← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

وأما مراسيل المتأخرين، فأهل العلم مجمعون على أنه لا يثبت بها حكم. الجواب الثاني: أنهم ذكروا في جملتهم عمر والزبير، وهذا عمر وقفه معروف، وإنما جعل الولاية إلى حفصة، ومعلوم أن الإنسان إذا وقف على ابن السبيل والأيتام، وجعل ولِيَّهُ المصلح من ذريته، وله على عمله كذا وكذا، ليس مما نحن فيه. وأما الزبير، فعبارة البخاري في صحيحه: "وتصدق الزبير بدوره، واشترط للمردودة من بناته أن تسكن"؛ ومثال ذلك: أن يقف على بر مثل مسجد، أو الفقراء أو الأضاحي، ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي فهو مقدم على ذلك، وليس هذا مما نحن فيه، ولعل وقف الصحابة كلهم على هذه الكيفية. وعلى كل حال: من ادعى خلاف ما قلناه، فعليه الدليل بالإسناد الثابت عنهم. الثالثة: العبارات التي توجد في كلام بعض العلماء: وإن وقف على أولاده، أو قال كذا وكذا وأمثال ذلك، يستدلون به على صحة هذا الوقف؛ وليس في هذا كله ما يدل على ما ذهبوا إليه، وغاية ما يدل كلامهم عليه، أن الرجل إذا وقف بعض ماله يريد به وجه الله والدار الآخرة، ولا يريد حرمان أحد، ولا تحريم بيعه عليهم خوف الفقر، بل مقصوده وجه الله، أنه يصح. وهذه المسألة مع كون فيها ما فيها، فليست مسألتنا، والذين قالوا هذه العبارات هم

стр. 2662

الذين اشترطوا: أنه لا بد أن يكون على وجه بر. وذكروا أن الوقف على المباح باطل، وهم الذين ذكروا أن الحيل على الحرام لا تحل؛ فإذا جمع الإنسان كلامهم تبين له ما قلنا، ولو قدرنا أنهم أرادوا ذلك، فالواجب عند التنازع الرد إلى الله والرسول، وقد تقدم من نصوص الكتاب والسنة ما يشفي ويكفي. وإذا كان الشارع قال: " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ١، فحجر عليه ذلك مع كونه لا يعده ديناً، فكيف إذا قصد التقريب بهذا المنهي عنه، وأقر على نفسه أن هذا مقصده. ومثل من منعه في الوصية وأجازه في الوقف، مثل من حرم نكاح الأخت إذا كان لمجرد الشهوة، ثم يقول: إن قصد بر أخته فهو نكاح صحيح، وعمل ينال به ثواب الأبرار؛ فعسى الله أن يوفقنا وإخواننا لما يحب ويرضى. وقال أيضاً، قدس الله روحه ونور ضريحه: هذه كلمات، جواب عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والإثم، ونحن نذكر قبل ذلك صورة المسألة، ثم نتكلم على الأدلة، وذلك: أن السلف اختلفوا في الوقف الذي يراد به وجه الله على غير من يرثه، مثل الوقف على الأيتام، وصوام رمضان، والمساكين أو أبناء السبيل، فقال شريح القاضي وأهل الكوفة: لا يصح ذلك الوقف،

стр. 2663

حكاه عنهم الإمام أحمد; وقال جمهور أهل العلم: هذا وقف صحيح؛ واحتجوا بحجج صحيحة صريحة ترد قول أهل الكوفة. فهذه الحجج التي ذكرها أهل العلم، يحتجون بها على علماء أهل الكوفة، مثل قوله: صدقة جارية، ومثل وقف عمر، وأوقاف أهل المقدرة من الصحابة على جهات البر التي أمر الله بها ورسوله، ليس فيها تغيير لحدود الله. وأما مسألتنا فهي: إذا أراد الإنسان أن يقسم ماله على هواه، وفَرَّ من قسمة الله، وتمرد عن دين الله، مثل أن يريد أن امرأته لا ترث من هذا النخل، ولا تأكل منه إلا حياة عينها، أو يريد أن يزيد بعض أولاده على بعض فراراً من وصية الله بالعدل، أو يريد أن يحرم نسل البنات، أو يريد أن يحرم على ورثته بيع هذا العقار، لئلا يفتقروا بعده، ويفتي له بعض المفتين أن هذه - البدعة الملعونة - صدقة بر تقرب إلى الله، ويقف على هذا الوجه قاصداً وجه الله، فهذه مسألتنا؛ فتأمل هذا بشراشر قلبك، ثم تأمل ما نذكره من الأدلة. فنقول: من أعظم المنكرات وأكبر الكبائر: تغيير شرع الله ودينه، والتحيل على ذلك بالتقرب إليه؛ وذلك مثل أوقافنا هذه، إذا أراد أن يحرم من أعطاه الله من امرأة، أو امرأة ابن، أو نسل بنات، أو غير ذلك، أو يعطي من

стр. 2664

حَرَمَه الله، أو يزيد أحداً عما فرض الله، أو ينقصه من ذلك، ويريد التقرب إلى الله بذلك مع كونه مبعداً عن الله، فالأدلة على بطلان هذا الوقف، وعوده طلقاً، وقسمه على قسم الله ورسوله أكثر من أن تحصر. ولكن من أوضحها دليل واحد، وهو أن يقال لمدعي الصحة: إذا كنت تدعي أن هذا مما يحب الله ورسوله، وفعله أفضل من تركه، وهو داخل فيما حض عليه النبي ﷺ من الصدقة الجارية وغير ذلك، فمعلوم أن الإنسان مجبول على حبه لولده، وإيثاره على غيره، حتى أصحاب رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [سورة التغابن آية: ١٥] . فإذا شرع الله لهم أن يقفوا أموالهم على أولادهم، ويزيدوا من شاؤوا، أو يحرموا النساء والعصبة ونسل البنات، فلأي شيء لم يفعل ذلك أصحاب رسول الله ﷺ ؟! ولأي شيء لم يفعله التابعون؟ ولأي شيء لم يفعله الأئمة الأربعة وغيرهم؟ أتراهم رغبوا عن الأعمال الصالحة، ولم يحبوا أولادهم، وآثروا البعيد عليهم وعلى العمل الصالح، ورغب في ذلك أهل القرن الثاني عش؟ أم تراهم خفي عليهم حكم هذه المسألة ولم يعلموها، حتى ظهر هؤلاء فعلموها؟ سبحان الله ما أعظم شأنه وأعز سلطانه!

