← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

الإبل - لقول عمر: "من أخذ الضالة فهو ضال" أي: مخطئ; ومن أخذها ضمنها، لأنه أخذ ملك غيره بغير إذنه، ولا أذن الشارع له، فهو كغاصب; فإن ردها إلى موضعها لم يبرأ منه، لكن إذا التقطها وكتمها ضمنها بقيمتها مرتين، نص عليه للخبر، انتهى، فتأمل كلامهم يتبين الحق. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن وجد صقرا ... إلخ فأجاب: وأما الصقر إذا صاده ولم يظهر فيه أثر ملك، ولم يعرف له مالك، جاز الانتفاع به، ومتى ظهر له مالك وجب رده عليه. سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد: عن تعريف اللقطة ... إلخ؟ فأجاب: واللقطة يعرفها سنة، فإن لقي صاحبها وإلا وضعها في ماله. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: واللقطة يعرف عفاصها ووكاءها، ثم يعرفها حولا، ثم يتملكها بشرط الضمان إن جاء ربها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء. سئل الشيخ: حسن بن حسين بن الشيخ: عمن كتمها ليبذل له ... إلخ؟ فأجاب: لا يحل له أخذ المال المبذول والحال ما ذكر، لوجوب تعريفها عليه، وإيصالها إلى صاحبها فورا متى جاء، بأمر رسول الله ﷺ ويحرم عليه كتمانها، ولو تلفت في

стр. 2627

هذه الحال ضمنها بقيمتها مرتين، قال أبو بكر في التنبيه: لست أعدل عن خبر النبي ﷺ في الضالة المكتومة: غرامتها، ومثلها معها، وهذا حكم رسول الله ﷺ فلا يرد، انتهى. وصرح الفقهاء: بأن أجرة المنادي عليه، ولكتمانه لها ارتكب محرما، وترك واجبات متعددة، فيجب عليه رد ما أخذه إن لم تطب نفسه ببذله بعد علمه بالحال، وقول مالكها حال الإنشاد: حلال من الله لا تأثير له، وقد صرحوا فيمن رد ضالة، قبل بلوغه بذل مالكها للجعل، أنه يحرم أخذه، وهو من أكل المال بالباطل، مع كونه بعد بذل صاحب الضالة، لكنه لم يسمعه، وهذا في مقابلة عمله، ولم يرتكب فيه عملا محرما، ويمتنع من واجب، فكيف بمن كتم وأثم؟ سئل الشيخ: محمد بن عبد الوهاب عن ضالة الكافر؟ فأجاب: والضالة التي توجد حول البلد، وهي من مال الكافر، فهي لمن وجدها، وأما لقطة النثار: فإذا لم تعرف بصفة تعرف بها، لم يجب تعريفها. سئل ابنه الشيخ عبد الله: عمن أخذ ضالة الإبل يريد الحفظ، وهو معروف بالأمانة، ثم تلفت؟ فأجاب: قال في الإنصاف: ويجوز للإمام أو نائبه أخذ ما يمتنع من صغار السباع، وحفظه لربه، ولا يلزمه تعريفه، قاله الأصحاب; ولا يكتفي فيها بالصفة، قاله المصنف وغيره، واقتصر عليه في الفروع; ولا يجوز لغيرهما أخذ شيء

стр. 2628

من ذلك لحفظه لربه، على الصحيح من المذهب، وقال المصنف، ومن تبعه: يجوز أخذها إذا خيف عليها، كما لو كانت في أرض مسبعة، أو قريبا من دار حرب، أو موضع يستحل أهله أموال المسلمين، أو في برية لا ماء فيها ولا مرعى، ولا ضمان على آخذها، لأنه إنقاذ من الهلاك، قال الحارثي قالوا كما قال، وجزم به في تجريد العناية، قلت: ولو قيل بوجوب أخذها والحالة هذه، لكان له وجه، انتهى. والذي يترجح عندي: أن الرجل إذا عرف بالأمانة، وأنه محسن في حفظها، ولم يتعرض لها بركوب ولا غيره، أنه لا يضمن، كما اختاره هؤلاء الأئمة. وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: إذا وجد الحيوان قريب الموت، ولم يعلم صاحبه هل يذكيه أم لا؟ وهل يغرم أم لا؟ فأجاب: أما تذكيته فمن المعروف، وأما الغرم فإن بينه، أو كان مأمونا غير متهم فلا غرم عليه، وإن كان متهما أو غير مأمون، ولم يصدقه صاحب الدابة، ولم يعف عنه، لزمه الغرم. وسئل: إذا وجد ضالة الغنم غير صاحبها، وباعها على آخر هل تكون عنده الخراج بالضمان، كما في مدة الخيار؟ فأجاب: لا فرق. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. آخر الجزء السادس، ويليه الجزء السابع وأوله: "كتاب الوقف"

стр. 2629

المجلد السابع: (من كتاب الوقف إلى نهاية الإقرار) كتاب الوقف ... [كتاب الوقف] قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: ونرى الوقف صحيحاً. وسئل: إذا أراد إنسان أن ينفع نفسه من ماله ... إلخ؟ فأجاب: إذا أراد إنسان أن يوقف وقفاً من ماله، فإن شاء جعله معيناً في أرض بعينها، أو نخلاً بعينه، وإن شاء جعله شيئاً معلوماً، قادماً في غلة نخله أو أرضه؛ وما فعل من ذلك فهو حسن إن شاء الله تعالى. وسئل: هل يلزم الوقف المعلق بالموت، أو شرط فيه الرجوع؟ وهل يجوز ذلك؟ فأجاب: الذي صححه غير واحد من الحنابلة وغيرهم، أنه يصح تعليقه بالموت، ويصير وصية، ويعتبر من الثلث، كسائر الوصايا؛ قال في الشرح الكبير: يصح في قول الخرقي، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد. قال في الإنصاف: قال الحارثي: كلام الأصحاب يقتضي أن الوقف المعلق على الموت، أو على شرط الحياة، لا يقع لازماً قبل وجود المعلق عليه; قال الحارثي: المنصوص عن أحمد في المعلق على الموت هو اللزوم. قال الميموني

стр. 2630

في كتابه: سألته عن الرجل يقف على أهل بيته، أو على المساكين بعده، فاحتاج إليها، أيبيع على قصة المدبر؟ فابتدأني أبو عبد الله بالكراهة لذلك، فقال: الوقوف إنما كانت من أصحاب النبي ﷺ على أن لا يبيعوا ولا يهبوا. قلت: فمن شبهه وتأول المدبر عليه، والمدبر قد يأتي عليه وقت يكون فيه حراً، والموقوف إنما هو شيء وقفه بعده، وهو ملك الساعة، قال لي: إذا كان يتأول. قال الميموني: وإنما ناظرته بهذا، لأنه قال: المدبر ليس لأحد فيه شيء، وهو ملك الساعة، وهذا شيء وقفه على قوم مساكين، فكيف يحدث به شيئا؟ فقلت: هكذا الوقوف، ليس لأحد فيها شيء، الساعة هو ملك، وإنما استحق بعد الوفاة، كما أن المدبر الساعة ليس بحر، ثم يأتي عليه وقت يكون فيه حراً. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عما إذا لم يجد من كان الوقف تحت يده حججاً للوقف، ولا شهوداً، ولا شيئاً من البينات غير مجرد وضع اليد، فما العمل فيه؟ هل إذا أقر بوقفيته، ولم يعين الواقف، يقبل منه؟ فأجاب: يثبت الوقف بالاستفاضة، ولا حاجة إلى معرفة اسم الواقف. وإن لم يستفض فيكفي إقرار من هو تحت يده بذلك، ما لم ينازع في ذلك بحجة شرعية. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن موضع النخلة

