والجهل، تقر على ما هي عليه، ولا تعاد القسمة في الإسلام.
وأجاب أيضاً: المواريث التي قسمت في الشرك، وتملكها أهلها، ثم أسلموا، لا تعاد قسمتها. ومن أسلم على شيء أقر في يده، إذا كان قد تملكه في جاهليته. وأما إذا لم تقسم التركة، وأسلم أهلها وهي موقوفة، فإنها لا تقسم إلا على قسمة الله في كتابه العزيز، التي يعرفها أهل العلم.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: وأما كون الناس قبل الإسلام، منهم من لا يورث المرأة، ومنهم من يصالحها، ويسلمون وبينهم عقار ونحوه من الإرث، شيء باعه الرجال ولم يعطوا النساء منه شيئاً قبل الإسلام، فالذي عليه الفتوى في هذه المسائل، أعني: عقود الجاهلية، من نكاح وبياعات، وعقود الربا والغصوب، ومنع المواريث أهلها ونحو ذلك: من أسلم على شيء من ذلك لم نتعرض له؛ فلا نتعرض لكيفية عقد النكاح هل وقع بشروطه، كالولي والشهود ونحو ذلك. وكذلك البياعات، لا ينقض إذا أسلم المتعاقدان، ولا ينظر كيف وقع العقد. وكذلك عقود الربا إذا أسلما ولم يتقابضا، بل أدركهما الإسلام قبل التقابض، فليس لصاحب الدين إلا رأس ماله، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [سورة البقرة آية:
стр. 2767
٢٧٩] .
وأما المال المقبوض، فلا يطالب به القابض إذا أسلم، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٧٥] . وكذلك المواريث والغصوب، إذا استولى الإنسان على حق غيره، وتملكه في جاهليته ومنع مالكه بحيث أيس منه، ثم أسلم وهو في يده، لا ينازعه فيه؛ فهذا لا نتعرض له، لظاهر قوله ﷺ : " الإسلام يجُبُّ ما قبله " ١، ولأن الناس أسلموا في عهد رسول الله ﷺ وخلفائه الراشدين، ولم يبلغنا أنهم نظروا في أنكحة الجاهلية، ولا في عقودهم ومعاملاتهم، ولا في غصوبهم ومظالمهم التي تملكوها في حال كفرهم. قال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أن النبي ﷺ أقر أهل الجاهلية على ما كانوا عليه؟ قال: "لم يبلغنا إلا ذلك"، وقال الإمام أحمد في رواية مهنا: من أسلم على شيء فهو عليه.
وقال الشيخ تقي الدين: ولو تزوج المرتد كافرة أو غيرها ثم أسلما، فالذي ينبغي أن يقال هنا أن نقرهم على مناكحهم، كالحربي إذا نكح نكاحاً فاسداً ثم أسلم، فإن المعنى واحد؛ وهذا جيد في القياس إذا قلنا: إن المرتد لا يؤمر بقضاء ما ترك في الردة من العبادات، فأما إذا قلنا: إنه يؤمر بقضاء ما ترك من العبادات، ويضمن ويعاقب على ما فعله، ففيه نظر؛ ومما يدخل في هذا كل عقود المرتدين،
стр. 2768
إذا أسلموا قبل التقابض، وبعده. وهذا باب واسع، يدخل فيه جميع أحكام أهل الشرك في النكاح وتوابعه، والأموال وتوابعها، أو استولوا على مال مسلم، أو تقاسموا ميراثاً ثم أسلموا بعد ذلك، وكذا الدماء وتوابعها. انتهى كلام الشيخ.
وقال، ﵀، في موضع آخر: ولو تقاسموا ميراثاً جهلاً، فهذا شبيه بقسم ميراث المفقود إذا ظهر حياً، لا يضمنون ما أتلفوه، لأنهم معذورون، وأما الباقي فيفرق بين المسلم والكافر، فإن الكافر لا يرد باقياً ولا يضمن تالفاً. انتهى.
وأما قولك: وأيضاً ذكر الفقهاء أن المرتد لا يرث، فكفار أهل زماننا هل هم مرتدون؟ أم حكمهم حكم عبدة الأوثان، وأنهم مشركون؟ فنقول: أما من دخل منهم في دين الإسلام ثم ارتد، فهؤلاء مرتدون، وأمرهم عندك واضح. وأما من لم يدخل في دين الإسلام، بل أدركته الدعوة الإسلامية وهو على كفره، كعبدة الأوثان، فحكمه حكم الكافر الأصلي، لأنا لا نقول: الأصل إسلامهم والكفر طارئ عليهم، بل نقول: الذين نشؤوا بين الكفار، وأدركوا آباءهم على الشرك بالله، كآبائهم، كما دل عليه الحديث الصحيح في قوله: " فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " ١. فإن كان دين آبائهم الشرك بالله، فنشأ هؤلاء واستمروا عليه، فلا نقول: الأصل الإسلام والكفر طارئ عليهم، بل
стр. 2769
نقول: هم الكفار الأصليون؛ ولا يلزمنا على هذا تكفير من مات في الجاهلية قبل ظهور الدين، فإنا لا نكفر الناس بالعموم، كما أنا لا نكفر اليوم بالعموم، بل نقول: من كان من أهل الجاهلية عاملاً بالإسلام تاركاً للشرك فهو مسلم، وأما من كان يعبد الأوثان ومات على ذلك قبل ظهور هذا الدين، فهذا ظاهره الكفر، وإن كان يحتمل أنه لم تقم عليه الحجة الرسالية لجهله وعدم من ينبهه، لأنا نحكم على الظاهر، وأما الحكم على الباطن فذلك إلى الله تعالى، لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٥] . وأما من مات منهم مجهول الحال، فهذا لا نتعرض له، ولا نحكم بكفره ولا بإسلامه، وليس ذلك مما كلفنا به، ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٣٤-١٤١] : فمن كان منهم مسلماً أدخله الله الجنة، ومن كان كافراً أدخله النار، ومن كان منهم لم تبلغه الدعوة فأمره إلى الله؛ وقد علمت الخلاف في أهل الفترات، ومن لم تبلغهم الحجة الرسالية.
وأيضاً، فإنه لا يمكن أن نحكم في كفار زماننا بما حكم به الفقهاء في المرتد، أنه لا يرث ولا يورث، لأن من قال: لا يرث ولا يورث، يجعل ماله فيئاً لبيت مال المسلمين؛ وطرد هذا القول أن يقال: جميع أملاك الكفار اليوم بيت مال،
стр. 2770
لأنهم ورثوها عن أهليهم، وأهلوهم مرتدون لا يورثون، وكذلك الورثة مرتدون لا يرثون، لأن المرتد لا يرث ولا يورث. وأما إذا حكمنا فيهم بحكم الكفار الأصليين، لم يلزم شيء من ذلك، بل يتوارثون، فإذا أسلموا، فمن أسلم على شيء فهو له، ولا نتعرض لما مضى منهم في جاهليتهم، لا المواريث ولا غيرها.
وقد روى أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام " ١. وروى سعيد في سننه من طريقين، عن عروة، وابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ : " من أسلم على شيء فهو له "، ونص أحمد على مثل ذلك، كما تقدم عنه في رواية مهنا.
