← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

يختلف المذهب أن من له عشر سنين تصح وصيته، ومن له دون سبع سنين فلا تصح وصيته؛ وهذا قول أكثر أهل العلم، منهم مالك والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي. وما بين السبع والعشر فعلى روايتين. انتهى. وقال في الشرح الكبير نحو ذلك. سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن وصية الجارية التي لم تبلغ؟ فأجاب: قد ذكر العلماء أنها تصح وصية الصبي العاقل في ماله بقدر الثلث. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن اعتقل لسانه عن بعض الكلام وهو مريض، وقيل له: أوص لفلان بكذا، وكرر عليه، ثم قال: فلاناً يسميه، ويشير برأسه إشارة ولم يتكلم به. فأجاب: العلماء اختلفوا في وصية من اعتقل لسانه: فقال في الشرح لما ذكر صحة وصية الأخرس: فأما الناطق إذا اعتقل لسانه فعرضت عليه وصية، فأشار بها وفهمت إشارته، فلا تصح وصيته إذا لم يكن ميؤوساً من نطقه؛ ذكره القاضي وابن عقيل، وبه قال الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة. ويحتمل أن تصح؛ وهو قول الشافعي وابن المنذر. وقال في الإنصاف: لا تصح وصية من اعتقل لسانه، وهو المذهب، وعنه التوقف. ويحتمل أن تصح إذا اتصل

стр. 2732

بالموت وفهمت إشارته؛ اختاره في الفائق؛ قلت: وهو الصواب. قال الحارثي: وهو الأولى، واستدل له بحديث رَضِّ اليهودي رأس الجارية وإيمائها. انتهى. وهذا الاختلاف فيما إذا اعتقل لسانه واتصل به الموت. وهذا المسؤول عنه قد تكلم باسم الرجل، فالظاهر من حاله أنه يقدر على التلفظ بالوصية فلم يلفظ بها، فلا يدخل تحت الصورة المختلف فيها، والأقرب عندي عدم الصحة. وأجاب أيضاً: إذا أوصى رجل في مرض موته، فقال الورثة: أوصى وهو لا يعقل، وقال بعضهم: بل أوصى وهو عاقل. هل تصح وصيته أو لا؟ فالذي يظهر لي صحة الوصية; لأن الأصل ثبوت العقل وصحة الوصية؛ ومن ادعى خلاف ذلك فعليه البينة. قال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن: وجدت على ظهر وثيقة أوصى بها عبد الرحمن بن محمد القاضي: إن كانت هذه الوثيقة بيد ورثة الموصي، وسبق عمل بها من وارثه أو وارث وارثه، ولم ينازع أحد من الورثة في صدورها عن مورثهم، فهذا منهم إقرار بالوصية وتسليم لمقتضاها؛ فيثبت الحكم الشرعي والتقرير لمضمون الوصية، وهو حجة شرعية. وإذا كان بخط من يوثق به من طلبة العلم المعروفين بالدين والأمانة، فهو مما يقوي ثبوت هذه الوصية والعمل بها.

стр. 2733

[الوصية بالأضاحي ووصية افقير] سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الوصية بالأضاحي ووصية الفقير؟ فأجاب: أما الوصية بالأضحية فلا أرى بها بأساً، ولكن إنما تستحب الوصية لمن ترك خيراً؛ قال العلماء: المراد بالخير المال الكثير عرفاً، وأما الفقير فتكره الوصية في حقه، لا سيما إن كان ورثته فقراء، وكذلك من عليه دين لا ينبغي له ذلك، بل يبدأ بإبراء ذمته. لكن من طلب منك أن تكتب له فاذكر له المشروع، فإن عرفت أنه فقير ووارثه فقير، فلا أرى أنك تكتب له، وكذلك من عليه دين ربما يستغرق ملكه أو يقارب، فلا أرى الكتابة له. وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عمن قال: الوصية بالحجة والأضحية بدعة؟ فأجاب: القائل هو المبتدع بهذا القول، لأنه لم يسبق لذلك، وإذا كان الحج فرضاً من فرائض الإسلام، والتطوع به من أفضل القرب، كيف ينهى عن الوصية بالتطوع به، أو يقال هو بدعة؟ والقائل جاهل لا يعرف أصول السنة. غاية ما يقال: قد تكون الوصية للأقارب أفضل من ذلك، لا سيما حين فشا أخذ الجعالة على ذلك، كما أرشد النبي ﷺ أبا طلحة حين تصدق بحديقته "بيرحاء"، ولم يعين جهة، قال ﷺ : " اجعلها في الأقربين " ١؛ لكن القائل لا يحسن، أراد أن يجعل ترك الأولى بدعة ينهى عنه. كذلك الأضحية

стр. 2734

مشروعة بالإجماع ومرغب فيها، ولا نهى أحد من الأئمة المقتدى بهم عنها في حق الميت، وإن كانت من الحي أولى وأفضل، لكن تسمية ترك الأولى بدعة، والنهي عنه جهل وضلال. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عمن أوصى بوصية ثم أوصى بعد بثلث ماله؟ فأجاب: أما إذا أوصى بوصية وعلقها على الموت، ثم أوصى بعد ذلك بثلث ماله، فإن الوصية تكون من الثلث، إلا إن كان منجزها. وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: أما الوصايا، فإنها من الثلث بلا إشكال، وأما الوقف، فإن كان ذلك صادراً في حال الصحة فهو من رأس المال، وإن كان لم يصدر إلا في حال المرض فهو من الثلث. وإذا قال في أوقافه أو وصاياه: هذا قادم في جميع مالي، فقوله هذا لا عبرة به؛ فلو وصى بزيادة على الثلث لم يصح إلا برضى الورثة. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: الذي أوصى في مرض موته، بأن بستانه وقف على بناته دون غيرهن من الورثة، فالوقف والحال ما ذكر غير صحيح، ولو خرج من الثلث، كما اختاره أبو حفص العكبري، والشيخ أبو محمد، وأبو الوفاء ابن عقيل؛ وهو رواية عن الإمام أحمد، خلافاً للمنصوص الثاني المعتمد عند المتأخرين، لأن الواقف قد

стр. 2735

خصص بعض ورثته بالمال دون الباقين، والقرينة مشعرة بالحرمان، فمنع منه كالوصية في المرض، وقد قال ﷺ : " لا وصية لوارث " ١، ويكون البستان المذكور بين الورثة على قدر ميراثهم إرثاً. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: عن رجل أوصى فيما خلف بثلاث حجج، وثلاث أضاح، وأوصى بثلث ماله وقفاً على عياله وعيال عياله ما تناسلوا، ويخص الضعيف، فإن استووا، فهم فيه بالسوية على حسب الميراث؟ فكتب على الوصية المذكورة: ثبت عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لا وصية لوارث " ٢؛ فما أوصى به الميت لورثته من الوقف باطل، وإنما يثبت ما فيها من الحجج والأضاحي، والباقي ميراث على ما بيّنه الله في كتابه. أوصى رجل: بثلث ماله في ثلاث حجج، وثلاث أضاح ومسقاة ومسجد، وعلى المسجد ثلاثين وزنة، وأوجب على نفسه في حياته لابنيه علي وأحمد، كل واحد خمسة عشر ريالاً يتزوج بها، وذلولاً في الجهاد في سبيل الله، وما فضل عما ذكر فعلى الضعيف القريب. وللقائم في الوصية خمسون وزنة، والولي الأصلح من العيال يختاره أهل المعرفة من القرابات. والزوجة إن لم تتزوج فتأكل مع القرابة من الوصية. كاتب الوصية: الشيخ