стр. 2631

الوقف إذا سقطت؟ فأجاب: إذا وقف نخلة معينة، فالذي نرى أن موضعها لا يكون وقفاً بذلك، فإذا سقطت النخلة زال حق أهل الوقف؛ وقد صرح بذلك الفقهاء، فيما إذا أقر بنخلة أو باعه إياها، تناول ذلك الجذع فقط، فإذا سقطت لم يكن له إعادتها، كما نص عليه الإمام أحمد، فيما إذا أقر له بنخلة. وأجاب الشيخ صالح بن محمد الشثرى: إذا وقف نخلة فبادت، فالعرف ومقاصد الناس معتبر; والعرف في وقتنا: أن الْمُوقف لا يقصد إلا جذع النخلة، وأنها لا تعاد إذا بادت، مع أن القياس يقتضي ذلك في أن الفرع لا يتبعه الأصل، وأن الأصل يتبعه الفرع، إلا أن يوقف بستاناً ونحوه، فالقرينة تقتضي دخول الأصل والفرع معاً في الوقفية. سئل الشيخ عبد العزيز بن حسن: عن جعل بعض الواقفين وقفه قدراً معلوماً في ملكه أو نخله، فإذا باد النخل ... إلخ؟ فأجاب: العمل: على جواز ذلك، وجوز شيخ الإسلام وقف المنفعة المفردة، كخدمة عبد موصى بها مدة، ثم يقفها الموصى له فيها. انتهى. فيؤخذ ذلك القدر من غلة ما جعل فيها حيث حصل، فاضلاً عن حصة العامل

стр. 2632

على النخل، إن كان المجعول فيه نخلًا ولو لم يبق للمالك سواه، ويؤخذ كاملاً من غلة الأرض، إن كان المجعول فيها أرضاً، حيث فضل عن نصيب رب الزرع، ولو لم يبق لرب الأرض غيره، وإن كان هو الزارع أخذ منه على كل تقدير. وسمعت شيخنا عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد، ﵀، أفتى مرة بذلك، أعني: أخذ تمر مقدر في ثمر نخل، ولا بين الوارث والمشتري فرق في ذلك، سواء كان المشتري عالماً به أو جاهلاً، إلا أن الجاهل يثبت له الخيار إذا علم. فلو قال قائل: إذا لم يبق من ريع النخل سوى القدر الموقوف، جعلتم الموروث عن الواقف للموقوف عليه، فأين التركة التي يخرج من ثلثها؟ قلنا العبرة بخروج الموقوف، أو الموصى به من الثلث حين الموت، ليس قبله ولا بعده. وإذا باد النخل فالذي يظهر لي: أن القدر الموقوف ينقطع بفناء النخل، وتبقى الأرض طلقاً؛ هذا إن كانت الصيغة: وقفت في نخلي. أما إن قال: في ملكي، فالظاهر أن ذلك القدر يستمر في الأرض، ما دامت حيث انتفع بها، لأن المتعارف من ألفاظ أهل هذه الأعصار، أن الملك اسم للأرض، سواء اتصل بها غراس أم لا، لا سيما في بلدتكم وما قاربها من البلاد.

стр. 2633

وكذلك الحكم لو قال: في هذه الدمنة، بل هذا أولى، ولو كان القدر الموقوف في الملك أو الدمنة تمراً؛ إذ لا تفيد قرينة كونه تمراً خصوصيته بالنخل، فينقطع بانقطاعه، بدليل قول بعض الواقفين: جعلت في ملكي أو أرضي أو داري أضحية، فيعلم بالاضطرار أن قصده: يشترى من غلة الأرض، أو بثمن غلتها أو بأجرتها، أو أجرة الدار أضحية. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الوقف على المسجد؟ فأجاب: الوقف على المسجد جائز، بل مستحب، لأنه من أعمال البر والقربات; وأما وقف الشرك الذي على طاعة، فيجب الوفاء به في الإسلام. وسئل: عن وقف لم يذكر له مصرف، أو ذكر ... إلخ؟ فأجاب: إذا وقف وقفاً وذكر مصرفه ثم انقطع، أو لم يذكر مصرفاً، فقد اختلف العلماء في هذا الوقف: هل يصح أو لا؟ وقدم في المغني أنه يصح، وذكره قول مالك وأبي يوسف، وأحد قولي الشافعي: أنه إذا وقف وقفاً على قوم يجوز انقراضهم بحكم العادة، ولم يجعل آخره لجهة غير منقطعة كالمساكين ونحوهم، قال في المغني: ويصرف عند انقراض الموقوف عليهم إلى أقارب الواقف،

стр. 2634

وبه قال الشافعي. وعن أحمد أنه يصرف إلى المساكين؛ واختاره القاضي والشريف. وعن أحمد رواية ثالثة: أنه يجعل في بيت مال المسلمين. وأما إذا كان وقف وقفاً، ولم يذكر له مصرفاً بالكلية، فقال في المغني: إذا قال: وقفت هذا، وسكت ولم يذكر سبيله، فلا نص فيه؛ وابن حامد يصحح الوقف، قال القاضي: هو قياس قول أحمد، وإذا صح صُرف إلى مصارف الوقف المنقطع الذي ذكرناه في أول المسألة، وأن فيه ثلاث روايات عن أحمد؛ فتأمله يتضح لك الأمر إن شاء الله. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن دعاوى في أوقاف لم يكن لها وثائق، منها: أناس ببعض القرى التي نهبت في آخر القرن الثالث عشر؛ ومشهور عند أهل الأحساء: أن أوراقهم أتلفت، وإنما بقي عندهم الولاية في الأملاك والأوقاف، فإذا حصل بينهم نزاع في الأوقاف، وليس هناك نص واقف، هل يكون حكمها حكم الوقف المنقطع الآخر، أم لا؟ وهل يجب يمين على المدعى عليه، والأمر مشتهر أن الأوراق ضلت منه؟ فأجاب: قال في الإنصاف، عند قول المقنع: وهل يدخل فيه ولد البنت - فذكر كلاماً طويلاً - ثم قال: فوائد -

стр. 2635

إلى أن قال - الرابعة: قال في التلخيص: إذا جهل شرط الواقف، وتعذر العثور عليه، قسم على أربابه بالسوية؛ فإن لم يعرفوا، جعل كوقف مطلق لم يذكر مصرفه. انتهى. وقال في الكافي: لو اختلف أرباب الوقف فيه، رجع إلى الواقف؛ فإن لم يكن، تساووا فيه، لأن الشركة ثبتت ولم يثبت التفضيل، فوجبت التسوية، كما لو شرك بينهم بلفظه. انتهى. وقال الحارثي: إن تعذر الوقوف على شرط الواقف، وأمكن التأنس بتصرف من تقدم ممن يوثق به، رجع إليه، لأنه أرجح مما عداه؛ والظاهر صحة تصرفه، ووقوعه على الوفق. انتهى. فقد عرفت منه: أنه إذا كان الوقف في يد ثقة، يصرفه مصرفاً معيناً في مثل هذه المسألة، أنه يعمل بذلك، وأنه إذا لم يكن شيء من ذلك، يصير حكمه حكم الوقف المطلق، يكون لأقرب ورثة الواقف نسباً وقفاً عليهم، كالوقف المنقطع؛ هذا إذا جهل أصل المصرف. وأما إن علم أصله، لكن جهل شرط الواقف، أو التقديم، أو التأخير، أو التفضيل، ونحو ذلك، فهذا يستأنس فيه بصرف الثقة الذي هو بيده، وبعمله كما تقدم؛ فإن لم يكن فيقسم بين أهل الجهة بالسوية، كما تقدم، والله أعلم.