واعلم: أن القول بأن المرتد لا يرث ولا يورث، هو أحد الأقوال في المسألة، وهو المشهور في المذهب، وهو مذهب مالك والشافعي. والقول الثاني: أنه لورثته المسلمين، وهو رواية عن أحمد، وهو مروي عن أبي بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب وابن مسعود، وهو قول جماعة من التابعين، وهو قول الأوزاعي وأهل العراق. والقول الثالث: أنه لأهل دينه الذي اختاره إن كان منهم من يرثه، وإلا فهو فيء، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب داود بن علي.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن رجل مات في
стр. 2771
الشرك وله بنات؟
فأجاب: من مات في الشرك وله بنات، لا يصير لهن في الإسلام إرث. والتي تزوجت في الشرك ثم أسلمت ومات أبوها، فلها نصيبها في الميراث، وكذلك نصيبها في أبيها وأخيها وزوجها.
وسئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا مات مسلم وله أولاد، منهم مسلم وكافر، فأسلم الكافر بعد مدة طويلة أو غير طويلة، وبعض التركة بحاله ... إلخ؟
فأجاب: في هذه المسألة عن الإمام أحمد روايتان: إحداهما - وهي المذهب -: أن من أسلم من الورثة قبل قسمة التركة ورث، وكذلك إن أسلم وقد قسم بعضها، ورث مما لم يقسم؛ واحتجوا بما روى أبو داود، عن ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: " كل قسم قسم في الجاهلية فهو على ما قسم، وكل قسم أدركه الإسلام فهو على قسم الإسلام " ١، وبما روى سعيد بن منصور في سننه، عن عروة وابن أبي مليكة، عن النبي ﷺ أنه قال: " من أسلم على شيء فهو له ". ويروى أن عمر وعثمان قضيا بذلك. وعلى هذه الرواية: إن كان الوارث واحداً، فتصرفه في التركة وحيازتها بمنْزلة قسمها؛ ذكر ذلك الموفق وغيره.
والرواية الثانية: لا شيء له، لحديث: " لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم " ٢. وهذا حين الموت كان كافراً، فلا
стр. 2772
يرث بمقتضى هذا الحديث؛ وهذا قول أكثر العلماء; والقول الأول من مفردات المذهب.
وقال الشيخ سعد بن الشيخ حمد بن عتيق، رحمهما الله: اعلم: أن الذي علمناه من حال أهل هذه الدعوة الإسلامية، وعلمائهم، ﵏: أنهم لم يقطعوا التوارث بين أهل نجد، وبين من كان في تلك البلدان ممن وصفنا، يعني من انتقل من بلاد المسلمين إلى بلاد المشركين، من المنتسبين إلى الإسلام. وقد حدثني أبي، ﵀، أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأولاده وأتباعهم، ﵏، ما قطعوا التوارث بين أهل نجد، وبين من كان في تلك البلدان.
سئل الشيخ سليمان بن سحمان: هل يستدل بالحديث: " لا يرث كافر مسلماً " ١ على من مات من النازلين من باديتنا اليوم، على من لم ينْزل منهم، أو من هو مع بادية ولايتهم في يد كافر مثلاً، أو من هو بين أظهر المشركين، هل يحرم إرثه إذا كان مورثه مات مسلماً بين أظهر المسلمين؟
فأجاب: من مات من المهاجرين النازلين في بلاد المسلمين، وله وارث كافر من أهل البادية أو الحاضرة، فلا يحل له إرثه لكفره، بنص الحديث. ومن كان وارثه مسلماً وكان مسكنه في البادية، أو في بلد من بلدان المسلمين، أو كان في بلد كفر، أو في بادية ولايتها في يد كافر، فلا مانع من إرثه لأنه مسلم ورث مسلماً.
стр. 2773
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عمن طلبت من زوجها المريض الطلاق، وهل ترثه؟
فأجاب: إذا طلبت المرأة من زوجها المريض طلاقها، فطلقها ثلاثاً، صح طلاقه؛ والظاهر أنها لا ترث لعدم التهمة.
وسئل هو وأخوه الشيخ حسين: إذا قال لزوجته: أنت طالق قبل موتي بشهر، ومراده حرمانها من الميراث.
فأجابا: إذا عرف أن قصده بكلامه ذلك حرمانها من الميراث، فإنها ترثه ولو خرجت من العدة، كما هو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء؛ وهذا الذي تدل عليه قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع غيلان بن سلمة، لما طلق زوجاته وقسم الميراث بين أولاده.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عمن طلق زوجته في مرض موته وأبانها؟
فأجاب: الذي عليه العمل أنها ترثه ما دامت في العدة، في قول جمهور العلماء، وكذلك ترثه بعد العدة ما لم تتزوج، كما ذهب إليه مالك والإمام أحمد في رواية؛ بل مذهب مالك أنها ترثه ولو تزوجت، والراجح الأول.
وأجاب بعضهم: إذا طلقها بالثلاث في صحته أو في المرض، ومات وهي في العدة، فإن كان في المرض فهي ترثه، وإن كان في الصحة ثم مات بعد ذلك، فلا يبين لي
стр. 2774
أنها ترثه.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: عمن ادعت أن زوجها أبانها، وأقامت معه حتى مات ... إلخ؟
فأجاب: وأما الزوجة إن ادعت أن زوجها أبانها ثلاثاً وأنكر دعواها، وأقامت معه حتى مات، فإن كانت في مدة إقامتها معه رجعت عن دعواها وأقرت بكذبها، ورثت، وإلا لم ترث؛ قال في المنتهى وشرحه: ومن جحد إبانة امرأة ادعت عليه إبانة تقطع التوارث ثم مات، لم ترثه إن دامت المرأة على قولها أنه أبانها إلى موته، لإقرارها أنها مقيمة تحته بلا نكاح. فإن أكذبت نفسها قبل موته، ورثت، لتصادقها على بقاء النكاح، ولا أثر لتكذيب نفسها بعد موته، لأنها متهمة فيه إذًا، وفيه رجوع عن إقراره لباقي الورثة. انتهى. وكذا قال في الإقناع وشرحه وغيرهما.
وأما الذي تزوج أخته أو ابنته ونحوهما من الرضاع، ولم يعلم بالرضاع حتى مات الزوج، فالنكاح باطل من أصله، إذا ثبت الرضاع بشهادة امرأة مرضية بالرضاع، وعدد الرضعات المحرمة، ولم يثبت فيه شيء من أحكام النكاح الصحيح. وإن اتهمت من شهدت، أو لم تكن ثقة مرضية، أو لم تشهد بعدد الرضعات المحرمة، فالنكاح صحيح، وتثبت أحكامه.
وأجاب أيضاً: إذا ثبت الرضاع بشهادة امرأة ثقة غير
стр. 2775
متهمة، تبين بطلان العقد، كما ورد بذلك النص، ولم ينقلب العقد صحيحاً بعد بطلانه، وسواء علم بطلانه قبل الفرقة أو بعدها، وترتب على العقد مقتضاه من صحة وبطلان.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن طلق زوجته، وأقر أنها خرجت من العدة قبل موته ... إلخ؟
فأجاب: يقبل قوله، ولا يقبل قولها أنه واقعها بعد ذلك إلا ببينة.