стр. 2736

محمد بن مقرن، وكتب عليها الشيخ عبد الرحمن بن حسن: هذا صحيح ثابت، والوقف ما فيه نائبة ولا زكاة. سئل الشيخ حسين والشيخ عبد الله: ابنا الشيخ محمد، ﵏: عمن أوصى لبعض أولاده؟ فأجابا: إذا أوصى الرجل لبعض أولاده أو بعض ورثته، لم تصح الوصية، ولا يجوز إنفاذها بعد موته؛ وقد اتفق العلماء: أن لا وصية لوارث. فإذا أوصى بذلك فالوصية باطلة، إلا إذا أجاز ذلك الورثة، بشرط أن يكونوا رشيدين ليس فيهم سفيه ولا صغير. أوصى لبعض ولده بقصد التعديل وسئل الشيخ: عبد الرحمن بن حسن: عمن أوصى لبعض ولده بقصد التعديل ... إلخ؟ فأجاب: مقتضى ما اعتمده علماؤنا وصححوه، أن على الوالد التسوية بين أولاده، إما بالرجوع أو الإعطاء للآخر حتى يستويان، ولو في مرضه. فظاهره: حصرهم التسوية في هذين الأمرين، ولو جاز له الإيصاء بالتسوية لكان أمراً ثالثاً، ولو كان جائزاً لما أهملوه، وليس على الأب واحد منهما بعينه، حتى يقال يجب أو يجوز الإيصاء; فإذا انتفى وجوب الإعطاء بعينه، انتفى موجب تخصيص عموم حديث: "لا وصية لوارث " ١، يوضحه قول الفقهاء: فإن مات قبل التعديل ثبت للمعطَى، ولم يرجع الباقون على الأصح.

стр. 2737

وعنه: يثبت للباقين الرجوع؛ اختاره ابن بطة وأبو حفص وابن عقيل، والشيخ تقي الدين وصاحب الفائق، فلم يقيدوا واحداً من القولين بعدم الإيصاء، فعدم تقييدهم به يدل على عدم جوازه; ومن المعلوم أن الوصية تبرع بعد الموت، وهو غير مأذون فيه للوارث، ونصهم في الوصايا: ولا تجوز لوارث بشيء إلا بإجازة الورثة; وقال بعض الأصحاب: الوصية باطلة، يؤخذ من عمومه المنع في صورة السؤال، والله أعلم. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن وارث أجاز الوصية فيما زاد على الثلث، ثم أراد أن يرجع ... إلى آخر السؤال؟ فأجاب: ليس له ذلك بل متى أجازه لزمه، وكذا لو أقر بدين على مورثه ثم رجع، أخذ بإقراره في قدر نصيبه، وأما إذا أجاز الوارث الوصية، لظنه أن الموصَى به قليل، فكان كثيراً، فالقول قوله مع يمينه، وله الرجوع فيما زاد على ظنه، إلا أن يكون لا يخفى عليه قدره. وكذا لو أوصى بثلث التركة لبعض الورثة، فأجازه بعضهم لظنه أن مال الميت قليل فبان كثيراً، فله الرجوع فيما زاد على ظنه، إلا أن يكون المال ظاهراً لا يخفى. انتهى. [الوصية لبعض الورثة دون بعض] وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الوصية لبعض الورثة دون بعض؟

стр. 2738

فأجاب: الحمد لله، الوصية للوارث لا تجوز، لما ثبث في السنن والمسانيد عن النبي ﷺ أنه قال: " لا وصية لوارث " ١، كما رواه أحمد والترمذي وصححه، وابن ماجة والنسائي وغيرهم، عن عمرو بن خارجة أن النبي ﷺ خطبهم على راحلته فقال: " إن الله قسم لكل إنسان نصيبه من الميراث، فلا تجوز لوارث وصية " ٢. وعن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع في خطبته: " إن الله قد أعطى كل ذي حظ حظه، فلا وصية لوارث " ٣، رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي، وفي إسناده إسماعيل بن عياش، وقد روى حديثه عن الشاميين جماعة، منهم الإمام أحمد والبخاري؛ وهذا من روايته عن الشاميين، فإنه رواه عن شرحبيل بن مسلم الشامي وهو ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث عنه الترمذي. وفي الباب عن أنس عند ابن ماجة، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص وجابر، كلاهما عند الدارقطني، وعن علي عند ابن أبي شيبة، ولا يخلو إسناد كل منهما من مقال؛ لكن بمجموعها يقتضي أن للحديث أصلاً، بل احتج الشافعي أن متنه متواتر. وترجم البخاري في الصحيح: باب لا وصية لوارث: حدثنا محمد بن يوسف حدثنا ورقى، عن ابن أبي نجيح عن عطاء عن ابن عباس قال: "كان المال للولد والوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب،

стр. 2739

فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن أو الربع، وجعل للزوج الشطر أو الربع"، رواه ابن جرير. وروى أبو داود في كتاب الناسخ والمنسوخ، وابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٠] : نسختها هذه الآية: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَفْرُوضاً﴾ [سورة النساء آية: ٧] ، وبما قال ابن عباس، روي عن ابن عمر وأبي موسى وسعيد بن المسيب، والحسن البصري وسعيد بن جبير وشريح، ومجاهد ومحمد بن سيرين والضحاك وعكرمة وقتادة، وزيد بن أسلم والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان والسدي وإبراهيم النخعي ومسروق، ومسلم بن يسار والزهري والعلاء بن زياد وغيرهم; هذا إذا قلنا إن الوصية واجبة في أول الأمر، كما هو الظاهر من قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ . وقيل: إنها غير منسوخة، وإنما هي مفسرة بآية الميراث، ومعناه: كتب عليكم ما أوصى الله به من توريث الوالدين والأقربين، من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١١] . والصحيح: قول ابن عباس وابن عمر وأبي موسى وغيرهم كما تقدم؛ وبمقتضى هذه

стр. 2740

الأحاديث قال فقهاء الأمصار في القديم والحديث. وأما إذا أوصى لبعض الورثة دون بعض، مع إجازة الورثة، فاختلف العلماء في ذلك: فالجمهور يقولون: تصح الوصية إذا أجاز الورثة. وقال المزني وداود: لا تجوز الوصية وإن أجاز الورثة، واحتجوا بما تقدم من الأحاديث. واحتج الجمهور بحديث ابن عباس مرفوعاً: " لا تجوز الوصية لوارث، إلا أن يشاء الورثة "، رواه الدارقطني والبيهقي عن عطاء عن ابن عباس، ورجاله ثقات، لكنه معلول؛ فقد قيل: إن عطاء هو الخراساني، وقد تكلم فيه الحفاظ، وقال الذهبي: إنه صالح الإسناد. وأجابوا عن حديث: " لا وصية لوارث " ١ بأن المراد: إذا لم يجز الورثة، لأن المنع في الأصل لحق الورثة، فإذا أجازوا لم يمتنع; فتبين بما ذكرنا: أن الوصية لبعض الورثة دون بعض موقوفة على إجازة بقية الورثة، على قول الجمهور، وأنهم إذا لم يجيزوا ذلك فهي باطلة بالإجماع. وأما إن أجاز بعضهم دون بعض، فتجوز في حق من أجاز منهم، ومن أبى أخذ حقه. سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عمن أوصى لآخر بوصية، فماتا بحادث؟ فأجاب: الذي يظهر أنها لا تنفذ ولا تصح من وجهين: الأول: أن الوصية هي التمليك بالتصرف بعد

