← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وأجاب أيضاً: وأما ما فضل عن حاجة مسجد، صرف إلى مسجد محتاج. وله أيضاً: أما صرف الفاضل من تمر الصوام، فإذا استغنى أهل المسجد الذين جعل الوقف عليهم، فقال الشيخ تقي الدين: ما فضل عن حاجة المسجد صرف إلى مسجد آخر، لأن الواقف له غرض في الجنس والجنس واحد. وقال في موضع آخر: يجوز صرفه في سائر المصالح، وبناء مساكن لمستحقي ريعه القائمين بمصالحه، وإن علم أن وقفه يبقى وجب صرفه، لأن بقاءه فساد. انتهى. فعلى كلامه الأول: يصرف في نظيره في مسجد آخر، وعلى كلامه الثاني: يجوز للناظر صرفه إلى جهة وإن لم تكن نظير الجهة الأولى، إذا رأى المصلحة في ذلك. وإذا كان في النخل الموقوف فسيل، وغرس في وقف آخر، فلا أرى به بأساً، إذا كان النخل الموقف غنياً عن ذلك؛ وصرف الوقف من جهة إلى جهة جائز له إذا كان لمصلحة. وأما تبديل ولي الوقف تمراً بعيش أو عيشاً بتمر، فإذا كان فعله للمصلحة فلا أعلم فيه بأساً، إذا كان أصلح للموقف عليها. وأما كونه يسلم في الوقف قبل حصول الثمرة فلا يجوز، ويدعه إلى السنة المقبلة. وسئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا وقف

стр. 2697

على جهة معينة، ثم أراد الواقف أو غيره صرفه إلى جهة أخرى ... إلخ؟ فأجاب: يتعين مصرف الوقف إلى الجهة المعينة، على الصحيح من المذهب، نقله الجماعة، وقدمه في الفروع وغيره، وقطع به أكثرهم، وعليه الأصحاب. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند. انتهى من الإنصاف. فجوز الشيخ تغييره إلى ما هو أصلح، لا إلى ما هو مثله أو دونه، ووجه الأول وقوع الوقف لازماً، وانتقال الملك فيه بمجرد عقده إلى الله تعالى، ومعنى الانتقال هو انفكاكه عن اختصاصات الآدميين. قال العلامة ابن زياد الشافعي: والذي يظهر المنع في صورة السؤال، والواقف وغيره في هذا سواء، لزوال الملك عنه بالوقف. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن وقف نخلة أو نخلتين مثلاً، يشترى من غلتها أضحية، واحتاج أولاد الواقف حاجة شديدة، ربما من مثله يموت جوعاً إذا لم يبع الأصل، هل يجوز صرف الغلة إلى من احتاج من أولاد الواقف ... إلخ؟ فأجاب: وأما صرف غلة ذلك إلى المحتاج من أولاد

стр. 2698

الواقف، فقال: الأصحاب: يتعين صرف غلة الوقف إلى الجهة المعينة إلا ما فضل عنها; ونص على ذلك الإمام أحمد، ولم يفرق أحمد والأصحاب بين حالة الحاجة وغيرها. وقال الشيخ تقي الدين: يجوز تغيير شرط الواقف إلى ما هو أصلح منه، وإن اختلف ذلك باختلاف الأزمان، حتى لو وقف على الفقهاء والصوفية، واحتاج الناس إلى الجهاد صرف إلى الجند. فعلى اختيار الشيخ، ﵀: يجوز صرف ثمن الأضحية إلى من اشتدت حاجته من ولد الواقف. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: قال رجل لعطاء: رجل جعل ذوداً في سبيل الله، قال: له ذو قرابة محتاجين؟ قال: نعم، قال: فادفعها إليهم؛ فكانت هذه فتياه في هذا وأشباهه. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن وقف على مسجد محبس على ذرية الواقف، وفيهم من يصلح للإمامة، ولكن أقل أحوالهم أشاعرة ... الخ؟ فأجاب: لا يجوز تقديم مبتدع إماماً في الصلاة، وإن كان نص الواقف وشرطه كما ذكرت؛ فإن قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وغير خاف عليك إمامة الفاسق، فكيف بالمبتدع؟

стр. 2699

وسئل أيضاً: عمن أوصى بثلثه في حجة وأضحية، وأوقف باقيه على ذريته وذريتهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، وماتت واحدة من البنات قبل الموصي، فهل يستحق ورثتها كورثة من ماتت بعده؟ فأجاب: نعم يستحق كغيره. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا وقف إنسان وقفاً على مدرسة معينة، أو سراج مسجد، هل يصرف إلى مدرسة أو مسجد آخر ... إلخ؟ فأجاب: إذا وقف إنسان وقفاً على مدرسة معينة ... إلخ، فقد صرح الفقهاء بأن هذا شرط يجب العمل به، وإنما تنازعوا فيما فضل عن الجهة المعينة: فنص أحمد: أن ما فضل من وقف المسجد من حصره وزيته عن حاجته، يجوز صرفه إلى مسجد آخر، ويجوز الصدقة به على فقراء المسلمين؛ وعنه رواية أخرى: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به. وقيل: إن علم أن ريعه يفضل عنه دائماً وجب صرفه وإلا فلا، قاله الشيخ تقي الدين. وأما الأرض التي يجعل فيها آصع معلومة، فالذي نرى: أنها إذا زرعت أخذ منها ما جعل فيها، وإذا لم تزرع فلا يجب شيء، وكل سنة لها حكمها. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن يصح له

стр. 2700

الإفطار في المسجد؟ هل هو الفقير؟ أو من أراده؟ فأجاب: إن كان الواقف خصه بالفقراء، فلا يأكل منه إلا الفقراء، ولا يجوز للغني الأكل منه، وإن كان جعله لمن أفطر في المسجد، فمن حضر فليفطر، الغني والفقير. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، والشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان، ﵏: أن الوقف المذكور على الصورة المسؤول عنها، يجب صرفه إلى إمام المسجد المعين الراتب، ولا يجوز الاجتهاد فيه وصرفه إلى غير مستحقه الراتب فيه. وقال الشيخ عبد الله أيضاً: وأما الريع إذا لم يكف أضحية، أرصد حتى تكمل الأضحية، ولا يسلف. وقال الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: إن كان إذا أخرها سنة أو سنتين حصل من الغلة ثمن أضحية، فيؤخرها، وإن كان الريع قليلاً وتأخذ مدة ما حصل أضحية، فيجتهد: إما أن يؤخرها، أو يضمها مع غيرها. والشيخ حسن بن حسين أفتى أنه يرصد الريع قل أو كثر حتى يكمل ثمن أضحية؛ هذا في الوصايا خاصة، وأما التبرع فأمره واسع.