وسئل: عمن طلق زوجته ومات، والشهود لا يعلمون وقت طلاقه؟
فأجاب: يحكم للمرأة بالإرث، ما لم يعلم انقضاء عدتها قبل موته.
سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: هل ترث بالنكاح الفاسد ... إلخ؟
فأجاب: إذا زوج غير الولي، فالنكاح فاسد ولا ترث.
стр. 2776
كتاب العتق
سئل الشيخ حسين، وعبد الله: ابنا الشيخ محمد، ﵏: إذا قال لغلامه: أنت حر لوجه الله قبل موتي بشهر، وأعطاه جميع ماله، ومراد هذا الرجل حرمان ورثته، فهل الغلام حر ... إلخ؟
فأجاب: العتق صحيح، فإذا مات السيد تبين أن العتق وقع قبل موته بما قدر به، وأما المال، فلا يصح تمليكه إياه ولا هبته له، لأنه حين تمليكه المال رقيق؛ والعبد لا يملك بالتمليك في أصح قولي العلماء.
وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا دبر الرجل جاريته، كقوله: أنت عتيقة عند موتي، أو إذا مت فأنت حرة ... إلخ، هل بين هذه الألفاظ فرق؟
فأجاب: لا فرق بين هذه الألفاظ، بل متى علق صريح العتق بالموت، فقال: أنت حرة أو محررة أو عتيقة بعد موتي، صارت مدبرة، بغير خلاف علمته.
وأما قوله: إذا دبرها وهي حامل أو حملت بعد التدبير، فما الحكم في ولدها؟ فنقول: أما إذا دبرها وهي حامل، فإن ولدها يدخل معها في التدبير بغير خلاف علمناه، لأنه
стр. 2777
بمنْزلة عضو من أعضائها; وأما إذا حملت بعد التدبير ففيه خلاف بين العلماء: فذهب الجمهور إلى أنه يتبع أمه في التدبير، ويكون حكمه حكمها في العتق بموت سيدها، وهو مروي عن ابن مسعود وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب والحسن والقاسم، ومجاهد والشعبي والنخعي وعمر بن عبد العزيز والزهري، ومالك والثوري وأصحاب الرأي.
وذكر القاضي: أن حنبلاً نقل عن أحمد، أن ولد المدبرة عبد إذا لم يشرطه المولى، قال: فظاهره أنه لا يتبعها، ولا يعتق بموت سيدها؛ وهذا قول جابر بن زيد، وهو اختيار المزني من أصحاب الشافعي، قال جابر بن زيد: إنما هو بمنْزلة الحائط تصدقت به إذا مت، فإن ثمرته لك ما عشت. وللشافعي قولان كالمذهبين.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن قيل له: لِم ضربت غلامك ولِم أدميته؟ فقال: إن كان ظهر منه دم فهو حر، هل يعتق بذلك التعليق إذا وجد الشرط، وهو ظهور الدم ... إلخ؟
فأجاب: الظاهر أنه يعتق إذا كان قد وجد الشرط، وهو ظهور الدم. والتعليق على الماضي معلوم من الكتاب والسنة، وسائر الكلام؛ ونحو هذا التعليق يسمى حلفاً، لأن التعليق الذي يقصد به الحث على فعل أو المنع منه، أو
стр. 2778
يراد به تصديق خبر أو تكذيبه يسمى حلفاً. وأما التعليق الذي لا يقصد به شيء من ذلك، فلا يسمى حلفاً على الصحيح من المذهب; فلو قال: إن كنت فعلت كذا فزوجتي طالق أو عبدي حر، كما ذكروه في باب التأويل في الحلف.
وما ذكرتموه من كلام منصور، بأن المعلق عليه لا يكون ماضياً، فلعل مراده إذا تجرد الشرط من لفظ كان، كما قال القاضي فيما روي عن أحمد، في رجل قال لامرأته: إن وهبت كذا فأنت طالق، وإذا هي قد وهبته، قال الإمام: أخاف أن يكون قد حنث، قال القاضي: هذا محمول على أنه قال: إن كنت قد وهبتيه، وإلا فلا يحنث حتى تبتدي هبة. انتهى. فإذا اتصلت "كان" بأداة الشرط، جاز كون المعلق عليه ماضياً وحالاً; وقول المصنف: وقد يكون المعلق عليه موجوداً في الحال، وقد يكون مستقبلاً ولا يكون ماضياً، ولذلك تقلب أدوات الشرط الماضي إلى الاستقبال.
فدل قوله: لذلك ... إلخ، على أن مراده بقوله: ولا يكون ماضياً إذا تجرد من "كان"، لأن الماضي إذا اقترنت به "كان"، لا يكون مستقبلاً بل يبقى على مضيه، وهي إنما تقلب الماضي إلى الاستقبال، إذا لم تقترن بـ"كان" أو "يكون" أو مضارعها، فدل قوله: لذلك ... إلخ: تقلب أدوات
стр. 2779
الشرط. وفي شرح المتممة للفاكهي، في الكلام على الجوازم، ويسمى الفعل الأول من الفعلين المجزومين بإحدى هذه الأدوات شرطاً، لتعليق الحكم عليه، ولا يكون ماضي المعنى، لأنه مفروض حصوله في المستقبل، فيمتنع مضيه، فلا تقول إن قام زيد أمس.
وأما قوله: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [سورة المائدة آية: ١١٦] ، فالمعنى: إن تبين إن كنت قلته، ويسمى الثاني منهما جواباً، يترتب على الأول ترتب الجواب على السؤال، وجزاء لأن مضمونه جزاء المضمون الأول، وهو كالشرط لا يكون ماضي المعنى، لأن حصوله معلق على حصول الشرط في المستقبل، ويمتنع تعليق الحاصل الثابت على حصول ما يحصل في المستقبل. وأما قوله: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ [سورة يوسف آية: ٢٦] ، فالمعنى: إن ثبت ذلك ثبت صدقها ١.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: هل المفتى به عندكم التفرقة بين المملوكة وولدها بعد البلوغ، أو لا؟
فأجاب: هذه المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وأنا أذكر لك المسألة وكلامهم فيها، حتى يتبين لك وجه
стр. 2780
الصواب، إن شاء الله تعالى. قال في الشرح الكبير: ولا يفرق في البيع بين ذي رحم محرم إلا بعد البلوغ، على إحدى الروايتين، أجمع أهل العلم على أن التفرقة بين الأم وولدها الطفل غير جائز. ثم ذكر الدليل والتعليل، ثم قال: ولا فرق بين أن يكون الولد بالغاً، أو طفلاً في ظاهر كلام الخرقي، وإحدى الروايتين، ولعموم الخبر، ولأن الوالدة تتضرر بمفارقة ولدها الكبير، ولهذا حرم عليه الجهاد إلا بإذنها، قال في الإنصاف: وهو المذهب، وجزم به في المنور، وناظم المفردات وهو منها، واختاره ابن عبدوس، وقدمه في المحرر وغيرهم.