стр. 2741

الموت، فهي جارية مجرى الميراث، من حيث كونها انتقال مال من إنسان بغير عوض؛ فلا تُسْتَحَق إلا بتحقق حياة الموصَى له بعد موت الموصي. الوجه الثاني: أن الذي عليه جمهور الفقهاء: أن الملك لا يثبت للموصَى له إلا بالقبول بعد الموت، إذا كان الموصَى له واحداً، أو جمعاً محصوراً. قال أحمد: الهبة والوصية واحد. وقد عرفت أن الوصية المذكورة لا تنفذ ولا تصح. فصل سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: عمن أوصى في الجاهلية لإناث، وجاء الإسلام والمال في أيديهن؟ فأجاب: وأما إذا أوصى لإناث بوصية مدة حياتهن، وجاء الإسلام والمال في يد الإناث، فإنه يكون لهم ولورثتهم. وإذا أوصى الميت أن يصرف ماله في ختمة، وقصده التقرب إلى الله، فصرفت في محاويج يقرؤون القرآن ختمة وأكثر، كان ذلك أفضل وأحسن. أوصى عند موته بعشاء لجيرانه، فهل ترده على الورثة؟ وسئل أبوه: عن الذي يوصي عند موته بعشاء لجيرانه، فهل ترده على الورثة، أو تصرفه في قرابة الميت؟ فأجاب: يصير على ما قال الموصي، لأنه لا يخالف الشرع. وأما الذي أوصى من ثلث ماله بحجة دراهم معلومة

стр. 2742

وهو ميت قبل هذا الدين وورثته فقراء، هل تصرف عليهم أو يحج عنه؟ فيقول: إن وجدوا من يحج لوجه الله لا لأجل الدراهم لكن يتعاون بها، فهي على وصيته، وإن كان ما حصل أحد يحج عنه على هذا الوجه، فهي تصرف على قرابته. انتهى. وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله: عمن أوصى بحجة ولم يبين قدرها وكذلك الأضحية؟ فأجاب: الحجة الموصى بها المرجع في ذلك إلى العرف، فإذا أوصى بحجة أخرج من ثلثه ما يكفي الحاج، سواء قيل القدر عشرة أو أكثر. وكذلك الأضحية الموصى بها، يجزي فيها الجذع من الضأن، والثني من المعز. فإذا أوصى بغلّة نخلة في أضحية صرفت في ذلك، فإن فضل منها شيء اشترى به ثانية، لأن التعدد في الأضحية جائز. فإن أراد الولي صرف الفاضل إلى قريب محتاج، فهو حسن ولا يمنع من ذلك. وقد ذكر الشيخ تقي الدين، وغيره من أهل العلم: إن صرف الوقف من جهة إلى جهة جائز للمصلحة، فإذا كان يجوز صرفه عن الفقراء إلى الجهاد ونحوه للمصلحة، فالفاضل عن الجهة أولى وأحرى. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا دَبَّرَ عبده وأوصى بثلث ماله ... إلخ؟ فأجاب: إذا دبر عبده وأوصى بثلث ماله في بر، فإن

стр. 2743

الجميع يخرج من الثلث، لأن التدبير وصية على المشهور، وله الرجوع في الوصية وبيع المدبر على اختلاف في ذلك. والذي أوصى بوصية لمن أذّن في هذه المنارة المعينة جميع الأوقات، واشترط في استحقاق الوصية المذكورة: أن لا يخل بذلك وقتاً من الأوقات، فإذا لم يلتزم المؤذن ذلك الشرط لم يستحق شيئاً، فإن رأوا صرفه إلى المؤذن وإن لم يلتزم ذلك الشرط فحسن، وإلا صارت الوصية المذكورة ميراثاً. وسئل: عمن أوصى بدراهم يحج عنه بها، فاشترى بها نخلات وحصل من ريعها ما يفي بحجة ... إلخ؟ فأجاب: النخلات وما حصل منها يصرف كله في حجج عن الموصي. ونص أحمد فيمن أوصى بدراهم في وجه بر، أو ليشترى بها ما يوقف، فاتجر بها الوصي، فربحه مع أصل المال فيما أوصى فيه ولا زكاة فيه، وإن خسر ضمن النقص؛ هذا نص أحمد نقله عنه جماعة من أصحابه. وذكر الشيخ تقي الدين وغيره في الموصى به ليوقف، أنه إذا نما بعد الموت وقبل إيقافه، أن نماءه يصرف مع الوقف. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن أوصى بثلث ماله على أعمال بر وذريته ضعفاء؟ فأجاب: إن كانت الوصية على أعمال البر، جاز

стр. 2744

لمتوليها أن يدفع إليهم من الوصية ما يستعينون به في حاجاتهم، وإن كانت الوصية لأناس معينين أعطوا ما وصى به، فإن كانت على حجج غير حجة الإسلام، فتصرف على المحتاج من ذريته، وكذلك ما كان على الأضحية صرف على فقراء ذريته، لأن الصدقة عليهم أفضل إذا احتاجوا لها، فلا بد من تنفيذ الوصية ابتداء، ثم يكون النظر للمتولى عليها. [الوصية على الأقارب] وسئل الشيخ إبراهيم بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، ﵏: عن الوصية على الأقارب ... إلخ؟ فأجاب: الوصية على الأقارب يدخل أولاد الموصي فيها، لأنهم أقرب القرابة ولا يختصون بها. سئل الشيخ علي بن عيسى: إذا قدر الموصي الأضحية بريال ... إلخ؟ فأجاب: الظاهر أن تقدير الموصي الأضحية بريال قصده الأعلى، لأن الريال في ذلك الوقت قيمة أعلى أضحية، وأما الريال اليوم فلا يحصل به شيء، ولا أدنى مجز، فلا يصار إلى التقدير المذكور، وتكون الأضحية في أعلى الموجود. سئل الشيخ عبد العزيز بن حسن: عمن أوصى لأمه بأضحية في حياتها، ولا أجاز الورثة ... إلخ؟

стр. 2745

فأجاب: الوصية المذكورة ظاهرها الصحة، والوصية للوارث الممنوعة شرعاً هي التي يقصد بها الموصي التمليك، بحيث أن الموصى له يتصرف فيها تصرف الملاك بالبيع وغيره، وأما إذا أوصى الإنسان لبعض ورثته كوالده، بأضحية دائمة في ملك معين، فهو في الحقيقة لم يوص له إلا بالثواب؛ وهذا من البر الذي يحبه الله. وهذا الموصى له لا يملك إبطال الوصية، ولا التصرف فيها، والموصي ما قصد إلا تولي أضحيتها في حياتها، ولا مانع لولايتها عليها. وأما قول بعض الورثة: ما نجيز الأضحية لها إلا أن يقسم لحمها على الورثة، فهذا خطأ من وجهين: الأول: أن الأضحية لها بلا إجازة. والثاني: أن الأضحية قربة إلى الله ما يقسم لحمها على الورثة، والذي يليها إن أحسن أحسن لنفسه، وإن أساء فعليها. قال الشيخ علي بن عيسى: هذا صحيح، وهو المفتى به عندنا. وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: وأما وصية الرجل لأمه أو أبيه، بأضحية أو حجة وهم أحياء، فلا يمنع من ذلك، لأنه ليس بتمليك، وإنما هو من باب البر والإحسان إليهما بالثواب. انتهى. وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عما