стр. 2636

وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: وأما الوقف الذي لم يذكر له مصرف، إذا انقرض الموقوف عليهم، فمشهور المذهب أنه يكون لورثة الواقف، وقفاً عليهم نسباً بقدر إرثهم، ويقع الحجب بينهم: فللبنت مع الابن الثلث، والباقي له. وإن كان الوارث أخاً شقيقاً وأخاً لأب، انفرد به الشقيق. وقال ابن أبي موسى: يكون ملكاً للورثة؛ قال الشيخ تقي الدين: وهذا أصح وأشبه بكلام أحمد. وقال الشافعي: يكون وقفاً على أقرب الناس للواقف، الذكر والأنثى فيه سواء. واختار الموفق أنه يصرف إلى المساكين؛ وهو رواية عن أحمد. فإن كان في أقارب الواقف فقراء، فهم أحق به من غيرهم لا على سبيل الوجوب؛ هذا كلامه في المغني. وأجاب أيضاً: الذي وقف وقفاً على جهة بر، ولم يعين مصرفاً معيناً، فالذي أرى أنه يصرف في فقراء أقاربه، لا سيما فقراء ورثته، ويصرف في غير ذلك من وجوه البر، كفطر صوام ونحو ذلك. فصل سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عن مراعاة شرط الواقف؟ فأجاب: منصوص علمائنا، ﵏، في كتبهم:

стр. 2637

يلزم بشرط مستحب، خاصة وأن الشرط المكروه باطل اتفاقاً؛ قال شيخ الإسلام: وقول الفقهاء نصوص الواقف كنصوص الشارع، يعني في الفهم والدلالة، في وجوب العمل، مع أن التحقيق: أن لفظ الموقف والموصي والناذر والحالف وكل عاقد، يحمل على عادته ولغته التي يتكلم بها، وافقت لغة العرب أو لغة الشارع أو لا. وقال: لا خلاف أن من وقف على صلاة، أو صيام أو قراءة أو جهاد غير شرعي لم يصح؛ والشرط إنما يلزم الوفاء به، إذا لم يفض ذلك إلى الإخلال بالمقصود الشرعي. سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ، ﵏: إذا وقف إنسان وقفاً وأشهد عليه، والشاهد والكاتب يعرفان معنى ما نطق به من لغته وعرفه، فكتب الكاتب خلاف ما نطق به الموقف وأراده، ظناً منه أن المعنى واحد، كما إذا قال: على أولادي وأولادهم، وهم عالمون منه إرادة التعقيب دون التشريك؟ فأجاب: يتعين العمل بما شهدا عليه من لفظ لغته، وعلماه من إرادته، وإنما يحكم على العامة في هذا ونظائره بما تقتضيه لغتهم، ويدل عليه عرفهم، وإن عدلوا عن الصيغ الاصطلاحية عند الفقهاء، لكون المعتد بالمقصود; قال أبو العباس: للفقهاء في صفة العقود ثلاثة أقوال: أحدها: الأصل في العقود أنها لا تصح إلا

стр. 2638

بالعبارات التي يخصها بعض الفقهاء باسم الإيجاب والقبول، سواء في ذلك البيع والإجارة، والنكاح والوقف، والعتق وغير ذلك; وهذا ظاهر قولي الشافعي، وهو قول في مذهب أحمد، لكون الأصل عندهم هو اللفظ. والقول الثاني: أنها تصح بالأفعال كالوقف، كمن بنى مسجداً وأذن للناس بالصلاة فيه، وكبعض الإجارة؛ فهذه العقود لو لم تنعقد بالأحوال الدالة عليها، لفسدت أكثر أحوال الناس. وهذا هو الغالب على أصول أبي حنيفة، وقول في مذهب أحمد، ووجه في مذهب الشافعي، بخلاف المعاملات في الأموال الجليلة، فإنه لا حاجة إليه، ولم يجره العرف. والقول الثالث: أن العقود تنعقد بكل ما دل على مقصودها، من قول أو فعل؛ فكل ما عده الناس بيعاً أو إجارة، فهو بيع وإجارة، وإن اختلف اصطلاح الناس في الألفاظ والأفعال؛ انعقد العقد عند كل قوم بما يفهمونه من الصيغ والأفعال، وليس لذلك حد مستمر، لا في شرع ولا في لغة، بل يتنوع اصطلاح الناس كما تتنوع لغاتهم. فلا يجب على الناس التزام نوع معين من الاصطلاحات، ولا يحرم عليهم التعاقد بغير ما يتعاقد به غيره، إذا كان ما يتعاقدون به دالاً على مقصودهم، وإن كان قد يستحب بعض الصفات؛ وهذا هو الغالب على

стр. 2639

أصول مالك، وظاهر مذهب أحمد. فأما التزام لفظ مخصوص، فليس فيه أثر ولا نظر. وهذه القاعدة: من أن العقود تصح، بكل ما دل على مقصودها من قول أو فعل، هي التي تدل عليها أصول الشريعة، وهي التي تعرفها العامة؛ ولم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين، أنه عين للعقود صيغة معينة من الألفاظ أو غيرها، أو قال ما يدل على ذلك من أنها لا تنعقد إلا بالصيغ، بل قد قيل: إن هذا القول يخالف الإجماع القديم، وهو من البدع، وهذه قاعدة عظيمة نافعة. انتهى ملخصاً. والمنصف لا يعدل عنه. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: إذا وقف إنسان قِدْرا أو رحى، هل ذلك وقف عام ينتفع به، كالمساجد والمقبرة؟ فأجاب: إن ذلك يرجع إلى شرط الواقف، فإن قال ذلك وأطلق، كان ذلك وقفاً عاماً ينتفع به، وإن قيد ذلك على شخص أو جهة، تقيد به. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: الذي وقف على عمارة مواعين سبل، وذكر أن المواعين ما تحتمل غلة ذلك الوقف، فالذي أرى أنه يصرف فيما يناسب ذلك، مثل أن يشترى به قِدْر ونحوه، من نظيره من الوجه المذكور. فإن كان ذلك وصية لا وقفاً، فيعمر منها الماعون، وما فضل

стр. 2640

للورثة. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن أوقاف في يد من لا يصرفها في مصارفها؟ فأجاب: والأسبال والأوقاف، يجب صرفها إلى أهلها؛ وإن كانت في يد من لا يصرفها أخذت منه، وصرفت إلى من يستحقها. والأرض المنذورة للمساجد، لعمارتها أو ضيوفها، أو المساكين فيها، فهي على وقفها ولا يغيرها الوارث، ويلزمه أن يؤديها إلى أهل المساجد الذين يحفظونها، يصرفونها في مصارفها. وسئل: عن وقف على مسجد لم يبين مصرفه؟ فأجاب: الوقف الذي على المسجد، ولا بين مصرفه، فإنه يصرف إلى إمامه ومؤذنه وعمارته وما ينوبه، ويجعل على الركية منه شيء. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما الذي وقف على المسجد بعض أملاكه، فإن عين الصائمين، أو الإمام أو المؤذن، تعين ما عينه الواقف من الجهات؛ فإن لم يعين جهة، فالوقف على المسجد يدخل فيه الإمام والمؤذن، والقيم، وكذا عمارته كتطيين سطحه، وإبدال خشبة تنكسر فيه، ونحو ذلك. سئل الشيخ: عبد الله أبا بطين، ﵀: عن ريع