قال الشارح: والرواية الثانية: يختص تحريم التفريق بالصغر، وهو قول الأكثرين، منهم مالك والأوزاعي، والليث وأبو ثور، وهو قول الشافعي، لأن سلمة بن الأكوع أتى بامرأة وابنتها، فنفله أبو بكر ابنتها، فاستوهب منه النبي ﷺ فوهبها له، ولم ينكر التفريق بينهما، لأن الأحرار يتفرقون بعد الكبر، فإن المرأة تزوج ابنتها وتفارقها، فالعبد أولى. قال في الإنصاف: والثانية: يجوز التفريق ويصح البيع؛ جزم به في العمدة والوجيز، قال الناظم: وهو أولى. انتهى.
وهذا الذي احتجوا به، نص في جواز التفرقة بينهما بالهبة بعد البلوغ، والبيع مثله إن شاء الله تعالى، وهو
стр. 2781
حديث ثابت صحيح، رواه مسلم وغيره، وهو الأصح عندنا. قال في الإنصاف: حكم التفرقة في القسمة وغيرها، كأخذ بجناية، والهبة والوصية، والصدقة وغيرها: حكم البيع على ما تقدم، وعليه أكثر الأصحاب; قال الخطابي: لا أعلمهم يختلفون في العتق، لأنه لا يمنع من الحضانة.
وقولك: هل يختص بالأم أم يعم ذلك كل ذي رحم محرم، كالأب والأخ ونحوهم؟ فالجواب: قال في الشرح: ولا يجوز التفريق بين الأب وولده، وبه قال أصحاب الرأي والشافعي. وقال مالك والليث: يجوز، وبه قال بعض الشافعية، لأنه ليس من أهل الحضانة بنفسه، ولأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص، لأن الأم أشفق; ولنا أنه أحد الأبوين أَشْبَهَ الأم، ولا نسلم أنه ليس من أهل الحضانة. انتهى. قال في الإنصاف: لا يجوز التفريق بين ذي محرم، هذا المذهب وعليه الأصحاب، قال في المغني، وتبعه في الشرح: قاله أصحابنا غير الخرقي، وجزم به في الفروع والرعايتين والحاويين وغيرهم، فيدخل في ذلك العمة مع ابن أخيها، والخالة مع ابن أختها. وظاهر كلام الخرقي اختصاص ذلك بالأبوين، والجدين، والأخوين، ونصره في المغني والشرح. وظاهر كلام المصنف تحريم التفريق ولو رضي به،
стр. 2782
وهو صحيح نص عليه أحمد. انتهى.
واحتج في الشرح على تحريم ذلك بين الإخوة، لحديث علي في الغلامين الأخوين، فلما باع أحدهما، قال له رسول الله ﷺ : "رُدَّهُ " ١، رواه الترمذي وحسنه، وبما روي أن عمر كتب إلى عماله:? "لا تفرقوا بين الأخوين، ولا بين الأم وولدها". وإنما يحرم التفريق بينهم في الصغر، وما بعده فيه الروايتان كالأصل، والأولى الجواز، لأن النبي ﷺ "أهديت له مارية وأختها سيرين، فأمسك مارية، ووهب سيرين لحسان بن ثابت".
وأجاب أيضاً: وأما التفرقة بين الوالدة وولدها، وكذلك الإخوة، فالحد في ذلك البلوغ؛ فإذا بلغ واحد منهم جاز أن يفرق بينهما.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر عن التفريق بين الوالدة وولدها قبل البلوغ، وكذلك بين الإخوة في البيع: فأما قبل البلوغ فلا يجوز التفريق، وأما بعد البلوغ ففيه خلاف؛ والمشهور عن أحمد وكثير من الفقهاء أنه لا يجوز، لحديث: " من فرق بين الوالدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة " ٢، وكذلك حديث علي في التفرقة بين الإخوة، وفيه أن النبي ﷺ قال: " رُدَّهُ، رُدَّهُ ".
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا وطئ الأب مملوكة ولده؟
стр. 2783
فأجاب: هو حرام يوجب التعزير. فإن حملت من الأب صارت أم ولد له، وولده حر ولا مهر عليه. فإن كان الابن قد وطئها ولو لم تلد منه، لم يملكها الأب بالإحبال، ولم تصر أم ولد له، وحرمت عليهما؛ هكذا ذكر الفقهاء.
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا وطئ جارية ابنته، ولم يتملكها قبل ذلك، وابنته محتاجة إليها، وهي قد ملكتها بالميراث من زوجها؟
فأجاب: لا يجوز له أن يطأ مملوكة ولده، ما دامت في ملك الولد، وأما إذا تملكها تملكاً شرعياً، بشرط أن لا يضر بولده، ولا تتعلق بها حاجة الولد، ولا يقصد إعطاءها لولد آخر؛ فإذا تمت هذه الشروط وقبضها، جاز له بعد الاستبراء أن يطأها، والله أعلم.
وأجاب الشيخ محمد بن الشيخ إبراهيم بن الشيخ عبد اللطيف، ﵏: وأما إذا وطئ الرجل أمة أبيه فولدت منه، فإن كلام أهل المذهب ظاهر في أنه يكون الولد رقيقاً، وأنه المنصوص عن أحمد، وهو أيضاً مذهب مالك والشافعي.
وقد سئل شيخ الإسلام: عن هذه المسألة، وهذا نص السؤال والجواب:
مسألة: فيمن له والدة ولها جارية، فواقعها بغير إذن والدته، فحملت منه وولدت غلاماً،
стр. 2784
وملكها، ويريد أن يبيع ولده من الزنى؟
الجواب: هذا ينبغي له أن يعتقه، باتفاق العلماء، بل قد تنازع العلماء: هل يعتق عليه من غير إعتاق؟ على قولي:; أحدهما: أنه يعتق عليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وقول القاضي أبي يعلى من أصحاب أحمد؛ ولكن مع هذا لا يرث هذا لهذا، ولا هذا لهذا. والقول الثاني: لا يعتق عليه، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد في المنصوص عنه. انتهى.
فجواب شيخ الإسلام، ﵀، هذا، ظاهر في أن ولد جارية أم ذلك الواطئ، لا يلحقه نسبه عند أحد من الأئمة الأربعة، وأن النّزاع بينهم في العتق، عتق ذلك المولود بمجرد انتقاله إلى الواطئ بالإرث: فقال به أبو حنيفة، ﵀، والقاضي أبو يعلى من أصحاب أحمد، ومنعه الجمهور أحمد ومالك والشافعي. وأما عدم لحوق النسب فلم يختلفوا فيه، فإن عند أبي حنيفة والقاضي أبي يعلى: أنه لا يرث هذا لهذا، ولا هذا لهذا، مع قوله بعتقه بمجرد انتقاله إلى الواطئ بالإرث.
وقوله، ﵀: ينبغي أن يعتقه، يفيد تأكد الاستحباب عند الشيخ; وقال في الفروع: ويحدّ على الأصح، بوطئه أمة أبيه وأمه عالماً تحريمه، ولا يلحقه ولد، نقله حنبل وغيره. انتهى. وكونه لا يلحقه، لأنه
стр. 2785
زان، وفي الحديث: " وللعاهر الحجر " ١، وكونه لا يلحقه هو السبب في كونه لا يعتق بملكه إياه، لأنه حينئذ لا يصير ذا رحم محرم؛ هذا هو وجه ما ذهب إليه جمهور الأئمة، كما تقدم.