стр. 2746

إذا أوصى الإنسان بشيء من ماله يحج به لبعض ورثته أو يضحى به عنه؟ فأجاب: الذي يظهر صحة هذه الوصية ولزومها في الثلث بدون إجازة، لأن الموصى له لا يملكها ولا ينتفع بها، وإنما يرجو ثوابها في الآخرة؛ فهي كصدقة في مرضه وجعل ثوابها للوارث. وقد قال الأصحاب في تعليل صحة وقف المريض ثلثه أو وصيته بوقفه على بعض الورثة، بأنهم لا يبيعون ذلك ولا يهبونه، وإنما ينتفعون به. ومسألة السؤال أولى بالجواز، لأن الموصى له بأن يحج عنه ونحوه لا يملك الموصى به، ولا ينتفع به في الدنيا، والموقوف عليه ينتفع بالوقف، ويملكه على المشهور. ولما ذكر الزركشي تعليل الأصحاب لمسألة الوقف المذكورة، قال: قلت فكأنه عتق الوارث. انتهى. يشير - والله أعلم - إلى ما ذكروه في تصرف المريض إذا ملك وارثه بشراء ونحوه. وقياس مسألتنا على مسألة العتق أولى، والله أعلم. وبعد ختم الكتاب، عثرت على فتيا منسوبة لأبي المواهب الحنبلي، أنه سئل: عمن أوصى بأنه يحج عن أمه من ماله، وأمه حية، فأفتى: بأن ذلك يقف على إجازة الورثة، والله أعلم. والذي يترجح عندي: ما ذكرته في جوابي لك، ولكن

стр. 2747

حصل بعض التردد، وأحببت تشريفك على ذلك لتنظر وتأمل. ومن كلام لأحمد المذكور، قال: وأما الحجة، فليست بمال ولا يقصد بها المال، وإنما هي قربة، فلا يملك الموصى له بها لو كان حياً تصرفاً، فلا تثبت بدون رجلين. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عما يوصي به الميت ... إلخ؟ فأجاب: والصدقة التي يوصي بها الميت، فيلزم إخراجها - ولو كثرت - منها، إلى الثلث. وسئل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن: عن رجل أوصى في غلة نخله بعد مماته بشيء معلوم، هل يعم النخل كله إذا لم يكن له نخل غيره؟ أم يحصر في ثلثه؟ فأجاب: أمر الصبرة وما يتفرع عليها مشكل علي من قديم، وهذا كلام الشيخ محمد بن محمود وإملاؤه بحروفه: قال: فهذا كلام الشيخ فيها، وأنها من المشكلات لمن نظر في أصولهم، وباقي الإخوان يقولون: تحاز في جميع ثلث ماله، ولكن جعل الثلث محصوراً في النخل أولى. سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عمن ماله مائة وخمسون، وقد أوصى لرجل بثلث ماله، ولآخر بعشرة؟ فأجاب: إذا لم يجز الورثة ما زاد على الثلث،

стр. 2748

فيجعل الثلث وهو خمسون، ستة أسهم: لصاحب الثلث خمسة أسهم، كل سهم ثمانية وثلث، ولصاحب العشرة واحد منها: ثمانية وثلث. فصل سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عمن أوصى بشيء من ماله وقال: وكيلي فلان؟ فأجاب: العامة يسمونه وكيلاً، والعلماء يسمونه وصياً، فالمأمور بالتصرف بعد الموت: وصي لا وكيل، بخلاف الحياة. فإذا قال الموصي: وكيلي فلان، أو وصيي فلان، فمراده تفويض التصرف إليه، فما أوصى إليه فيه فهو منفذ للوصية. فالموصي بشيء من ماله في جهة، وقال: وصيي فلان، فمراده تنفيذ وصيته، ولا يصح أن يحج بنفسه، وعبارة الفقهاء فيمن أوصى بحجة: أنه لا يصح حج وصي ولا وارث. قال في الشرح الكبير: لا يصح حج وارث إذا كان فيها فضل، إلا بإذن الورثة. وفي الإنصاف وغيره: من أوصى أن يحج الوارث بالنفقة جاز، وإذا أوصى الميت بشيء معين في حجة، دفع إلى من يحج عنه، وإن كان أكثر من أجرة المثل أو نفقة المثل، إذا لم يكن من الورثة، ما لم يزد على الثلث.

стр. 2749

سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن الوصي على صدقة الميت فطرة أو غيرها؟ فأجاب: الوصي على صدقة الميت أحق بالولاية من الورثة والعصبة، لأن الميت اختاره ورضيه، والله أعلم. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا مات الوصي، أقام الحاكم في ذلك عدلاً من العصبة أو غيرهم، وليس للعصبة ولاية إلا مع عدم حاكم ووصي، على قول غير مشهور، لكنه متوجه مع عدم الحاكم. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: واليتيم إذا كان له مال، يتولاه الوصي من جهة أبيه، فإن لم يكن هناك وصي، يجب على الحاكم الشرعي - وهو قاضي البلد أو الأمير - أن يولي على ماله من يحفظه، من أهل الأمانة والديانة. والوصي على صدقة الميت فطرة أو غيرها، أحق بالولاية من الورثة والعصبة، لأن الميت اختاره ورضيه. وأجاب ابنه الشيخ إبراهيم: الذي مات وعليه دين وبعض الورثة غائب، فإن كان المدين قد عين وكيلاً لقضاء الدين، نفذ تصرفه بغير إذن الورثة، وإن لم يكن عين وكيلاً، فلا ينفذ تصرف بعضهم بقضاء الدين إلا بإذن الحاكم، لأن له الولاية العامة. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن الوكيل على

стр. 2750

القاصرين، هل يمضي تصرفه بكل حال ... إلخ؟ فأجاب: الوصي على القاصرين، إنما يملك التصرف فيما وُصي عليه به، فإذا أوصاه أبو الصغار عليهم، بالنظر في مالهم وما يصلح لهم، ملك التصرف فيما فيه مصلحة، وكذلك إذا كان لهم شريك في شيء، وطلب قسمه فالولي عليهم يقسم لهم وتمضي قسمته. ولا يملك الوصي تزويج صغير، إلا إن نص له الأب على التزويج، بأن يقول: وصيت إليك بتزويج بناتي، ونحو هذا. سئل الشيخ حسن بن حسين بن علي: إذا أوصى الرجل لأخيه أو عمه بأضحية ... إلخ؟ فأجاب: إن كان الميت وكل عليها وكيلاً، فهو أحق بولايتها، وارثاً أو غير وارث، وإن لم يوكل فالنظر للحاكم لا للوارث. والأضحية يذبحها الوكيل في بلد الموصي، ليكون الخارج منها لأقارب الموصي. وإذا لم يجعل الموصي الأضحية للوكيل أثلاثاً، فله قدر عمله منها، والباقي يخرجه في أقارب الميت والجيران والفقراء، وليس للورثة منازعة الوكيل. وقد يكون الميت نفع الوكيل بتوكيله مع حفظها. انتهى. وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن أوصى عند موته بأضحية، هل للموصى إليه أو غيره من ورثة الميت الأكل منها؟