стр. 2665

فإن ادعى أحد: أن الصحابة فعلوا هذا الوقف، فهذا عين الكذب والبهتان؛ والدليل على هذا: أن هذا الذي تتبع الكتب وحرص على الأدلة، لم يجد إلا ما ذكره، ونحن نتكلم على ما ذكره. فأما حديث أبي هريرة الذي فيه: " صدقة جارية " ١، فهذا حق؛ وأهل العلم استدلوا به على من أنكر الوقف على اليتيم وابن السبيل والمساجد، ونحن أنكرنا على من غير حدود الله، وتقرب بما لم يشرعه الله، ولو فهم الصحابة وأهل العلم هذا الوقف من هذا الحديث لبادروا إليه. وأما حديث عمر: أنه "تصدق بالأرض على الفقراء، والرقاب، والضيف، وذوي القربى، وأبناء السبيل"، فهذا بعينه من أبين الأدلة على مسألتنا، وذلك أن من احتج على الوقف على الأولاد، ليس له حجة إلا هذا الحديث، لأن عمر قال: "لا جناح على من وليه أن يأكل بالمعروف"، وإن حفصة وليته، ثم وليه عبد الله ابن عمر؛ فاحتجوا بأكل حفصة وأخيها دون بقية الورثة، وهذه الحجة من أبطل الحجج، وقد بينه الشيخ الموفق ﵀ والشارح، وذكرا أن أكل الولي ليس زيادة على غيره، وإنما ذلك أجرة عمله كما كان في زماننا هذا. يقول صاحب الضحية: لوليها الجلد والأكارع، ففي هذا دليل من وجهين: الأول: أن من وقف من الصحابة مثل عمر وغيره، لم

стр. 2666

يقفوا على ورثتهم، ولو كان خيراً لبادروا إليه؛ وهذا المصحح لم يصحح بقوله: "ثم أدناك أدناك " ١. فإذا كان وقف عمر على أولاده أفضل من الفقراء وأبناء السبيل، فما باله لم يوقف عليهم؟ أتظنه اختار المفضول وترك الفاضل؟ أم تظن أنه هو ورسول الله ﷺ الذي أمره لم يفهما حكم الله؟ الثاني: أن من احتج على صحة الوقف على أولاده وتفضيل البعض، لم يحتج إلا بقوله: "تليه حفصة، ثم ذو الرأي، وأنه يأكل بالمعروف"؛ وقد بينا معنى ذلك، وأنه لم يبر أحداً، وإنما جعل ذلك للولي عن تعبه في ذلك. فإذا كان المستدل لم يجد عن الصحابة إلا هذا، تبين لك أن قولهم: تصدق أبو بكر بداره على ولده، وتصدق فلان وفلان، وأن الزبير خص بعض بناته، ليس معناه كما فهموا، وإنما معناه: أنهم تصدقوا بما ذكر صدقة عامة على المحتاجين، فكان أولاده إذا قدموا البلد نزلوا تلك الدار، لأنهم من أبناء السبيل، كما يوقف الإنسان مسقاة ويتوضأ منها، وينتفع بها هو وأولاده مع الناس، وكما يقف مسجداً ويصلي فيه. وعبارة البخاري في صحيحه: "وتصدق أنس بدار، فكان إذا قدم نزلها، وتصدق الزبير بدوره، واشترط للمردودة من بناته أن تسكن". فتأمل عبارة البخاري يتبين لك ما ذكر

стр. 2667

عن الصحابة، مثل من وقف نخلاً على المفطرين من الفقراء في المسجد، ويقول: إن افتقر أحد من ذريتي فليفطر معهم، فأين هذا من وقف الجنف والإثم؟ على أن هذه العبارة كلام الحميدي، والحميدي في زمن القاضي أبي يعلى؛ وأجمع أهل العلم على أن مراسيل المتأخرين لا يجوز الاحتجاج بها، فمن احتج بها فقد خالف الإجماع، هذا لو فرضنا أنه يدل على ذلك، فكيف وقد بينا معناه، ولله الحمد. إذا تبين لك: أن من أجاز الوقف على الأولاد والتفضيل، لم يجد إلا حديث عمر. وقوله: "ليس على من وليه جناح"، وأن الموفق وغيره ردوا على من احتج به، تبين لك أن حديث عمر من أبين الأدلة، على بطلان وقف الجنف والإثم. وأما قوله: لم يكن من أصحاب رسول الله ﷺ ذو مقدرة إلا وقف، فهل هذا يدل على صحة وقف الجنف والإثم؟ وما مثله إلا كمن رأى رجلاً يصلي في أوقات النهي، فأنكر عليه، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩-١٠] ، ويقول: إن أصحاب رسول الله ﷺ يصلون، أو يذكرون فضل الصلاة. وكذلك مسألتنا، إذا قلنا: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء آية: ١١] ، ﴿وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [سورة النساء آية:

стр. 2668

١٢] . أو قلنا: " إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ١، أو قلنا: إن النبي ﷺ غلظ القول فيمن تصدق بماله كله، أو قلنا: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " ٢، وادعوا علينا: أن الصحابة وقفوا، هل أنكرنا الوقف كأهل الكوفة، حتى يحتج علينا بذلك؟! وأما قول أحمد: من رد الوقف فكأنما رد السنة، فهذا حق، ومراده: وقف رسول الله ﷺ وأصحابه، كما ذكره أحمد في كلامه. وأما وقف الإثم والجنف، فمن رده فقد عمل بالسنة، ورد البدعة، واتبع القرآن. وأما قوله: إن في صدقة رسول الله ﷺ أن يأكل بالمعروف، وإن زيداً وعمراً سكنا داريهما التي وقفا، فيا سبحان الله! من أنكر هذا؟ وهذا كمن وقف مسجداً وصلى فيه وذريته، أو وقف مسقاة واستقى منها وذريته; وقول الخرقي: والظاهر أنه عن شرط فكذلك، وهذا شرط صحيح وعمل صحيح، كمن وقف داره على المسجد، أو أبناء السبيل، أو استثنى سكناه مدة حياته؛ وكل هذا يردون به على أهل الكوفة، فإن هذا ليس من وقف الجنف والإثم. وأما قوله: "ابدأ بنفسك، ثم بمن تعول"، وقوله: " صدقتك على رحمك: صدقة وصلة " ٣، وقوله: " ثم أدناك أدناك " ٤، وأشباه ذلك؛ فكل هذا صحيح لا إشكال فيه، لكن لا يدل على تغيير حدود الله، فإذا قال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي

стр. 2669

أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [سورة النساء آية: ١١] ، ووقف الإنسان على أولاده، ثم أخرج نسل الإناث، محتجاً بقوله: " ثم أدناك أدناك " ١، أو صلة الرحم، فمثله كمثل رجل أراد أن يتزوج خالة، أو عمة فقيرة، فتزوجها يريد الصلة، واحتج بتلك الأحاديث، فإن قال: إن الله حرم نكاح الخالات والعمات، قلنا: وحرم تعدي حدود الله، التي حد في سورة النساء قال: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ١٤] ؛ فإذا قال: الوقف ليس من هذا، قلنا: هذا مثل قوله: من تزوج خالته، إذا تزوجها لفقرها، ليس من هذا، فإذا كان عندكم بين المسألتين فرق، فبينوه. وأما قول عمر: "إن حدث بي حادث أن "ثمغى" صدقة"، هذا يستدلون به على تعليق الوقف بالشرط؛ وبعض العلماء يبطله، فاستدلوا به على صحته. وأما قوله: إن عمر وقفه على الورثة، فيا سبحان الله! كيف يكابرون النصوص، ووقف عمر وشرطه ومصارفه في "ثمغى" وغيرها، معروفة مشهورة; وأما قول عمر: "إلا سهمي الذي بخيبر، أردت أن أتصدق بها"، فهذا دليل على أهل الكوفة، كما قدمناه، فأي دليل في هذا على صحة هذا الوقف الملعون، الذي بطلانه أظهر من بطلان حيلة أصحاب السبت بكثير. وأما "وقف حفصة الحلي على آل الخطاب"، فيا