وأما إذا أولد الأب أمة ابنه، التي لم يكن الابن وطئها، فإنها تصير أم ولد له، ويصير ولده منها حراً، لأن له فيها شبهة ملك، فصار ولده منها كولده من سائر إمائه؛ قال في الإقناع وشرحه: أو ولدت من أبي مالكها، لأنها حملت منه بحر، لأجل شبهة الملك، فصارت أم ولد له كالجارية المشتركة. انتهى. وشبهة الملك هي أن للأب أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، كما استدل عليه العلماء بقوله ﷺ : " أنت ومالك لأبيك " ٢، فظهر أن التعليل في حرية الولد، هي شبهة الملك فقط، فعلم افتراقها هي والمسألة التي قبلها، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: عمن دبر عبده أو أمته، ثم بدا له أن ينجز عتقه، فأعتق المدبر واشترط خدمته مدة حياته؟
فأجاب: يصح العتق والحالة هذه، ويلزم الشرط، كما نص عليه الأصحاب في كتبهم؛ ونصهم: على أن تخدمني سنة يعتق بلا قبول، وتلزم الخدمة، وكذا لو استثنى خدمته مدة حياته، وللسيد بيعها للعبد أو غيره. انتهى ملخصاً.
стр. 2786
وبعد العتق يكون حراً بلا ريب، وإن كانت منافعه مملوكة كالأجير، وله ما للحر وعليه ما عليه، من وجوب صلاة الجمعة، وغير ذلك من العبادات والكفارات، والجناية منه وعليه، بخلاف المدبر، فإنه قِنٌّ ما لم يعتق.
وأما حديث المنتقى المعزو لأحمد وابن ماجة، عن سفينة أبي عبد الرحمن، قال: " أعتقتني أم سلمة، واشترطت علي أن أخدم رسول الله ﷺ ما عاش "، فهذا هو حجة الأصحاب، لقولهم بصحة هذا الشرط.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عمن اشترى مملوكاً بمال حرام وأعتقه ... إلخ؟
فأجاب: وأما عتق المملوك إن كان اشتراه بعين المال الحرام، لم يصح شراؤه ولا عتقه. وإن كان اشتراه في الذمة، فله أجر عتقه، وعليه إثم ثمنه؛ فإنه لا يجوز للمشتري التصرف في المال الحرام، بل يجب عليه دفعه إلى صاحبه; قال عبد الله بن الإمام أحمد: سألت أبي عن رجل اكتسب مالاً من شبهة، يعني ويتصرف فيه، صلاته وتسبيحه يحط عنه من إثم ذلك؟ قال: إن صلى وسبح يريد بذلك، قال: أرجو، قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٢] .
стр. 2787
كتاب النكاح
سئل الشيخ: عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله، عن قولهم: النكاح حقيقة لغة في الوطء ... إلخ؟
فأجاب: صورتها أنهم اختلفوا هل النكاح إذا أطلق في الكتاب والسنة يراد به الوطء حقيقة، ويكون مجازاً في العقد، أم بالعكس؟ فبعضهم قال: إنه حقيقة في العقد، مجاز في الوطء; وبعضهم قال: حقيقة في الوطء، مجاز في العقد; والأصح عند المحققين أنه مشترك. قال الشيخ تقي الدين: النكاح في الإثبات حقيقة في العقد والوطء والنهي لكل منهما. انتهى. وبيان ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [سورة النساء آية: ٢٢] يراد به النهي عن العقد والوطء جميعاً، وكذلك قوله ﷺ : " لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها "، وقوله: " لا ينكح المحرم، ولا ينكح "١، وغير ذلك من الأحاديث، يراد بذلك النهي عن العقد والوطء جميعاً.
فإذا تأملت نصوص الكتاب والسنة، تبين لك أن المراد بالنكاح لفظ مشترك، يعم العقد والوطء، إلا قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٣٠] ، فإن
стр. 2788
المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء بعد العقد الصحيح؛ فلا تحل بوطء من غير عقد، ولا يكفي العقد وحده، لا بد من الوطء، لقوله ﷺ : " حتى تذوق عسيلته " ١ الحديث.
وسئل: عن المرأة تمشي من غير عباءة، أو مكشوفة الوجه ... إلخ؟
فأجاب: وأما المرأة التي تمشي من غير عباءة، أو مكشوفة الوجه، فإذا سترت وجهها وصدرها وشعرها، فليس عليها في ذلك، إذا كان ذلك عادتهم، لكن لا تخالط الرجال الأجانب، فإن بدنها كله عورة شعرها وبشرتها.
وأجاب أيضاً: والمرأة يلزمها تغطية شعرها وصدرها ويديها، وجميع بدنها، إلا وجهها في الصلاة.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: والمرأة التي لا تستر عورتها، تؤدب إلى أن تستر عورتها.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: وجه الأمة لا يلزمها ستره، لأن عمر بن الخطاب ﵁ كان ينهى الإماء عن التقنع، فاشتهر ولم ينكر، فكان إجماعاً؛ لكن إن كانت الأمة جميلة يخشى بها الفتنة، لم يجز النظر إليها بشهوة. وأما الحرة فلا يجوز كشف وجهها في غير الصلاة، والأمة إذا أعتقت فهي حرة.
стр. 2789
سئل الشيخ عبد الله: عن الخلوة بالأجنبية؟
فأجاب: الذي يخلو بالمرأة الأجنبية، يؤدب عن مثل هذا الفعل بما يراه الأمير.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر: الرجل لا يجوز له أن يدخل على أخت زوجته إلا متغطية عنه، ولا يجوز له أن يخلو بها، ولا يصير محرما لها، وإن كان ليس له أن يتزوجها ما دامت أختها معه.
سئل الشيخ محمد بن إبراهيم: هل جدي من قبل الأم تغطي عنه زوجتي أم لا؟
فأجاب: لا تغطي عنه، لأنه أبوك، ولو كان ليس أباك حقيقة فإنك ابن ابنته، وكذلك زوجته لا تغطي عنك، سواء كان بعيداً، أو قريباً.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الحنَّاء للرجل؟
فأجاب: الحناء لا بأس به إذا اختضب به الرجل في يديه ورجليه، غير قاصد للتشبه بالنساء، ولا يريد به الزينة.
وأجاب أيضاً: وأما الحناء إذا كان ليس قصده التشبه بالنساء، وإنما قصده إزالة أثر العمل والتبرد والتداوي، فلا بأس به.
وسئل: إذا خطب أخت زوجته ليسخطها؟
стр. 2790
فأجاب: هذه المسألة لم أقف عليها، ومنصوص كلامهم وظاهر عباراتهم جواز ذلك، لأنهم لم يذكروا إلا المنع من العقد خاصة، وأما الخطبة فلم يتعرضوا لها بمنع، ولم يمنع إلا من خطبة المعتدة من غيره، فقالوا: لا يجوز التعريض بخطبة الرجعية، ولا يجوز التصريح بخطبة البائن، والمتوفى عنها زوجها؛ فإن فعل بأن عرض في موضع لا يجوز فيه التعريض، أو صرح في موضع لا يجوز فيه التصريح، ولم يعقد عليها إلا بعد انقضاء العدة، فالعقد صحيح مع الإثم.
