالتقاط المباح، انتهى; وقال في الفروع: فمن فعله بعد علمه استحقه كدين، وإلا حرم، نقل حنبل في اللقطة: إن وجد بعدما يسمع النداء، فلا بأس أن يأخذ منه، وإلا ردها، ولا جعل له، انتهى. فإذا تقرر هذا: فلا يخلو، إما أن يجد الدابة قبل أن يسمع النداء، أو يبلغه مخبر، فهذا صريح كلامهم أنه لا يستحق جعلا وإن ردها، فكيف إذا لم يعمل شيئا، إنما هو مجرد الخبر; أما إن سمع النداء أو الجعالة: أن من رد دابتي أو عبدي أو أخبرني بها فله كذا وكذا، ثم بحث عنها، وسأل عنها في البوادي والبرية وغيرها حتى وجدها، أو رد لصاحبها خبرها، فإنه يستحق الجعالة المذكورة. سئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عمن التقط لقطة وكتمها، ليبذل له جعل؟ فأجاب: هذه لقطة، ويكون آثما بتركه التعريف، وحكمه حكم الغاصب، فلا يستحق شيئا أصلا; والجعالة قد عرفها الفقهاء: بأنها جعل شيء معلوم لمن يعمل له عملا، فمن فعله بعد أن بلغه استحقه، وفي أثنائه استحق حصة

стр. 2623

تمامه، ومن فعله قبل ذلك لم يستحقه، وحرم أخذه، انتهى من التنقيح ملخصا، وبه يتحصل الجواب. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: إذا قال من جاء بها فله كذا، فجاء بها رجل فطلب الجعل المجعول، فقال: لم أعينك، يستحق الجعل; وأما من وجد ضالة من ضوال الإبل، وطلب عليها بعد وجدانها جعلا، فلا يظهر لي أنه يستحق عليها شيئا.

стр. 2624

باب اللّقطة سئل الشيخ سعيد بن حجي: هل يجوز التقاط الإبل؟ وإذا التقطها ثم ردها إلى موضعها ... إلخ؟ فأجاب: نذكر لك شيئا من كلام العلماء، لكي يتبين لك الصواب، قال في المغنى: ولا يتعرض لبعير ولا لما فيه قوة يمنع عن نفسه، قال عمر: "من أخذ ضالة فهو ضال" - أي مخطئ - وبهذا قال الشافعي والأوزاعي وأبو عبيد; وقال مالك والليث - في ضالة الإبل - من وجدها في القرى عرفها، ومن وجدها في الصحراء لا يقربها; وكان الزهري يقول: من وجد بدنة فليعرفها، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها; وقال أبو حنيفة: هي لقطة. ولنا: قوله ﷺ لما سئل عنها - " مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها " ١.

стр. 2625

الحديث متفق عليه; وقيل: " يا رسول الله إنا نصيب هوامي الإبل؟ فقال: ضالة المسلم حرق النار " وروى عن جابر بن عبد الله: أنه أمر بطرد بقرة لحقت بقره، حتى توارت، وقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " لا يؤوي الضالة إلا ضال " ١ رواه أبو داود بمعناه إلى أن قال - فإن أخذ الذي لا يجوز أخذه ضمنه، لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا أذن الشارع له، فهو كالغاصب; فإن رده إلى موضعه لم يبرأ من الضمان، وبهذا قال الشافعي; وقال مالك يبرأ، لأن عمر قال أرسله في الموضع الذي أصبته فيه، وجابر طرد البقرة التي لحقت ببقره. ولنا: أن ما لزمه ضمانه، لا يزول عنه إلا برده إلى صاحبه; وأما حديث جابر: فإنه لم يأخذ البقرة، ولا أخذها راعيها، وإنما لحقت بالبقر فطردها عنها، فمن لم يأخذها لا يلزمه ضمانها، سواء طردها أو لم يطردها، فإن أخذها فلزمه ضمانها، فدفعها إلى الإمام أو نائبه زال عنه الضمان، انتهى. وقال في الإنصاف: الثاني الضوال التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل، فلا يجوز التقاطها بلا نزاع، ومن أخذها ضمنها - يعني إذا تلفت - ويضمن نقصها إذا تعيبت، لكن تلفها لا يخلو، إما أن يكون قد كتمها أم لا، فإن كان ما كتمها وتلفت ضمنها كغاصب، وإن كان كتمها حتى تلفت، ضمنها بقيمتها مرتين على المذهب، نص عليه; وقال أبو بكر: للخبر، وقال في المبدع: ولا يجوز التقاطها - يعني