стр. 2670

سبحان الله! هل وقفت على ورثتها؟ أو حرمت أحداً أعطاه الله، أو أعطت أحداً حرمه الله، أو استثنت غلة مدة حياتها؟ فإذا وقف محمد بن سعود نخلاً، على الضعيف من آل مقرن، أو مثل ذلك، هل أنكرنا هذا؟ وهذا وقف حفصة، فأين هذا مما نحن فيه؟ وأما قولهم: إن عمر وقف على ورثته، فإن كان المراد ولاية الوقف فهو صحيح، وليس مما نحن فيه، وإن كان مراد القائل: أنه ظن أنه وقف يدل على صحة ما نحن فيه، فهذا كذب ظاهر، ترده النقول الصحيحة في صفة وقف عمر. وأما كون حفصة وقفت على أخ لها يهودي، فهو لا يرثها، ولا ننكر ذلك. وأما كلام الحميدي فتقدم الكلام عنه. وسر المسألة: أنك تفهم أن أهل الكوفة يبطلون الوقف على المساجد، وعلى الفقراء والقرابات الذين لا يرثونهم، فرد عليهم أهل العلم بتلك الأدلة الصحيحة؛ ومسألتنا هي إبطال هذا الوقف الذي يغير حدود الله، وإيتاء حكم الجاهلية، وكل هذا ظاهر لا خفاء فيه؛ ولكن إذا كان الذي كتبه يفهم معناه، وأراد به التلبيس على الجهال، كما فعل غيره، فالتلبيس يضمحل، وإن كان هذا قدر فهمه، وأنه ما فهم هذا الذي تعرفه العوام، فالخلف والخليفة على الله؟ وأما ختمه الكلام بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ

стр. 2671

وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، فيا لها من كلمة ما أجمعها! ووالله إن مسألتنا هذه من إنكارها، وقد أتانا رسول الله ﷺ بلزوم حدود الله والعدل بين الأولاد، ونهانا عن تغيير حدود الله والتحيل على محارم الله، وإذا قدرنا أن مراد صاحب هذا الوقف وجه الله، لأجل من أفتاه بذلك، فقد نهانا رسول الله ﷺ عن البدع في دين الله ولو صحت نية فاعلها، فقال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ١، وفي لفظ: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ٢؛ هذا نص الذي قال الله فيه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر آية: ٧] ، وقال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [سورة النور آية: ٥٤] ، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] . فمن قبل ما آتاه الرسول وانتهى عما نهى، وأطاعه ليهتدي، واتبعه ليكون محبوباً عند الله، فليوقف كما وقف رسول الله ﷺ وكما وقف عمر ﵁ وكما وقفت حفصة، وغيرهم من الصحابة وأهل العلم. وأما هذا الوقف المحدث الملعون، المغير لحدود الله، فهذا الذي قال الله فيه بعدما حد المواريث والحقوق للأولاد والزوجات وغيرهم: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 2672

وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة النساء آية: ١٣-١٤] . وقد علمتم ما قال الرسول فيمن أعتق ستة العبيد، وما رد وأبطل من ذلك، فهو شبيه من أوقف ماله كله خالصاً لوجه الله، على مسجد أو صوام أو غير ذلك، فكيف بما هو أعظم وأطم من هذه الأوقاف؟! وأما قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحج آية: ٧٧] ، فوالله الذي لا إله إلا هو، إن فعل الخير: اتباع ما شرع الله، وإبطال ما غير حدود الله، والإنكار على من ابتدع في دين الله؛ هذا هو فعل الخير المعلق به الفلاح، خصوصاً مع قوله ﷺ : " وإياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ١، وقوله: " لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل "، وقوله: " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم، فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها " ٢. فليتأمل اللبيب الخالي من التعصب والهوى، الذي يعرف أن وراءه جنة وناراً، الذي يعلم أن الله يطلع على خفيات الضمير، هذه النصوص، ويفهمها فهماً جيداً، ثم ينَزلها على مسألة وقف الجنف والإثم، ثم يتبين له الحق إن شاء الله. وأجاب أيضاً: وأما المسائل التي ذكرت، فاعلم أولاً: أن الحق إذا لاح واتضح، لم يضره كثرة المخالف،

стр. 2673

ولا قلة الموافق، وقد عرفت بعض غربة التوحيد، الذي هو أوضح من الصلاة والصوم، ولم يضره ذلك. فإذا فهمت قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة النساء آية: ٥٩] ، وتحققت أن هذا حتم على المؤمنين، فاعلم: أن مسألة الأوقاف، فيها النزاع معروف في كتب المختصرات; ذكر في شرح الإقناع في أول الوقف: أنهم اتفقوا على صحة الوقف على المساجد والقناطر، يعني نفعهما لا الوقف عليهما، واختلفوا فيما سوى ذلك. إذا تبين لك، فاعلم: أن رسول الله ﷺ قال: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ١، وفي الصحيح: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ٢، وتقطع أن رسول الله ﷺ لم يأمر بهذا، ولو أمر به لكان الصحابة أسبق الناس إليه وأحرصهم عليه، وتقطع أيضاً أن رسول الله ﷺ أتى بسد الذرائع، وهو من أعظم الأشياء ذريعة إلى تغيير حدود الله، هذا على تقدير أن العالم المنسوب إليه هذا، يصحح مثل أوقافنا، وأنى ذلك، وحاشا وكلا، بل يبطل الوقف الذي يقصد به وجه الله على أمر مباح، ويقول: لا بد منه على أمر قربة. وأما كونه جعل ماله بعد الورثة على بر هذا لم يرد

стр. 2674

إلا بعد انقراضهم، وعادتنا نفتي ببطلان مثل هذا، ولا نلتفت إلى هذا المصرف الثاني; وذكر بطلان مثل هذا، في الشرح الكبير، وغيره. وأما وقف المرأة على ولدها، وليس لها زوج، فكذلك تعرف: أن الوقف على الورثة ليس من دين رسول الله ﷺ ولو شرعه لكان أصحابه أسرع الناس إليه، سواء شرط على قسم الله أم لا؛ وهذا في الحقيقة يريد أمرين: الأول: تحريم ما أحل الله لهم، من بيعه وهديته والتصرف فيه. والثاني: يحرم زوجات الذكور وأزواج الإناث، فيشابه مشابهة جيدة ما ذكره الله عن المشركين في سورة الأنعام؛ ولكن كون الرسول ﷺ لم يأمر به كاف في فساده، صلحت نية صاحبه أم فسدت. وأما إذا لم يعلم هل هذا على من يرث أم لا، ولكن الاستفاضة أنه على من يرث، فأنا لا أدري عن هذه المسألة؛ لكن أرى التوقف عنها، ولا ينْزع عن يد من يأكله إلا ببينة. وأما مسألة آل جمعة، فهي باطلة، لكونها وقفاً على الورثة، وأيضاً يحرم بعضهم، وأيضاً لم يشرع. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد: وأما الذي وقف على ذريته الذكور، والأنثى حياة عينها، فهذا وقف الإثم والجنف، لما فيه من الحيلة على حرمان أولاد البنات ما جعل الله لهم في العاقبة، وهذا