стр. 2641

عقار وقف، انتقل من طبقة إلى طبقة، أرضاً أو نخلاً من مزارعة، أو مساقاة أو أجرة، بعد ظهور الثمرة، ومتى تستحق الطبقة الثانية لذلك؟ وهل بين من كان يستحقها بوصف، أو مقابلة عمل فرق؟ فأجاب: الكلام في هذه المسألة كالكلام في الحمل، في أنه يتجدد حقه من الوقف بوضعه لا قبله، من ثمر وزرع، كتجدد حق المشتري؛ هذا هو المشهور في المذهب. ومن المعلوم أنه إذا بيعت أرض وفيها زرع كبر ونحوه، أنه للبائع ما لم يشترطه مشتر، وكذا إذا بيع نخل قد تشقق طلعه، أنه للبائع ما لم يشترطه المشتري. فهكذا حكم الحمل المستحق للوقف بعد وضعه; قال في المغني: ومن وقف على أولاده، أو أولاد غيره وفيهم حمل، لم يستحق شيئاً قبل انفصاله؛ قال أحمد في رواية جعفر بن محمد، فيمن وقف نخلاً على قوم وما توالدوا، ثم ولد مولود: فإن كانت النخل قد أبرت، فليس له فيها شيء، وهو للأول، وإن لم تكن قد أبرت فهو معهم. وإنما قال ذلك، لأنها قبل التأبير تتبع الأصل في البيع، وهذا الموجود يستحق نصيبه، فيتبعه حصته من الثمر، كما لو اشترى ذلك النصيب من الأصل، وبعد التأبير لا تتبع الأصل، ويستحقها من كان له الأصل، فكانت للأول، لأن الأصل كان كله له فاستحق ثمرته، كما

стр. 2642

لو باع هذا النصيب منها، ولم يستحق المولود منها شيئاً كالمشتري; وهذا الحكم في سائر ثمر الشجر الظاهر، فإن المولود لا يستحق منه شيئاً، ويستحق مما ظهر بعد ولادته. وإن كان الوقف أرضاً فيها زرع يستحقه البائع، فهو للأول؛ وإن كان مما يستحقه المشتري فللمولود حصته منه، لأن المولود يتجدد استحقاقه للأصل، كتجدد ملك المشتري فيه. انتهى كلامه. وهذا التعليل الذي علل به، ظاهر في أن حكم الطبقة الثانية حكم الحمل، وهو واضح - ولله الحمد -؛ قال في الإنصاف: تجدد حق الحمل بوضعه من ثمر وزرع، كمشتر؛ نقله المروذي، وجزم به في المغني والشرح والحارثي، وقال: ذكره الأصحاب في الأولاد، وقدمه في الفروع، ونقل جعفر: يستحق من زرع قبل بلوغه الحصاد، ومن نخل لم يُؤبَّر، فإن بلغ الزرع الحصاد، وأُبِّر النخل لم يستحق شيئاً - إلى أن قال - قال في الفروع: ويشبه الحمل إن قدم إلى ثغر موقوف عليه فيه، أو خرج منه إلى بلد موقوف عليه فيه، نقله يعقوب، قال: قياسه من نزل في مدرسة ونحوه. قال ابن عبد القوي: ولقائل أن يقول: ليس كذلك، لأن واقف المدرسة ونحوها جعل ريع الوقف في السنة، كالجعل على اشتغال من هو في المدرسة عاماً، فينبغي أن يستحق بقدر عمله من السنة، من ريع الوقف في السنة،

стр. 2643

لئلا يفضي إلى أن يحضر الإنسان شهراً مثلاً، فيأخذ جميع مغل الوقف، ويحضر غيره باقي السنة بعد ظهور الثمرة، فلا يستحق شيئاً، وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها. انتهى. قال الشيخ تقي الدين: يستحق بحصته من مغله، وقال: من جعله كالولد فقد أخطأ، وللورثة من المغل بقدر ما باشر مورثهم. انتهى. قال في القواعد الفقهية: واعلم أن ما ذكرناه في استحقاق الموقوف عليه هاهنا، إنما هو إذا كان استحقاقه بصفة محضة، مثل كونه ولداً أو فقيراً ونحوه؛ أما إن كان استحقاقه الوقف عوضاً عن عمل، وكان المغل كالأجرة، فيقسط على جميع السنة، كالمقاسمة القائمة مقام الأجرة، حتى من مات في أثنائه استحق بقسطه، وإن لم يكن الزرع قد وجد؛ وبنحو ذلك أفتى الشيخ تقي الدين. انتهى. فظهر من كلامهم: أن من كان استحقاقه بصفة، ككونه ولداً أو فقيراً، أو نحو ذلك، أن حكمه في استحقاقه من زرع الأرض الموقوفة، وثمر الشجر الموقوف حكم المشتري؛ هذا هو المعمول به في المذهب. وأما من كان استحقاقه في مقابلة عمل، ففيه الخلاف كما تقدم; فصاحب الفروع قاس هذه على المسألة التي قبلها، فقال: وقياسه من نزل في مدرسة ونحوه، وتبعه في الإقناع وغيره; وكلام الشيخ تقي الدين، وابن عبد القوي، وابن

стр. 2644

رجب، بخلاف ذلك، والعمل به أولى إن شاء الله تعالى. وأما إن كان الوقف مؤجراً، فالذي ظهر لنا من كلامهم، أن الأجرة تقسط على جميع السنة. فمن مات من المستحقين في أثناء السنة، فله من الأجرة بقدر ما مضى من السنة، وهو صريح في كلام بعضهم، كما قال ابن رجب، ﵀، في أثناء كلام له، قال: لا نقول في الوقف إذا انتقل إلى البطن الثاني، ولم تنفسخ إجارته، أنهم يستحقون الأجرة من يوم الانتقال. انتهى. فهذا على القول بأنها لا تنفسخ بموت المؤجر من الطبقة الأولى، وعلى القول الثاني، الذي هو الصحيح عند ابن رجب، وصححه الشيخ تقي الدين، وصوبه في الإنصاف: أنها تنفسخ; فإن المنافع تنتقل للطبقة الثانية، فتكون الأجرة لهم من حين انتقل الوقف إليهم. قال ابن رجب أيضاً، في أثناء كلام له: ومن أمثلة ذلك: الوقف إذا زرع فيه أهل البطن الأول، أو من آجروه، ثم انتقل إلى البطن الثاني والزرع قائم، فإن قيل الإجارة لا تنفسخ، وللبطن الثاني حصتهم من الأجرة، فالزرع مبقى لمالكه بالأجرة السابقة. وإن قيل بالانفساخ، وهو المذهب الصحيح، فهو كزرع المستأجر بعد انقضاء المدة، إذا كان بقاؤه بغير تفريط من المستأجر، فيبقى بالأجرة إلى أوان أخذه؛ وقد نص عليه الإمام أحمد في

стр. 2645

رواية مهنا، في مسألة الإجارة المنقضية، وأفتى به في الوقف الشيخ تقي الدين، رحمه الله تعالى. سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: عن ثمرة وقفت على إمام مسجد، ومات الإمام قبل ظهور الثمرة؟ فأجاب: ذكر ابن رجب، ﵀، في قواعده، أن الثمرة تقسط على جميع السنة، فيستحق كل منهما بقسطه; قال: وبه أفتى شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀، وقال به ابن عبد القوي; وعند صاحب الفروع: أن حكمه حكم المشتري، في أن الثاني إن كان إماماً قبل ظهور الثمرة، ثم ظهرت في مدته، فهو يستحقها كلها; وإن كان بعد ظهورها فهي للأول دون الثاني، وتبعه في الإقناع وغيره; والعمل بالقول الأول أولى إن شاء الله تعالى، لأن القول الثاني يفضي إلى أنه قد يصلي إمام شهراً، وتخرج الثمرة في مدته، ثم يزول بعد ذلك، فيستحق مغل الوقف، ويصلي غيره سائر العام، ولا يستحق شيئاً من المغل، وهذا يأباه مقتضى الوقوف ومقاصدها. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن رجل وقف أضحية وقربة، هل يكتفي بجلد الأضحية؟ فأجاب: إذا شرط في غلة الوقف أضحية وقربة، فالذي أرى أنه يلزم شراء قربة، فلا يكتفي بجلد الأضحية.