стр. 2751

فأجاب: الذي يظهر لي من كلام العلماء أنه لا بأس بذلك، وإنما اختلفوا في أضحية اليتيم. وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: ما ذكرت من قول ابن ذهلان: أن ولي الأضحية لا يأكل منها ولا من تلزمه مؤنته، فرأيت كلاماً لبعض الأصحاب في الوكيل في التضحية: أن لا يأكل من أضحية موكله بلا نص من الموكل لوكيله على الأكل منها، كما لو قال: تصدق عني بهذا أو بكذا على الفقراء، والوكيل فقير لم يأخذ منها بلا نص من الموكل عليه. انتهى. والوصي وكيل، فقاسوه على الوكيل في التصدق كما ترى، وأباحوا له الأكل إذا أذن الموكل، ويمكن أن يقال: إن دلالة الحال من الموصي تدل على الإذن العرفي للموصى إليه في الأكل منها. وأجاب أيضاً: وأما الوصي في الأضحية، فقاسوه على من أوصي إليه بتفرقة شيء مثلاً على الفقراء وهو فقير؛ والمشهور في المذهب أنه لا يأخذ شيئاً; وأجاز جماعة له الأخذ; وفيه قول: يجوز له الأخذ، إن دلت قرينة على الإذن وإلا فلا، وتعليلهم يدل على أنه يجوز مع الإذن; فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأكل من الأضحية جاز، وصرح ابن عبد الهادي بجواز الأكل له كغيره. وأما ما أفهمه كلام أحمد بن محمد، من أنه لا يجوز

стр. 2752

له الأكل حتى مع الإذن، فالظاهر أنه ليس بصواب، لأن كلام الأصحاب قد دل على جواز الأخذ لمن أوصي إليه بتفرقة شيء، أو وكل فيه إذا أذن له في الأخذ، فكذلك إذا أذن الموصي للوصي في الأخذ من لحم الأضحية، وأي فرق؟! وأما إذا قال الموصي لوصيه في الأضحية: لك جلدها ونحوه على سبيل الوصية له بذلك، أو على طريق العوض، فالظاهر عدم جواز ذلك. وأما إذا قال: أذنت لك في الأكل من لحمها، فلا مانع منه. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن قسمة الولي إلى آخره؟ فأجاب: قسمة الولي الشرعي، وتعيينه ما بيد الرجل المودع للصغار القاصرين قبل تلف ما بيده، قسمة شرعية تثبت بالإقرار والتعيين، فما تلف بعدها فهو مختص بمستحقه من القسمة الصادرة من الولي، وتعيين حصة الصغار فقط قسمة شرعية، وإن تلف الباقي قبل قسمته بين الثلث والكبار المرشدين; والحيف والإضرار يعتبر حال القسمة، ويرجع إلى العدل والتسوية، وأما بالنظر والتلف أو الكساد الحادث بعد القسمة، فلا حيف ولا ضرر في الإفراز والقسمة والحالة هذه.

стр. 2753

كتاب الفرائض وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن حديث زينب؟ فأجاب: اعلم أن الحديث قد دل بمنطوقه: على أن امرأة عثمان بن عفان، ونساء من المهاجرات، اشتكين إلى رسول الله ﷺ ضيق المنازل وإخراجهن منها، فأمر ﷺ أن تُوَرَّث دور المهاجرين النساء المهاجرات، وتورث بضم التاء وفتح الواو وتشديد الراء، معناه: أن تجعل الدور لهن ميراثاً. فمات عبد الله بن مسعود، فورثت امرأته داره في المدينة أخذاً بهذا الحديث. هذا معناه. والناس مختلفون في وجه اختصاص النساء بذلك: فقال بعضهم: يشبه أن يكون ذلك على معنى القسمة بين الورثة، وإنما خصهن بالدور لأنهن بالمدينة غرائب لا عشيرة لهن، فحاز لهن الدور لما رأى من المصلحة؛ وهذا مختص بالمهاجرات، لاختصاصهن بعلة الحكم على هذا الوجه. وقد ألغز في ذلك بعض الأفاضل فقال: سلم على مفتي الأنام وقل له ... هذا سؤال في الفرائض مبهمُ قوم إذا ماتوا يحوز ديارهم ... زوجاتهم ولغيرهم لا تقسمُ

стр. 2754

وبقية المال الذي قد خلفوا ... يجرى على أهل التوارث منهمُ وقيل: هو أمر منه ﷺ باختصاص الزوجات المهاجرات سكنى دور أزواجهن مدة حياتهن، على سبيل الإرفاق بالسكنى دون الملك، كما كانت دور النبي ﷺ وحجره في أيدي نسائه بعده، لا على سبيل الميراث، لقوله ﵇: " نحن لا نورث، ما تركناه صدقة " ١؛ لكن يحكى عن سفيان بن عيينة، أنه قال: "نساء النبي ﷺ في معنى المعتدات، لأنهن لا ينكحن بعده، وللمعتدات السكنى، فجعل لهن سكنى البيوت ما عشن لا تملكها". ويشبه أن يكون أمره بذلك، قبل نزول آية الفرائض، فقد كانت الوصية للوالدين والأقربين مفروضة، وقد كان المهاجرون والأنصار يتوارثون بالمؤاخاة بينهم، فنسخ بآية الفريضة، وبقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٥، والأحزاب:٦] ؛ وعمل الناس يدل على هذا ويرجحه. وأما استدلال أبي داود، في باب إحياء الموات، فتأوله على وجهين: أحدهما: أنه إنما أقطعهم العرصة ليبنوا فيها الدور، وعليه يصح ملكهم في البناء الذي أحدثوه في العرصة؛ وهذا الذي يظهر من صنع أبي داود. الوجه الثاني: أنهم إنما أقطعوا الدور عارية، وإلى هذا ذهب أبو إسحاق المروزي؛ ويرجح ذلك أن إقطاع الإرفاق وقع في المقاعد في الأسواق والمنازل في الأسفار، وهي يرتفق بها

стр. 2755

ولا تملك؛ ومن هنا يحصل احتمال رابع في معنى اختصاص النساء بالدور دون سائر الورثة. وتقريره على هذا الوجه، أن يقال: الدور لم تملك بالإقطاع، بل هي عارية في يد أربابها، وبعد هلاكهم أمرها إلى الإمام، يسكنها من شاء بحسب المصلحة، فلذلك أمر النبي ﷺ باختصاص المهاجرات، دون سائر الورثة. وقول بعضهم: إن الميراث لا يجرى إلا فيما كان المورث مالكاً له، فيه نظر ظاهر، والله أعلم. سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: عن الميت إذا تنازع عصبته في ميراثه، وكل واحد يدعي أنه أقرب، ولا بينة مع أحدهم على دعواه، إلا قول الميت قبل وفاته: إن الأقرب إليه فلان؟ فأجاب: اعلم أن قول المورث هذا لا يصير إقرارا بوجه، وإنما هو من باب الشهادة؛ وإذا كان كذلك، فإنه لا يظهر لي أنه يشترط في مثل تلك الشهادة بيان الدرجة، هل هي الثانية أو الثالثة مثلاً، أو لا يشترط شيء من ذلك، بل يكتفى بمجرد شهادته أنه أقرب من غير تفصيل. ومثل هذه ينبغي التأني فيها، إذ ربما يثبت مدع آخر، أو يوجد بينة مع أحد الطرفين. وقال الشيخ محمد بن محمود: سألني عبد العزيز بن