стр. 2701

وسئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: عن فرش المسجد، هل يجوز أخذ شيء منه أو يبقى في موضعه؟ أو يصرف في مصلحة أخرى للمسجد أو لغيره؟ فأجاب: لا يجوز أخذ شيء منه، بل ترصد لمصالح المسجد. وأجاب الشيخ عبد الله العنقري: أنقل كلام العلماء وأشير إلى ما هو الراجح عندنا: قال في المقنع وشرحه الإنصاف للمحقق المرداوي، ﵀: وما فضل من حصره وزيته، جاز صرفه إلى مسجد آخر، والصدقة به على فقراء المسلمين؛ هذا هو المذهب نص عليه، وجزم به في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والوجيز وغيرهم، وقدمه في الفروع وغيره. وعنه: يجوز صرفه في مثله دون الصدقة به، واختاره الشيخ تقي الدين. وقال أيضاً: يجوز صرفه في سائر المصالح وبناء المساكن، لمستحق ريعه القائم بمصلحته. انتهى. قلت: ما ذكره شيخ الإسلام هو الصواب، لأنه أسعد بالدليل من غيره.

стр. 2702

سئل بعضهم: إذا سبل إنسان في أرض نقداً معلوماً، ثم امتنعت المعاملة به، ما الحكم في ذلك؟ فأجاب: هذه المسألة نظيرة ما لو أقرضه فلوساً فحرمها السلطان، فذكر أهل العلم أن له القيمة وقت القرض، حتى إن الشيخ تقي الدين، ﵀، طرد ذلك في الديون، كالصداق وعوض الخلع، والغصب والصلح؛ فإذا أقرضه فلوساً أو باعه بها ونحو ذلك، ثم حرمها السلطان، وتركت المعاملة بها بعد ذلك، فإنه يرجع بقيمتها على من هي عليه؛ فهذه المسألة مثلها، فإذا جعل الواقف نقداً معلوماً في أرض ونحوها، ثم حرمه السلطان وتركت المعاملة به، جعل بدله قيمة تلك الفلوس قبل كسادها. وسئل الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم آل الشيخ: إذا تعطلت منافع الوقف وبيع، ولم يأت ثمنه بمثله؟ فأجاب: إذا كان لبيع الوقف مسوغ، وبيع ولم يأت ثمنه بمثله، فإنه يشتري به من جنسه أنقص منه، والله أعلم.

стр. 2703

باب الهبة والعطية سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا بلغ الغلام خمس عشرة سنة، هل تصح عطيته؟ فأجاب: قال في المغني: فأما الهبة من الصبي لغيره فلا تصح، سواء أذن الولي فيها أو لم يأذن، لأنه محجور عليه لحظ نفسه، فلا يصح تبرعه كالسفيه. انتهى. فقد صرح بأن السفيه لا تصح هبته. وقال في الإنصاف: سئل أحمد: متى تجوز هبة الغلام؟ قال ليس فيه اختلاف، إذا احتلم أو صار ابن خمس عشرة سنة. وقال في التوضيح: ويعتبر أن تكون الهبة من جائز التصرف. انتهى. وقال في المبدع: ويعتبر أن تكون - يعني الهبة - من جائز التصرف. انتهى. فقد علمت: أنه لا بد فيمن بلغ خمس عشرة سنة أن يكون رشيداً، والرشد: الصلاح في المال، في قول أكثر العلماء، قاله في الشرح والمبدع، وكلام أحمد يحتمل أنه رشيد. سئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: عمن وهب مجهولاً؟ فأجاب: الهبة تصح مع الجهالة، لأن الشيخ

стр. 2704

تقي الدين وجمعاً من أهل العلم صححوا هبة المجهول المشاع، واستدلوا على ذلك بأدلة ظاهرة، وجهالة العين أخف من جهالة العدد؛ فالظاهر صحة الهبة في الصورة المذكورة، والوارث يقوم مقام الواهب في التعيين. وقول بعض أهل العلم: لا تملك إلا بالقبض، معناه: أن الواهب له الرجوع في الهبة قبل القبض، ولا رجوع في مسألتنا. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عن امرأة دفعت حليها إلى ابنتها، تجمل به لزوجها وهم في بيت واحد، فكانت تستعمله في حياة أمها، فلما ماتت ادعت البنت استحقاقه بذلك؟ فأجاب: الذي يظهر لنا أن البنت لما لم تدع الهبة، لا تملك بمجرد الإذن في الاستعمال، والظاهر أن ذلك إعارة لا تمليك؛ ومفهوم كلام الأصحاب الذي أشرتم إليه، دليل على هذا، لأن الأم لم تجهزها به إلى بيت زوجها، فلم يوجد ما هو تمليك. وأما الصورة التي سئل عنها الشيخ سليمان بن علي، فالفرق بينها وبين مسألتنا ظاهر، وذلك أن الأم ادعت أن ذلك الحلي الذي اشترته وألبسته البنت أنه ليس للبنت، والظاهر أن ما كان عليها، فهو لها بحكم اليد، وليس هنا أصل يعارض هذا الظاهر. وأما مسألتنا فالأصل فيها قوي، ولم يوجد ما ينقل عن ذلك الأصل القوي، فيبقى

стр. 2705

حكم الأصل. هذا ما ظهر لي في حكم المسألة، والله أعلم. سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: إذا جهزها أبوها بجهاز إلى بيت زوجها، هل تملكه بنقله ... الخ؟ فأجاب: تملكه بذلك، قال في المغني: فرع: ما جهزت به المرأة إلى بيت زوجها من مالها، أو مال أمها، أو مال أبيها، ليس لواحد منهما ولا غيرهما أخذه، ولا شيء منه; وقال في الإقناع: وتنعقد بإيجاب وقبول، وبمعاطاة بفعل يقترن بما يدل عليها؛ فتجهيز ابنته بجهاز إلى بيت زوجها تمليك لها. انتهى. فعلى هذا، إذا أرادت أمها أن تأخذ منه شيئاً، لم يكن لها ذلك. وإن أراد الأب الرجوع لأجل التسوية بين أولاده - كما ذكرت في السؤال - فلا مانع له بشرطه، وهو: أن لا يتعلق به حق غير، أو رغبة، نحو أن يتزوج الولد أو يفلس، أو يفعل ما يمنع التصرف مؤبداً أو مؤقتاً، فإن تعلق به شيء مما ذكر فإنه لا يرجع؛ اختاره المصنف وابن عقيل والشيخ تقي الدين، وهو مذهب مالك، لأن في رجوعه إبطال حقه، يؤيده قوله ﷺ : " لا ضرر ولا ضرار " ١، كذا عللوه، هذا الذي يظهر لنا. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: أما إذا ألبست الأم ابنتها حلياً ... إلخ، فقد رأيت في ذلك جواباً لأحمد بن

