← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

للقتل، كما لو ضربه كل واحد منهم بحجر صغير، فمات، فلا قصاص عليهم، لأنه لم يحصل من واحد منهم ما يوجب القود، ما لم يتواطؤوا على ذلك الفعل ليقتلوه به، فعليهم القصاص، لئلا يتخذ ذريعة إلى درء القصاص - إلى أن قال - وإن قتله جماعة، اثنان فأكثر، بأفعال لا يصلح واحد منها لقتله، نحو أن يضربه كل واحد سوطاً في حالة، أو متواليين، فلا قود; وفيه: عن تواط وجهان، قال في الترغيب الصواب وجوب القود. انتهى ملخصاً. ومعنى قولهم: أن يكون فعل كل واحد منهم صالحاً للقتل به، أي: أن يكون فعل كل واحد صالحاً لأن يكون سبباً لموت المجني عليه، لا أنه يغلب حصول الموت من تلك الجناية، لأنهم مثلوا بالموضحة، مع أن حصول الموت بها نادر؛ وصرحوا بأن القصاص إنما يجب على المباشر بالشرط المذكور، فخرج المشير والآمر فلا يجب عليهم القصاص، لا سيما وقد صرحوا بعدم وجوب القصاص على الآمر في الجملة. وإن كان بعض الأصحاب حكى رواية بوجوب القصاص على الآمر، فالمذهب خلافها. قال في الشرح: وإن أمر كبيراً عاقلاً عالماً بتحريم القتل فقتل، فالقصاص على القاتل لا نعلم فيه خلافاً، لأنه قاتل ظلماً فوجب عليه القصاص، كما لو لم يؤمر. ثم ذكر حكم ما إذا أمر السيد

стр. 3012

عبده بقتل رجل، وما فيه من التفصيل المذكور في كتب الفقه - إلى أن قال - وإن أمر السلطان بقتل إنسان بغير حق من يعلم ذلك، فالقصاص على القاتل، وإن لم يعلم فعلى الآمر. فإن كان المأمور يعلم أن المأمور بقتله لا يستحق القتل، فالقصاص عليه، لأنه غير معذور في قتله، فإن النبي ﷺ قال: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق " ١، وعنه ﵇: " من أمركم من الولاة بمعصية الله، فلا تطيعوه " ٢، فلزمه القصاص، كما لو أمره غير السلطان؛ وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، لأن المأمور معذور بوجوب طاعة الإمام في غير المعصية، فالظاهر أنه لا يأمر إلا بحق. إن كان الآمر غير السلطان، فالقصاص على القاتل بكل حال، علم أو لم يعلم، لأنه لا تلزمه طاعته، وليس له القتل، بخلاف السلطان، فإن له القتل في الردة، والزنى، وقطع الطريق إذا قتل القاطع، ويستوفي القصاص للناس، وهذا ليس إليه شيء من ذلك. انتهى. وقوله: وإن لم يعلم ذلك فالقصاص على الآمر دون المأمور، هكذا قال جماعة من الأصحاب; وقال الشيخ تقي الدين، ﵀: هذا بناء على وجوب طاعة السلطان في القتل المجهول، وفيه نظر؛ بل لا يطاع حتى يعلم جواز

стр. 3013

قتله، وحينئذ فتكون الطاعة له معصية، لا سيما إذا كان معروفاً بالظلم، فهنا الجهل بعدم الحل كالعلم بالحرمة. انتهى. وما في شرح رسالة ابن أبي زيد: أنه إذا باشر القتل بعضهم، وحبسه البعض، قتلوا جميعاً، فهذا مذهب مالك، وهو رواية عن أحمد; واحتج بعض من قال بقتل الممسك، بقول عمر: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء" أي: تعاونوا; والممسك ليقتل معين للقاتل. وأجاب الآخرون عن قول عمر: لو تمالؤوا عليه، أي: تشاوروا في قتله. قال في الشرح: وإن أمسكه له ليقتله، مثل إن أمسكه له حتى ذبحه، فاختلفت الرواية فيه عن أحمد، فروي عنه: أن الممسك يحبس حتى يموت، وهذا قول عطاء وربيعة، وروي عن علي ﵁. وروي عن أحمد: أنه يقتل أيضاً، وهو قول مالك وأبي حنيفة، والشافعي. وقال أبو ثور: يعاقب ويأثم ولا يقتل؛ وأما القاتل فيقتل بغير خلاف. فقوله: إن أمسكه له ليقتله، يدل على أن هذا الحكم مخصوص بما إذا أمسكه له ليقتله، لا إذا ما أمسكه له ولم يعلم أنه يريد قتله؛ وهكذا قيد كثير من الأصحاب، قال في الإنصاف: شرط في المغني في الممسك، أن يعلم أنه يقتله، وتابعه الشارح; قال القاضي: إذا أمسكه للعب أو