стр. 2646

وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن وقف على من يقوم مقامه؟ فأجاب: هو على ظاهره، إن كان مقامه علماً وتدريساً، أو مقامه أنه كهف لأرامل عشيرته، أو أنه في محل ضيف ومقصد، أو نحو ذلك، أو تعليم قرآن، أو غير ذلك من المقامات، مثل نزوله في بيت آبائه وأجداده لمن يقصده، وقيامه بمسألة مثلهم، أو نحو ذلك من المقامات المحمودة التي يجب أن يوجد بعده من يقوم مقامه فيها، والله أعلم. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن محمود: عن رجل وقف على ضيف قصراً فيه أولاده؟ فأجاب: هذا الوقف له سبب ومقتضى: فأما السبب فهو: إعانة ساكن القصر من ذرية الواقف على الضيف، والمقتضى: ورود الضيف. والسبب له ركنان: أحد ركنيه: تعيين المحل، والثاني: القرابة، فإذا تخلف أحد ركنيه وهو خلو المحل من الساكن، تعين الركن الثاني مع وجود المقتضى؛ فإذا كان الضيف يرد على بعض الأولاد دون بعض، تعين الصرف عليه دون من لا يرد عليه الضيف. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن كتاب وقف في بلد؟

стр. 2647

فأجاب: وأما إذا شرط واقف الكتب ونحوها، لا تخرج من بلد سماه، فلا أرى جواز نقلها من تلك البلد، ما دام في البلد من ينتفع بها. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: من أحق بولاية الوقف؟ فأجاب: الأحق من أوصى إليه الواقف، وعينه ناظراً على الوقف، فإن لم يعين ناظراً، فإن كان الوقف على عدد محصور، كقرابته مثلاً، فكل إنسان ناظر على حصته. وإن كان الوقف على غير معين، كالوقف على المساجد ونحو ذلك، فالنظر في ذلك إلى الحاكم، ويستنيب في ذلك من هو أصلح، ولا يجعل نيابة الوقف بيد من لا يصلح للولاية؛ وليس لأحد منهم أن يفعل في الوقف ما يضر به، من أي أنواع الضرر. وسئل: عن الوقف على المسجد، هل القيام والنظر وما يتعلق به على الإمام؟ فأجاب: هذه المسألة وجوابها يعلم مما تقدم، وذلك إذا عرفت أن ولايته إلى الحاكم: فإن كان الحاكم جعل ولايته إلى إمام المسجد فذلك إليه، وإن جعله الحاكم إلى غير الإمام فليس للإمام الاعتراض على نائب الحاكم، فإن فعل ما لا يجوز رفع أمره إلى الحاكم. ولا ينبغي للإمام ولا

стр. 2648

غيره السكوت، إذا رأى من النائب خللاً وتضييعاً للوقف. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: من وقف وقفاً وجعل للناظر وضعه فيما يراه أنفع، والمراد فيما يراه أكثر ثواباً، هل يجوز للناظر أو يجب أو يستحب له صرف شيء من منافع الوقف، في قضاء دين الواقف بعد موته؟ فأجاب: لا يجب صرف شيء من غلة الوقف في قضاء دين الواقف، حياً كان أو ميتاً، بل لا يستحب، بل لا يجوز; قال الخرقي، ﵀: ولا يجوز أن يرجع إليه - أي الواقف - شيء من منافعه؛ قال في المغني - بعد ذكره كلام الخرقي -: وجملة ذلك: أن من وقف وقفاً صحيحاً، فقد صارت منافعه للموقوف عليه، وزال عن الواقف ملكه وملك منافعه، فلم يجز أن ينتفع بشيء منها، إلا أن يكون وقف شيئاً للمسلمين، فيدخل في جملتهم: مثل أن يقف مسجداً، فله أن يصلي فيه، أو شيئاً يعم المسلمين فيكون كأحدهم، لا نعلم في هذا كله خلافاً. ثم قال الخرقي بعد كلامه: إلا أن يشترط الأكل منه، فيكون له ما شرط؛ وصحة هذا الشرط من مفردات المذهب، وأكثر العلماء يقولون بفساد الوقف المشروط فيه ذلك. وقولهم: لا يجوز للواقف أن ينتفع بشيء منه، عام، وقضاء دين الميت بعد موته فيه نفع له، وأظنه لو كان حياً واستفتاكم، لم تجوزوا له ذلك؛ فما الفرق بين الحياة

стр. 2649

والموت؟ وما الفرق بينه وبين الناظر. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن عمار الوقف ... إلخ؟ فأجاب: عمار الوقف مقدم على مستحقه، ويعمر من الغلة إلا إن كان لأهل البلد، عرف أنه يعمره الفلاح أو شيء سهل، والعادة أنه ما يخصه شيء من ذلك؛ فكذلك إذا صار لرجل نخلة أو نخلتان في نخل، وليستا بسبل، وقال: ما أؤجرهما ولا أسقيهما; وتذكر أنك سألت الشيخ، عفا الله عنه، وقال: ما يجبر مالكهما على إجارتهما ولا سقيهما؛ فهو على ما ذكر، ﵀، إلا إن فعل مالكهما مضرة، كدخوله على أهل النخل أو سقيهما وتردده لذلك، لأن هذا يعرف أن ذلك يضر بصاحب النخل الذي فالحه. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن بيت، وقف في رغبته شيء مقدر، وعمر فيه بعض الأولياء من الورثة، وكان ساكناً فيه، ثم نازعه بعض الورثة، هل يرجع بما أنفقه على الوقف؟ فأجاب: يرجع، لأنه في العادة لا ينفق إلا لأجل السكنى. وأجاب الشيخ عبد العزيز بن حسن: وإذا احتاج الملْك الذي فيه الصّبْرة إلى تحصيل ماء، أو إصلاح مسيل، أو سد حائط، أو غير ذلك مما يراد لحفظ الأصل، فهو على

стр. 2650

المالك، ولا يبخس المستحق شيئاً لذلك، لأن ما كان لحفظ الأصل فمؤنته على المالك، وهذا الأصل مملوك، بدليل جواز بيعه، والشفعة بالشركة فيه إذا بيع منه شقص؛ وقد عرفت أن الوقف لا يجوز بيعه ولا يشفع بشركته. نعم لو كان الوقف نخلات معينة، أو موضعاً من أرض معيناً، خصه من مؤنة تحصيل الماء، وتصليح المسيل ونحوهما بقدر نسبته إلى العقار، لمصادفة الوقف عينه، وهذا الموقوف أصله. سئل الشيخ سليمان بن عبد الله: عن أرض سبل بعض السنين ما تزرع، وبعض السنين تزرع، هل يجوز غرسها؟ ويجعل فيها قيمتها من العيش، كل سنة إجارة لها؟ فأجاب: يجوز له أن يغرسها، ويجعل فيها كل سنة شيئاً معلوماً من العيش، لأجل السبالة ما دام النخل راكداً فيها، ولو دون الشيء الذي قدره مسبلها الأول، على نظر الولي. قال الشيخ إبراهيم بن عبيد: لما وقعت الفتنة، وسفكت الدماء، واستحلوا الأموال، حاذر زيد على وقف أبيه أن يؤخذ، أو يقطع نخله، فنظرنا المصلحة في بيع شقص من الوقف، يكافي عن الوقف من أخذ الكل، وأجزنا له ذلك لأجل المصلحة الراجحة، فباع ثمن الوقف، ودفع بالثمن عن الوقف المذكور.