стр. 2626

الإبل - لقول عمر: "من أخذ الضالة فهو ضال" أي: مخطئ; ومن أخذها ضمنها، لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا أذن الشارع له، فهو كغاصب; فإن ردها إلى موضعها لم يبرأ منه، لكن إذا التقطها وكتمها ضمنها بقيمتها مرتين، نص عليه للخبر، انتهى، فتأمل كلامهم يتبين الحق. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن وجد صقرا ... إلخ فأجاب: وأما الصقر إذا صاده ولم يظهر فيه أثر ملك، ولم يعرف له مالك، جاز الانتفاع به، ومتى ظهر له مالك وجب رده عليه. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: عن تعريف اللقطة ... إلخ؟ فأجاب: واللقطة يعرفها سنة، فإن لقي صاحبها وإلا وضعها في ماله. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: واللقطة يعرف عفاصها ووكاءها، ثم يعرفها حولا، ثم يتملكها بشرط الضمان إن جاء ربها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء. سئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ: عمن كتمها ليبذل له ... إلخ؟ فأجاب: لا يحل له أخذ المال المبذول والحال ما ذكر، لوجوب تعريفها عليه، وإيصالها إلى صاحبها فورا متى جاء، بأمر رسول الله ﷺ ويحرم عليه كتمانها، ولو تلفت في

стр. 2627

هذه الحال ضمنها بقيمتها مرتين، قال أبو بكر في التنبيه: لست أعدل عن خبر النبي ﷺ في الضالة المكتومة: غرامتها، ومثلها معها، وهذا حكم رسول الله ﷺ فلا يرد، انتهى. وصرح الفقهاء: بأن أجرة المنادي عليه، ولكتمانه لها ارتكب محرما، وترك واجبات متعددة، فيجب عليه رد ما أخذه إن لم تطب نفسه ببذله بعد علمه بالحال، وقول مالكها حال الإنشاد: حلال من الله لا تأثير له، وقد صرحوا فيمن رد ضالة، قبل بلوغه بذل مالكها للجعل، أنه يحرم أخذه، وهو من أكل المال بالباطل، مع كونه بعد بذل صاحب الضالة، لكنه لم يسمعه، وهذا في مقابلة عمله، ولم يرتكب فيه عملا محرما، ويمتنع من واجب، فكيف بمن كتم وأثم؟ سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب عن ضالة الكافر؟ فأجاب: والضالة التي توجد حول البلد، وهي من مال الكافر، فهي لمن وجدها، وأما لقطة النثار: فإذا لم تعرف بصفة تعرف بها، لم يجب تعريفها. سئل ابنه الشيخ عبد الله: عمن أخذ ضالة الإبل يريد الحفظ، وهو معروف بالأمانة، ثم تلفت؟ فأجاب: قال في الإنصاف: ويجوز للإمام أو نائبه أخذ ما يمتنع من صغار السباع، وحفظه لربه، ولا يلزمه تعريفه، قاله الأصحاب; ولا يكتفي فيها بالصفة، قاله المصنف وغيره، واقتصر عليه في الفروع; ولا يجوز لغيرهما أخذ شيء