стр. 3014

الضرب، وقتله القاتل، فلا قود على الممسك، وذكره محل وفاق، قال في منتخب الشيرازي: إلا مازحاً متلاعباً. انتهى. وظاهر كلام جماعة الإطلاق. وقال في الإقناع وشرحه: وإن كان الممسك لا يعلم أن القاتل يقتله، فلا شيء عليه، لأن موته ليس بفعله ولا بأثر فعله، بخلاف الجارح، فإنه لا يعتبر فيه قصد القتل، لأن السراية أثر جرحه المقصود له. انتهى. وأما الردء: فلم يذكروه هنا، ولم يعطوه حكم المباشر في هذا الباب، وإنما جعلوا حكم ردء قطاع الطريق حكم مباشرهم، للعلة التي عللوا بها؛ قال في الشرح، في باب قطاع الطريق: وحكم ردء حكم المباشر، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة. وقال الشافعي: ليس على الردء إلا التعزير، ولأن الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالعين كسائر الحقوق. ولنا: أنه حكم يتعلق بالمحاربة، فاستوى فيه الردء والمباشر، كاستحقاق الغنيمة؛ وذلك لأن المحاربة مبنية على حصول المنفعة، والمعاضدة والمناصرة، فلا تمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء، بخلاف سائر الحدود. فعلى هذا، إذا قتل واحد منهم، ثبت حكم القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال، جاز قتلهم وصلبهم، كما لو فعل الأمرين واحد

стр. 3015

منهم. انتهى. قال في الإقناع وشرحه: وردء المحارب، وهو المساعد والمغيث له عند احتياجه إليه، كمباشر، وطليع وهو: الذي يكشف للمحاربين حال القافلة ليأتوا إليها، فهو كمباشر، كما في جيش المسلمين إذا دخلوا دار الحرب، وباشر بعضهم القتال وأخذ المال، ووقف الباقون للحفظ والحراسة ممن يدهمهم من ورائهم، أو أرسل الإمام عيناً ليتعرف أحوال العدو، فإن الكل يشتركون في الغنيمة. وذكر أبو الفرج السرقة كذلك، فإذا قتل واحد منهم ثبت القتل في حق جميعهم، فيجب قتل الكل، لأن حكم الردء حكم المباشر؛ وإن قتل بعضهم وأخذ المال بعضهم، قتلوا كلهم وجوباً. انتهى. قال في الإنصاف: وحكم الردء حكم المباشر، هذا المذهب وعليه الأصحاب؛ قال في الفروع: وكذا الطليع. واختار الشيخ تقي الدين: يقتل الآمر كردء، وأن في السرقة كذلك. انتهى. وقول عمر ﵁: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء"، أي: لو تعاون، وفي رواية: "لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين". قال بعض العلماء في الكلام على أثر عمر المذكور: قوله: تمالأ: مهموز، أي: تعاون; وقال علي ﵁: "والله ما قتلت عثمان ولا مالأت في قتله" أي: عاونت.

стр. 3016

قال الخطابي في تصاحيف الرواة: هو مهموز من الملأ، أي: صاروا كلهم ملأ واحداً في قتله، قال: والمحدثون يقولونه بغير همز، والصواب الهمز، لأن الملأ مهموز غير مقصور. انتهى. واشتراط الفقهاء المباشرة للقتل من الجميع، وأن يكون فعل كل واحد منهم يصلح للقتل به، ومالك، ﵀ يلحق الممسك، يدل على أنهم حملوا قول عمر ﵁ على التعاون فقط، لا على التشاور. وأجاب أيضاً: وكذا لو أكره على قتل معصوم قتل به، وكذا مكره عند الجمهور. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم، ﵀: عما إذا قتل رجل أباه عمداً عدواناً، وهو صحيح، ثم جن، فهل لأولياء المقتول القصاص، باعتبار صحته وقت الجناية، أم لا؟ فأجاب: لا يسقط عنه القود بطرو الجنون، قال في الإقناع وشرحه: فأما إن قتله وهو عاقل، ثم جن، لم يسقط عنه القصاص، لأنه كان حين الجناية عاقلاً، سواء ثبت ذلك ببينة أو إقرار، ويقتص منه، أي ممن جنى عاقلاً ثم جن، في حال جنونه. وسئل أيضاً، ﵀: عن إزهاب الرشيد للسفيه