стр. 2651

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن قسمة الوقف؟ فأجاب: قسمة الوقف يعمل فيها بما هو أصلح للوقف: فإن كان الأصلح قسمته قسم، وإلا ترك بحاله؛ ولا يجوز تغيير الوقف عن حاله إلا لمصلحة. ولو أراد بعضهم القسمة من غير مصلحة منع من ذلك. وسئل: عن أرض في غلتها آصع، وتعطلت، وطلب بعض الورثة قسمتها؟ فأجاب: أما الأرض التي جعل في غلتها آصع وهي متعطلة، وطلب أهلها قسمتها، فلا مانع من القسمة والحالة هذه؛ فإذا اتفقوا على القسمة قسمت بينهم، والسبالة قادمة في غلة الأرض المذكورة، فإن حصل في القسمة ضرر، وامتنع بعضهم لم يجبر، وكذا إن كان فيها ضرر على السبل. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الأرض يجعل فيها أصواع ... إلخ؟ فأجاب: الأرض التي يجعل فيها أصواع معلومة، إذا زرعت أخذ منها ما جعل فيها، وإذا لم تزرع فلا يجب شيء؛ وكل سنة لها حكمها. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: الوقف إذا كان

стр. 2652

جزءاً مشاعاً معلوماً، كالربع أو الخمس مثلاً، جاز أن يقسم؛ ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية. وأما إذا كان الوقف مقدماً في غلة هذا النخل، فلا يقسم إلا أن يكون قسم مهايأة غير لازم، كأن يكون لهؤلاء ما فضل بعد الوقف من غلة هذه السنة مثلاً، ويكون للآخرين ما فضل عن غلة السنة بعدها. ولو طلب أحد الشركاء المساقاة عليه أجيبوا، ويقسم ما فضل بعد الوقف على الورثة بحسب سهامهم. وأجاب أيضاً: وما ذكرت من وصول الجواب، فالحمد لله على ذلك، وتذكر أن عدم الإجبار في المسألة ظاهر، وأما عدم جوازها بالتراضي فمشكل; فأقول: نص العلماء على المنع من قسمة مثل هذا، إذا كان الوقف شيئاً مقدراً من الغلة؛ ودليل المنع ظاهر في كلامهم، مما سأشير إليه بعد، إن شاء الله تعالى. وأما ما سنح لك من القول بالجواز فمشكل، حتى على قولك، لأن التراضي من جهة الوقف متعذر لكونه على الوجوه التي ذكرت، ولعدم أهلية ناظر الوقف. وأما قولك: إن العقار المذكور مقدم في غلته صبرة، وباقيه طلق، فهذا علة المنع من القسمة والبيع، لأن غلة الأصل قد تنقص فلا يبقى منها إلا بقدر المقدر للوقف أو دونه فسيستغرق الأصل. وأما قولكم: فهي كالخراج في الأرض الخراجية، فأقول لا يقاس الوقف على أرض الخراج، وما علمت أحداً

стр. 2653

من العلماء سبق له مثل هذا القياس، وهو أيضاً قياس مع الفارق؛ فإن الزكاة لا تجب في الوقف على غير معين، بخلاف الخراجية فإنه يجب فيها العشر والخراج، ففارقها بذلك; والخراج الذي وضعه عمر ﵁ لا ينقص الغلة، ولا يمنع من هي في يده استغلالها لقلة الخراج، وكل إمام عدل لا يضع على الأرض من الخراج إلا ما تطيقه، فلا يمنع أهلها من الاستغلال; فلذلك قال العلماء: إنه لا يزاد فيه ولا ينقص، إلا إذا تغير السبب؛ ففارقت مسألتنا من هاتين الجهتين أيضاً؛ فتأمل، فإن هذا الوقف لا يزاد ولا ينقص، ولو لم يبق من المغل إلا قدره. وقولكم: كما منعوا بيع أرض العنوة لموقفها، أقول: هذا مما يؤيد المنع من البيع والقسمة في هذه الصورة، وإن كنا نرى أن سبب المنع غير هذا. وأما قولكم: الثانية: أنهم قد صرحوا بجواز قسمة الوقف على جهة واحدة، على ما استظهر صاحب الفروع صحيح، لكن ذكر في الإنصاف عن القواعد ما يخالف ما في الفروع، فقال: وقال في القواعد، هل يجوز قسمته؟ فيه طريقان: أحدهما: أنه كإفراز الطلق من الوقف، وهو المجزوم به في المحرر. والطريق الثاني: أنه لا يصح قسمته على الوجهين جميعاً على الأصح؛ وهي طريقة صاحب الترغيب. وعلى القول بالجواز، فهو مختص بما

стр. 2654

إذا كان وقفاً على جهتين لا على جهة واحدة؛ صرح به الأصحاب، نقله الشيخ تقي الدين. انتهى. إذا عرفت أن القول بالجواز، الذي هو خلاف الأصح في هذه الصورة بعينها، فأين هذه من مسألتنا؟ وهي لا يمكن فيها معرفة مقدار ما يخص هذه الغلة الموقوفة من أصلها التي عينت فيه، مع ما في ذلك أيضاً من الضرر الظاهر على الوقف، من تفريقه في أيدي أناس لا يمكن تمييز نصيبهم بدون مشاركة نصيب الوقف لهم. وقولكم: فليس هو كالوقف المحض الذي فيه كلام الشيخ، أقول: نعم ليس كهو، فإذا كان الشيخ قد منع من قسمة الوقف إذا كان جهة واحدة، مع إمكان إفراز نصيب كل واحد من العدد الموقوف عليهم المحصورين، مع ما في ذلك من مصلحة انتفاء ضرر المشاركة، فلأن يمنع من قسمة وقف لا يمكن معرفة ما يخصه من الأصل، لتطرق النقصان على الغلة غالباً، من باب أولى. وقولكم: إن قسمته تقلل أيدي الملاك عليه، فلا يكونوا شركاء متشاكسين، أقول: تقليل الوقف وأتعاب ناظره بتكثير الطامع فيه. فقد ظهر من هذا الجواب بعض ما أخذ المانعون، فتأمله يظهر لك صحة مأخذهم، وحسن مداركهم. وأما ما ذكرته عن الإقناع، في قسمة المهايأة، فقد ذكرت في الجواب قبل هذا عبارة شيخ الإسلام، وقال

стр. 2655

في الإنصاف: إذا اقتسما المنافع بالزمان والمكان صح، وكان ذلك جائزاً على الصحيح من المذهب، قدمه في المغني والشرح، والنظم والرعايتين، والحاوي الصغير والفروع وغيرهم; ثم قال عن الشيخ تقي الدين: لا تنفسخ حتى ينقضي الدور، ويستوفي كل واحد حقه. انتهى; وآثرنا الإيجاز والاختصار على التطويل والإكثار، وبالله التوفيق. وأجاب أيضاً: وإذا كان قسم نخل المغارسة أصلح للوقف، قسم. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا اقتسموا وجعلوا للوقف قطعة تفي، ثم تعطلت، فالذي تقتضيه قواعد الفقهاء: أن الإفراز للوقف المذكور الموقوف لا يصح، لوجوب العمل بنص الواقف وتعيينه؛ وهذا تَحيّل على إبطال الوقف، أو تقليله بتحويله عن جميع الملك، إلى جزء يسير منه، يتلف بتلفه، ويضعف بضعفه; ومن المعلوم ضرورة، أن غرض الواقف جعله في غلة جميع الملك، وبقاؤه على الدوام، وعبارة الفقهاء طافحة بمنع التصرف في الوقف، ممن له الولاية عليه، بما لاحظَّ أو مصلحة للوقف فيه، أو بما يقلل الرغبة فيه، ولو مآلاً. وأجاب الشيخ عبد العزيز بن حسن: وأما حصر الأضاحي المقدمة في جميع الملك، في جانب منه معين،