стр. 2675

الوقف على هذه الجهة بدعة ما أنزل الله بها من سلطان؛ وغايته: تغيير فرائض الله بحيلة الوقف; وقد صنف فيها شيخنا، رحمه الله تعالى، وأبطل شبه المعارضين، ولا يجيزه إلا مرتاب في هذه الدعوة الإسلامية، وقصده مخالفة إمام المسلمين، أو جاهل لا يعرف السنة من البدعة، والهدى من الضلال، جاهل بأصول الشرع ومقاصد الشريعة؛ نعوذ بالله من الإفتاء في دين الله وشريعته بلا علم. وأجاب ابنه: الشيخ عبد اللطيف: الذي أوصى فيما خلف بثلاث حجج، وثلاث أضاحي، وباقي ثلث ماله وقفاً على عياله، وعلى عيال عياله ما تناسلوا، ويخص الضعيف، فإن استووا فهم فيه بالسوية على حسب الميراث ... إلخ; ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا وصية لوارث " ١، فما أوصى به الميت لورثته من الوقف باطل، وإنما يثبت ما فيها من الوصية بالحجج والأضاحي، والباقي ميراث على ما بينه الله في كتابه. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عمن أوصى بأن يجعل الثلث من ماله يشتري به ملكاً في الأحساء، ويجعل على الذرية بموجب الشرع، ولم يعين فيه أعمال بر، فهل يكون على ذرية الموصي ذكورهم، وإناثهم بالسوية؟ أو يكون للذكر مثل حظ الأنثيين؟ وإن مات أحد من الذكور، أو الإناث، فهل أولاده ينَزلون منْزلته في

стр. 2676

الموصى به؟ وهل أولاد الموجودين الأحياء، يشاركون آباءهم في الموصى به؟ فأجاب: الوقف المذكور على هذه الصفة وقف باطل، كما هو الصحيح عند محققي الحنابلة وغيرهم، إلا إذا اتفقت الورثة، وكانوا كلهم مرشدين، على جعل شيء منه في عمل بر وقربة، صح ذلك، وما فضل من الريع حكمه حكم الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين. وإن مات أحد من الورثة الذكور أو الإناث، فنصيبه لورثته، ينَزلون منْزلته، وكذلك الزوجة لها ميراث في الثلث، هذا هو العدل والشرع. وأجاب أيضاً: الذي وقف الثلث، ثم وقف بقية ملكه على أولاده، على حسب الميراث، وقفه باطل، لأنه مضاد لقسم الله في المواريث، فالذي يطلب تصحيح هذا، مبتلى بالهوى ومعارضة الشرع. سئل الشيخ حسن بن الشيخ حسين بن علي، ﵏: عن الوقف على أعمال البر، وفاضله على الذرية؟ فأجاب: الوقف على الذرية لا يجوز، سواء كان كله أو فاضلاً، وللشيخ والدنا ﵀ رسالة في هذا الوقف مبطلاً له، سماها: إبطال وقف الجنف والإثم، فتأملها يزل عنك إن شاء الله الإشكال. فيقسم فاضل هذا الوقف على

стр. 2677

ورثة الواقف، وورثتهم من بعدهم: فيكون لهذه البنت نصف أمها، وباقيه على عصبة أمها. هذا الذي ندين الله به، ولا نتوقف لأجل كلام الأصحاب، والحق ضالة المؤمن. وسئل أيضاً: إذا وقف على عياله، هل يدخل أولاد البنت والبنات، قبل أن ينقرض البطن الأول؟ فأجاب: هذا الوقف هو وقف الجنف والإثم والميل، كما قرره الشيخ محمد، ﵀، في رسالته المعروفة، وأقام الأدلة القاطعة على ذلك، فراجعها، وأبطل هذا الوقف، وهو الحق الذي لا شك فيه؛ وعلى قول المتأخرين: لا يدخل ولد البنت والبنات إلا بعد انقراض البطن الأول، وقد أخرجوا ولد البنات من الأولاد؛ فلا تلتفت إلى ما قرروه، وعليك بإبطاله. وقال الشيخ عبد الله أبا بطين: أما حرمان أولاد البنات، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀، أفتى بفساد هذا الوقف، وأدلة فساده ظاهرة - ولله الحمد - أنها على غير ملة الرسول ﷺ وأصحابه. وسئل أيضاً: إذا وقف رجل وقفاً، وجعل الفاضل على ذريته، هل يدخل فيه الزوجة وغيرها من الورثة؟ وذرية الولد الذي مات أبوه وهو حي؟

стр. 2678

فأجاب: هذا الوقف غير صحيح، على الصحيح، كما هو معروف من كلام الشيخ محمد ﵀، وغيره من أهل التحقيق، لأن هذا في حكم الوصية للذرية، وقد قال ﷺ : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ١. وأما على قول من صححه، فلا يدخل فيه أحد من الورثة غير الذرية، وأما ذرية الولد فيستحقونه بعد آبائهم مرتباً بطناً بعد بطن، ولا فرق بين من مات أبوه قبل أو بعد. وسئل: عن لفظ القريب والأقرب. فأجاب: أما لفظ القريب والأقرب فبينهما فرق، وهو أن القريب يعم الأقارب كلها، والأقرب يخص من كان إلى الميت أقرب من غيره من القرابة. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن وقف نخلاً على جهة من جهات البر أو على أناس معينين، واشترط أن ذريته أولى به إن احتاجوا إليه؟ فأجاب: هذا صحيح عند العلماء، ولا نعلم أحداً منعه، ومما يدل على ذلك وقف الزبير الذي اشترط فيه السكنى للمردودة من بناته. وأما من وقف على عياله، فهذا إذا لم يكن له ورثة غيرهم، فالظاهر الجواز، ولا نعلم علة توجب المنع، وإن

стр. 2679

كان له ورثة غيرهم وقف على الإجازة. وأما من وقف على المحتاج من ذريته، فلا أرى به بأساً، وكلام العلماء ظاهر في جوازه؛ فعلى هذا لو استغنى أولاده لصلبه، وفي أولادهم من هو محتاج، صرف إلى ولد ولده. وسئل أيضاً: عن وقف صورته: وقف زيد ملكه المسمى بكذا، المعروف في البلد الفلاني، على أخيه عمرو، ثم على ذريته من بعده؟ فأجاب: هذا الوقف المذكور صحيح لازم من رأس المال، لا يحسب من الثلث، لكونه منجزاً في الصحة. وقلنا: إنه وقف منجز، لإقراره بذلك إقراراً مطلقاً، غير معلق بموته؛ فبذلك صار وقفا منجزا. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن رجل وقف على الضعفاء من عياله وأقاربه؟ فأجاب: يدخل فيه أولاده حتى ولد البنات، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن فيهم ضعيف، فحكمه حكم المنقطع، يصير على أقرب ورثته بالنسب حينئذ وقفاً عليهم، ولو كانوا أغنياء. وأجاب الشيخ عبد اللطيف: أما الوقف على الضعيف، فكثير من الناس يستعمل الضعيف بمعنى الفقير،

