قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٦-٢٧-٢٨] ، فعبر عن هذه الكلمة بمعناها، وهو: نفي الشرك في العبادة، وقصرها على الله وحده. وقال عن أهل الكهف: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ [سورة الكهف آية: ١٦] . فإذا كان هذا التوحيد، الذي هو حق الله على العباد، قد خفي على أكابر العلماء في أزمنة سلفت، فكيف لا يكون بيانه أهم الأمور؟ خصوصا إذا كان الإنسان لا يصح له إسلام ولا إيمان إلا بمعرفة هذا التوحيد، وقبوله، ومحبته، والدعوة إليه، وتطلب أدلته، واستحضارها ذهنا، وقولا، وطلبا، ورغبة.
فهذه نصيحة مني لكل إنسان، دعاني إليها غربة الدين، وقلة المعرفة، فينبغي أن تشاع وتذاع، في محاضر أهل العلم، يقبلها من وفقه الله للخير، فإنها خير مما كتبتم فيه بأضعاف أضعاف، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
стр. 317
(رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى أعيان أهل الأحساء)
وله أيضا: قدس الله روحه، ونور ضريحه: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الرحمن بن حسن، إلى الإخوان والأعيان، من أهل الأحساء: الشيخ عبد اللطيف بن مبارك، وابنيه، وأولاد عبد الله الوهيبي، وعبد الله بن عبد القادر، وعبد الله بن عمير، وإخوانهم: من أهل المدارس، والمساجد، وفقنا الله وإياهم لتوحيده، وأهّلنا وإياهم لمعرفته، ومحبته، وتأييده. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: فمن المعلوم لديكم، أن شيخنا شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، وعفا عنه، تبين بدعوة الناس إلى إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن لا يصرف من العبادة شيء لأحد سواه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٢-٣] ، ثم ذكر دين المشركين، وأنكره تعالى، في أول هذه السورة وغيرها، فقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ [سورة الزمر آية: ١٤-١٥] . والآيات في إخلاص العبادة، وإفراد الرب تعالى بها في القرآن كثير، تفيد الحصر لمن تدبرها.
стр. 318
ولا يخفاكم أن شيخنا ﵀، لما تبين بهذه الدعوة الإسلامية، وجد العلماء في الأحساء وغيرها، لا يعرفون التوحيد من الشرك، بل قد اتخذوا الشرك في العبادة دينا; فأنكروا دعوته لجهلهم بالتوحيد، ومعنى لا إله إلا الله، فظنوا أن الإله، هو: القادر على الاختراع; وهذا وغيره من توحيد الربوبية حق، لكنه لا يدخل في الإسلام بدون توحيد الإلهية، وهي العبادة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ َلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة الزمر آية: ٦٤-٦٥-٦٦] .
والذي يبين لكم أن العلماء ما عرفوا التوحيد، ولا عرفوا هذا الشرك: كون أرباب القبور من الأموات تعبد، وتصرف الرغبات والرهبات إليها، ولا عالم من علماء الأحساء أنكر هذا، بل قد صار إنكارهم لإخلاص العبادة لله وحده; ومن دعا إلى الإخلاص كفّروه، وبدّعوه. ولا نعلم أحدا من علماء الأحساء صدع بهذا الدين، وعرَفه، وعرّفه، وهو دعوة الرسل، كما قال بعض السلف: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ فالدين في هاتين الكلمتين، والقرآن كله يقرر ذلك، يعرفه من تدبره. فلما أنه برق للشيخ حسين بن غنام، ﵀ هذا الدين، وأنه هو الحق الذي لا ريب فيه، صنف في تقريره
стр. 319
المصنفات، وقال في بعض نظمه:
نفوس الورى إلا القليل ركونها ... إلى الغي لا يلفى لدين حنينها
فسل ربك التثبيت أي موحد ... فأنت على السمحاء باد يقينها
وغيرك في بيد الضلالة سائر ... وليس له إلا القبور يدينها
فعرف ﵀ أن فعلهم عند القبور، هو دين لأرباب القبور.
والمقصود: أن الإمام فيصل بن تركي - وفقه الله وهداه وتولاه - ألقى الله في نفسه ما حصل من الفترة منكم وغيركم عن هذا الدين، والرغبة فيه والترغيب; فعزم على تجديد هذه الدعوة مخافة أن تدرس، لأن الله فتح على كثير من الناس الدنيا وكثرتها، والتنافس فيها هلاك، لأن بها تحصل الغفلة عن الدين، والإعراض عن دين المرسلين، وتكون المحبة لها، والبغض عليها; حتى إن بعض الناس، يقرب الرافضي وأمثاله لمصلحة دنياه، ولا يميز بين الخبيث والطيب لما أشرب من هواه الذي طبع على قلبه فأعماه وأصماه. فإن حصل منكم وأمثالكم قيام في هذا الدين، وسؤال العامة عن أصول الدين، وقراءة منكم وتدريس في كتب التوحيد، التي وجودها حجة عليكم، فهذا هو الواجب، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً
стр. 320
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٨٧] .
والذي هذه حاله، ما يستحق أن يصير في مدرسة ومسجد، يأكل وقفهما، لأنه أوقع نفسه في الوعيد الشديد، وغفل عن أوجب العلوم، وأفرضها.
فاجعلوا لكم قصدا حسنا مع ربكم، ولا تضيعوا دينكم فتبوؤوا بإثم من حولكم من الجهال، إذا تركتم تعلم دينكم، كما في كتاب النبي ﷺ لهرقل: (فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، و ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، ففي هذه الآية بيان التوحيد في العبادة، ونفي الشرك فيها، وبيان أن هذا هو الإسلام. وهذا الخط لكم، فيه بشارة ونذارة، والسلام.
стр. 321
(رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى ابن مقرن في الحث على النظر في الأهم من أصول الدين)
وله أيضا: ﵀.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ الشيخ: محمد بن مقرن، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجواب الأشياخ الثلاثة وصل، لكنه لا يطابق السؤال. واعلم: أني لم أرد بذلك السؤال، إلا الإرشاد إلى النظر في الأهم من أصول الدين، لينشروه تقريرا وتحريرا; فأخرجته مخرج السؤال، ليكون أدعى إلى الالتفات إليه، فلم يحصل جواب يطابق السؤال. والسؤال إنما هو عن توحيد الاعتقاد والعمل، الذي اتفقت عليه دعوة المرسلين ﵈، وما دعوا إلى شيء قبله، وهو توحيد المراد، والإرادة.