стр. 2656

أو نخلات معينة، فلا ينبغي هذا، لأن المعين قد ينقطع نفعه وغيره باق. قال الشيخ علي بن عيسى: هذا صحيح، وهو المفتى به عندنا. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: الذي أوصى في ثلث ماله بثلاث أضاحي، ثم أفرز له الورثة شقصاً قدر عشير الثلث، وهو وقت الإفراز يفي بالأضاحي، والآن لا يفي بواحدة، ثم طلب ولي الأضاحي إكمالها من ثلث مال الموصي، فهذا الإفراز ظلم من الورثة، لا يجوز للورثة حيازتها في بعض الثلث، لأن ظاهر لفظ الموصي تقديم الأضاحي، والخارج من الثلث بعدها، ولا يجوز العدول عن نصه. فصل قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب: الدليل على بطلان أوقاف كثير من أهل الوقف على الذين يرثونهم، أمور كثيرة من الأصول والفروع، ويعرف ذلك بمعرفة الوقف المشروع، وذلك أن النبي ﷺ شرط في أنواع الصدقة: أن يتصدق الإنسان ببعض ماله في الطرق التي أمر الله بها، مريداً بذلك وجه الله والدار الآخرة، ويجعلها صدقة جارية صح الأصل، مع الانتفاع

стр. 2657

بالفرع، كما فعل عمر وطلحة وغيرهما. فإذا عرفت أن الوقف بالإجماع ما قصد به القربة، فهنا قاعدة مجمع عليها، وهي: أنه لا يجوز لأحد بعد الرسول ﷺ أن يشرع شيئاً من الواجبات، ولا من المستحبات، بل يكون ذلك العمل بدعة وضلالة يضر ولا ينفع؛ والدليل ليس على النافي، بل على المثبت، فإذا لم يرد دليل عن الشارع أن هذا الوقف مشروع، فالأصل مع النافي، وهو أنه لا دين إلا ما شرعه الله ورسوله. يوضح هذا: أن العباس بن عتبة، أوصى بوصايا عند موته، فسأل الوالي القاسم بن محمد، فقال: انظر ما وافق الحق منها فأمضه، وما لا فرُدَّه، فإن عائشة حدثتني أن رسول الله ﷺ قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ١. فإذا كان بعض مشاهير التابعين، يرد من وصاياه كل ما لم ينقل عن النبي ﷺ ، فكيف بما حدث بعد ذلك؟ كما لو لم نجد نصاً في المسألة. وأما النصوص على بطلان هذا الوقف، فمن وجوه: منها ما ثبت أن رجلاً في زمن النبي ﷺ أعتق ستة أعبد عن دُبُر، ليس له مال غيرهم، فأقرع بينهم، وجزأهم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأَرَقَّ أربعة، وقال فيه قولاً شديداً; وفي رواية أنه قال: " لو حضرته، لم يدفن في مقابر المسلمين " ٢؛ وفي هذا الحديث عبرة عظيمة، وذلك أن فعل

стр. 2658

هذا خير من أوقافهم بكثير، وأقرب إلى الحق. ومثله من الأوقاف: أن يكون عند الرجل العقار، الذي لا مال له غيره، فيقفه على مسجد، ووجه بر لله تعالى، ويستثني غلته مدة حياته، وليس فيه من المخالفة إلا الزيادة على الثلث؛ وأوقافنا هذه يقف الرجل عقاراته التي هي غالب أمواله، أو لا مال له غيرها، ويستثني غلتها، ويزيد على فعل ذلك الرجل، بأن مقصده تعدي حدود الله، وعدم الرضى بها؛ فأين هذا من هذا؟ فلو قدرنا أن هذه الأوقاف كوقف طلحة، فهذا الحديث صريح: أنه لا يجوز للحاكم أن يجيز منها ما زاد على الثلث، فكيف وهي باطلة من وجوه كثيرة. الدليل الثاني: ما رواه الإمام أحمد: "أن بعض الصحابة طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فقال عمر: إني أظن الشيطان قذف في قلبك أنك تموت عن قريب، وأيم الله لتراجعهن، أو لأورثهن من مالك، ثم آمر بقبرك فيرجم كما رجم قبر أبي رغال". فليتدبر المؤمن الخالي عن التعصب والهوى هذا الحديث، ويعرف الفرق بينه وبين مسألتنا. ومعلوم: أن الطلاق حلال بالإجماع، لكن لما ظن عمر أن مراده حرمان النساء، وحجر المال على بنيه، قال فيه هذا القول الغليظ؛ فكيف يجعل هذا الأمر الذي من

стр. 2659

فعله، أمر عمر برجمه كقبر أبي رغال أمراً مشروعاً، ويجوز الوقف فيه، ويثاب على حرمان النساء وغيرهن؟! ويتحيل بهذا بطلب الصدقة والقربة; وإنما هذه الأوقاف تشابه من قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي﴾ [سورة التوبة آية: ٤٩] تحيلاً على ترك الجهاد بالورع؛ وهؤلاء تحيلوا على تعدي الحدود بالوقف، ولا شك أن هذا من أنواع النفاق. وأما كلام الأئمة: فقال في الشرح الكبير: إن الميموني سأل أحمد عن بعض مسائل الوقف، فقال: ما أعرف الوقف إلا ما ابتغي به وجه الله; وقال أيضاً: قال أحمد أحب إلي أن لا يقف ماله، ويدعه على فرائض الله؛ ومعلوم: أن توقيف المال لو كان صحيحاً عند أحمد على الورثة، لكان أحب إليه من تركه، لكونه قربة مطلوبة للشارع. وأما كلام المتأخرين: فقال في الشرح أيضاً: إذا وقف ثلثه في مرضه على بعض ورثته، فروي عن أحمد عدم الجواز. والثانية: يجوز، واحتج بأن وقف عمر قال: "تليه حفصة ما عاشت، لا جناح على من وليه إن أكل". ثم رجح الشارح الرواية الأولى، قال: وأما خبر عمر فإنه لم يخص بعض الورثة بوقفه، وإنما جعل الولاية إلى حفصة، وليس ذلك وقفاً عليها، فلا يكون ذلك وارداً في محل النّزاع.