стр. 2706

يحيى بن عطوة، فإنه سئل: عما إذا وجد على البنت الصغيرة حلي، وثياب فاخرة، فما حكم ذلك؟ وهل تسمع دعوى الأم أن ذلك لها وإنما ألبسته إياها تجميلاً؟ أو دعوى الورثة أنه لمورثهم، وإنما جملها به؟ وهل بين الصغيرة والكبيرة فرق في ذلك؟ وهل ذلك عامٌّ الأب والأم. فأجاب: الظاهر من شواهد الأحوال والعرف والعادة المستمرة، أن تجميل الأبوين بنتهما بكل ما يعد تجميلاً، أنه تخصيص لها بذلك، دون سائر من يرثهما، إذا لم تجر عادتهما بأنه عارية تجري عليها أحكامها. إذا عرف ذلك، فلا كلام لسائر الورثة في ذلك، بعد موت المخصِّص المعطي للزوم ذلك بموته، كما صرح به الأصحاب؛ والتخصيص سائغ أيضاً في مسائل، كفقر وعلم ونحوهما. وأما الأم، فإن أقامت بينة شرعية أن ذلك لها، وأنه عارية، ساغت دعواها بذلك، وإلا فلا. ولا فرق بين الصغيرة المميزة والكبيرة في ذلك; وأما غير المميزة فمحل نظر وتأمل. والذي يظهر لي: أن ذلك عام الأب والأم، وإنما يعد الأب لأنه الغالب، والشيء إذا خرج مخرج الغالب، لا مفهوم له - إلى أن قال - فحيث ثبت إمكان ملك البنت، في المسألة المذكورة بما ذكر، فلا يجوز انتزاع ما صار إليها إلا بدليل راجح، يسوغ المصير إليه شرعاً. انتهى.

стр. 2707

ومن جواب للشيخ سليمان بن علي - وقد سئل عن هذه المسألة -: إذا كان الحلي على البنت، ولو لم تذهب به إلى بيت زوج، وادعته الأم، لم تقبل إلا بينة أنه للأم، وأنه على البنت عارية؛ ولو أقامت الأم بينة أنها التي اشترته لم تقبل، حتى تقول: وهو عارية على البنت. انتهى. سئل بعضهم: هل يجوز لإمام المسلمين قبول هدية المشركين أم لا؟ والمستدل على منعها بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٦] مصيب أم لا؟ فبينوا لنا، رحمكم الله بالدليل. فأجاب: قبول هدية المشركين للأئمة جائز عند جميع علماء الإسلام، والإمام مخير بين قبولها وردها، وبين قبولها والمكافأة عليها؛ ولا ينكر هذا إلا رجل جاهل بهديه ﷺ . وقد "أهدى لرسول الله ﷺ ملك أيلة من ملوك الروم بغلة، فكساه برداً. وقد أهدى له المقوقس هدايا كثيرة منها جبة سندس، فعجب الناس منها، فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده، لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذا. وأهدى له ﷺ أكيدر دومة هدايا، منها سلاح، ومنها بغال، ومنها حماره "يعفور" وأهدت له ﷺ اليهودية شاة مشوية وقبلها وأكل منها، وأهدى له ﷺ بالطائف عتبة وشيبة، طبق رطب مع عداس غلام عتبة،

стр. 2708

وقبله وأكل منه، ومعه زيد بن حارثة". وقال البخاري في صحيحه: باب قبول هدية المشركين، وذكر حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "هاجر إبراهيم ﵇ بسارة، فدخل قرية فيها ملك أو جبار، فقال: أعطوها آجر"، ثم ذكر البخاري أحاديث لا نطول بذكرها، فمن أراد يراجعها فليراجعها في مكانها. وقد "خرج رسول الله ﷺ هو وأصحابه إلى بني النضير، يكلمهم أن يعينوه في دية الرجلين العامريين اللذيْن قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك"، ذكره البخاري. فتأمل أيها المسترشد، رحمك الله تعالى، هديه وسيرته، يغنك عن هدي غيره، وعن تحكمات من لا يعلم؛ فهو ﷺ أعلم بالقرآن ومعانيه ومضمونه وأوامره ونواهيه، ولو كان معنى الآية الكريمة ما ذكره هذا المعترض، لفهمه رسول الله ﷺ وعمل به، وبينه لأمته، كما بين أنواع المنهيات؛ بل إنه ﷺ نهى أمراء السرايا والمغازي عن قبول الهدايا، وأخبر أنها غلول، وهذا منه سد للذريعة، وإبعاد لهم عن التهمة؛ والكلام على هذا يطول جداً. وأما معنى الآية الكريمة، فقال البغوي، ﵀، في معالم التنْزيل، في تفسير قوله تعالى: ﴿لِيَصُدُّوا عَنْ

стр. 2709

سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٦] : أي: ليصرفوا عن دين الله؛ قال الكلبي ومقاتل: نزلت في المطعمين يوم بدر، وكانوا اثنا عشر رجلاً: أبو جهل بن هشام، وعتبة، وشيبة ابنا ربيعة بن عبد شمس، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وأبو البختري بن هشام، والنضر بن الحارث، وحكيم بن حزام، وأبيّ بن خلف، وزمعة بن الأسود، والحارث ابن عامر بن نوفل، والعباس بن عبد المطلب، وكلهم من قريش، وكان يطعم كل واحد منهم عشر جزر. وقال الحكم بن عيينة: نزلت في أبي سفيان، أنفق على المشركين يوم أحد أربعين أوقية ... إلى آخر ما ذكر، ﵀. فحكمها باق إلى يوم القيامة فيمن عمل عملهم؛ ولا ينبغي لمن يخشى الله والدار الآخرة أن يستدل بالقرآن على مراده وهواه، فإنه يجني على الشريعة أعظم جناية، ويكون من المفترين. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن وهب للثواب هل يرجع؟ فأجاب: الواهب إذا كان مراده الثواب، فإنه يرجع فيها إذا لم يُثَب، وأما الصدقة فليس حكمها حكم الهبة، لأن الصدقة أن يتصدق على إنسان لفقره، والهبة أن يهب لآخر شيئاً ولو مع غناه، تارة يريد بها المكافأة، وتارة على

стр. 2710

وجه الكرم والتفضل. وأجاب الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف: الهبة للثواب أو إرادته، الحكم فيها ظاهر، سواء اشترط ثواباً مجهولاً أو لا؛ وقد ذكر الموفق فيها روايتين: إحداهما: لا تصح. وعنه: يرضيه بشيء فتصح; وذكرها الشيخ تقي الدين ظاهر المذهب، قال الحارثي: هذا المذهب. فعلى هذا، عليه أن يعطيه حتى يرضيه، فإن لم يفعل فللواهب الرجوع؛ وقد قال عمر ﵁: "من وهب هبة أراد بها الثواب فهو على هبته، يرجع فيها ما لم يُرض منها"، وروى معناه عن علي وفضالة بن عبيد، ﵃. وأما الفرق بين بذل الثواب قبل النّزاع، أو بعده فلم يتبين لي فيه شيء. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: للواهب الرجوع في هبته، إذا لم يحصل له مقصوده الذي وهب لأجله. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا كان لرجل أرض ووهبها لابنه الصغير؟ فأجاب: إن قبضها له وأشهد، أو جعلها في يد رجل آخر، وجعله وكيلاً في قبضها منه لابنه، لزمه ذلك وقبضه من شرطه؛ وإن لم تقبض فلا لزوم. وعلى كل حال، فللوالد أن يرجع في هبته للولد، وأما إذا مات وصح القبض فلا رجوع، على ما ذهب إليه الأكثرون من العلماء.