فالمطلوب: أن يعرفوه بتعريف جامع، ويذكروا دليله، فإنه أبين شيء وأوضحه لمن تدبر الآيات المحكمات، وما قاله السلف الأول، والأئمة وأتباعهم، من أهل السنة، الذين علت هممهم، عن النظر في أوضاع المتكلمين، والمتصوفة، لما فيها من التخليط والاضطراب والخطأ، كما لا يخفى على من اهتدى، وكل أهل مذهب من الأربعة: ففيهم من أتباع السلف، وأهل التحقيق، كثير، وقبلهم أئمة الحديث، فمن علت همته إلى طلب الهدى، وبالسلف وأتباعهم
стр. 322
اقتدى، نال المنى، إن شاء الله، وأصاب الهدى.
والأشياخ الثلاثة، كما ذكرت - أيدهم الله بنور البصيرة - معهم من الذكاء والفطنة، ما يجب أن يصرفوه إلى أهم الأمور; فلو صرفوا الهمة إلى ما أشرت إليه، نالوا به خير الدنيا والآخرة، بتوفيق الله تعالى.
وما تركت مكاتبتهم في هذا الشأن، إلا لكون الغرض أعم، فإن عندهم من هو أسن منهم، وقد سمعوا اليسير من شيوخنا; إذا عرفت ما قلته، فإن حصل تعريف جامع لذلك التوحيد، الذي هو ثالث أنواعه، فلا بد من تعريف الإله، المنفي بكلمة الإخلاص، والإلهية المثبتة للمستثنى فيها، وبيان مضمون هذه الكلمة، وما دلت عليه، مطابقة، وتضمنا. ولا بد أيضا: من تعريف العبادة كما عرفها المحققون، ثم تعريف الشرك، المنافي لذلك التوحيد، ويكون التعريف جامعا.
وأما الشرك الخفي، فهو: الشرك الأصغر، كالحلف بغير الله في الجملة، والرياء، وقول: ما شاء الله وشئت، ونحو ذلك، فإنه أكبر من الكبائر، ولا يخرج من الملة، ونعوذ بالله من قول وعمل، لا يبتغى به وجه الله. ومما يرشد إلى الاهتمام بهذه الأمور: أن من العلماء من غلط في مسمى التوحيد الذي هو أصل الدين، وأساس الملة، كما قال شيخ الإسلام: أحمد بن تيمية: وقد غلط
стр. 323
في مسمى التوحيد طوائف من أهل النظر، ومن أهل العبادة، حتى قلبوا حقيقته، وطائفة ظنت أن التوحيد نفي الصفات، وطائفة ظنت أنه الإقرار بتوحيد الربوبية.
ومنهم من أطال في تقرير هذا، وظن أنه بذلك قرر الوحدانية، وأن الألوهية: نفي القدرة على الاختراع، ونحو ذلك، ولم يعلم أن مشركي العرب مقرّون بذلك. وساق الأدلة، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ الآية [سورة يونس آية: ٣١] .
وقال شيخنا، شيح الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀: من أعجب العجاب، وأكبر الآيات الدالة على قدرة الملك الغالب: ستة أصول، بينها الله تعالى بيانا واضحا للعوام، فوق ما يظن الظانون، ثم بعد ذلك غلط فيها أذكياء العالم، وعقلاء بني آدم، إلا أقل القليل.
الأصل الأول: إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وبيان ضده، الذي هو: الشرك بالله، وكون أكثر القرآن في بيان هذا الأصل من وجوه شتى، بكلام يفهمه أبلد العامة. ثم لما صار على أكثر الأمة ما صار، أظهر لهم الشيطان الإخلاص في صورة تنقص الصالحين، والتقصير في حقهم، وأظهر لهم الشرك بالله في صورة محبة الصالحين، واتباعهم. انتهى كلامه ﵀ ١.
стр. 324
(مقامات الكلام في الإسلام والإيمان)
وقال أيضا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ محمد ﵏: الكلام في الإسلام والإيمان، في مقامات: الأول: فيما دل عليه حديث عمر ﵁ في سؤال جبريل ﵇، للنبي ﷺ بقوله: " أخبرني عن الإسلام؟ فقال: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله " ١ الحديث. " قال: أخبرني عن الإيمان؟ قال: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره " ٢. فأخبر أن الإسلام، هو الأعمال الظاهرة، والإيمان، يفسر بالأعمال الباطنة، وبذلك يفسر كل منهما عند الاقتران. فإذا أفرد الإيمان، كما في كثير من آيات القرآن، دخل فيه الأعمال الظاهرة والباطنة، كما دل على ذلك كثير من الآيات والأحاديث، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٣٦] . فتناولت الآية جميع الأعمال الباطنة والظاهرة، لدخولها في مسمى الإيمان.
وأما الأركان الخمسة، فهي جزء مسمى الإيمان، ولا يحصل الإسلام على الحقيقة إلا بالعمل بهذه الأركان،
стр. 325
والإيمان بالأصول الستة المذكورة في الحديث; وأصول الإيمان المذكورة تتضمن: الأعمال الباطنة والظاهرة; فإن الإيمان بالله يقتضي محبته، وخشيته، وتعظيمه، وطاعته بامتثال أمره وترك نهيه; وكذلك الإيمان بالكتب يقتضي العمل بما فيها من الأمر والنهي; فدخل هذا كله في هذه الأصول الستة.
ومما يدل على ذلك، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢] إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [سورة الأنفال آية: ٤] ، فدلت هذه الآيات على أن الأعمال الظاهرة والباطنة داخلة في مسمى الإيمان، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات آية: ١٥] . فانتفاء الشك والريب من الأعمال الباطنة، والجهاد من الأعمال الظاهرة، فدل على أن الكل إيمان.