стр. 2756

جماز عن مسألة أخت عثمان السليمان، وقد كنت كتبت سابقاً - تحت فتيا الشيخ عبد العزيز بن حسن، نسأ الله في أجله - من كلامهم ما ظهر لي في المسألة، وحاصله: أن النسب لا يثبت بمجرد الدعوى، ولا يثبت إلا ببينة تعين الأحق بالإرث، إما بشهادة قاطعة، أو استفاضة تقرب من القطع، وأما مجرد دعوى بني فلان مع كثرة المدعي، وتكاثر شعوب المُدَّعَى، فلا يثبت بذلك التوارث. يبقى الإرث بعد فروض الزوج لذوي الأرحام، إذا لم يثبت عصبة النسب، فيكون لولد البنت نصف الباقي، ولبنات الإخوة نصفه، ويستوي ذكرهم وأنثاهم، إلا أن يكونوا أولاد إخوة لأم، فيسقطون، ويكون الباقي لولد البنت، لأن أمه تحجبهم حتى لا يخفى. قال الشيخ علي بن عبد الله بن عيسى: الحمد لله، ما ذكره الشيخ محمد بن محمود جار على قواعد المذهب. ويشترط في البينة الشاهدة لمدعي قرابة شخص: أن تجمع بينه وبين المدعي قرابته في جد واحد، فتقول: فلان بن فلان بن فلان، وفلان بن فلان بن فلان، حتى يجتمعا في شخص واحد. هذا ما ظهر لي من كلامهم، وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: عن العصبة إذا كانوا من رجلين، وهم في درجة واحدة من

стр. 2757

الميت، وأبناء واحد أكثر من واحد، هل كل في منْزلة أبيه؟ أم كلهم في الميراث سواء ... إلخ؟ فأجاب: العصبة سواء، ولو كان أبناء واحد أكثر من واحد، وأما الأخ للأم فلا يعصب. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: هل يرث العاصب بالتعصيب ولو بَعُدَ؟ فأجاب: العاصب للميت من كان أقرب من غيره، بَعُدَ العاصب أو قرب، فمتى ثبت النسب بأن هذا ابن عم الميت ولا يعرف أحد أقرب منه فهو العاصب - ولو بعد عن الميت -. فإن عرف أن هذا الميت من هذه القبيلة، ولم يعرف له عاصب معين، وأشكل الأمر، دفع إلى أكبرهم سناً. فإن كان للميت وارث ذو فرض أخذ فرضه، وإن لم يوجد عاصب. فالرد إلى ذوي الفروض أولى من دفعه إلى بيت المال؛ ويرث على أهل الفروض على حسب ميراثهم، إلا الزوج أو الزوجة، فلا يرد عليهما. وسئل أيضاً رحمه الله تعالى: عن معنى بيت الجعبري، حيث قال: فبالجهة التقديم ثم بقربه ... وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا فأجاب: اعلم أنه إذا اجتمع عصبة، فتارة يستوون في الدرجة والجهة والقوة أو لا: فإن استووا فيما ذكرنا اشتركوا

стр. 2758

في المال، أو فيما أبقت الفروض، وإن لم يستووا في ذلك حجب بعضهم بعضاً. والجهات سبع: البنوة، ثم بعدها الأبوة، ثم الجدودة والأخوة، عند من يقول إن الإخوة يشاركون الجد، ثم بنو الإخوة، ثم العمومة، ثم الولاء، ثم بيت المال ١. إذا فهمت ذلك، فإذا اجتمع عاصبان، فمن كانت جهته مقدمة فهو المقدم، وإن بعد على من كانت جهته مؤخرة؛ فإذا اجتمع ابن ابن أخ شقيق أو لأب، فهو مقدم على ابن العم؛ وهذا معنى قول الجعبري، ﵀: فبالجهة التقديم. فإن كانوا في الجهة سواء، فالقريب درجته هو المقدم، كالابن يقدم على ابن الابن، وكذلك لو اجتمع ابن أخ لأب مع ابن ابن أخ شقيق، فابن الأخ لأب يقدم على ابن ابن الأخ الشقيق النازل بالإجماع، لأن الأول أقرب. ومعنى قول الجعبري: ثم بقربه: إذا اجتمع عاصبان من جهة واحدة، وكان أحدهما أقرب درجة، فلا شيء للبعيد كما مثلته لك. فإن استووا في الجهة والدرجة، وكان أحدهما أقوى، وهو الذي يدلي بقرابتين، فهو المقدم على المدلي بقرابة

стр. 2759

واحدة. مثاله: إذا اجتمع أخ شقيق وأخ لأب، فقد استويا في الجهة والدرجة، فالشقيق هو المقدم. وهذا معنى قول الجعبري: وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا; يعني: ذا القرابتين يقدم على ذي القرابة الواحدة، إذا استويا في الجهة والدرجة. وحاصل الأمر: أن الابن يقدم على ابن الابن، وأن ابن الابن مقدم على الأب في العصب، والأب مقدم على الجد مطلقاً، والأب مقدم على الأخ الشقيق، والأخ الشقيق مقدم على الأخ للأب، والأخ للأب مقدم على ابن الأخ الشقيق، وابن الأخ الشقيق مقدم على ابن الأخ للأب، وابن الأخ للأب مقدم على ابن ابن الأخ الشقيق الذي هو أنزل منه، وبنو الإخوة الأشقاء أو لأب مقدمون على العمومة، فلا يرث العم مع ابن الأخ، سواء كان ابن أخ شقيق أو لأب وإن نزل، والعم لأب لا يرث مع العم الشقيق، والعم للأب يقدم على ابن العم الشقيق لأنه أقرب، وابن العم الشقيق يقدم على ابن العم لأب لأنه أقوى. سئل الشيخ سعيد بن حجي: هل يعصب بنو الإخوة أخواتهم في الميراث كالإخوة؟ فأجاب: قال في المغني: أربعة من الذكور يعصبون أخواتهم فيمنعونهن الفرض، ويقتسمون ما ورثوا، للذكر مثل حظ الأنثيين، وهم: الابن وابن الابن وإن نزل، والأخ من