стр. 2628

من ذلك لحفظه لربه، على الصحيح من المذهب، وقال المصنف، ومن تبعه: يجوز أخذها إذا خيف عليها، كما لو كانت في أرض مسبعة، أو قريبا من دار حرب، أو موضع يستحل أهله أموال المسلمين، أو في برية لا ماء فيها ولا مرعى، ولا ضمان على آخذها، لأنه إنقاذ من الهلاك، قال الحارثي قالوا كما قال، وجزم به في تجريد العناية، قلت: ولو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه، لكان له وجه، انتهى. والذي يترجح عندي: أن الرجل إذا عرف بالأمانة، وأنه محسن في حفظها، ولم يتعرض لها بركوب ولا غيره، أنه لا يضمن، كما اختاره هؤلاء الأئمة. وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: إذا وجد الحيوان قريب الموت، ولم يعلم صاحبه هل يذكيه أم لا؟ وهل يغرم أم لا؟ فأجاب: أما تذكيته فمن المعروف، وأما الغرم فإن بينه، أو كان مأمونا غير متهم فلا غرم عليه، وإن كان متهما أو غير مأمون، ولم يصدقه صاحب الدابة، ولم يعف عنه، لزمه الغرم. وسئل: إذا وجد ضالة الغنم غير صاحبها، وباعها على آخر هل تكون عنده الخراج بالضمان، كما في مدة الخيار؟ فأجاب: لا فرق. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء السادس، ويليه الجزء السابع وأوله: "كتاب الوقف"

стр. 2629

المجلد السابع: (من كتاب الوقف إلى نهاية الإقرار) كتاب الوقف ... [كتاب الوقف] قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: ونرى الوقف صحيحاً. وسئل: إذا أراد إنسان أن ينفع نفسه من ماله ... إلخ؟ فأجاب: إذا أراد إنسان أن يوقف وقفاً من ماله، فإن شاء جعله معيناً في أرض بعينها، أو نخلاً بعينه، وإن شاء جعله شيئاً معلوماً، قادماً في غلة نخله أو أرضه؛ وما فعل من ذلك فهو حسن إن شاء الله تعالى. وسئل: هل يلزم الوقف المعلق بالموت، أو شرط فيه الرجوع؟ وهل يجوز ذلك؟ فأجاب: الذي صححه غير واحد من الحنابلة وغيرهم، أنه يصح تعليقه بالموت، ويصير وصية، ويعتبر من الثلث، كسائر الوصايا؛ قال في الشرح الكبير: يصح في قول الخرقي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. قال في الإنصاف: قال الحارثي: كلام الأصحاب يقتضي أن الوقف المعلق على الموت، أو على شرط الحياة، لا يقع لازماً قبل وجود المعلق عليه; قال الحارثي: المنصوص عن أحمد في المعلق على الموت هو اللزوم. قال الميموني

стр. 2630

في كتابه: سألته عن الرجل يقف على أهل بيته، أو على المساكين بعده، فاحتاج إليها، أيبيع على قصة المدبر؟ فابتدأني أبو عبد الله بالكراهة لذلك، فقال: الوقوف إنما كانت من أصحاب النبي ﷺ على أن لا يبيعوا ولا يهبوا. قلت: فمن شبهه وتأول المدبر عليه، والمدبر قد يأتي عليه وقت يكون فيه حراً، والموقوف إنما هو شيء وقفه بعده، وهو ملك الساعة، قال لي: إذا كان يتأول. قال الميموني: وإنما ناظرته بهذا، لأنه قال: المدبر ليس لأحد فيه شيء، وهو ملك الساعة، وهذا شيء وقفه على قوم مساكين، فكيف يحدث به شيئا؟ فقلت: هكذا الوقوف، ليس لأحد فيها شيء، الساعة هو ملك، وإنما استحق بعد الوفاة، كما أن المدبر الساعة ليس بحر، ثم يأتي عليه وقت يكون فيه حراً. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عما إذا لم يجد من كان الوقف تحت يده حججاً للوقف، ولا شهوداً، ولا شيئاً من البينات غير مجرد وضع اليد، فما العمل فيه؟ هل إذا أقر بوقفيته، ولم يعين الواقف، يقبل منه؟ فأجاب: يثبت الوقف بالاستفاضة، ولا حاجة إلى معرفة اسم الواقف. وإن لم يستفض فيكفي إقرار من هو تحت يده بذلك، ما لم ينازع في ذلك بحجة شرعية. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن موضع النخلة
следующие страницы →