ومما يدل على أن الأعمال من الإيمان، قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٣] أي صلاتكم إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة. ونظائر هذه الآية في الكتاب والسنة كثيرة، كقوله ﷺ في حديث وفد عبد القيس: " آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وتقيموا الصلاة، وتؤتوا الزكاة، وتؤدوا خمس ما غنمتم " ١، ففسر الإيمان
стр. 326
بالأعمال الظاهرة، لأنها جزء مسماه، كما تقدم. إذا عرفت أن كلا من الأعمال الظاهرة والباطنة من مسمى الإيمان شرعا، فكل ما نقص من الأعمال التي لا يخرج نقصها من الإسلام، فهو نقص في كمال الإيمان الواجب، كما في حديث أبي هريرة: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم، حين ينتهبها وهو مؤمن " ١، وقوله ﷺ " لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له " ٢،ونفى الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه. فالمنفي في هذه الأحاديث: كمال الإيمان الواجب، فلا يطلق الإيمان على مثل أهل هذه الأعمال إلا مقيدا بالمعصية، أو بالفسوق، فيقال: مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فيكون معه من الإيمان بقدر ما معه من الأعمال الباطنة والظاهرة، فيدخل في جملة أهل الإيمان على سبيل إطلاق أهل الإيمان، كقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [سورة النساء آية: ٩٢] . وأما المؤمن الإيمان المطلق، الذي لا يتقيد بمعصية ولا بفسوق، ونحو ذلك، فهو: الذي أتى بما يستطيعه من الواجبات، مع تركه لجميع المحرمات فهذا هو الذي يطلق عليه اسم الإيمان من غير تقييد. فهذا: هو الفرق بين مطلق الإيمان، والإيمان المطلق، والثاني هو الذي لا يصر صاحبه
стр. 327
على ذنب، والأول هو المصر على بعض الذنوب. وهذا الذي ذكرته هنا، هو الذي عليه أهل السنة والجماعة، في الفرق بين الإسلام والإيمان؟ وهو الفرق بين مطلق الإيمان، والإيمان المطلق; فمطلق الإيمان هو: وصف المسلم الذي معه أصل الإيمان، الذي لا يتم إسلامه إلا به، بل لا يصح إلا به، فهذا في أدنى مراتب الدين، إذا كان مصرا على ذنب، أو تاركا لما وجب عليه مع القدرة عليه. والمرتبة الثانية من مراتب الدين: مرتبة أهل الإيمان المطلق، الذين كمل إسلامهم وإيمانهم، بإتيانهم بما وجب عليهم، وتركهم ما حرمه الله عليهم، وعدم إصرارهم على الذنوب; فهذه هي المرتبة الثانية التي وعد الله أهلها بدخول الجنة، والنجاة من النار، كقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ الآية [سورة الحديد آية: ٢١] . فهؤلاء اجتمعت لهم الأعمال الظاهرة والباطنة، ففعلوا ما أوجبه الله عليهم، وتركوا ما حرم الله عليهم; وهم السعداء أهل الجنة. والله سبحانه أعلم.
стр. 328
(الفرق بين الإيمان والإسلام)
وسئل أيضا رحمه الله تعالى عن الفرق بين الإسلام والإيمان، فأجاب: قد فسر النبي ﷺ الإسلام والإيمان في حديث جبرائيل، وفسر الإسلام في حديث ابن عمر، وكلاهما في الصحيح، فقال: " الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا " ١، وقال: " الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ٢، وقال في حديث ابن عمر: " بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت " ٣، وفي رواية: " والحج، وصوم رمضان " ٤. قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: جعل النبي ﷺ الدين ثلاث درجات: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، ويليه الإسلام. فكل محسن مؤمن; وكل مؤمن مسلم; وليس كل مؤمن محسنا، ولا كل مسلم مؤمنا، كما دلت عليه الأحاديث; انتهى كلامه.
فإن قيل: قد فرق النبي ﷺ في حديث جبرائيل بين
стр. 329
الإسلام والإيمان، والمشهور عن السلف وأئمة الحديث أن الإيمان قول، وعمل، ونية; وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم؟
فالجواب: أن الأمر كذلك; وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان الكتاب والسنة; أما الكتاب، فكقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية [سورة الأنفال آية: ٢] . وأما الحديث، فكقوله في حديث أبي هريرة، المتفق عليه: " الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان " ١ وغير ذلك. فمن زعم: أن إطلاق الإيمان على الأعمال الظاهرة مجاز; فقد خالف الصحابة، والتابعين، والأئمة.
إذا عرفت ذلك، فاعلم أنه يجمع بين الأحاديث بأن أعمال الإسلام داخلة في مسمى الإيمان، شاملا لها; ففسرت بالإسلام، وهي جزء مسمى الإيمان، لكون الإيمان مثالا لها ولغيرها من الأعمال الباطنة والظاهرة. فإذا أفرد الإيمان في آية أو حديث، دخل فيه الإسلام. وإذا قرن بينهما فسر الإسلام بالأركان الخمسة، كما في حديث جبريل، وفسر الإيمان بأعمال القلب، لأنها أصل الإيمان ومعظمه; وقوته وضعفه، ناشئ عن قوة ما في القلب من هذه الأعمال أو ضعفها.
стр. 330
وقد يضعف ما في القلب، من الإيمان بالأصول الستة، حتى يكون وزن ذرة، كما في الحديث الصحيح: " أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان " ١. فبقدر ما في القلب من الإيمان، تكون الأعمال الظاهرة، التي هي داخلة في مسماه، وتسمى إسلاما، وإيمانا، كما في حديث وفد عبد القيس، حين قال لهم النبي ﷺ : " آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وأن تؤدوا خمس ما غنمتم " ٢. فهذه الأعمال داخلة في الإيمان، وهي الإسلام، لأن الإيمان اسم لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة، فمن ترك شيئا من الواجبات، أو فعل شيئا من المحرمات، نقص إيمانه بحسب ذلك، وهو دليل على نقصان أصل الإيمان، وهو إيمان القلب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، في الكلام على الإسلام، والإيمان، والإحسان، وما بين الثلاثة من العموم والخصوص: أما الإحسان فهو أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإيمان; والإيمان أعم من جهة نفسه، وأخص من جهة أصحابه من الإسلام. فالإحسان يدخل فيه الإيمان، والإيمان يدخل فيه الإسلام. والمحسنون أخص من المؤمنين، والمؤمنون أخص من المسلمين. انتهى، وهذا يبين ما قررنا.
стр. 331
فحينئذ يتبين الإيمان الكامل، الذي صاحبه يستحق عليه دخول الجنة، والنجاة من النار، هو: فعل الواجبات، وترك المحرمات، وهو الذي يطلق على من كان كذلك بلا قيد; وهو الإيمان الذي يسميه العلماء: الإيمان المطلق. وأما من لم يكن كذلك، بل فرط في بعض الواجبات، أو فعل بعض المحرمات، فإنه لا يطلق عليه الإيمان إلا بقيد، فيقال: مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، أو يقال: مؤمن ناقص الإيمان، لكونه ترك بعض واجبات الإيمان، كما في حديث أبي هريرة ﵁:" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ١، أي: ليس موصوفا بالإيمان الواجب، الذي يستحق صاحبه الوعد بالجنة، والمغفرة والنجاة من النار، بل هو تحت المشيئة: إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه على ترك ما وجب عليه من الإيمان، وارتكابه الكبيرة.