وأما خطبة المرأة في عدة أختها، أو خالتها أو عمتها، فلا علمت فيه منعاً، ولكن الأحسن تركه، أو ترك إظهاره، لما فيه من حصول العداوة وقطيعة الرحم، التي عللوا بها في عدم جواز الجمع بينهما. فإن أراد الخطبة فلتكن سراً بحيث لا تعلم زوجته، مع أن ذلك لا يفيده شيئاً، لأنها ربما وعدته، فإذا انقضت عدة أختها ربما بدا لها.
وسئل: عن رجل زوج ابنته، وقد وعد آخر قبله؟
فأجاب: وأما الذي زوج ابنته على رجل، وقد وعد آخر قبله أن يزوجه إياها، وأخلف وعده، فإخلاف الوعد من أخلاق المنافقين، ولا يجوز إخلاف الوعد. والإثم على الأب، وأما الزوج فلا إثم عليه إذا كان لم يعلم.
стр. 2791
وسئل: عن الصدقة عند العقد؟
فأجاب: والصدقة عند الختان والزواج، والصدقة للميت عند موته، فهذا لا بأس به.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري: عن التحجير ... إلخ؟
فأجاب: وما يفعله بعض الأعراب، من تحجير الرجل بنت عمه - وهو منعها من التزوج بغيره - وما يأخذه من العوض منها، أو من غيرها بغير إذنها، لا يجوز ذلك، ولا يجوز اشتراط شيء من صداقها لبعض أقاربها غير الأب بغير إذنها، لأنه في مقابلة بذل البضع للزوج، فتكون هي المستحقة له دون غيرها. والعقد على المرأة في الحيض جائز ولا بأس به.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: عن عمل العقد عند العقد؟
فأجاب: وأما عقد بعض الناس عقداً عند عقد النكاح، فهذا لا يجوز؛ فإن كان المقصود حيلولة ذلك بين الرجل وامرأته، فهذا من السحر المحرم.
[كيف عقد النكاح]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهما الله تعالى: كيف عقد النكاح؟
فأجاب: أما عقد النكاح، فلا بد من الولي، ورضى
стр. 2792
الزوجين، وشاهدي عدل يحضران العقد، ويقول الولي للزوج: زوجتك فلانة على مهر كذا وكذا، ويقول الزوج قبلت ذلك. ويستحب أن يخطب عند العقد بخطبة النكاح المعروفة في كتب أهل العلم.
وسئل: عمن تزوجت بغير عقد ... إلخ؟
فأجاب: وأما الذي يتزوج برضاها ورضى أوليائها على مهر مفروض، لكن بغير عقد ولا شهود، فمثل هذا يعذر بالجهل ولا يصير عليه أدب؛ والذي فعل هذا في الجاهلية فلا يطالب بنكثه في الإسلام.
وسئل أيضاً: هل يجوز أن يتزوج امرأة بغير عقد، مع حصول الشهود والمهر.
فأجاب: لا يجوز للرجل أن يتزوج المرأة إلا بعقد، وشاهدين؛ هذا المفتى به عندنا.
وسئل: عن تزويج اليتيمة إذا طلبت النكاح؟
فأجاب: اليتيمة إذا طلبت النكاح، فيجوز لوليها تزويجها وإن لم تبلغ، إذا كان لها تسع سنين؛ لكن لا يجبرها، ولا يزوجها إلا برضاها، إذا كانت يتيمة. والأب يجوز له إجبار الصغيرة التي لم تبلغ. والبلوغ يحصل بالحيض، وبإنبات الشعر الخشن حول القبل.
وأجاب أيضاً: والأب يجوز له إجبار ابنته الصغيرة بلا
стр. 2793
إذنها، ولا يجوز لغير الأب إجبارها.
وسئل الشيخ حمد بن عبد العزيز: عمن زَوّج نفسه بحضور الشاهدين؟
فأجاب: إذا كان برضى المرأة وهو أقرب الأولياء، صح النكاح، وإن كان مراد السائل: زَوّج نفسه، أنه هو الذي خطب خطبة النكاح، فهو جائز ولا بأس به.
سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن: إذا قال ولي البكر: استأمرتها فلم تتكلم، وشاهد الحال قد قرر ذلك، وعملوا له عمله، فهل يكفي، أم لا بد من الإشهاد؟
فأجاب: لا يشترط للبكر النطق، لحديث: " وإذنها صماتها " ١، والإشهاد على الاستئذان لا يشترط بل مستحب؛ لكن لو أنكرته قبل الدخول فقولها، وبعده لا يقبل.
وأجاب الشيخ حسن بن حسين بن علي: وأما إذن المرأة لوليها بعد العقد، لا أرى ذلك يكفي بل يعاد، وأما كونها عالمة بالذي أراد تزوجها، وتتهيأ له بالطيب وغيره، فهذا لا يكفي عن الإذن.
[إشهاد ولي المرأة على إذنها في التزويج]
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن إشهاد ولي المرأة على إذنها في التزويج؟
فأجاب: لا يشترط الإشهاد على إذنها له، وصرح بذلك الفقهاء، ولو كان الولي غير الأب؛ فإذا قال وليها:
стр. 2794
استأذنتها فأذنت، أو سكتت وكانت بكراً، جاز العقد عليها من غير طلب شاهدين على إذنها. وكذا إذا خطب المرأة من نفسها، وعلم أبوها أنها راضية بمن خطبها، وتيقن ذلك منها بخبر أمها له بذلك ونحوه، ورآها تتأهب أهبة التزوج من التجمل باللباس والطيب ونحوهما، وانضم إلى ذلك إخبار أمها ونحوها لأبيها برضاها، جاز له تزويجها بغير استئذان، ولا يشترط رضى وقد تيقن ذلك.
وسئل: عمن ادعت عدم الإذن بعد الدخول؟
فأجاب: ذكر أصحابنا أنها لا تصدق، قالوا: لأنها لو كانت صادقة لم تمكن من نفسها، فتمكينها من الوطء دليل على الإذن؛ فكان القول قول الزوج، لأن الظاهر معه؛ هذا إذا كان اختلافها مع الزوج، وأما إذا اختلفت هي ووليها في الإذن وعدمه، بعد دخول الزوج بها، فقال في الفروع: يتوجه في دعوى الولي إذنها كذلك، وذكر شيخنا قولها. انتهى.
وأما إن شهدت البينة أنها زوجت مكرهة، أو بغير إذنها وهي ممن يعتبر إذنه، تبيناً بطلان العقد بشهادة البينة لا تصديقاً للمرأة، ولأنهم عللوا قبول قول الزوج بأن الظاهر معه، وهذا مما يقدم فيه الظاهر على الأصل؛ فإذا شهدت البينة بما يخالف الظاهر عمل بها، كما أن القاعدة في الدعاوى: أن القول قول مَن الأصلُ أو الظاهر معه، فإذا
стр. 2795
وجدت بينة تخالف ذلك قدمت، ووجب العمل بها.
وأجاب الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف: إذا ثبت عند الحاكم رضى المرأة حال العقد وعدم إجبارها، وشهد الشهود على ذلك، وحكم الحاكم بصحة العقد، فلا يجوز لأحد نقضه، ولا اعتراضه إلا إن طلق الزوج المعقود له من غير إكراه، وإلا فهي باقية في ذمته، ولا يتشوف أحد لإبطال العقد بمجرد الحيل، إلا من يستحل الزنى، عياذاً بالله.