стр. 2680

والفقير عندهم من لا يجد كفاية، ولو بالقدرة على الكسب؛ والفقراء متفاوتون بعضهم أحوج من بعض، فيلزم الناظر أن يعطي كلاً بحسبه. وأجاب الشيخ عبد العزيز بن حسن: أما الذي وقف على الضعفاء من ذريته وأقاربه، يدخل فيه الضعيف من أولاده، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه وإن نزلوا، الأقرب فالأقرب; فإن لم يكن فيهم ضعيف، فالظاهر أن حكمه حكم المنقطع، يكون على أقرب ورثة الواقف نسباً حينئذ وقفاً عليهم ولو أغنياء. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن وقف على أولاده ... إلخ؟ فأجاب: الذي تقرر في وقف الذي وقف على أولاده، للذكر مثل حظ الأنثيين، على أن من مات عن ولد فنصيبه لولده، ومن مات عن غير ولد رجع نصيبه إلى أهل الوقف. إنه لما مات ابن الابن عن غير ولد، رجع نصيبه لابن الموصي وبناته الأربع، فلما مات الابن صار نصيبه لابنه وابنته، للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم مات اثنتان من بنات الموصي عن أختيهما وابن أخيهما وأخته، للذكر مثل حظ الأنثيين. فصحت المسألة من تسعين: للأختين اثنان وأربعون، ولابن الابن اثنان وثلاثون، ولأخته ستة عشر. ثم مات ابن

стр. 2681

الابن عن أخته وعمته، فصار لابنة الابن ثلث الوقف إلا تسعه، ولعمتيها ثلثاه وتسع الثلث. هذا ما تحقق في هذه المسألة، وليس فيها انقطاع لا في الوسط ولا في الانتهاء، خلافاً لمن توهم ذلك. قال في الشرح الكبير: فإن قال: وقفت على أولادي، ثم على أولاد أولادي، على أن من مات من أولادي عن ولد فنصيبه لولده، ومن مات منهم عن غير ولد فنصيبه لأهل الوقف، وكان له ثلاثة بنين، فمات أحدهم عن ابنين، انتقل نصيبه إليهما، ثم مات الثاني عن غير ولد، فنصيبه لأخيه وابن أخيه بالسوية، لأنهم أهل الوقف. صورة وقف أفتى فيه الشيخ عبد الرحمن بن حسن: أوقف رجل نصيبه في العقار المسمى ... على أولاد أخيه بطناً بعد بطن، للذكر مثل حظ الأنثيين، وليس للبنت إلا حياتها. فقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: الصورة التي أبطلها الشيخ محمد، ﵀، هي: ما إذا وقف شخص على ورثته، واشترط فيه ما لا يحل من حرمان أولاد البنات، فأما هذا فليس فيه حرمان وارث يمنع صحته، والله أعلم.

стр. 2682

سئل ابنه: الشيخ عبد اللطيف: عمن وقف على ابني ولده زيد، وهما: عمرو، وبكر، وما تناسلوا بطناً بعد بطن، ومن بعدهم على عيال ولده خالد وما تناسلوا؟ فأجاب: مقتضاه أن عيال خالد، وعيالهم، في الوقف سواء، من غير ترتيب، للذكر مثل حظ الأنثيين. وسئل: عمن أوصى بثلث ماله، وقفاً على أولاده ما تعاقبوا وتناسلوا، والوقف المذكور على أولاده لصلبه، وأوصى بأن ابن ابنه داخل في وقف الثلث، له ما لأبيه؟ فأجاب: هذه الوصية صحيحة، يشترك فيها أولاد الموصى لصلبه ذكرهم وأنثاهم، وما ذكر لابن ابنه صحيح، ينَزل منْزلة أبيه وأعمامه، ويقاسمهم حصته كما ذكره الموصى، ولا يحجب الأعلى منهم من دونه. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عن رجل بيده وقف منصوص، وموقوف على يده وذريته، بطناً بعد بطن، واستولى ابنه عليه بعده، وخلف ثلاث بنات ... إلخ؟ فأجاب: ظاهر السؤال أن الذي بيده الوقف ليس وكيلاً، بل موقفاً عليه وذريته، بمعنى: أن غلة الوقف له ولذريته، وإن أوهم قول السائل على يده الوكالة؛ إذا ثبت هذا، فالموقوف عليه إن كان من ورثة الواقف، كولده

стр. 2683

ونحوهم فهو باطل، وهو وقف الجنف والإثم، الذي ألف شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في إبطاله رسالتين أو أكثر، وذكر على ذلك من الأدلة ما فيه كفاية; وأما الأصحاب فيجيزون مثل هذا الوقف. وأما إن كان الموقوف عليه ليس من ورثة الواقف، فهو صحيح، ويكون الوقف بين ثلاث البنات المذكورات بالسوية، ومن مات منهن رجع نصيبها لبقية أخواتها؛ فإذا لم يبق من الثلاث أحد، صار الوقف لأولاد الثلاث بالسوية: الذكر والأنثى سواء؛ فإذا لم يبق منهم أحد، انتقل للدرجة التي بعدهم على التفصيل السابق، وهكذا كما هو نص الواقف بقوله: بطناً بعد بطن. ودخول أولاد البنات هو على رواية عن أحمد، اختارها جمع، منهم صاحب الشرح الكبير، وهي المفتى بها عندنا لقوة دليلها. والرواية الأخرى: لا يدخلون، وهي المذهب، واختارها أكثر الأصحاب؛ فعليها يكون الوقف بعد انقراض البنات الثلاث، حكمه حكم منقطع الآخر، والمذهب: أنه لورثة الواقف نسباً وقفاً عليهم، وفيه خلاف. وسئل الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد: عن قول الواقف: هذا وقف على أولادي، ثم على أولادهم، هل هذا ترتيب جملة على مثلها؟ أم ترتيب أفراد؟ وإذا قال: من

стр. 2684

مات عن ولد فنصيبه لولده، هل هذا قرينة في دخول أولاد البنات أم لا؟ وما معنى ترتيب الجملة؟ وترتيب الأفراد؟ أفيدونا مأجورين. فأجاب: إذا قال: هذا وقف على أولادي، ثم أولادهم، فقد ذهب أكثر أصحابنا إلى أن هذا من باب ترتيب الجملة على مثلها، ومعناه: أنه إذا مات واحد من الأولاد الموقوف عليهم وله أولاد، لم يستحق أولاده شيئاً، بل يرجع نصيبه إلى من في درجته، وليس للبطن الثاني شيء ما دام موجوداً من البطن الأول أحد؛ هذا هو معنى ترتيب الجملة على مثلها. وقد ذهب جماعة من محققي أصحابنا إلى أن هذا من باب ترتيب الأفراد على مثله، منهم الشيخ تقي الدين، والعلامة ابن مفلح صاحب الفروع، وابن قاضي الجبل؛ وقال ابن أبي المجد: هو قوي في المعنى. وقال ابن اللحام - جامع الاختيارات -: هو أظهر. ومعنى هذا الذي ذهب إليه هؤلاء المحققون: أنه من باب ترتيب الأفراد على مثلها: إذا مات واحد من المذكورين في السؤال، انتقل نصيبه إلى أولاده، لا إلى من في درجته، والله أعلم. وأما إذا قال الموقف: من مات عن ولد فنصيبه لولده، فقد حكى غير واحد من الأصحاب: الإجماع في دخول أولاد البنات والحالة هذه، والله أعلم. وأما معنى:

стр. 2685

ترتيب الجملة على مثلها، وترتيب الأفراد، فقد ظهر لك معناهما مما تقدم، والله أعلم. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن رجل وقف على المستضعف من ذريته، والموجود له ابن هو الآن غني وولد ابن، وأولاد بنت، ولابن الموقف الغني أولاد بنت، يريد أن ينْزلوا منْزلته؟ فأجاب: الكلام في المسألة في مقامات: الأول: صحة مثل هذا الوقف أو عدمها. الثاني: من يدخل في هذا الوقف ومن لا يدخل. الثالث: كون استحقاقهم على الترتيب أو الاشتراك. الرابع: التفضيل بين الذكر والأنثى وعدمه. فأما المقام الأول: فإنه لا ريب في صحة مثل هذا الوقف، وكلام العلماء في ذلك معروف، وقد استدل عليه بوقف الزبير ﵁ حيث جعل للمردودة السكنى. وأما المقام الثاني: فإنه يدخل في هذا الوقف: المستضعف من أولاد بنيه وإن نزلوا بلا نزاع، كما في الإنصاف. وأما أولاد البنات، فالمذهب أنهم لا يدخلون، وعن الإمام أحمد رواية أنهم يدخلون. قال في الإقناع وشرحه: وإن وقف إنسان على عقبه، أو عقب غيره أو نسله، أو ولد

стр. 2686

ولده أو ذريته، دخل فيه - أي الوقف - ولد البنين وإن نزلوا، لتناول اللفظ لهم، ولا يدخل فيه ولد البنات بغير قرينة، لأنهم لا ينتسبون إليه كما تقدم; وعنه: يدخلون، قدمها في المحرر والرعاية، واختارها أبو الخطاب في الهداية، لأن البنات أولاده، وأولادهن أولاده حقيقة، لقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾ [سورة الأنعام آية: ٨٤-٨٥] وهو ولد بنته، وقوله ﷺ : " إن ابني هذا سيد " ١ يعني: الحسن، الحديث رواه البخاري; قال في الشرح: والقول بدخولهم أصح وأقوى دليلاً. انتهى من الإقناع وشرحه. قال في الإنصاف: ونقل عنه في الوصية: يدخلون، وذهب إليه بعض أصحابنا، وهذا مثله. قلت: بل هي هنا رواية منصوصة من رواية حرب; قال في القواعد: ومال إليه صاحب المغني، وهي طريقة ابن أبي موسى والشيرازي; قال الشارح: القول بأنهم يدخلون أصح وأقوى دليلاً، وصححه الناظم، واختاره أبو الخطاب في الهداية في الوصية، وصاحب الفائق، وجزم به في منتخب الآدمي، وقدمه في المحرر والرعايتين والحاوي الصغير وغيرهم، واختاره ابن عبدوس في تذكرته. انتهى كلام صاحب الإنصاف. وهذا هو المفتى به، وأفتى به الشيخ حمد بن

стр. 2687

عبد العزيز، وقال في فتواه: وهذا اختيار ابن القيم، ﵀، وأفتى به شيخنا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن. ويأتي في المقام الثالث بعض النقول، التي تزيد هذا إيضاحاً، إن شاء الله تعالى. وأما المقام الثالث: فإن استحقاقهم يكون على الترتيب بطناً بعد بطن؛ هذا هو الذي يدل عليه كلام الأصحاب، فإنهم صرحوا بذلك فيما إذا وقف على أولاده. قال ابن ذهلان: وإذا قال: هذا وقف على الضعيف من أولادي، أو أولاد زيد، فللبطن الأعلى فالأعلى، والذكر كالأنثى، أي كل ضعيف منهم. انتهى. وسئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن رجل وقف على الضعفاء من عياله وأقاربه؟ فأجاب: يدخل فيه أولاده، حتى ولد البنات، وأولاد أبيه، وأولاد جده، وأولاد جد أبيه، الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن فيهم ضعيف فحكمه حكم المنقطع، يصير على أقرب ورثته بالنسب حينئذ وقفاً عليهم، ولو كانوا أغنياء. انتهى، وبمثل ذلك أفتى الشيخ عبد العزيز بن حسن حرفاً بحرف، إلا أنه زاد: الذكر والأنثى سواء. وقال الشيخ عبد الله أبا بطين - في أثناء جواب له -: وأما من وقف على المحتاج من ذريته، فلا أرى به بأساً، وكلام العلماء ظاهر في جوازه؛ فعلى هذا لو استغنى أولاده

стр. 2688

لصلبه، وفي أولادهم من هو محتاج، صرف إلى ولد ولده. انتهى. وأفتى بذلك الشيخ حسن بن حسين بن علي في مسألتين، وكلامه موجود عندنا، لولا خشية الإطالة لنقلته لك. فقد عرفت من هذا: أن أولاد بنت ابن الواقف لا يشاركون أولاد أولاد الواقف، لكونهم أعلى منهم درجة. وأما المقام الرابع: فكلام الأصحاب ظاهر في أن الذكر والأنثى سواء، إذا وقف على أولاده؛ قال في المغني والشرح والإنصاف: بغير خلاف نعلمه؛ فتحصل مما تقدم: أنه متى وجد مستضعف من البطن الأول، فلا شيء للمستضعف من البطن الثاني، وهكذا، وأن أولاد البنات يدخلون على الراجح. وسئل الشيخ عبد الله العنقري: عن معينات وقف بالأحساء؟ فأجاب: أما الأضاحي فهي وقف مطلق، والمفتى به عندنا أنها تصرف إلى ورثة الواقف نسباً، سواء كانوا أغنياء أو فقراء; وأما المنصوص عليه للفقراء والمساكين، وأهل الحاجة، فالذي أرى: أن أقارب الواقف الفقراء الموجودين في المجمعة أولى بذلك، لأنه قد قام بهم وصفان: القرابة والفقر، والواقف قد أطلق ولم يقيد صرفه بمحل، فتعين صرفه إلى أقاربه الفقراء، لترجح جانبهم بالقرابة.

стр. 2689

قال أبو العباس ابن تيمية: إذا وقف على الفقراء، فأقارب الواقف الفقراء أحق من الفقراء الأجانب مع التساوي في الحاجة. اهـ. وقال في الإقناع وشرحه: ويصرف منقطع الآخر، كما لو وقف على جهة تنقطع ولم يذكر له مالاً، أو على من يجوز ثم على من لا يجوز. وكذا ما وقفه وسكت، إن قلنا: يصح الوقف حينئذ، فإنه يصرف إلى ورثة الواقف نسباً، لأن الوقف مصرفه البر، وأقاربه أولى الناس ببره، لقوله ﵇: " إنك إن تدع ورثتك أغنياء، خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ١، ولأنهم أولى الناس بصدقاته النوافل والمفروضات، فكذا صدقاته المنقولة، ولأن الإطلاق إذا كان له عرف صحيح صح وصرف إليه؛ وعرف المصرف هنا، أولى الجهات به، فكأنه عينهم لصرفه. انتهى ملخصاً. يؤيد ذلك: ما ثبت عن النبي ﷺ " أن أبا طلحة لما تصدق ببيرحاء، وطلب من النبي ﷺ أن يضعها حيث شاء، جعلها ﷺ في أقارب أبي طلحة " ٢، فهذه صدقة مطلقة، وقد صرفها النبي ﷺ إلى أقارب المتصدق; وقد أجبنا في مسألة تشبه هذا. وكتب الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ على جوابنا ما أجاب به الأخ عبد الله العنقري، وفقه الله، من أن أقارب الواقف الفقراء أحق بالوقف من غيرهم هو الصواب؛ فليعلم