وقيل: هذا يوصف بالإسلام دون الإيمان، ولا يسمى مؤمنا إلا بقيد، وهذا الذي يسميه العلماء مطلق الإيمان; أي: أنه أتى بالأركان الخمسة، وعمل بها باطنا وظاهرا. وهذا الذي قلنا من معنى الإسلام والإيمان، هو: مذهب الإمام أحمد، وطائفة من السلف والمحققين. وذهب طائفة من أهل السنة أيضا إلى أن الإسلام والإيمان شيء واحد، وهو الدين، فيسمى إسلاما، وإيمانا؛ فهما اسمان لمسمى واحد; والأول أصح، وهو الذي نصره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتبه؛ فلا تلتفت إلى ما يخالف هذين
стр. 332
القولين، والله أعلم.
(رسالة الشيخ عبد الرحمن بن حسن إلى عبد الله بن محمد وتحريم علم المنطق)
وله أيضا: رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن، إلى الأخ القادم من بلاد الأفغان: عبد الله بن محمد، وفقه الله لحقيقة الإسلام، والإيمان، سلام عليكم، ورحمة الله، وبركاته.
وبعد: فالذي يجب علينا، محبة الخير لمن أراده وقصده، فلعل الله أن يجعله موثرا للحق على غيره، لكن نبحث مع مثلك في شيئين: الأول: أن علم المنطق قد حرمه كثير من المحققين، وأجازه بعض العلماء، لكن الصواب تحريمه، لأمور، منها:
الأمر الأول: أنه ليس من علوم الشريعة المحمدية، بل هو من علوم اليونان، وأول من أحدثه المأمون بن الرشيد، وأما في خلافة من قبله من أسلافه من بني العباس، وقبلهم خلفاء بني أمية فلا يعرف في عصرهم.
الأمر الثاني: أن أئمة التابعين، من الفقهاء والمفسرين والمحدثين، لا يعرفون هذا العلم، وهم نقلة العلم، والإسلام في وقتهم أظهر، والعلوم النافعة عندهم أكثر، وقد توافرت دواعيهم على نقل العلم، وكذلك من أخذ عنهم من الأئمة الأربعة، ومن في طبقتهم من المحدثين،
стр. 333
ومن الفقهاء والمفسرين، فلا تجد في كتبهم، ولا من أخذ عنهم شيئا من هذا العلم.
الأمر الثالث: أن هذا العلم إنما أحدثه الجهمية، لما ألحدوا في أسماء الله وصفاته، واستمالوا المأمون، على تعريب كتب اليونان، فعظمت فتنة الجهمية، وظهرت بدعتهم من أجل ذلك، فصار ضرره أكثر من نفعه.
وذكر العلماء أن ما فيه من صحيح فهو موجود في كتب أصول الفقه، فيتعين تركه وعدم الالتفات إليه; والمعول إنما هو على الكتاب والسنة وما عليه السلف والأئمة، وهذه كتبهم موجودة بحمد الله ليس فيها من شبهات أهل المنطق شيء أصلا، فهذا الذي ندين الله به.
البحث الثاني: السؤال عن التوحيد وأنواعه؟ وحقيقة كل نوع منه؟ فإن كان عند القادم من ذلك تحقيق، وإلا فيجب إرشاده إلى ذلك وتعليمه، لأن العلم أقسام ثلاثة لا رابع لها; فيجب عليك أيها الرجل القادم أن تسعى لنفسك بمعرفة الحق بدليله، والذي يقبل علمنا هذا، الذي منّ الله به علينا، من تمييز الحق من الباطل، فهو أخونا، والحمد لله على هداية من اهتدى، والذي يرى غير ذلك، فلا نحن بإخوان له; والسلام، وصلى الله على محمد وآله وسلم.
وقال أيضا: الشيخ عبد الرحمن بن حسن، ﵀: اعلم: أن مذهب أهل السنة والجماعة، أن الله تبارك
стр. 334
وتعالى يتكلم إذا شاء، وقول السائل: وأنها ١ كلامه القديم، هذا قول الكرامية، وأهل السنة لا يقولون هذا، بل يقولون: إنها وحيه، أوحاه إلى جبريل، وسمع كلام الرب تعالى وبلغه رسله، وكتب تعالى التوراة بيده، كما صح ذلك على ما يليق بجلاله، وهذا قول السلف والأئمة; وجميع ما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ يثبتون ذلك، إثباتا بلا تأويل، وتنْزيها بلا تعطيل، فلا ينفون ما أثبته، ولا يثبتون ما نفاه.
وسئل عن حديث: " أنا مدينة العلم، وعلي بابها " ٢؟
فأجاب: الذي وقفنا عليه، من كلام أهل العلم: ذكر شيخ الإسلام في منهاج السنة، أن ابن الجوزي ذكره في الموضوعات; وما علمت أن أحدا من العلماء خالف ابن الجوزي في ذلك; إلا أن الحاكم ذكره في المستدرك، وذكره لهذا الحديث مما عيب عليه.
وهذا الحديث يلزم عليه أن تكون السنن التي صدرت عن رسول الله ﷺ أنها تصدر منه إلى علي، ومن علي إلى الصحابة; والواقع خلاف ذلك، فقد تلقى الصحابة ﵃ أحاديث النبي ﷺ بلا واسطة علي، فمقل ومستكثر; وليس علي ﵁ من المكثرين عنه، وقد سئل علي ﵁ فقيل له: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء؟ فقال: لا، إلا هذه الصحيفة، وفيها العقل; وهذا مما يبين
стр. 335
قوة قول ابن الجوزي، وحكمه على الحديث بالوضع.
وقال في الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة: حديث: " أنا مدينة العلم " إلى آخره، وقال منكر وأنكره البخاري أيضا، وذكره الحاكم في مستدركه، من حديث ابن عباس، وقال: صحيح، قال الذهبي: بل موضوع، وقال أبو زرعة: كم خلق افتضحوا فيه. وقال يحيى بن معين: لا أصل له، وكذا قال أبو حاتم، ويحيى بن سعيد، قال الدارقطني: غير ثابت. وقال ابن دقيق العيد: لم يثبتوه. هذا ما وقفنا عليه من كلام الحفاظ، والله أعلم.
стр. 336
(أصول الدين وأركان الإسلام)
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إذا قيل لك: من ربك؟ فقل: الله ربي، خالقي، ومالكي، ومعبودي، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٤] ، فإذا قيل لك: ما الذي خلقك الله لأجله؟
فقل: خلقني لأعبده وحده لا شريك له، والدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٦] ، والعبادة: أن تعمل بطاعة الله تعالى، بما أمرك به، ونهاك عنه، مخلصا له العبادة والعمل.