وأجاب أيضاً: وأما اليتيمة التي ذكرت، فأنت عارف أن المرأة من طبعها الميل إلى الرجل، ولا بد لها منه، فإن كان الخاطب كفواً وهي مشتهية فزوِّجْها، فإن كان أنها لم ترد الزوج فلا تلزمها.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن الولي؟
فأجاب: وأما المرأة فوليها الأقرب من أهلها الرجال خاصة بإذنها، وبحضور شاهدين على الإملاك، وسواء الليل والنهار. وأما إذا غاب وليها قدر مسافة القصر، فلا يجوز لها أن توكل من يزوجها. وهذا يحتاج إلى تفصيل: فإن كان لا يمكن الإرسال إليه ومشاورته إلا بمشقة شديدة، جاز لولي الأمر أن يوكل من يزوجها، أو يزوجها بنفسه على كفو مثلها. وأخو المرأة أو وليها، إذا أبى أن يزوجها من أجل أنها تخدمه، يزوجها الأمير.
стр. 2796
وأجاب الشيخ علي بن الشيخ محمد، رحمهما الله: إذا كانت المرأة لا ولي لها يزوجها، أو كان وليها غائباً غيبة منقطعة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، فإنه يزوجها الأمير. وحد المسافة التي يزوج فيها البعيد، المشهور أنها لا تقطع إلا بكلفة ومشقة. وإذا زوج الأبعد من غير عذر للأقرب، فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء: منهم من يقول: إنه لا يصح النكاح; ومنهم من يقول: يصح إذا أجازه الولي؛ والأحوط في مثل هذا تجديد العقد، لأنه ليس في المسألة نص قاطع.
وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: إذا امتنع المسلم عن تزويج موليته من غير وجه شرعي، فهو عاضل، تنتقل الولاية منه إلى أقرب عصبتها بعده، ويزوجها من هو أقرب منه. والصغير قبل البلوغ لا يصح أن يلي العقد، فإن زوج فيعاد العقد على يد الولي البالغ الرشيد.
وسئل: إذا زوج ولي الأمر، والأولياء حاضرون بغير إذنهم؟
فأجاب: لا يصح العقد لحديث: " لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ". وأما إذا امتنع الولي، ولم يكن سواه من الأولياء إلا ولي الأمر، فيزوج إذا كان القريب عاضلاً يمنع الكفو، ويطلب دراهم لنفسه.
стр. 2797
وسئل: هل للمشرك ولاية على المسلمة؟
فأجاب: ليس للمشرك على المسلمة ولاية، فإن لم يكن لها ولي مسلم، فأمرها إلى الأمير.
وأجاب أيضاً: وأما الولي، فالمشهور الذي عليه الأكثر: تقديم المكلف الرشيد في تزويج موليته، على من هو أقرب منه ممن لم يبلغ التكليف، ولم يعرف مصالح النكاح.
سئل بعضهم: عن رجل تزوج امرأة بلا ولي مع وجود القاضي، ولها ولي في بلد آخر، لكنها وكلت من يزوجها؟
فأجاب: هذا نكاح فاسد، فيزوجها وليها إن كان حاضراً، فإن لم يكن أو كان في مسافة بعيدة، فيزوجها القاضي من زوجها المذكور. وليس عليها عدة، لأن الماء واحد، ولا يحتاج لطلاق ولا فسخ، بل يكفي عقد صحيح من غير فسخ للعقد الفاسد. وسواء كانت حاملاً أم لا، فلا تجب عليها العدة، بل يعقد له عليها عقداً جديداً، إما وليها إن أمكن، أو الحاكم.
قال في الإقناع وشرحه: ولا يصح تزويج من نكاحها فاسد قبل طلاق أو فسخ، فإن أبى الزوج الطلاق، فسخه - أي النكاح الفاسد – حاكم. انتهى. وعلى هامشه بخط الشيخ عبد الله أبا بطين، ﵀، قوله: ولا يصح تزويج
стр. 2798
من نكاحها فاسد ... إلخ، يعني لغير صاحب النكاح الفاسد؛ أما صاحب النكاح الفاسد، فلا يحتاج إلى طلاق ولا فسخ، بل يكفيه عقد صحيح من غير فسخ للعقد الفاسد، صرح به في حاشية المنتهى.
سئل بعضهم: عن بنت تسع ولا ولي لها حاضر، هل تزوج أم لا؟
فأجاب: إن كانت تطيق الزوج والولي غائب، والزوج كفو، وهي محتاجة، زوّج الأبعد، فإن عدم زوج الأمير.
سئل بعضهم: عن يتيمة ليس لها إلا أخ لأم؟
فأجاب: إذا لم يكن للمرأة إلا أخ من الأم، ولا قرابة لها من جهة الأب، ولّى عليها الحاكم من يزوجها.
سئل بعضهم: إذا كان سيد العبد أو الأمة غائباً مسيرة يوم، هل يزوجان بغير إذنه؟
فأجاب: لا يزوجان إلا بإذنه والحالة هذه.
стр. 2799
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله تعالى: عمن أراد أن يزوج وليس معه إلا شاهد؟
فأجاب: وأما ولي المرأة الذي يريد أن يزوجها، وليس معه إلا شاهد واحد، فلا يجوز ذلك إلا بشاهدين عدلين. وأما من أراد تزويج أخته، وليس معه إلا شاهد ويمين، فمثل هذا يشترط له كثير من أهل العلم شاهدين، وليس لليمين مدخل في مثل هذا؛ إنما ذلك في المال وما يقصد به المال.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما الإشهاد على العقد فيشترط لصحة النكاح، وأدلة ذلك معروفة في كتب الأحاديث والفقه.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: هل تزوج الهاشميات من ليس منهم؟
فأجاب: وأما الذي يدعي أنه من الأشراف وعنده أخوات له، فلا بأس أن يزوجهن من المسلمين الطيبين، ولو لم يكونوا من الأشراف، لأن النبي ﷺ زوج بناته بعض الصحابة الذين ليسوا من بني هاشم، مثل عثمان بن عفان، وأبي العاص بن الربيع، ﵃.
وقال أيضاً: ورد سؤال على علماء الدرعية، في تزويج الهاشمية غير الهاشمي، فكان الجواب ما نصه: وأما
стр. 2800
نكاح الفاطمية غير الفاطمي، فجائز إجماعاً، بل ولا كراهة في ذلك؛ وقد زوج علي عمر بن الخطاب، ﵄، وكفى بهما قدوة. وتزوجت سكينة بنت الحسين بن علي، بأربعة ليس فيهم فاطمي، بل ولا هاشمي. ولم يزل عمل السلف على ذلك من غير إنكار، إلا أنا لا نجبر أحداً على تزويج موليته ما لم تطلب هي، وتمنع من غير الكفء، والعرب أكفاء بعضهم لبعض؛ فما اعتيد في بعض البلاد من المنع، دليل التكبر وطلب التعظيم، وقد يحصل بذلك فساد كبير، كما ورد، بل يجوز الإنكاح لغير الكفء، وقد تزوج زيد - وهو من الموالي - زينب أم المؤمنين، ﵂، وهي قرشية؛ والمسألة معروفة عند أهل المذاهب.