стр. 2760

الأبوين، والأخ من الأب. وسائر العصبات ينفرد الذكور بالميراث دون الإناث، وهم: بنو الاخوة، والأعمام، وبنوهم. ثم ذكر الدليل والتعليل - إلى أن قال - وهذا لا خلاف فيه بحمد الله. انتهى. فتبين: أن بني الإخوة المسؤول عنهم، ينفردون بالميراث دون أخواتهم. وسئل: إذا كانت الأخوات عصبة مع الغير، هل يحجبن الأخ للأب، ومن أبعد منه من العصبة؟ فأجاب: الأخوات مع البنات عصبات، لهن ما فضل بعد الفرض؛ والمراد بالأخوات: الأخوات من الأبوين، ومن الأب. ولهذا ذهب عامة الفقهاء؛ فإن ابن مسعود قال في بنت وبنت ابن وأخت: "لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﷺ : للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، والباقي فلِلأخت"، رواه البخاري وغيره. وما تأخذه مع البنت ليس بفرض، وإنما هو تعصيب، كميراث الأخ. وأجمع أهل العلم على أن بنات الابن بمنْزلة البنات عند عدمهن في إرثهن، وفي جعل الأخوات معهن عصبات وغير ذلك. انتهى ملخصاً من المغني. قال الشنشوري: تتمة: حيث صارت الأخت الشقيقة عصبة مع الغير، صارت كالأخ الشقيق، فتحجب الإخوة لأب ذكوراً كانوا أو إناثاً، ومن بعدهم من العصبات. وحيث صارت الأخت للأب عصبة مع الغير، صارت كالأخ للأب،

стр. 2761

فتحجب بني الإخوة ومن بعدهم من العصبات. [هل الجد أب] سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: هل الجد أب ... إلخ؟ فأجاب: أما كون الجد أباً، فرجح بأمور: الأول: العموم، واستدلال ابن عباس، ﵄ على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ . الثاني: محض القياس، كما قال ابن عباس: ألا يتقي الله زيد؟! يجعل ابن الابن ابناً، ولا يجعل أبا الأب أباً. الثالث: أنه مذهب أبي بكر الصديق ﵁، وهو، هو. الرابع: أن الذين ورثوا الإخوة معه، اختلفوا في كيفية ذلك، كما قال البخاري - لما ذكر قول الصديق -: ويذكر عن علي وابن مسعود وزيد أقاويل مختلفة. الخامس: أن الذين ورثوهم، لم يجزموا، بل معهم شك، وأقروا أنهم لم يجدوه في النص، لا بعموم ولا غيره. السادس، وهو أبينها كلها: أن هذا التوريث وكيفياته، لو كان من الله لم يتصور أن يهمله النبي ﷺ بالكلية من صعوبته والاختلاف فيه. وأما حجة المخالف، فهم مقرون أنه محض رأي، لا حجة فيه إلا قياساً، فيما زعموا. وقال ابنه: الشيخ عبد الله: إذا صح لنا نص جلي، من كتاب أو سنة، غير منسوخ ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة، أخذنا به وتركنا المذهب،

стр. 2762

كإرث الجد والإخوة؛ فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالفه مذهب الحنابلة. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما مسألة الجد والإخوة، فذكر في الاختيارات: أن الجد يحجب الإخوة، وهو قول أبي بكر، وقال به غيره من الصحابة، وهو رواية عن أحمد، وهو الذي يختاره أشياخنا. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: ذوي الأرحام مع عدم العصبة أحق أم بيت المال؟ فأجاب: ذوو الأرحام أولى بالميراث من بيت المال. وسئل ابنه: الشيخ عبد الله، والشيخ حمد بن ناصر: إذا هلك هالك، عن ابن أخت شقيقة، وابني خالين؟ فأجابا: العمل على مذهب المنَزلين، فينَزل كل منْزلة من أدلى به: فيكون لابن الأخت النصف: ثلاثة من ستة، ويكون لابني الخالين اثنان، ويبقى واحد يرد عليهم على قدر سهامهم؛ فيجعل المال خمسة أسهم: لصاحب النصف ثلاثة أخماس، ولصاحب الثلث خمسان. لكن انظر في ابني الخالين، هل هما وارثان؟ أو أحدهما محجوب بالآخر؟ كما نص الفقهاء على ذلك. مثال ذلك: ابن الخال لأب، مع ابن الخال لأبوين، فالمال لابن الخال الشقيق، ولا شيء لابن الخال لأب، نبه عليه صاحب الشرح الكبير.

стр. 2763

وسئل الشيخ عبد الله: عمن لا وارث له ... إلخ؟ فأجاب: من مات لا وارث له، فماله لبيت المال. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن معنى التماثل، والتناسب؟ فأجاب: اعلم أنه إذا كان الكسر على أكثر من فريق، ونظرت بين كل فريق وسهامه، ثم نظرت بين الرؤوس والرؤوس، فإنه لا يخلو من أربعة أحوال: إما أن تجد بين الرؤوس والرؤوس مماثلة، ومعنى المماثلة هي: المساواة في العدد كثلاثة وثلاثة وخمسة وخمسة، وستة وستة، فهذه المماثلة، وحكمها كما قال الناظم: ١ فخذ من المماثلين واحدَا فإذا وجدت رؤوساً متماثلة في العدد، فخذ رؤوس أحدهما واكتف به. فإن لم تجد بين الرؤوس والرؤوس مماثلة، فانظر هل تجد بينهما مناسبة، والمناسبة هي: المداخلة، ومعناها: أن الأصغر يدخل في الأكبر، فإذا سلطته عليه أفناه من غير زيادة ولا نقصان; وذلك: كاثنين وأربعة، واثنين وثمانية، أو خمسة وعشرة، وثلاثة وتسعة، هذا هو معنى المناسبة، وحكمه كما قال الناظم: وخذ من المناسبين الزائدَا يعني:

стр. 2764

العدد الأكبر خذه، واكتف به عن الأصغر. فإن لم تجد بينهما مماثلة ولا مناسبة، فانظر هل تجد بينهما موافقة، وهي: أن يكون بينهما موافقة في جزء من الأجزاء، كأربعة وستة، أو ستة وثمانية، أو ستة وتسعة، أو أربعة وعشرة; وحكم هذا النوع، هو ما قال الناظم: واضرب جميع الوفق في الموافق فإذا كان معك أربعة وستة، فقد توافقتا بالأنصاف، فخذ نصف أحدهما واضربه في كامل الأخرى، فتبلغ اثنا عشر؛ وهكذا تفعل في الباقي، تأخذ الوفق وتضربه في كامل الآخر. فإن لم تجد بينهما مماثلة ولا مناسبة ولا موافقة، فقد حصل التباين، وحكمه كما قال الناظم: وخذ جميع العدد المباين ... واضربه في الثاني ولا تداهن وذلك كثلاثة وخمسة، وخمسة وتسعة. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عمن أخذ الحمل في بطنها سنة، وقد صلح قبل وفاة مورثه: أخيه من أمه، بثلاثة أشهر. فأجاب: المسألة ما ظهر لي فيها إشكال، بل هي واضحة، لأن الحمل متحقق قبل موت مورثه، فعلى هذا يرث الحمل، ويوقف له سدس؛ فإن ولد حياً ورث، وإن خرج ميتاً لم يرث.