стр. 2690

ذلك، والله أعلم بالصواب. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا قال: على أولادي أو على ذريتي ... إلخ؟ فأجاب: يختلف: أما إذا قال: على أولادي، فما دام باق من أولاده أحد ذكر أو أنثى، استحق جميع الوقف، فإذا انقرض البطن الأول صار لولدهم؛ وفي دخول أولاد البنات خلاف مشهور. وكذا إذا قال: على أولادي كل على قدر ميراثه، فلا يستحق البطن الثاني شيئاً حتى ينقرض البطن الأول. وأما الوقف على الذرية، فيتناول جميعهم: قريبهم وبعيدهم، ذكورهم وإناثهم سواء؛ وفي دخول أولاد البنات أيضاً، الخلاف المشهور. وأجاب الشيخ حمد بن عبد العزيز: الراجح أن أولاد البنات يدخلون في الذرية، وعليه الدليل من الكتاب والسنة، لأن الله ذكر عيسى في جملة ذرية إبراهيم، وهو ابن ابنته، وقال النبي ﷺ للحسن: " إن ابني هذا سيد " ١ وهو ابن ابنته فاطمة. وقول المتأخرين من الحنابلة: إن أولاد البنات لا يدخلون في الذرية والأولاد، قول ضعيف مخالف للدليل، وليس معهم إلا قول الشاعر ٢ وهو دليل

стр. 2691

ساقط لا يعارض به الكتاب والسنة. وهذا قول شيخ الإسلام، وقدماء الأصحاب، وهو الذي يفتى به شيخنا عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى. حكم الشيخ عبد الله بن دهيش في وقف نصه على أولاده، ثم من بعدهم أولادهم وأولاد أولادهم، ما تناسلوا بطناً بعد بطن، والآخر أوصى بعقاره على ابنه وابنته، ثم بعدهما على أولادهما، وأولاد أولادهما بطناً بعد بطن: أن تكون غلة الأوقاف بين ابن بنت بنت الموقف، وابن ابن بنته، وابنة ابن ابنته، وابنة ابن ابنه، بينهم أرباعاً، دون البطن الرابع. وفي وقف نصه على ابن له، ولم يذكر له مالاً، فصار منقطع الآخر، ولم يكن له سوى بنت ابنه، وابنة ابن ابنه: بينهم أرباعاً فرضاً ورداً، كما هو المقرر في المذهب، ودفعه إلى الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف يسأله عن صحته؟ فأجاب: ما حكمت به في الأوقاف الثلاثة، من اشتراكهم دون غيرهم، وفي الوقف الرابع من أن حكمه حكم منقطع الآخر، وقسمته من أربعة فرضاً ورداً، هو الصواب، والله أعلم. سأل الشيخ عبد الله العنقري، الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عن دخول أولاد البنات في الوقف على

стр. 2692

الأولاد، إذا كان مطلقاً بلا نص، ولا قرينة؟ فأجاب: أنت فاهم مسائل الخلاف؛ ومسألة دخول أولاد البنات في عموم الأولاد في الدخول في الوقف من غير قرينة، مسألة خلافية، في مذهب أحمد، ﵀: وبعض الأصحاب من المتأخرين يرون المنع مع عدم القرينة، وبعض الأصحاب من المتقدمين، وهو الذي اختاره في الشرح الكبير - لما ذكر الخلاف - دخول أولاد البنات ولو مع الإطلاق. فإذا عرفت هذا، فالأمر الذي قد سبقك من مفاتي نجد، لا تلتفت إليه، ولا يسوغ معارضته، والأمر الجديد الذي يرجع إليك عند أول حدوثه، قوة الدليل: ما ذهب إليه صاحب الشرح، والمفتى به قريب من الصواب، والله أعلم. فصل سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن بيع نخلة وقف تعطلت ... الخ؟ فأجاب: أما بيع ذلك لما ذكر فلا يجوز، لقول النبي ﷺ : " لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث " ١. وقد تنازع العلماء في جواز بيع الوقف إذا تعطلت منافعه: فأجازه أحمد وغيره، ومنعه الشافعي وغيره.

стр. 2693

والبيت الذي للغرباء، فالذي أرى: - إذا لم يمكن إصلاحه على نحو حالته الأولى - أنه يباع ويجعل في شيء يختص به الغرباء. وسئل الشيخ محمد بن محمود: عن وقف خرب وتعطل نفعه ... إلخ؟ فأجاب: إذا بلغ الحد المذكور الذي هو قريب تعطل المنفعة، جاز بيعه وصرف ثمنه في مغل يصرف في مستحق الوقف المذكور. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر عن إبدال الوقف ... إلخ؟ فأجاب: إذا أبدل صاحب الملك صاحب الوقف، فإن كان ذلك لمصلحة الوقف، بحيث يكون بالياً، أو كثير الخراب، وأراد إبداله بعامر، فهذا يجوز على القول الراجح؛ وهو القول بجواز المناقلة بالوقف للمصلحة، كما هو اختيار الشيخ تقي الدين، وابن القيم، رحمهما الله، بشرط أن يكون ذلك صادراً ممن له ولاية على الوقف، من جهة الواقف، أو من جهة الحاكم. وأما على كلام الحنابلة، وكثير من الفقهاء: فلا يجوز إلا أن تتعطل منافع الوقف، وحينئذ فمتى صدر المناقلة على غير الوجه المأذون فيه، فالوقف بحاله، لا تتغير

стр. 2694

وقفيته، ولا يملك بالمبادلة. وسئل الشيخ حمد بن عتيق: النخل الوقف الذي تعطل سنتين مثلاً، ولا وجد من يعمره، وخيف هلاكه، ووجد أرض طيبة هل ينقل فيها؟ فأجاب: ينقل في الأرض الطيبة، لأنها أصلح للوقف من النخل المذكور. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: عمن أوصى بثلث ماله من عقار، ودار، وأثاث، جعل الوصية في قطع متعددة، والمصلحة تقتضي بجعلها في عقار متحد؟ فإن كان تعلمون أن لفظ الموصي يجعل القطع المذكورة وقفاً لازماً لا يجوز العدول عنه، فتبقى على وقفيتها، وإن رأيتم جواز جمعها في العقار الذي يكون أصلح للوقف وللموقوف عليهم، فبينوا لنا ذلك جزيتم عنا وعن المسلمين خيراً؟ فأجاب: الذي يظهر لي: جواز جعلها في عقار متحد، لأن ذلك مصلحة ظاهرة للوقف وللورثة؛ وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: أنه يجوز مخالفة نص الواقف إلى ما هو أنفع وأحب إلى الله. وقد ذكر الحافظ ابن رجب، ﵀، في شرح الأربعين، في الكلام على حديث عائشة، ﵂: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ١.