стр. 2711

سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن الهبة، هل تلزم بمجرد العقد؟ فأجاب: الهبة تلزم بمجرد العقد. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن أبرأ غرماءه مما عليهم من الدين، فلما برئ من المرض أراد الرجوع فيما زاد على الثلث ... إلخ؟ فأجاب: هذا لا رجوع فيه، بل سقط الدين بمجرد إسقاطه؛ وإنما التفصيل فيما إذا أبرأ من الدين، ومات في ذلك المرض. وأما الذي أبرأ غريمه على شرط مجهول، بأن شرط عليه ذلولاً في الجهاد دائماً، ومتى ماتت اشترى أخرى، أو شرط عليه أضحية كل سنة على الدوام، فهذا لا يصح، والبراءة والحالة هذه لا تصح. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن الولد يبرئ من دين أبيه ... إلخ؟ فأجاب: الولد لا يجوز له أن يبرئ من دين أبيه من غير رضاه. وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن أبرأت أباها من شيء في ذمته لها، ولم يذكر الكاتب أنه سمعها تقر بذلك، ولا شهد على لفظها، هل يثبت الإبراء شرعاً والحال أنها منكرة صدور ذلك؟ فأجاب: أرى أنه لا يثبت بذلك براءة والحالة هذه،

стр. 2712

لأن الكاتب لم يذكر سماعه لكلامها، ولا ذكر شهادة منه بذلك. فصل سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل يجوز للوالد أن يفضل أحداً من أولاده في العطية؟ فأجاب: لا يجوز أن يفضل أحداً من أولاده على أحد منهم في العطية. وأجاب أيضاً: الوالد إذا أعطى بعض بنيه عطية وحازها، لم يرجعوا عليه. وأجاب ابناه: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله: لا يجوز للوالد التفضيل بين أولاده في العطية، بل يحرم عليه ذلك، ويجب عليه ردها أو التسوية بينهم، كما ثبت ذلك عن رسول الله ﷺ في قصة النعمان بن بشير، لما نحله أبوه نحلة، فقالت أمه: لا أرضى حتى تشهد رسول الله ﷺ ، فأتاه فأخبره فقال: " كل أولادك أعطيت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " ١، وفي لفظ آخر: " لا تشهدني على جور " قال النعمان: فرد أبي تلك العطية ٢؛ وهذا مذهب الإمام أحمد وغيره، وهو الصواب. وسئل أيضاً الشيخ عبد الله: عمن أعطى بعض بنيه، فلما مرض أراد الرجوع، هل يجوز له؟

стр. 2713

فأجاب: يجوز له، بل هو الواجب عليه، الذي إن تركه أثم بارتكاب معصية رسول الله ﷺ لقوله: " اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم " ١؛ بل عند الشيخ تقي الدين وغيره من أهل العلم: أنه لو مات ولم يعدل، ولم يرجع في الهبة، صار للباقين مشاركته في تلك الهبة. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن الجمع بين حديث النعمان بن بشير: " اتقوا الله واعدلوا ... " ٢، وحديث عائشة: " إن أباها نحلها جذاذ عشرين وسقاً ... " ٣ ... إلخ؟ فأجاب: لا يعارض قول رسول الله ﷺ بقول أبي بكر ولا قول غيره، ويحتمل أن أبا بكر ﵁ خصها لحاجتها، وعجزها عن الكسب والتسبب مع اختصاصها بفضلها، وكونها أم المؤمنين، وغير ذلك من فضائلها; ويحتمل: أن يكون نحلها، ونحل غيرها من ولده، أو نحلها وهو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك؛ ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه، لأن حمله على مثل محل النّزاع منهي عنه، وأقل أحواله: الكراهة. والظاهر من حال أبي بكر ﵁ اجتناب المكروهات؛ هذا معنى ما في الشرح الكبير، والله أعلم. سئل الشيخ عبد الله: عمن أعطت أولادها الذكور،

стр. 2714

وهل الأم كالأب؟ فأجاب: كلام الشارع ﷺ في وجوب التسوية شامل للأم، فإن كانت المرأة تزعم أنها أعطت البنات مثل ما أعطت الأولاد، وأمكن صدقها فحسن. فإن ثبت عندكم بأمارة أنها بارة الأولاد وقاطعة البنات، لزمكم أن تلزموها أن تعطي البنات مثل ما أعطت الأولاد على قدر ميراثهم، للذكر مثل حظ الأنثيين، على ظاهر كلام أحمد وغيره من أهل العلم. فإن ادعت غير ذلك، وزعمت أنها ما أعطتهم هذا العطاء الجزيل، إلا لأجل أن عندها لهم شيئاً أو غير ذلك من الأعذار التي يمكن معها صدقها، تركت. وسئل: عن رجل جهز بناته الكبار، وله أولاد صغار، وأشهد في صحته بأن ثلاثين نخلة لأولاده الصغار، في مقابلة ما أعطى البنات ... الخ؟ فأجاب: هذا عندي صحيح لازم، لأنه فعل ما أمر به الرسول ﷺ من التسوية بين الأولاد، والعدل بينهم; والراجح في عطية الوالد ولده عند الموت لأجل العدل بينهم أنها صحيحة لازمة، حتى إن الشيخ، ﵀، يختار أن الولد يرجع به على إخوانه، ولو ما أوصى به. وسئل: إذا فضل الوالد بعض أولاده بإذن ... إلخ؟ فأجاب: إذا فضل الوالد بعض الأولاد، بإذن الذين

стр. 2715

لم يفضلوا، فالذي يظهر لي صحة ذلك، إذا أذنوا بطيب نفس ورضى، لأن الحق لهم في ذلك، كما أنه لا يجوز الوصية بزيادة على الثلث، إلا بإذن الورثة. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما مسألة العطية، فلا خلاف بين أهل العلم في استحباب التسوية بين الأولاد، وكراهة التفضيل، لكن اختلفوا في صفة التسوية: فالمشهور عن أحمد: إن المستحب أن يقسم بينهم على حسب قسمة الله في الميراث، فيجعل للذكر مثل حظ الأنثيين. وعند أبي حنيفة ومالك والشافعي: أنه يعطي الأنثى مثل ما يعطي الذكر. وسئل أيضاً: إذا فضل الوالد بعض أولاده لمعنى فيه، كفقر أو عمى أو زمانة، فهذه المسألة فيها خلاف، واختار الموفق الجواز، وقواه في الإنصاف. واستدل الموفق لذلك بقصة عائشة، حيث نحلها أبو بكر جذاذ عشرين وسقاً، الحديث بطوله. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: الذي أعطى أحد أولاده لضعفه، فالولد الضعيف يلزم أباه الغني أن ينفق عليه، فيكون من باب الواجب الذي سبب وجوبه حاجة الابن؛ فإن كان من الأولاد من هو مثله، وجب له مثل ما يجب لأخيه الماضي لفقره. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عمن أعطى