стр. 2660

إذا تبين هذا، فالذين يصححونه يحتجون بثلاث حجج: إحداها: العمومات الدالة على الصلة، كقوله: " صدقتك على ذي الرحم: صدقة وصلة " ١، وقوله: "ثم أدناك أدناك" ٢؛ وهذا من العجائب، وهو من جنس من أجاز الصلاة في أوقات النهي، والصيام في الأعياد، بالعمومات الدالة على فضيلة الصلاة والصيام؛ ولكن هذا شأن من أراد اتباع المتشابه، يترك النصوص الصريحة، ويستدل بما لا دليل فيه. والذين يقولون: لا يجوز لأحد أن يشرع ما لم يشرع الله، ولا يجوز لأحد أن يغير حدود الله، يأمرون بصلة القريب، خصوصاً الأدنى، ولا تناقض بين ذلك، والذي أمر بالصلة والصدقة، هو الذي قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ١٤] ، وهو الذي قال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] ؛ فلا يجوز أن تضرب الأدلة بعضها ببعض، ويترك بعضها، بل كلها حق يصدق بعضها بعضاً. الثانية: أن الصحابة وقفوا على أولادهم، ويحتجون بجواب الحميدي، وهذا عنه جوابان: أحدهما: أن المرسل الذي اختلف في العمل به، هو مرسل التابعين،

стр. 2661

وأما مراسيل المتأخرين، فأهل العلم مجمعون على أنه لا يثبت بها حكم. الجواب الثاني: أنهم ذكروا في جملتهم عمر والزبير، وهذا عمر وقفه معروف، وإنما جعل الولاية إلى حفصة، ومعلوم أن الإنسان إذا وقف على ابن السبيل والأيتام، وجعل ولِيَّهُ المصلح من ذريته، وله على عمله كذا وكذا، ليس مما نحن فيه. وأما الزبير، فعبارة البخاري في صحيحه: "وتصدق الزبير بدوره، واشترط للمردودة من بناته أن تسكن"؛ ومثال ذلك: أن يقف على بر مثل مسجد، أو الفقراء أو الأضاحي، ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي فهو مقدم على ذلك، وليس هذا مما نحن فيه، ولعل وقف الصحابة كلهم على هذه الكيفية. وعلى كل حال: من ادعى خلاف ما قلناه، فعليه الدليل بالإسناد الثابت عنهم. الثالثة: العبارات التي توجد في كلام بعض العلماء: وإن وقف على أولاده، أو قال كذا وكذا وأمثال ذلك، يستدلون به على صحة هذا الوقف؛ وليس في هذا كله ما يدل على ما ذهبوا إليه، وغاية ما يدل كلامهم عليه، أن الرجل إذا وقف بعض ماله يريد به وجه الله والدار الآخرة، ولا يريد حرمان أحد، ولا تحريم بيعه عليهم خوف الفقر، بل مقصوده وجه الله، أنه يصح. وهذه المسألة مع كون فيها ما فيها، فليست مسألتنا، والذين قالوا هذه العبارات هم

стр. 2662

الذين اشترطوا: أنه لا بد أن يكون على وجه بر. وذكروا أن الوقف على المباح باطل، وهم الذين ذكروا أن الحيل على الحرام لا تحل؛ فإذا جمع الإنسان كلامهم تبين له ما قلنا، ولو قدرنا أنهم أرادوا ذلك، فالواجب عند التنازع الرد إلى الله والرسول، وقد تقدم من نصوص الكتاب والسنة ما يشفي ويكفي. وإذا كان الشارع قال: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ١، فحجر عليه ذلك مع كونه لا يعده ديناً، فكيف إذا قصد التقريب بهذا المنهي عنه، وأقر على نفسه أن هذا مقصده. ومثل من منعه في الوصية وأجازه في الوقف، مثل من حرم نكاح الأخت إذا كان لمجرد الشهوة، ثم يقول: إن قصد بر أخته فهو نكاح صحيح، وعمل ينال به ثواب الأبرار؛ فعسى الله أن يوفقنا وإخواننا لما يحب ويرضى. وقال أيضاً، قدس الله روحه ونور ضريحه: هذه كلمات، جواب عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والإثم، ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة، ثم نتكلم على الأدلة، وذلك: أن السلف اختلفوا في الوقف الذي يراد به وجه الله على غير من يرثه، مثل الوقف على الأيتام، وصوام رمضان، والمساكين أو أبناء السبيل، فقال شريح القاضي وأهل الكوفة: لا يصح ذلك الوقف،

стр. 2663

حكاه عنهم الإمام أحمد; وقال جمهور أهل العلم: هذا وقف صحيح؛ واحتجوا بحجج صحيحة صريحة ترد قول أهل الكوفة. فهذه الحجج التي ذكرها أهل العلم، يحتجون بها على علماء أهل الكوفة، مثل قوله: صدقة جارية، ومثل وقف عمر، وأوقاف أهل المقدرة من الصحابة على جهات البر التي أمر الله بها ورسوله، ليس فيها تغيير لحدود الله. وأما مسألتنا فهي: إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفَرَّ من قسمة الله، وتمرد عن دين الله، مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل، ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض فراراً من وصية الله بالعدل، أو يريد أن يحرم نسل البنات، أو يريد أن يحرم على ورثته بيع هذا العقار، لئلا يفتقروا بعده، ويفتي له بعض المفتين أن هذه - البدعة الملعونة - صدقة بر تقرب إلى الله، ويقف على هذا الوجه قاصداً وجه الله، فهذه مسألتنا؛ فتأمل هذا بشراشر قلبك، ثم تأمل ما نذكره من الأدلة. فنقول: من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر: تغيير شرع الله ودينه، والتحيل على ذلك بالتقرب إليه؛ وذلك مثل أوقافنا هذه، إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من امرأة، أو امرأة ابن، أو نسل بنات، أو غير ذلك، أو يعطي من

стр. 2664

حَرَمَه الله، أو يزيد أحداً عما فرض الله، أو ينقصه من ذلك، ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعداً عن الله، فالأدلة على بطلان هذا الوقف، وعوده طلقاً، وقسمه على قسم الله ورسوله أكثر من أن تحصر. ولكن من أوضحها دليل واحد، وهو أن يقال لمدعي الصحة: إذا كنت تدعي أن هذا مما يحب الله ورسوله، وفعله أفضل من تركه، وهو داخل فيما حض عليه النبي ﷺ من الصدقة الجارية وغير ذلك، فمعلوم أن الإنسان مجبول على حبه لولده، وإيثاره على غيره، حتى أصحاب رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة التغابن آية: ١٥] . فإذا شرع الله لهم أن يقفوا أموالهم على أولادهم، ويزيدوا من شاؤوا، أو يحرموا النساء والعصبة ونسل البنات، فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ؟! ولأي شيء لم يفعله التابعون؟ ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة، ولم يحبوا أولادهم، وآثروا البعيد عليهم وعلى العمل الصالح، ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عش؟ أم تراهم خفي عليهم حكم هذه المسألة ولم يعلموها، حتى ظهر هؤلاء فعلموها؟ سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه!

стр. 2665

فإن ادعى أحد: أن الصحابة فعلوا هذا الوقف، فهذا عين الكذب والبهتان؛ والدليل على هذا: أن هذا الذي تتبع الكتب وحرص على الأدلة، لم يجد إلا ما ذكره، ونحن نتكلم على ما ذكره. فأما حديث أبي هريرة الذي فيه: " صدقة جارية " ١، فهذا حق؛ وأهل العلم استدلوا به على من أنكر الوقف على اليتيم وابن السبيل والمساجد، ونحن أنكرنا على من غير حدود الله، وتقرب بما لم يشرعه الله، ولو فهم الصحابة وأهل العلم هذا الوقف من هذا الحديث لبادروا إليه. وأما حديث عمر: أنه "تصدق بالأرض على الفقراء، والرقاب، والضيف، وذوي القربى، وأبناء السبيل"، فهذا بعينه من أبين الأدلة على مسألتنا، وذلك أن من احتج على الوقف على الأولاد، ليس له حجة إلا هذا الحديث، لأن عمر قال: "لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف"، وإن حفصة وليته، ثم وليه عبد الله ابن عمر؛ فاحتجوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة، وهذه الحجة من أبطل الحجج، وقد بينه الشيخ الموفق ﵀ والشارح، وذكرا أن أكل الولي ليس زيادة على غيره، وإنما ذلك أجرة عمله كما كان في زماننا هذا. يقول صاحب الضحية: لوليها الجلد والأكارع، ففي هذا دليل من وجهين: الأول: أن من وقف من الصحابة مثل عمر وغيره، لم
следующие страницы →