стр. 2765

وسئل ابنه: الشيخ عبد الله: عن امرأة لها ابن، وله إخوة من غيرها لأبيه، ولها زوج، فتوفي الابن، فادعت بعد موته أنها حامل؟ فأجاب: أما الحمل قبل الموت إذا ثبت وخرج حياً، فهو يرث. سئل أيضاً، ﵀: عن قسمتهم الميراث في الشرك، أو إسلامهم قبل؟ فأجاب: أما مواريث الشرك، فإذا كان الوارث في الجاهلية قد منع شريكه من نصيبه من الإرث، وأسلم والمال في يده، فالمال له دون شريكه، سواء كان الممنوع رجالاً أو نساء، وإن كان مزبوراً لم يقسم حتى جاء الإسلام، فإنه يقسم على فرائض الله، ويعطى كلٌّ نصيبه من المال. وأجاب أيضاً: وأما الناس إذا ورثوا أهلهم في الشرك، وهم رجال ونساء، وتزوجت النساء، وأعطاهن إخوانهن ما يسر الله من المال، وجاء الإسلام قبل أن يقتسموا، فإن كانوا منعوهن وطردوهن عن حقهن، فلا يقسم لهن في الإسلام، وأما إن كانوا لم يطردوهن، بل تركوهن على شركتهن، ومعروف عند جماعتهم أن كلاً على حقه، فهن على حقهن، ويقسم للنساء إن طلبن. وأجاب أيضاً: المواريث التي قسمت في حال الشرك

стр. 2766

والجهل، تقر على ما هي عليه، ولا تعاد القسمة في الإسلام. وأجاب أيضاً: المواريث التي قسمت في الشرك، وتملكها أهلها، ثم أسلموا، لا تعاد قسمتها. ومن أسلم على شيء أقر في يده، إذا كان قد تملكه في جاهليته. وأما إذا لم تقسم التركة، وأسلم أهلها وهي موقوفة، فإنها لا تقسم إلا على قسمة الله في كتابه العزيز، التي يعرفها أهل العلم. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: وأما كون الناس قبل الإسلام، منهم من لا يورث المرأة، ومنهم من يصالحها، ويسلمون وبينهم عقار ونحوه من الإرث، شيء باعه الرجال ولم يعطوا النساء منه شيئاً قبل الإسلام، فالذي عليه الفتوى في هذه المسائل، أعني: عقود الجاهلية، من نكاح وبياعات، وعقود الربا والغصوب، ومنع المواريث أهلها ونحو ذلك: من أسلم على شيء من ذلك لم نتعرض له؛ فلا نتعرض لكيفية عقد النكاح هل وقع بشروطه، كالولي والشهود ونحو ذلك. وكذلك البياعات، لا ينقض إذا أسلم المتعاقدان، ولا ينظر كيف وقع العقد. وكذلك عقود الربا إذا أسلما ولم يتقابضا، بل أدركهما الإسلام قبل التقابض، فليس لصاحب الدين إلا رأس ماله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة آية:

стр. 2767

٢٧٩] . وأما المال المقبوض، فلا يطالب به القابض إذا أسلم، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] . وكذلك المواريث والغصوب، إذا استولى الإنسان على حق غيره، وتملكه في جاهليته ومنع مالكه بحيث أيس منه، ثم أسلم وهو في يده، لا ينازعه فيه؛ فهذا لا نتعرض له، لظاهر قوله ﷺ : " الإسلام يجُبُّ ما قبله " ١، ولأن الناس أسلموا في عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، ولم يبلغنا أنهم نظروا في أنكحة الجاهلية، ولا في عقودهم ومعاملاتهم، ولا في غصوبهم ومظالمهم التي تملكوها في حال كفرهم. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أن النبي ﷺ أقر أهل الجاهلية على ما كانوا عليه؟ قال: "لم يبلغنا إلا ذلك"، وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: من أسلم على شيء فهو عليه. وقال الشيخ تقي الدين: ولو تزوج المرتد كافرة أو غيرها ثم أسلما، فالذي ينبغي أن يقال هنا أن نقرهم على مناكحهم، كالحربي إذا نكح نكاحاً فاسداً ثم أسلم، فإن المعنى واحد؛ وهذا جيد في القياس إذا قلنا: إن المرتد لا يؤمر بقضاء ما ترك في الردة من العبادات، فأما إذا قلنا: إنه يؤمر بقضاء ما ترك من العبادات، ويضمن ويعاقب على ما فعله، ففيه نظر؛ ومما يدخل في هذا كل عقود المرتدين،

стр. 2768

إذا أسلموا قبل التقابض، وبعده. وهذا باب واسع، يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه، والأموال وتوابعها، أو استولوا على مال مسلم، أو تقاسموا ميراثاً ثم أسلموا بعد ذلك، وكذا الدماء وتوابعها. انتهى كلام الشيخ. وقال، ﵀، في موضع آخر: ولو تقاسموا ميراثاً جهلاً، فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حياً، لا يضمنون ما أتلفوه، لأنهم معذورون، وأما الباقي فيفرق بين المسلم والكافر، فإن الكافر لا يرد باقياً ولا يضمن تالفاً. انتهى. وأما قولك: وأيضاً ذكر الفقهاء أن المرتد لا يرث، فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون؟ أم حكمهم حكم عبدة الأوثان، وأنهم مشركون؟ فنقول: أما من دخل منهم في دين الإسلام ثم ارتد، فهؤلاء مرتدون، وأمرهم عندك واضح. وأما من لم يدخل في دين الإسلام، بل أدركته الدعوة الإسلامية وهو على كفره، كعبدة الأوثان، فحكمه حكم الكافر الأصلي، لأنا لا نقول: الأصل إسلامهم والكفر طارئ عليهم، بل نقول: الذين نشؤوا بين الكفار، وأدركوا آباءهم على الشرك بالله، كآبائهم، كما دل عليه الحديث الصحيح في قوله: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ١. فإن كان دين آبائهم الشرك بالله، فنشأ هؤلاء واستمروا عليه، فلا نقول: الأصل الإسلام والكفر طارئ عليهم، بل

стр. 2769

نقول: هم الكفار الأصليون؛ ولا يلزمنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم، كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم، بل نقول: من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام تاركاً للشرك فهو مسلم، وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين، فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه، لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله تعالى، لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٥] . وأما من مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرض له، ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٤-١٤١] : فمن كان منهم مسلماً أدخله الله الجنة، ومن كان كافراً أدخله النار، ومن كان منهم لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله؛ وقد علمت الخلاف في أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الحجة الرسالية. وأيضاً، فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا بما حكم به الفقهاء في المرتد، أنه لا يرث ولا يورث، لأن من قال: لا يرث ولا يورث، يجعل ماله فيئاً لبيت مال المسلمين؛ وطرد هذا القول أن يقال: جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال،

стр. 2770

لأنهم ورثوها عن أهليهم، وأهلوهم مرتدون لا يورثون، وكذلك الورثة مرتدون لا يرثون، لأن المرتد لا يرث ولا يورث. وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين، لم يلزم شيء من ذلك، بل يتوارثون، فإذا أسلموا، فمن أسلم على شيء فهو له، ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم، لا المواريث ولا غيرها. وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام " ١. وروى سعيد في سننه من طريقين، عن عروة، وابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ : " من أسلم على شيء فهو له "، ونص أحمد على مثل ذلك، كما تقدم عنه في رواية مهنا. واعلم: أن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث، هو أحد الأقوال في المسألة، وهو المشهور في المذهب، وهو مذهب مالك والشافعي. والقول الثاني: أنه لورثته المسلمين، وهو رواية عن أحمد، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب وابن مسعود، وهو قول جماعة من التابعين، وهو قول الأوزاعي وأهل العراق. والقول الثالث: أنه لأهل دينه الذي اختاره إن كان منهم من يرثه، وإلا فهو فيء، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب داود بن علي. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن رجل مات في
следующие страницы →