стр. 2716

بعض أولاده وحازها، ومات ولم يعط الآخرين؟ فأجاب: الوالد إذا أعطى بعض بنيه عطية وحازها، ولم يعط الآخرين لم يرجعوا عليه. وأجاب ابناه: الشيخ حسين، والشيخ عبد الله: إذا أعطى بعض أولاده في حال الصحة، وفضلهم على الآخرين، وقبض المعطى العطية، ومات الوالد ولم يرجع في عطيته، فإن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فالأكثرون قالوا: تمضي العطية لمن أعطيها، والإثم على الوالد المفضل بينهم، ولا تحسب من الميراث. ومن العلماء من قال: إما أن ترد، وإما أن تحسب عليه من الميراث، ولا يأخذ زيادة على إخوته؛ وهذا القول أقرب إلى الدليل وأحوط. وأجاب الشيخ عبد الله أيضاً: الذي عليه أكثر أهل العلم، وهو الراجح عند كثير من الحنابلة وغيرهم، أنها تثبت للمعطى، ولا يرجع عليه الذين لم يعطَوْا شيئاً، ويكون الإثم على الوالد؛ وهذا هو الذي يفتي به شيخنا. والقول الثاني: أنهم يرجعون على المعطى ويكونون فيها سواء؛ وهذا اختيار الشيخ تقي الدين، وهو أقرب إلى ظواهر الأدلة. وسئل أيضاً: عن الذي يحيف في عطيته لأولاده، هل يجب الإنكار عليه؟

стр. 2717

فأجاب: هذا من المنكر الذي يجب على المسلمين إنكاره ورده. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ محمد: إذا أعطى بعض أولاده عطية في حال الصحة، وفضلهم على الآخرين، أو خصهم وقبض المعطى العطية، ومات الوالد ولم يرجع في عطيته، فإن هذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: فذهب الإمام أحمد في المشهور عنه، ومالك والشافعي وأصحاب الرأي، وأكثر العلماء إلى أنه ليس لهم الرجوع، لأنها صارت لازمة في حق المعطَى بانتقالها إليه في حياة المعطي، واتصل بها القبول والقبض، قالوا: والإثم على الوالد المفضل بينهم. وعن أحمد رواية ثانية: أنها لا تثبت، وللباقين الرجوع; اختارها ابن بطة وأبو الوفاء ابن عقيل، والشيخ تقي الدين، ذكره عنهم صاحب الإنصاف، وروى عن عروة بن الزبير وإسحاق بن راهويه. فعلى هذه الرواية الأخيرة: إما أن ترد، وإما أن تحسب عليه من ميراثه. قال الوالد والعم عبد الله في جوابهما: هذا القول أقرب إلى الدليل وأحوط. انتهى. لكن الذي أفتى به شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، واستمرت عليه الفتوى: مذهب الجمهور. انتهى. وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: ليس لهم الرجوع،

стр. 2718

قال في المغني والشرح: إذا مات - يعني الأب - قبل أن يسترده، ثبت ذلك للموهوب له ولزم، وليس لبقية الورثة الرجوع؛ هذا المنصوص عن أحمد، وبه قال مالك وأصحاب الرأي، وأكثر أهل العلم، لكن بشرط صحة العطية، وأن لا تكون في مرض الموت. وأجاب بعضهم: إذا فضل بعض أولاده بعطية مال، فمات قبل المساواة، فالكلام في هذه المسألة في مقامين: المقام الأول: في جواز التفضيل وعدمه; فمذهب الإمام أحمد، ﵀: أن ذلك لا يجوز إذا كان على سبيل الأثرة. فإن خص بعضهم بعطية أو فاضل بينهم أثم، إذا لم يختص بمعنى يبيح التفضيل، ووجب عليه المساواة، إما برد الفاضل أو إعطاء الآخر حتى يتم نصيبه؛ وبهذا قال ابن مبارك، وروى معناه عن مجاهد وعروة، واختار هذا القول الشيخ تقي الدين. وذهب الإمام مالك والثوري والليث، والشافعي وأصحاب الرأي إلى جواز التفضيل، وروى معنى ذلك عن شريح وجابر بن زيد والحسن بن صالح، لأن أبا بكر نحل عائشة جذاذ عشرين وسقاً دون سائر أولاده، واحتج الشافعي بقول النبي ﷺ في حديث النعمان: " أشهد على هذا غيري " ١، فأمره بتأكيدها دون الرجوع. واحتج من ذهب إلى تحريم التفضيل، بما في

стр. 2719

الصحيحين عن النعمان بن بشير قال: " تصدق علي أبي ببعض ماله، فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تشهد عليها رسول الله ﷺ . فجاء أبي إلى رسول الله ﷺ ليشهده على صدقتي، فقال: أكُلَّ ولدك أعطيته مثله؟ قال: لا، قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم. قال: فرجع أبي، فردّ تلك الصدقة " ١، وفي لفظ: "قال: فاردده"، وفي لفظ: "فارجعه"، وفي لفظ: " فلا تشهدني على جور " ٢، وفي لفظ: " فأشهد على هذا غيري " ٣، وفي لفظ: "سوِّ بينهم"، متفق عليه، وهو دليل على التحريم، لأنه سماه جوراً وأمره برده، وامتنع من الشهادة عليه؛ والجور حرام، والأمر يقتضي الوجوب، ولأن تفضيل بعضهم يورث بينهم العداوة والبغضاء وقطيعة الرحم فمنع منه، كتزويج المرأة على عمتها وخالتها. وقول أبي بكر: لا يعارض قول النبي ﷺ ولا يحتج به، ويحتمل أن أبا بكر خصها لعجزها عن الكسب والتسبب مع اختصاصها بفضلها، ولكونها أم المؤمنين، وغير ذلك من خصائصها. ويحتمل أن يكون نحلها ونحل غيرها من ولده، أو يريد أن ينحل غيرها، فأدركه الموت قبل ذلك. ويتعين حمل حديثه على أحد هذه الوجوه، لأن التفضيل منهي عنه، وأبو بكر لا يفعل المنهي عنه مع علمه بذلك.

стр. 2720

وأما قول النبي ﷺ : " أشهد على هذا غيري " ١ فليس بأمر، وكيف يجوز أن يأمر بتأكيده، مع أمره برده وتسميته إياه جوراً؟ ولو أمره النبي ﷺ بإشهاد غيره لامتثل ولم يرده؛ لكن قوله: " أشهد على هذا غيري " ٢ تهديد، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [سورة فصلت آية: ٤٠] . فأما إن خص بعضهم لمعنى يقتضي تخصيصه، من حاجة، أو زمانة، أو عمى، أو كثرة عياله، أو لاشتغاله بالعلم، ومنع بعض ولده لفسقه، أو بدعته، أو لكونه يعصي الله بما يأخذه، ونحوه، فاختار الموفق جواز ذلك، واستدل له بحديث أبي بكر، ولأن بعضهم اختص بمعنى يقتضي العطية، فجاز أن يختص بها، كما لو اختص بالقرابة. وأجاب عن حديث النعمان بأنه قضية عين لا عموم لها; وقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك، فإنه قال في تخصيص بعضهم بالوقف: لا بأس إذا كان لحاجة، وأكرهه إذا كان على سبيل الأثرة; والعطية بمعنى الوقف. قال في الإنصاف: قلت وهذا قوي جداً، ويحتمل أن يمنع من التفضيل بكل حال، لحديث النعمان لكون النبي ﷺ لم يستفصل بشيراً في عطيته. وأما المقام الثاني: وهو إذا فضل أو خص بعضهم، ثم مات قبل الرجوع والمساواة، فهل تثبت العطية للمعطى أو للباقين؟ فقد اختلفت الرواية في ذلك عن أحمد، فروي