وإذا قيل لك: ما دينك؟ فقل، ديني الإسلام، وهو الخضوع لله، والذل له بالإخلاص، والانقياد له بالعمل بما شرعه في كتابه على لسان رسوله ﷺ ، والدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلامُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٩] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٨٥] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ
стр. 337
وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [سورة لقمان آية: ٢٢] ، وهي: لا إله إلا الله; وإسلام الوجه هو: الإخلاص، والإحسان: هو المتابعة.
ومعنى لا إله إلا الله: لا معبود حق إلا الله، والدليل قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾ [سورة الإسراء آية: ٢٣] . فقوله: ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا﴾ فيه معنى لا إله، وقوله: ﴿إِلاَّ إِيَّاه﴾ فيه معنى إلا الله، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ [سورة آل عمران آية: ٦٤] ، فقوله: ﴿أَلاَّ نَعْبُدَ﴾ فيه معنى لا إله، وقوله: ﴿إِلاَّ اللَّهَ﴾ هو المستثنى لفظا ومعنى. والآيات في معنى هذه الكلمة العظيمة كثيرة في القرآن.
وإذا قيل لك: من نبيك؟
فقل: نبيي محمد بن عبد الله، بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من ذرية إسماعيل بن إبراهيم، الخليل ﵉ بعثه الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس يدعوهم إلى ما خلقوا له من معنى: لا إله إلا الله، وختم به رسله صلوات الله وسلامه عليه، وأنزل عليه القرآن الذي هو أفضل الكتب المنَزلة على من قبله من المرسلين، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٨] ، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤٠] .
стр. 338
وإذا قيل لك: هل يبعث الله الخلق بعد الموت؟ ويحاسبهم على أعمالهم خيرها وشرها؟ ويدخل من أطاعه الجنة؟ ومن كفر به وأشرك به غيره فهو في النار؟
فقل: نعم; والدليل قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [سورة التغابن آية: ٧] ، وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [سورة طه آية: ٥٥] . وفي القرآن من الأدلة على هذا ما لا يحصى.
وإذا قيل لك: ما أفضل الأعمال بعد الشهادتين؟
فقل: أفضلها الصلوات الخمس، ولها شروط وأركان وواجبات. فأعظم شروطها: الإسلام، والعقل، والتمييز، ورفع الحدث، وإزالة النجاسة، وستر العورة، واستقبال القبلة، ودخول الوقت، والنية.
وأركانها أربعة عشر: القيام مع القدرة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والرفع منه، والسجود على سبعة الأعضاء، والاعتدال منه، والجلسة بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأركان، والترتيب، والتشهد الأخير، والجلوس له، والصلاة علي النبي ﷺ ، والتسليم.
وواجباتها ثمانية: جميع التكبيرات غير تكبيرة الإحرام، سبحان ربي العظيم في الركوع، سمع الله لمن حمده، للإمام
стр. 339
والمنفرد، ربنا ولك الحمد للكل، سبحان ربي الأعلى في السجود، رب اغفر لي بين السجدتين، والتشهد الأول، والجلوس له; وما عدا هذا فسنن أقوال وأفعال، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
(ذكر مذهب السلف في العقائد الذي حكاه ابن القيم)
قال الشيخ: حسن بن الشيخ حسين، بن الشيخ محمد رحمهم الله تعالى: قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
ونحن نحكي إجماعهم كما حكاه حرب صاحب الإمام أحمد بلفظه، قال في مسائله المشهورة: هذا مذهب أهل العلم، وأصحاب الأثر، وأهل السنة المتمسكين بها، المقتدى بهم فيها، من لدن أصحاب رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء الحجاز، والشام، وغيرهم عليها، فمن خالف شيئا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مخالف مبتدع، خارج عن الجماعة، زائل عن مذهب أهل السنة وسبيل الحق.
قال: وهو مذهب أحمد، وإسحاق بن إبراهيم، وعبد الله بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا، وأخذنا عنهم العلم، فكان من قولهم: إن الإيمان قول وعمل ونية وتمسك بالكتاب والسنة. والإيمان يزيد وينقص، ويستثنى في الإيمان غير أن لا يكون شكا، إنما هي سنة ماضية عند العلماء، وإذا سئل
стр. 340
الرجل: أمؤمن أنت؟ فإنه يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، أو مؤمن أرجو ويقول: آمنت بالله وملائكته وكتبه ورسله.
ومن زعم أن الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومن زعم: أن الإيمان هو القول، والأعمال شرائع، فهو مرجئ. ومن زعم أن الإيمان يزيد ولا ينقص، فقد قال بقول المرجئة. ومن لم ير الاستثناء في الإيمان فهو مرجئ. ومن زعم أن إيمانه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ. ومن زعم أن المعرفة تقع في القلب وإن لم يتكلم بها فهو مرجئ.
والقدر: خيره وشره قليله وكثيره، وظاهره وباطنه، وحلوه ومره ومحبوبه ومكروهه، وحسنه وسيئه، وأوله وآخره، من الله ، قضاء قضاه على عباده، وقدرا قدره عليهم، لا يعدو واحد منهم مشيئة الله، ولا يجاوزه قضاؤه، بل كلهم صائرون إلى ما خلقهم له، واقعون فيما قدر عليهم؛ وهو عدل منه جل ثناؤه وعز شأنه.
والزنى والسرقة وشرب الخمر وقتل النفس، وأكل المال الحرام والشرك، والمعاصي: كلها بقضاء الله وقدر من الله من غير أن يكون لأحد من الخلق على الله حجة، بل لله الحجة البالغة على خلقه: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٣] . وعلم الله ماض في خلقه بمشيئة منه، قد علم - من
стр. 341
إبليس ومن غيره، من لدن عصى الله ﵎ إلى أن تقوم الساعة - المعصية، وخلقهم لها; وعلم الطاعة من أهل الطاعة، وخلقهم لها؛ فكل يعمل لما خلق له، وسائر إلى ما قضى عليه، لا يعدو أحد منهم قدر الله ومشيئته، والله الفعال لما يريد.
ومن زعم أن الله سبحانه شاء لعباده الذين عصوه وتكبروا الخير والطاعة، وأن العباد شاؤوا لأنفسهم الشر والمعصية فعملوا على مشيئتهم، فقد زعم أن مشيئة العباد أغلب من مشيئة الله تعالى، وأي افتراء على الله أكبر من هذا؟ ومن زعم أن الزنى ليس بقدره، قيل له: أرأيت هذه المرأة، حملت من الزنا وجاءت بولد، هل شاء الله أن يخلق هذا الولد؟ وهل مضى في سابق علمه؟ فإن قال: لا، فقد زعم: أن مع الله خالقا؛ وهذا الشرك صراحا.
ومن زعم أن السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء ولا قدر، فقد زعم أن هذا الإنسان قادر على أن يأكل رزق غيره؛ وهذا صريح قول المجوسية، بل أكل رزقه الذي قضى الله أن يأكله من الوجه الذي أكله.