стр. 2695

قال: وهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد، لما سئل عن رجل له مساكن، فأوصى بثلث ثلاث مساكن، هل يجمع له في مسكن واحد؟ حدثتني عائشة: أن النبي ﷺ قال: " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد " ١"، خرجه مسلم؛ ومراده: أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى الله وأنفع جائز، وقد حكي هذا عن عطاء، وابن جريج. انتهى. والله أعلم. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: إذا كان ولد المسبل فقيراً ... إلخ؟ فأجاب: إذا كان ولد المسبل فقيراً، فهو أولى بالسبالة. سئل ابنه: الشيخ عبد الله: عن أسبال الجاهلية التي لا يعرف مصرفها؟ فأجاب: تصرف على المساجد وأبواب البر. وأما إذا انتقل أهل بلد عن بلادهم، وفيها مسجد عامر وفيه خشب، فإن كان يصلى فيه فلا يجوز نقضه، وإن كان متعطلاً فلا بأس أن يؤخذ خشبه، ويجعل في مسجد غيره. وأجاب أيضاً: وأما خشب المسجد المتعطل، فتؤخذ وتجعل في نظيره وهو مسجد آخر، ولو كان ببيع أو غيره، ولا تترك تعطل بلا نفع. وأما أرض المسجد المتعطلة، فلا بأس أنها تزرع بأجرة، وتصرف أجرتها في عمارة مسجد آخر.

стр. 2696

وأجاب أيضاً: وأما ما فضل عن حاجة مسجد، صرف إلى مسجد محتاج. وله أيضاً: أما صرف الفاضل من تمر الصوام، فإذا استغنى أهل المسجد الذين جعل الوقف عليهم، فقال الشيخ تقي الدين: ما فضل عن حاجة المسجد صرف إلى مسجد آخر، لأن الواقف له غرض في الجنس والجنس واحد. وقال في موضع آخر: يجوز صرفه في سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه، وإن علم أن وقفه يبقى وجب صرفه، لأن بقاءه فساد. انتهى. فعلى كلامه الأول: يصرف في نظيره في مسجد آخر، وعلى كلامه الثاني: يجوز للناظر صرفه إلى جهة وإن لم تكن نظير الجهة الأولى، إذا رأى المصلحة في ذلك. وإذا كان في النخل الموقوف فسيل، وغرس في وقف آخر، فلا أرى به بأساً، إذا كان النخل الموقف غنياً عن ذلك؛ وصرف الوقف من جهة إلى جهة جائز له إذا كان لمصلحة. وأما تبديل ولي الوقف تمراً بعيش أو عيشاً بتمر، فإذا كان فعله للمصلحة فلا أعلم فيه بأساً، إذا كان أصلح للموقف عليها. وأما كونه يسلم في الوقف قبل حصول الثمرة فلا يجوز، ويدعه إلى السنة المقبلة. وسئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا وقف

стр. 2697

على جهة معينة، ثم أراد الواقف أو غيره صرفه إلى جهة أخرى ... إلخ؟ فأجاب: يتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة، على الصحيح من المذهب، نقله الجماعة، وقدمه في الفروع وغيره، وقطع به أكثرهم، وعليه الأصحاب. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند. انتهى من الإنصاف. فجوز الشيخ تغييره إلى ما هو أصلح، لا إلى ما هو مثله أو دونه، ووجه الأول وقوع الوقف لازماً، وانتقال الملك فيه بمجرد عقده إلى الله تعالى، ومعنى الانتقال هو انفكاكه عن اختصاصات الآدميين. قال العلامة ابن زياد الشافعي: والذي يظهر المنع في صورة السؤال، والواقف وغيره في هذا سواء، لزوال الملك عنه بالوقف. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن وقف نخلة أو نخلتين مثلاً، يشترى من غلتها أضحية، واحتاج أولاد الواقف حاجة شديدة، ربما من مثله يموت جوعاً إذا لم يبع الأصل، هل يجوز صرف الغلة إلى من احتاج من أولاد الواقف ... إلخ؟ فأجاب: وأما صرف غلة ذلك إلى المحتاج من أولاد

стр. 2698

الواقف، فقال: الأصحاب: يتعين صرف غلة الوقف إلى الجهة المعينة إلا ما فضل عنها; ونص على ذلك الإمام أحمد، ولم يفرق أحمد والأصحاب بين حالة الحاجة وغيرها. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند. فعلى اختيار الشيخ، ﵀: يجوز صرف ثمن الأضحية إلى من اشتدت حاجته من ولد الواقف. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قال رجل لعطاء: رجل جعل ذوداً في سبيل الله، قال: له ذو قرابة محتاجين؟ قال: نعم، قال: فادفعها إليهم؛ فكانت هذه فتياه في هذا وأشباهه. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن وقف على مسجد محبس على ذرية الواقف، وفيهم من يصلح للإمامة، ولكن أقل أحوالهم أشاعرة ... الخ؟ فأجاب: لا يجوز تقديم مبتدع إماماً في الصلاة، وإن كان نص الواقف وشرطه كما ذكرت؛ فإن قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وغير خاف عليك إمامة الفاسق، فكيف بالمبتدع؟

стр. 2699

وسئل أيضاً: عمن أوصى بثلثه في حجة وأضحية، وأوقف باقيه على ذريته وذريتهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وماتت واحدة من البنات قبل الموصي، فهل يستحق ورثتها كورثة من ماتت بعده؟ فأجاب: نعم يستحق كغيره. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا وقف إنسان وقفاً على مدرسة معينة، أو سراج مسجد، هل يصرف إلى مدرسة أو مسجد آخر ... إلخ؟ فأجاب: إذا وقف إنسان وقفاً على مدرسة معينة ... إلخ، فقد صرح الفقهاء بأن هذا شرط يجب العمل به، وإنما تنازعوا فيما فضل عن الجهة المعينة: فنص أحمد: أن ما فضل من وقف المسجد من حصره وزيته عن حاجته، يجوز صرفه إلى مسجد آخر، ويجوز الصدقة به على فقراء المسلمين؛ وعنه رواية أخرى: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به. وقيل: إن علم أن ريعه يفضل عنه دائماً وجب صرفه وإلا فلا، قاله الشيخ تقي الدين. وأما الأرض التي يجعل فيها آصع معلومة، فالذي نرى: أنها إذا زرعت أخذ منها ما جعل فيها، وإذا لم تزرع فلا يجب شيء، وكل سنة لها حكمها. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن يصح له

стр. 2700

الإفطار في المسجد؟ هل هو الفقير؟ أو من أراده؟ فأجاب: إن كان الواقف خصه بالفقراء، فلا يأكل منه إلا الفقراء، ولا يجوز للغني الأكل منه، وإن كان جعله لمن أفطر في المسجد، فمن حضر فليفطر، الغني والفقير. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، ﵏: أن الوقف المذكور على الصورة المسؤول عنها، يجب صرفه إلى إمام المسجد المعين الراتب، ولا يجوز الاجتهاد فيه وصرفه إلى غير مستحقه الراتب فيه. وقال الشيخ عبد الله أيضاً: وأما الريع إذا لم يكف أضحية، أرصد حتى تكمل الأضحية، ولا يسلف. وقال الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: إن كان إذا أخرها سنة أو سنتين حصل من الغلة ثمن أضحية، فيؤخرها، وإن كان الريع قليلاً وتأخذ مدة ما حصل أضحية، فيجتهد: إما أن يؤخرها، أو يضمها مع غيرها. والشيخ حسن بن حسين أفتى أنه يرصد الريع قل أو كثر حتى يكمل ثمن أضحية؛ هذا في الوصايا خاصة، وأما التبرع فأمره واسع.
следующие страницы →