стр. 2721

عنه: أنها تثبت للمعطَى وليس لبقية الورثة الرجوع، نص على ذلك في رواية محمد بن الحكم والميموني، واختاره الخلال وصاحبه أبو بكر. قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أهل العلم: لقول أبي بكر لعائشة لما نحلها: "وددت لو أنك حزتيه"، فيدل على أنها لو حازته لم يكن لهم الرجوع. وقال عمر: "لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد، دون الوالد". والرواية الأخرى: لباقي الورثة أن يرجعوا ما وهبه، اختاره أبو عبد الله ابن بطة وأبو حفصة العكبريان، وابن عقيل والشيخ تقي الدين، وصاحب الفائق، وهو قول عروة بن الزبير وإسحاق. قال أحمد: عروة قد روى الأحاديث الثلاثة: حديث عائشة، وحديث عمر، وحديث عثمان، وتركها، وذهب إلى حديث النبي ﷺ ، والنبي ﷺ سمى ذلك جوراً بقوله لبشير: " لا تشهدني على جور " ١، والجور لا يحل للفاعل فعله، ولا للمعطي تناوله، والموت لا يغيره عن كونه جوراً حراماً، فيجب رده. ولأن "أبا بكر وعمر، ﵄: أمرا قيس بن سعد برد قسمة أبيه حين ولد له"، ولم يكن علم به ولا أعطاه شيئاً، وكان ذلك بعد موت سعد، فروى سعيد بإسناده: أن "سعد بن عبادة قسم ماله بين أولاده، وخرج إلى الشام فمات بها. ثم ولد له بعد ذلك ولد، فمشى أبو

стр. 2722

بكر وعمر، ﵄، إلى قيس بن سعد، فقالا: إن سعداً قسم ماله ولم يدر ما يكون، وإنا نرى أن ترد هذه القسمة، فقال: لم أكن أغير شيئاً صنعه سعد، ولكن نصيبي له". سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن أخذ الأب من مال ابنه ... إلخ؟ فأجاب: وأما الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه؟ سواء كانت الأم موجودة أو لم تكن، ولا يجوز له أن يعطي منه، ولا يهب، ولا يتصدق. وأجاب أيضاً: وأما الأب فيجوز له الأخذ من مال ابنه، صغيراً كان أو كبيراً، بالشروط المذكورة في كتب الفقه. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف: ما قولكم، وفقكم الله للصواب: إذا كان زيد أباً لعمرو، وأخذ زيد قسماً من مال عمرو، هل يحل له ذلك؟ وإذا طلب عمرو وأولاده بعده، استرجاع ما أخذ زيد، فهل لهم ذلك؟ أفتونا مأجورين. فأجاب: الحمد لله، يجوز للوالد أن يأخذ من مال ولده، لقوله ﷺ : " أنت ومالك لأبيك " ١، وقوله: " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبك م" ٢.

стр. 2723

ويشترط لأخذه من ماله ستة شروط: أحدها: أن يأخذ ما لا يضر الولد، ولا يحتاجه. الثاني: أن لا يعطيه لولد آخر. الثالث: أن لا يكون في مرض موت أحدهما. الرابع: أن لا يكون الأب كافراً، والابن مسلماً. الخامس: أن يكون عيناً موجودة. السادس: تملكه ما يأخذه من مال الولد، بقبض مع قول أو نية. هذا معنى كلام فقهائنا، ﵏، وعليه الفتوى. ومنه يعلم: أنه ليس للولد استرجاع ما أخذه الأب بهذه الشروط الستة المذكورة; وأما مع فقدها أو فقد بعضها، فللولد استرجاعه، لعدم ثبوت ملك الأب عليه. هذا إن كان عيناً موجودة؛ وإن لم يكن كذلك، ثبت المثل في ذمة الأب، إن كان مثلياً، والقيمة إن كان متقوماً. وحكم أولاد عمرو، حكم أبيهم، إن استمر عدم ثبوت ملك زيد لذلك إلى وفاة عمرو، لأنه حينئذ يكون من جملة مخلفات عمرو. وسئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن امرأة ماتت عن زوجها وابنها وبنات، وخلفت شيئاً من الحلي وصار تحت يد الزوج جميعه، فمات ولم يوص به لعياله، ولم يشهد أنه تملكه أبوهم؟ فأجاب: قال في المقنع: وإن تصرف يعني الأب في مال ولده قبل تملكه ببيع أو عتق أو إبراء من دين، لم

стр. 2724

يصح تصرفه. انتهى. وهذا المذهب. وله تملكه بالقبض، نص عليه، مع القول أو النية، قاله الفقهاء، ﵏، من أصحاب أحمد. فقد عرفت: أنه لا يصح التصرف قبل التملك، لأن مجرد قبض الوالد لمال ولده لا يكتفى به في ثبوت الملك، بل لا بد معه من القول المصرح بتملك مع القبض ومع الإشهاد عليه، مع أن مذهب مالك والشافعي وأصحاب الرأي: أن الأب لا يتملك من مال ولده إلا ما احتاج إليه فقط، ذكره عنهم في المغني وغيره، خلافاً لأحمد. وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: هل للوالد أن يتملك جميع مال ولده الصغير، أو بعض ماله الذي يضر به؟ أم حكم الصغير كالكبير والغني كالفقير ... إلخ؟ فأجاب: للأب أن يتملك من مال ولده ما شاء، صغيراً كان الولد أو كبيراً، غنياً كان الأب أو فقيراً، بشروط ستة مقررة في محلها: منها: أن لا يضر بالولد ضرراً يلحقه في الحاجات الضروريات، كتملك سريته ونحو ذلك، وأن لا يكون في مرض موت أحدهما، وأن لا يعطيه ولداً آخر، وأن تكون عيناً موجودة، وله الرجوع في الهبة إذا كانت عيناً باقية في ملك الابن، لم يتعلق بها حق أجنبي ولا رغبة، كمداينة الأجنبي، وأن لا تزيد زيادة متصلة.