ومن زعم أن قتل النفس ليس بقدر من الله ، فقد زعم أن المقتول مات بغير أجله؛ وأي كفر أوضح من هذا؟! بل ذلك بقضاء الله ، وذلك عدل منه في
стр. 342
خلقه وتدبيره فيه، وما جرى من سابق علمه فيهم، وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد. ومن أقر بالعلم لزمه الإقرار بالقدر والمشيئة على الصغر والقمأة.
ولا نشهد على أحد من أهل القبلة أنه في النار، لذنب عمله، ولا لكبيرة أتاها، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء في حديث، ولا بنص الشهادة. ولا نشهد لأحد أنه في الجنة بصالح عمله، ولا بخير أتاه، إلا أن يكون في ذلك حديث، كما جاء على ما روي ولا بنص الشهادة.
والخلافة في قريش ما بقي من الناس اثنان، وليس لأحد من الناس أن ينازعهم فيها، ولا يخرج عليهم؛ ولا نقر لغيرهم بها إلى قيام الساعة. والجهاد ماض قائم مع الأئمة بروا أو فجروا، ولا يبطله جور جائر ولا عدل عادل. والجمعة والعيدان والحج مع السلاطين وإن لم يكونوا بررة عدولا أتقياء. ودفع الصدقات والخراج والأعشار والفيء والغنائم إليهم، عدلوا فيها أو جاروا. والانقياد لمن ولاه الله أمركم، لا تنْزع يدا من طاعته، ولا تخرج عليه بسيف حتى يجعل الله لك فرجا ومخرجا؛ ولا تخرج على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعته؛ فمن فعل ذلك فهو مبتدع، مخالف، مفارق للجماعة. وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية؛ فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه؛ ولا تمنعه حقه. والإمساك في الفتنة سنة ماضية، واجب لزومها. فإن
стр. 343
ابتليت، فقدم نفسك دون دينك، ولا تعن على الفتنة بيد ولا لسان، ولكن اكفف يدك ولسانك وهواك، والله المعين.
والكف عن أهل القبلة، فلا تكفر أحدا منهم، ولا تخرجه من الإسلام بعمل إلا أن يكون في ذلك حديث كما جاء وما روي فنصدقه ونقبله، ونعلم أنه كما روي نحو: كفر من يستحل نحو ترك الصلاة وشرب الخمر وما أشبه ذلك، أو يبتدع بدعة ينسب صاحبها إلى الكفر والخروج من الإسلام، فاتبع ذلك ولا تجاوزه.
والأعور الدجال خارج، لا شك في ذلك ولا ارتياب، وهو أكذب الكاذبين. وعذاب القبر حق، يسأل العبد عن دينه وعن ربه وعن الجنة وعن النار؛ ومنكر ونكير حق وهما فتانا القبر، نسأل الله الثبات.
وحوض محمد ﷺ حق، حوض ترده أمته، وآنيته عدد نجوم السماء، يشربون بها منه. والصراط حق يوضع على سواء جهنم، ويمر الناس عليه، والجنة من وراء ذلك. والميزان حق، توزن به الحسنات والسيئات، كما شاء الله أن توزن.
والصور حق، ينفخ فيه إسرافيل، فيموت الخلق، ثم ينفخ فيه أخرى فيقومون لرب العالمين، للحساب وفصل القضاء، والثواب والعقاب، والجنة والنار.
واللوح المحفوظ يستنسخ منه أعمال العباد، كما سبق
стр. 344
فيه من المقادير والقضاء. والقلم حق، كتب الله به مقادير كل شيء، وأحصاه في الذكر.
والشفاعة يوم القيامة حق، يشفع قوم في قوم، فلا يصيرون إلى النار، ويخرج قوم من النار بعدما دخلوا ولبثوا فيها ما شاء الله، ثم يخرجهم من النار، وقوم يخلدون فيها أبدا، وهم أهل الشرك والتكذيب والجحود والكفر بالله .
ويذبح الموت يوم القيامة بين الجنة والنار، وقد خلقت الجنة وما فيها، وخلقت النار وما فيها، خلقهما الله ، وخلق الخلق لهما، لا تفنيان، ولا يفنى ما فيهما أبدا.
فإن احتج مبتدع، أو زنديق بقول الله : ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ﴾ [سورة القصص آية: ٨٨] ، ونحو هذا من متشابه القرآن؟ قيل له: كل شيء كتب الله عليه الفناء والهلاك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك وهما من الآخرة، لا من الدنيا. والحور العين لا يمتن عند قيام الساعة ولا عند النفخة، ولا أبدا، لأن الله خلقهن للبقاء لا للفناء، ولا يكتب عليهن الموت، فمن قال خلاف ذلك، فهو مبتدع ضال عن سواء السبيل.
وخلق سبع سماوات بعضها فوق بعض، وسبع أرضين بعضها أسفل من بعض؛ وبين الأرض العليا والسماء الدنيا
стр. 345
مسيرة خمسمائة عام‘ وبين كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، والماء فوق السماء السابعة العليا، وعرش الرحمن فوق الماء، والله على العرش، والكرسي موضع قدميه. وهو يعلم ما في السماوات وما في الأرضين، وما بينهما، وما تحت الثرى، وما في مقر البحر ومنبت كل شعرة، وشجرة، وكل زرع، وكل نبات، ومسقط كل ورقة، وعدد كل كلمة، وعدد الرمل، والحصى والتراب، ومثاقيل الجبال، وأعمال العباد، وآثارهم وكلامهم وأنفاسهم ويعلم كل شيء ولا يخفى عليه شيء من ذلك وهو على العرش فوق السماء السابعة، ودونه حجب من نار، وحجب من نور وظلمة وما هو أعلم به.
فإن احتج مبتدع، أو مخالف بقول الله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [سورة ق آية: ١٦] ، وبقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ﴾ [سورة المجادلة آية: ٧] إلى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٧] ، ونحو هذا من متشابه القرآن، فقل: إنما يعنى بذلك العلم، لأن الله على العرش، فوق السماء السابعة العليا، يعلم ذلك كله، وهو بائن من خلقه، لا يخلو من علمه مكان، ولله عرش، وللعرش حملة يحملونه; والله مستو على عرشه، وليس له حد.
стр. 346
والله سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى ولا يسهو، قريب لا يغفل، يتكلم وينظر، ويبسط، ويضحك ويفرح، ويحب ويكره، ويبغض، ويرضى ويغضب، ويسخط ويرحم، ويعفو ويغفر، ويعطي ويمنع، وينْزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [سورة الشورى آية: ١١] .
وقلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، ويوعيها ما أراد؛ وخلق آدم بيده على صورته. والسماوات والأرض يوم القيامة في كفه؛ ويضع قدمه في النار، فتنْزوي ويخرج قوما من النار بيده. وينظر إلى وجهه أهل الجنة، يرونه، فيكرمهم، ويتجلى لهم. وتعرض عليه العباد يوم القيامة، ويتولى حسابهم بنفسه، ولا يلي ذلك غيره، .
والقرآن كلام الله الذي تكلم به، ليس بمخلوق؛ فمن زعم أن القرآن مخلوق، فهو جهمي كافر. ومن زعم أن القرآن كلام الله، ووقف، فلم يقل ليس بمخلوق، فهو أخبث من القول الأول. ومن زعم أن ألفاظنا وتلاوتنا مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي.: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [سورة النساء آية: ١٦٤] ، منه إليه،
стр. 347
وناوله التوراة من يده إلى يده; ولم يزل الله متكلما.
والرؤيا من الله، وهي حق إذا رأى صاحبها في منامه ما ليس أضغاثا، فقصها على عالم وصدق فيها، فأولها العالم على أصل تأويلها الصحيح، ولم يحرف؛ فالرؤيا تأويلها حينئذ حق. وكانت الرؤيا من الأنبياء وحيا، فأي جاهل أجهل ممن يطعن في الرؤيا، ويزعم أنها ليست بشيء؟ وبلغني أن من قال هذا القول، لا يرى الاغتسال من الاحتلام، وقد روي عن النبي ﷺ أن رؤيا المؤمن كلام يكلم به الرب عبده، وقال: " إن الرؤيا من الله " ١.
وذكر محاسن أصحاب رسول الله ﷺ كلهم، والكف عن ذكر مساويهم التي شجرت بينهم؛ فمن سب أصحاب النبي ﷺ أو واحدا منهم، أو تنقصه، أو طعن عليهم، أو عرض بغيبتهم، أو عاب أحدا منهم، فهو مبتدع، رافضي، خبيث، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا؛ بل حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.
وأفضل الأمة بعد النبي ﷺ أبو بكر، وعمر بعد أبي بكر، وعثمان بعد عمر، وعلي بعد عثمان؛ ووقف قوم على عثمان؛ وهم خلفاء راشدون، مهديون.
ثم أصحاب رسول الله ﷺ بعد هؤلاء الأربعة خير الناس، لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساويهم، ولا يطعن
стр. 348
على أحد منهم بعيب ولا نقص؛ فمن فعل ذلك، فقد وجب على السلطان تأديبه، وليس له أن يعفو عنه، بل يعاقبه، ويستتيبه، فإن تاب قبل معه، وإن لم يتب أعاد عليه العقوبة، وخلده في الحبس حتى يتوب أو يرجع.
ونعرف للعرب حقها وسابقتها وفضلها، ونحبهم لحديث رسول الله ﷺ : " حب العرب من الإيمان، وبغضهم نفاق "؛ ولا نقول بقول الشعوبية، وأراذل الموالي، الذين لا يحبون العرب، ولا يقرون لهم بفضل، فإن قولهم بدعة. ومن حرم المكاسب، والتجارات وطلب المال من وجهه، فقد جهل وأخطأ؛ بل المكاسب من وجوهها حلال، قد أحلها الله ورسوله؛ فالرجل ينبغي له أن يسعى على نفسه وعياله يبتغي من فضل ربه، فإن ترك ذلك على أنه لا يرى ذلك الكسب حلالا، فقد خالف الكتاب والسنة.
والدين إنما هو كتاب الله ، وآثار وسنن وروايات صحاح عن الثقات والأخبار الصحيحة القوية المعروفة، ويصدق بعضها بعضا حتى ينتهي ذلك إلى رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃ أجمعين والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من الأئمة المعروفين، المقتدى بهم، المتمسكين بالسنة والمتعلقين بالآثار، ولا يعرفون ببدعة، ولا يطعنون بكذب، ولا يرمون بخلاف ... إلى أن قال:
فهذه الأقاويل التي وصفت، مذاهب أهل السنة
стр. 349
والجماعة والأثر، وأصحاب الروايات وحملة العلم الذين أدركناهم وأخذنا عنهم الحديث، وتعلمنا منهم السنن، وكانوا أئمة معروفين ثقات، أهل صدق وأمانة، يقتدى بهم، ويؤخذ عنهم، ولم يكونوا أصحاب بدع، ولا خلاف، ولا تخليط، وهذا قول أئمتهم، وعلمائهم، الذين كانوا قبلهم؛ فتمسكوا بذلك، وتعلموه، وعلموه.
قلت: حرب هذا، هو صاحب الإمام أحمد وإسحاق، وله عنهما مسائل جليلة، وأخذ عن سعيد بن منصور، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وهذه الطبقة، وقد حكى هذه المذاهب عنهم، واتفاقهم عليها; ومن تأمل النقول عن هؤلاء، وأضعاف أضعافهم من أئمة السنة والحديث، وجده مطابقا لما نقله حرب، ولو تتبعناه لكان بقدر هذا الكتاب مرارا. وقد جمعنا منه في مسألة علو الرب تعالى على خلقه، واستوائه على عرشه، وحدها، سفرا متوسطا; فهذا مذهب المستحقين لهذه البشرى قولا وعملا واعتقادا، وبالله التوفيق. انتهى كلامه من "حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح"، ﵀.
قال الشيخ حسن بن حسين: الذي أعتقده، وأدين الله به، وأشهد الله عليه وملائكته، والواقف عليه، هذا، وهو المذهب الصحيح، الذي درج عليه السلف الصالحون، والخلف التابعون. وأبرأ إلى الله مما سواه ولا إله إلا الله عدة للقاه، وصلى الله على سيدنا محمد، وصحبه، ورضي عنهم أجمعين.
стр. 350
(جواب الشيخ أبا بطين عن مذهب القدرية والمعتزلة والخوارج)
سئل الشيخ: عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين رحمه الله تعالى، عن القدرية؟ ومذهبهم؟ والمعتزلة؟ ومذهبهم؟ والخوارج؟ ومذهبهم؟
فأجاب رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الر حيم، وبه نستعين، ولا عدوان إلا على الظالمين، كالمبتدعة والمشركين. فسر النبي ﷺ الإيمان في حديث جبرائيل الاعتقاد الباطن، فقال: " أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره " ١. والأحاديث في إثبات القدر كثيرة جدا، والقدر الذي يجب الإيمان به، على درجتين:
الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد، من خير وشر وطاعة ومعصية، قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعد لهم الثواب والعقاب جزاء لأعمالهم، قبل خلقهم وتكوينهم؛ وأنه كتب ذلك عنده، وأحصاه; وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.