стр. 2801
باب المحرمات في النكاح
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن تزوج امرأة وطلقها قبل الدخول، وتزوجت ثلاثة بعده، ثم تزوج بها ولد الأول.
فأجاب: الذي تزوج امرأة وطلقها قبل أن يمسها، وأراد ولده أن يتزوجها فلا يجوز ذلك، سواء كان أبوه دخل بها أو لم يدخل.
وسئل: عن الربيبة؟
فأجاب: وأما الربيبة فلا تحرم إلا على زوج أمها، وأما ابنه وأخوه فلا بأس أن يتزوج بها.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن نكاح المرأة في عدة أختها وخالتها، ونكاح خامسة في عدة رابعة؟
فأجاب: إن كان الطلاق رجعياً فهذا النكاح باطل عند جميع العلماء، وإن كانت العدة من طلاق بائن ففيه خلاف مشهور؛ والمذهب التحريم. قال في الشرح الكبير: إذا تزوج الرجل امرأة، حرمت عليه أختها وعمتها وخالتها، وبنت أخيها وبنت أختها، تحريم جمع، وكذلك إذا تزوج
стр. 2802
الحر أربعاً حرمت عليه الخامسة تحريم جمع بلا خلاف؛ فإذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً، فالتحريم باق بحاله في قولهم جميعاً، وإن كان الطلاق بائناً أو فسخاً فكذلك حتى تنقضي عدتها؛ روي ذلك عن علي وابن عباس وزيد بن ثابت; وبه قال سعيد بن المسيب ومجاهد والنخعي، والثوري وأصحاب الرأي. وقال القاسم بن محمد وعروة ومالك والشافعي، وأبو عبيد وابن المنذر: له نكاح جميع من سميناه من غير تحريم. انتهى.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: من معه أربع نسوة، فأبان واحدة، وأراد أن يتزوج مكانها أخرى ولم تعتد المطلقة، فالذي نص عليه العلماء أن ذلك لا يجوز؛ بل لا بد من انقضاء العدة، وليس له أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة.
وأجاب الشيخ سعيد بن حجي: مذهب أحمد وأبي حنيفة: لا يجوز حتى تنقضي عدة المطلقة، ولأنه لا يجوز أن يجمع ماءه في رحم خمس نسوة؛ وهذا هو المفتى به عندنا.
وسئل بعضهم: إذا تزوج الرجل امرأة ومعه من لا يجوز الجمع بينها وبين الثانية؟
فأجاب: قد ثبت بالكتاب والسنة، أن الجمع بين المرأة وأختها، وبين المرأة وعمتها أو خالتها، حرام في
стр. 2803
دين الله كما هو معلوم عند السائل، وفقه الله لحسن الفهم وصلاح القصد. فإن جمع بينهما في عقد واحد لم يصح العقد، وإن تزوجهما في عقدين، أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى - سواء كانت بائناً أو رجعية - فنكاح الثانية باطل. فإن لم يعلم أولاهما فعليه فراقهما معاً. قال أحمد في رجل تزوج أختين لا يدري أيهما تزوج أولا: يفرق بينه وبينهما، لأن إحداهما محرمة عليه ونكاحها باطل، ولا تعرف المحللة له، فقد اشتبه عليه، ونكاح إحداهما صحيح، ولا نتيقن بينونتها منه إلا بطلاقهما جميعاً، أو فسخ نكاحهما، فوجب ذلك. وإن أحب أن يفارق إحداهما ثم يجدد نكاح الأخرى ويمسكها، فلا بأس. ولا يخلو من ثلاثة أقسام:
أحدها: أن لا يكون دخل بواحدة منهما، فله أن يعقد على إحداهما في الحال، بعد فراق الأخرى.
الثاني: إذا دخل بإحداهما، فإن أراد نكاحها فارق التي لم يصبها بطلقة، ثم ترك التي أصابها حتى تنقضي عدتها، ثم ينكحها، لأننا لا نأمن أن تكون هي الثانية، فيكون قد أصابها في نكاح فاسد، فلهذا اعتبرنا انقضاء عدتها، ويحتمل جواز العقد عليها في الحال، لأن النسب لاحق به فلا يصان ذلك عن مائه؛ اختاره الموفق. ومذهب الشافعي: أنه أجاز للواطئ نكاحها في عدتها منه، وعلله بأنه وطء يلحق به النسب كما لو وطئ في نكاح،
стр. 2804
ولأن العدة إنما شرعت حفظاً للنسب وصيانة للماء، والنسب لاحق به. وإن أحب نكاح الأخرى فارق المصابة بطلقة، ثم انتظرها حتى تنقضي عدتها، ثم تزوج أختها؛ ولا يجوز أن يتزوجها في عدة المصابة، لئلا يجمع بين أختين.
القسم الثالث: إذا دخل بهما فليس له نكاح واحدة منهما، حتى يفارق الأخرى وتنقضي عدتها من حين فُرْقَتها، وتنقضي عدة الأخرى من حين إصابتها؛ وإن لم يرد نكاحهما فارقهما بطلقة. فأما إن تزوج امرأة ودخل بها، ثم تزوج أختها كما هو ظاهر سؤال السائل، فنكاح الثانية باطل كما تقدم، ويجب عليه أن يعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية، لئلا يجمع ماءه في رحم أختين، وفي الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يجمع ماءه في رحم أختين ". قال أحمد، ﵀: إذا تزوج أختها ودخل بها، اعتزل زوجته حتى تنقضي عدة الثانية، وذلك أنه لو أراد العقد على أختها في الحال لم يجز له حتى تنقضي عدة الموطوءة؛ فكذلك لا يجوز له وطء امرأته حتى تنقضي عدة أختها التي أصابها، والله أعلم.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عمن تزوج في العدة أو بعقد فاسد؟
стр. 2805
فأجاب: إذا تزوج المرأة في العدة، أو بعقد فاسد وفسخ النكاح، فإن كان الفاعل لذلك جاهلاً، فإنه يجوز له نكاحها إذا انقضت عدتها بعقد جديد برضى المرأة والولي، وإن كان فاعل ذلك عارفاً بالتحريم، فإنه يفرق بينهما ولا تحل له أبداً، كما ذكر ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁.
وأجاب أيضاً: وأما حكم من تزوج في عدة الطلاق وهو جاهل من البوادي، فلا يصير حكمه حكم الزاني، بل يعذر بالجهل، ويفرق بينهما حتى تنقضي العدة الأولى من الطلاق الأول، ثم تعتد من وطء الثاني الذي وطئها في عدتها، فإذا انقضت العدتان حلت للأزواج وهو أحدهم.
وسئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عمن تزوجت قبل الحيضة الثالثة؟
فأجاب: إذا حاضت المرأة حيضتين بعد الطلاق، وتزوجت قبل الثالثة، فالنكاح باطل وتعتد من الأول والثاني.
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن المرأة إذا كانت حاملاً وتوفي زوجها، هل تزوج؟
فأجاب: المرأة إذا كانت حاملاً وتوفي زوجها، فلا تتزوج حتى تضع حملها. وكذا المطلقة تكون في عدة حتى