стр. 2725

وعنه: الرجوع فيما زاد زيادة متصلة كالمنفصلة، وليس من جنس النماء، كما توهمه السائل؛ بل ذلك من التصرفات في الهبة. وقد نص فقهاؤنا: على أن كل تصرف للابن لا يمنعه من التصرف في العين، ليس بمانع للأب من الرجوع في هبته والتصرف فيها. والنقص الحاصل بقلع الغراس وأخذ الحلية لا يمنع الرجوع. وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: للأب أن يتملك من مال ولده، مع حضوره وغيبته، ورضاه وسخطه، وصغره وكبره؛ فإذا ملكه فله التصرف فيه، بأي نوع من أنواع التصرفات. ولا بد من قول الأب: تملكت هذه العين من مال ابني. وأما ما تصرف فيه الولد من أعيان ماله، من بيع أو هبة أو غير ذلك، فلا يملك الأب إبطال تصرفه، لتعلق حق الغير به. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: إذا قال: وهبتك عمرك أو عشر سنين ... إلخ؟ فأجاب: إذا وهبه وقال: وهبتك عمرك، أو عشر سنين، فمثل هذا يجوز. وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: أما العمرى والرقبى، ففيها خلاف بين الفقهاء، ولا يتبين لي الآن وجه كونها لمن أَعمَرها أو لمن أُعمِرها. وأما الذي يشبه لفظ العمرى

стр. 2726

عندنا، هو أن يقول: هي لك حياة عينك، أو ما عشت، أو حياة عيني، وأشباه ذلك. وأجاب أيضاً: وأما العمرى والرقبى، ففيها خلاف مشهور، والأحاديث فيها متعارضة؛ والذي نختاره: أنه إذا شرط الرجوع فيها رجعت إلى مالكها. وإذا أعطى عطية وقبضها المعطَى، فلا يجوز للمعطي الرجوع; فإن أعطاه أرضاً يستغلها سنة أو سنتين أو ثلاثاً، فإذا مضت المدة جاز له إرجاعها. وسئل أيضاً: عن كلام الشيخ في الهبة، إذا اشترط رجوعها إلى المعمِّر؟ - بالكسر - أو قال: لآخرنا موتا، هل ترون شيئاً يمنعه؟ فأجاب: الذي نرى أن الأحاديث تمنعه، وأخذ بظاهرها كثير من الفقهاء؛ وكلام الشيخ هو الموافق للأصول والقواعد. وأجاب الشيخ محمد بن محمود: وأما مسألة العطية، فإن كان على وجه المنيحة، كأن يقول: ولك غلته أو لك سكناه أو لك خدمته، فحكمه حكم العارية متى شاء استردها، وإن قال: هي لك حياتك أو عمرك أو حياتي، فهذه العمرى تكون للذي أعطيها ولورثته، ولا ترجع للذي أعطاها.

стр. 2727

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن حضرتها الوفاة، وأحضرت شاهد عدل، وأشهدت على نفسها: أنها أبرأت زوجها من صداقها؟ فأجاب: إن كان الصداق ثابتاً عليه إلى أن مرضت مرض الموت، لم يصح ذلك إلا بإجازة بقية الورثة، وأما إن كانت أبرأته في الصحة جاز ذلك، وثبت بشاهد ويمين عند مالك والشافعي وأحمد، ويثبت أيضاً بشهادة امرأتين ويمين عند مالك، وقول في مذهب أحمد. وإن أقرت في مرضها: أنها أبرأته في الصحة، لم يقبل هذا الإقرار عند أبي حنيفة وأحمد وغيرهما، ويقبل عند الشافعي. وقد قال النبي ﷺ : " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث " ١، وليس للمريض أن يخص الوارث بأكثر مما أعطاه الله. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن إبراء المريض في مرض الموت، ورجوعه ... إلخ؟ فأجاب: إبراء المريض في مرض موته من الثلث، ولا يصح رجوعه عن الإبراء.

стр. 2728

سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن الفرق بين العطية والوصية ... إلخ؟ فأجاب: أما الفرق بين العطية والوصية، فالفرق بينهما ظاهر كما ذكر في الشرح: أنها تفارقها في أربعة أشياء; وأما كون أهل بلدك لا يفرقون بينهما، فالألفاظ لا يعتبر بها. فإذا كان عندهم أن الوصية بمعنى العطية والهبة، فهي كذلك، وكذلك اللفظ؛ فكل هذا ينظر إلى مقصود المتكلم بذلك وعرفه في بلده، فإن كان مراده أنه يمضيها له في حياته وبعد موته، صارت بمعنى العطية والهبة، وإن كان العرف عندهم أن مراده بذلك إن مات، فهي بمعنى الوصية، ثبتت لها أحكامها.

стр. 2729

كتاب الوصايا سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن أوصى في الجاهلية، هل هو كمن أوصى في الإسلام؟ وهل يفرق بين صحيحها وفاسدها؟ فأجاب: الذي يوصي بوصايا في الجاهلية لا تجوز في الإسلام، فما أدركه الإسلام قبل قبضه بطل، ولا ينفذ على الوجه الصحيح الشرعي. وأما إذا مات الموصي، وقبض الموصَى له المال، ثم أسلم بعد ذلك، فهذا يقر في يده ما كان قد تملكه قبل الإسلام، ولو كان بغير وجه صحيح؛ والإسلام يجُبُّ ما قبله، وسواء في ذلك الوصية والمواريث، والعقود الفاسدة. وأجاب أيضاً: الذي أوصى في الجاهلية بأعمال البر، فالعادة ندعه على ما أوصى به، ولا نتعرضه. وسئل، ﵀: عمن لا يملك إلا عشرين ريالاً، أو خمسة عشر، ويوصي بحجة، أو لا يوصي، هل تقدم الحجة على الميراث والحالة هذه؟ فأجاب: كلام أهل العلم لا يخفى عليك، ولكن مشكل علي كون مثل هذا يؤخذ من ماله، أو تصح الوصية

стр. 2730

به والحالة هذه؛ والذي ذكر أهل العلم: أن من شروط الحج أن يملك زاداً وراحلة، وما يحتاج إليه في سفره، بشرط أن يكون ذلك فاضلاً عن قوته وقوت عياله، حتى قال أكثر الحنابلة على الدوام، وفاضلاً عن وفاء دينه، سواء كان الدين حالاً أو مؤجلاً، أو لغيره. وأتحرى أن مثل هذا الذي تذكر، ما توجد فيهم هذه الشروط، وعلى هذه الحال، لا يؤخذ من مالهم شيء، ولو وصى به أحد منهم، لم تصح وصيته. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: عن شخص أوصى في ثلث ماله بثلاث أضاحي، وأفرز الورثة شقصاً قدر عشر الثلث، وهو وقت الإفراز يفي بالأضاحي، والآن ما يفي بواحدة، فطلب ولي الأضاحي إكمالها من ثلث مال الموصي، فهل له ذلك؟ فأجاب: إذا عين الموصي الأضاحي في ثلث ماله، لم يجز للورثة حيازتها في بعض الثلث، لأن ظاهر لفظ الموصي تقديم الأضاحي، والخارج من الثلث بعدها، ولا يجوز العدول عن نصه؛ وهذا الإفراز ظلم من الورثة، والله أعلم. سئل الشيخ سعيد بن حجي: متى تصح وصية الصبي؟ فأجاب: أما وصيته، فقال في المغني: من جاوز عشر سنين، فوصيته جائزة إذا وافق الحق؛ قال أبو بكر: لا