الدرجة الثانية: الإيمان بأن الله خلق أفعال العباد كلها: من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وشاءها منهم. فهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة، وينكرها جميع القدرية; يقولون: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا
стр. 351
شاءها منهم؛ بل هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم، من خير وشر، وطاعة ومعصية; والدرجة الأولى نفاها غلاة القدرية، كمعبد الجهني، وعمرو بن عبيد; ونص أحمد، والشافعي على كفر هؤلاء.
وأما من قال: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يشأها منهم، مع إقرارهم بالعلم، ففي تكفيرهم نزاع مشهور بين العلماء. فحقيقة القدر، الذي فرض علينا الإيمان به: أن نعتقد أن الله سبحانه عالم ما العباد عاملون، قبل أن يوجدهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأن أعمال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله واقعة بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٣٧] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٣] ،: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٧] ، فهذه الآيات ونحوها صريحة في أن أعمال العباد، خيرها وشرها، وضلالهم واهتداءهم، كل ذلك صادر عن مشيئته.
وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس آية: ٧-٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [سورة المعارج آية: ١٩-٢٠-٢١] ، فدل ذلك على أن الله سبحانه هو الذي جعلها فاجرة، أو تقية، وأنه خلق الإنسان هلوعا، خلقه متصفا بالهلع، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ
стр. 352
مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن آية: ٢] .
ففي هذه الآية: بيان أن الله تعالى خلق المؤمن وإيمانه، والكافر وكفره. وقد صنف البخاري - رحمه الله تعالى - كتاب خلق أفعال العباد، واستدل بهذه الآيات، أو بعضها على ذلك، وفي الحديث: " إن الله خلق كل صانع وصنعته ".
وأما الأدلة على تقدم علم الله سبحانه بجميع الكائنات قبل إيجادها، وكتابة ذلك، ومنها: السعادة، والشقاوة، وبيان أهل الجنة، وأهل النار قبل أن يوجدهم، فكثيرة جدا، كقوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٢] ، وقال النبي ﷺ : " إن الله كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء " ١، وفي حديث آخر: " إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " ٢. والأحاديث في هذا كثيرة جدا. فهؤلاء الذين وصفنا قولهمبأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاءها منهم هم القدرية، الذين هم مجوس هذه الأمة; وقابلتهم طائفة أخرى، غلوا في إثبات القدر، وهم الذين يسمون الجبرية; فقالوا: إن العبد مجبور مقهور على ما يصدر منه، لا قدرة له فيه ولا اختيار، بل هو كغصن الشجرة الذي تحركه الريح; والذي عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بأن أفعال العباد مخلوقة لله، صادرة عن
стр. 353
مشيئته. وهي أفعال لهم، وكسب لهم باختيارهم، فلذا ترتب عليها الثواب، والعقاب.
والسلف يسمون الجبرية قدرية، لخوضهم في القدر، ولهذا ترجم الخلال في كتاب "السنة" فقال: الرد على القدرية وقولهم إن الله جبر العباد على المعاصي. ثم روى عن بقية قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر؟ فقال الزبيدي: " أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل; ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أوجب ". وقال الأوزاعي: " ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة. فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر، والجبل، والخلق، فهذا يعرف من القرآن، والحديث "
قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابع التابعين من أحسن الأجوبة. أما الزبيدي، فقال: ما تقدم، وذلك لأن الجبر في اللغة إلزام الإنسان بغير رضاه، كما يقول الفقهاء، هل تجبر المرأة على النكاح أم لا؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فقال: الله أعظم من أن يجبر، أو يعضل، لأن الله قادر على أن يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله، مبغضا تاركا لما يتركه، فلا جبر على أفعاله الاختيارية، ولا عضل عما يتركه لكراهته، أو عدم إرادته.
وروي عن سفيان الثوري: أنه أنكر "جبر" وقال: "الله سبحانه جبل العباد ". وقال الراوي عنه: وأظنه أراد
стр. 354
قوله ﷺ لأشج عبد القيس: (بل جبلت عليهما) فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين، يحبهما الله، يعني: الحلم، والأناة. وقال المروذي للإمام أحمد إن رجلا يقول: إن الله جبر العباد، فقال: لا نقول هكذا، وأنكر هذا، وقال: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] .
وأما المعتزلة: فهم الذين يقولون بالمنْزلة بين المنْزلتين، يعنون: أن مرتكب الكبيرة يصير في منْزلة بين الكفر والإسلام، فليس هو بمسلم، ولا كافر; ويقولون: إنه يخلد في النار، ومن دخل النار لم يخرج منها بشفاعة، ولا غيرها.
وأول من اشتهر عنه ذلك: عمرو بن عبيد، وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين الجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة. وهم كانوا بالبصرة بعد موت الحسن البصري. وضم المعتزلة إلى ذلك: التكذيب بالقدر، ثم ضموا إلى ذلك: نفي الصفات، فيثبتون الاسم دون الصفة، فيقولون: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا سائر الصفات. فهم قدرية جهمية، وامتازوابالمنْزلة بين المنْزلتين وخلود عصاة الموحدين في النار.
وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا على علي ﵁، وقبل ذلك قتلوا عثمان ﵁، وكفروا عثمان، وعليا، وطلحة، والزبير ومعاوية، وطائفتي علي ومعاوية، واستحلوا دماءهم.
стр. 355
وأصل مذهبهم الغلو الذي نهى الله عنه، وحذر عنه النبي ﷺ ، فكفروا من ارتكب كبيرة، وبعضهم يكفر بالصغائر، وكفروا عليا وأصحابه بغير ذنب، فكفروهم بتحكيم الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، وقالوا: لا حكم إلا لله.
واستدلوا على قولهم بالتكفير بالذنوب، بعمومات أخطؤوا فيها، وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٣] ،: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ١٤] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٣] ، وغير ذلك من الآيات.
وأجمع أهل السنة والجماعة: أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار إذا ماتوا على التوحيد، وأن من دخل النار منهم بذنبه يخرج منها كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ . وأيضا، فلو كان الزاني وشارب الخمر والقاذف والسارق ونحوهم كفارا مرتدين لكان حكمهم في الدنيا القتل الذي هو حكم الله في المرتدين؛ فلما حكم الله على الزاني البكر الجلد وعلى السارق بالقطع وعلى الشارب والقاذف بالجلد، دلنا حكم الله فيهم بذلك أنهم لم يكفروا بهذه الذنوب كما تزعمه الخوارج.