стр. 2731

يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته، ومن له دون سبع سنين فلا تصح وصيته؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. وما بين السبع والعشر فعلى روايتين. انتهى. وقال في الشرح الكبير نحو ذلك. سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن وصية الجارية التي لم تبلغ؟ فأجاب: قد ذكر العلماء أنها تصح وصية الصبي العاقل في ماله بقدر الثلث. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن اعتقل لسانه عن بعض الكلام وهو مريض، وقيل له: أوص لفلان بكذا، وكرر عليه، ثم قال: فلاناً يسميه، ويشير برأسه إشارة ولم يتكلم به. فأجاب: العلماء اختلفوا في وصية من اعتقل لسانه: فقال في الشرح لما ذكر صحة وصية الأخرس: فأما الناطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصية، فأشار بها وفهمت إشارته، فلا تصح وصيته إذا لم يكن ميؤوساً من نطقه؛ ذكره القاضي وابن عقيل، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة. ويحتمل أن تصح؛ وهو قول الشافعي وابن المنذر. وقال في الإنصاف: لا تصح وصية من اعتقل لسانه، وهو المذهب، وعنه التوقف. ويحتمل أن تصح إذا اتصل

стр. 2732

بالموت وفهمت إشارته؛ اختاره في الفائق؛ قلت: وهو الصواب. قال الحارثي: وهو الأولى، واستدل له بحديث رَضِّ اليهودي رأس الجارية وإيمائها. انتهى. وهذا الاختلاف فيما إذا اعتقل لسانه واتصل به الموت. وهذا المسؤول عنه قد تكلم باسم الرجل، فالظاهر من حاله أنه يقدر على التلفظ بالوصية فلم يلفظ بها، فلا يدخل تحت الصورة المختلف فيها، والأقرب عندي عدم الصحة. وأجاب أيضاً: إذا أوصى رجل في مرض موته، فقال الورثة: أوصى وهو لا يعقل، وقال بعضهم: بل أوصى وهو عاقل. هل تصح وصيته أو لا؟ فالذي يظهر لي صحة الوصية; لأن الأصل ثبوت العقل وصحة الوصية؛ ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البينة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: وجدت على ظهر وثيقة أوصى بها عبد الرحمن بن محمد القاضي: إن كانت هذه الوثيقة بيد ورثة الموصي، وسبق عمل بها من وارثه أو وارث وارثه، ولم ينازع أحد من الورثة في صدورها عن مورثهم، فهذا منهم إقرار بالوصية وتسليم لمقتضاها؛ فيثبت الحكم الشرعي والتقرير لمضمون الوصية، وهو حجة شرعية. وإذا كان بخط من يوثق به من طلبة العلم المعروفين بالدين والأمانة، فهو مما يقوي ثبوت هذه الوصية والعمل بها.

стр. 2733

[الوصية بالأضاحي ووصية افقير] سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الوصية بالأضاحي ووصية الفقير؟ فأجاب: أما الوصية بالأضحية فلا أرى بها بأساً، ولكن إنما تستحب الوصية لمن ترك خيراً؛ قال العلماء: المراد بالخير المال الكثير عرفاً، وأما الفقير فتكره الوصية في حقه، لا سيما إن كان ورثته فقراء، وكذلك من عليه دين لا ينبغي له ذلك، بل يبدأ بإبراء ذمته. لكن من طلب منك أن تكتب له فاذكر له المشروع، فإن عرفت أنه فقير ووارثه فقير، فلا أرى أنك تكتب له، وكذلك من عليه دين ربما يستغرق ملكه أو يقارب، فلا أرى الكتابة له. وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عمن قال: الوصية بالحجة والأضحية بدعة؟ فأجاب: القائل هو المبتدع بهذا القول، لأنه لم يسبق لذلك، وإذا كان الحج فرضاً من فرائض الإسلام، والتطوع به من أفضل القرب، كيف ينهى عن الوصية بالتطوع به، أو يقال هو بدعة؟ والقائل جاهل لا يعرف أصول السنة. غاية ما يقال: قد تكون الوصية للأقارب أفضل من ذلك، لا سيما حين فشا أخذ الجعالة على ذلك، كما أرشد النبي ﷺ أبا طلحة حين تصدق بحديقته "بيرحاء"، ولم يعين جهة، قال ﷺ : " اجعلها في الأقربين " ١؛ لكن القائل لا يحسن، أراد أن يجعل ترك الأولى بدعة ينهى عنه. كذلك الأضحية

стр. 2734

مشروعة بالإجماع ومرغب فيها، ولا نهى أحد من الأئمة المقتدى بهم عنها في حق الميت، وإن كانت من الحي أولى وأفضل، لكن تسمية ترك الأولى بدعة، والنهي عنه جهل وضلال. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عمن أوصى بوصية ثم أوصى بعد بثلث ماله؟ فأجاب: أما إذا أوصى بوصية وعلقها على الموت، ثم أوصى بعد ذلك بثلث ماله، فإن الوصية تكون من الثلث، إلا إن كان منجزها. وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: أما الوصايا، فإنها من الثلث بلا إشكال، وأما الوقف، فإن كان ذلك صادراً في حال الصحة فهو من رأس المال، وإن كان لم يصدر إلا في حال المرض فهو من الثلث. وإذا قال في أوقافه أو وصاياه: هذا قادم في جميع مالي، فقوله هذا لا عبرة به؛ فلو وصى بزيادة على الثلث لم يصح إلا برضى الورثة. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: الذي أوصى في مرض موته، بأن بستانه وقف على بناته دون غيرهن من الورثة، فالوقف والحال ما ذكر غير صحيح، ولو خرج من الثلث، كما اختاره أبو حفص العكبري، والشيخ أبو محمد، وأبو الوفاء ابن عقيل؛ وهو رواية عن الإمام أحمد، خلافاً للمنصوص الثاني المعتمد عند المتأخرين، لأن الواقف قد

стр. 2735

خصص بعض ورثته بالمال دون الباقين، والقرينة مشعرة بالحرمان، فمنع منه كالوصية في المرض، وقد قال ﷺ : " لا وصية لوارث " ١، ويكون البستان المذكور بين الورثة على قدر ميراثهم إرثاً. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: عن رجل أوصى فيما خلف بثلاث حجج، وثلاث أضاح، وأوصى بثلث ماله وقفاً على عياله وعيال عياله ما تناسلوا، ويخص الضعيف، فإن استووا، فهم فيه بالسوية على حسب الميراث؟ فكتب على الوصية المذكورة: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا وصية لوارث " ٢؛ فما أوصى به الميت لورثته من الوقف باطل، وإنما يثبت ما فيها من الحجج والأضاحي، والباقي ميراث على ما بيّنه الله في كتابه. أوصى رجل: بثلث ماله في ثلاث حجج، وثلاث أضاح ومسقاة ومسجد، وعلى المسجد ثلاثين وزنة، وأوجب على نفسه في حياته لابنيه علي وأحمد، كل واحد خمسة عشر ريالاً يتزوج بها، وذلولاً في الجهاد في سبيل الله، وما فضل عما ذكر فعلى الضعيف القريب. وللقائم في الوصية خمسون وزنة، والولي الأصلح من العيال يختاره أهل المعرفة من القرابات. والزوجة إن لم تتزوج فتأكل مع القرابة من الوصية. كاتب الوصية: الشيخ
следующие страницы →