стр. 3017

البندق، وأمره برميها على معصوم، أو غير معصوم؟ فأجاب: إذا أزهب ١ مكلف بندقاً، ودفعها إلى غير مكلف، وأمره أن يرمي بها معصوماً أو غيره، فالقاتل هو هذا المكلف الذي أزهب البندق ودفعها إلى غير المكلف وأمره بالقتل; وأما هذا المأمور المدفوع إليه البندق، فهو كالآلة، بخلاف ما لو كان المأمور مكلفاً، فإنه هو القاتل، سواء كان سفيهاً أو رشيداً، وحينئذ يكون على من أمره، وأزهب البندق له، التعزير فقط. [قتل الحر بالعبد] سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن قتل الحر بالعبد؟ فأجاب: إذا قتل الحرُّ العبدَ لم يُقَد به، لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٨] . وسئل: إذا ادعى رجل على آخر أنه قتل رجلاً، فأقر بالقتل، ولكن ادعى أنه قتله خطأ، فهل يقبل قوله؟ فأجاب: إذا لم يكن للمدعي بينة وعلم القتل، وصار ثبوت القتل بإقرار المدعى عليه، سئل المدعى عليه عن صفة القتل، فإن كان عمد الفعل بما يقتل غالباً، على تفصيل الفقهاء في أول كتاب الجنايات، فهذا لا يقبل قوله في

стр. 3018

دعوى الخطإ، لأنه أقر أنه ضربه بما يقتل غالبا؛ وإن أنكر أن يكون تعمد الفعل، بل زعم أنه خطأ محض، وفسره بذلك، فالقول قوله ولا قصاص عليه، لأن من شرطه أن يكون القتل عمداً محضاً، والأصل عدم ذلك، وعلى ذلك فتكون الدية في ماله في دون عاقلته. قال الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن، ﵏: الذي يظهر لي في آية القصاص من كلام العلماء، ﵏، أن آية البقرة ١ مفصلة لآية المائدة ٢ لمنطوقها، وبعض مفهومها مقيد بأحاديث، وآثار عن الصحابة وغيرهم. أما قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ فمفهومها: أن الحر لا يقتل بالعبد، وهو مروي عن علي وابن عباس، وغيرهما من الصحابة والتابعين، وفيه حديث مرفوع، رواه الدارقطني، وقال علي: "من السنة لا يقتل حر بعبد"، رواه أحمد؛ وبهذا قال الجمهور، وخالف فيه أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وطائفة. وأما قتل العبد بالحر، فمن قوله تعالى: ﴿لنَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] مفهوم الموافقة من ظاهر الآية، لما قتل العبد

стр. 3019

بالعبد، فقتله بالحر أولى. وأما قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٨] فمنطوقها: أن الأنثى تقتل بالأنثى، وعمل بمفهوم المخالفة في عدم قتل الذكر بالأنثى طائفة من السلف، محتجين بسبب النزول، وهو أنه كان بين حيين من أحياء العرب حرب، فاستطال أحدهما على الآخر، وقالوا: لنقتلن الحر بالعبد، والذكر بالأنثى، فنزلت هذه الآية. ورد بمعارضة: المفهوم للمنطوق، في حديث اليهودي، وبمفهوم آية: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ، وبحديث أبي بكر في كتاب الديات، وهو حديث تلقاه الناس بالقبول، وإن كان قد قيل بإرساله. وقد حكى ابن هبيرة اتفاق الأئمة الأربعة: على القول بأن الذكر يقتل بالأنثى، وحكى ابن المنذر الإجماع عليه، وهو المقطوع به، وقول أكثر أهل العلم من فقهاء الأمصار، ومشى عليه المتأخرون من أصحاب أحمد. وقال صديق ١ في تفسيره: والحق أن الذكر يقتل بالأنثى ولا زيادة; والمذهب الثالث: أنه يقتل الذكر بالأنثى، ويعطى أولياؤه نصف الدية، قال في سبل السلام: ولا حجة لهم إلا دعوى تفاوتهما في الدية، وعموم قوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٥] ورد بأن التفاوت في الدية لا يوجب

стр. 3020

التفاوت في النفس، ولذا يقتل عبد قيمته ألف بعبد قيمته عشرون. [جراح العبد إذا جنى عليه الحر عمداً] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن جراح العبد، إذا جنى عليه الحر عمداً، فيما دون النفس؟ فأجاب: قال في الإنصاف: كل من أقيد بغيره في النفس، أقيد به فيما دونها، ومن لا فلا; يعني: ومن لا يقاد به في النفس، لا يقاد به فيما دونها؛ وهذا المذهب، وعليه الأصحاب، كذا ذكره في باب ما يوجب القصاص فيما دون النفس. وقال في باب شروط القصاص: ولا يقتل حر بعبد، هذا المذهب، وعليه الأصحاب. وقال الشيخ تقي الدين: ليس في العبد نصوص صحيحة صريحة، تمنع قتل الحر به، وقوى أنه يقتل به، وقال: هذا الراجح وأقوى على قول أحمد. ثم قال في الإنصاف: ولا يقتل مسلم بكافر، ولا حر بعبد إلا أن يقتله وهو مثله، أو يجرحه ثم يسلم القاتل أو الجارح، أو يعتق ويموت المجروح، فإنه يقتل به؛ يعني: إذا قتل عبد عبداً، أو ذمي أو مرتد ذمياً، أو جرحه، ثم أسلم القاتل أو الجارح، أو عتق، ويموت المجروح، فإنه يقتل به على الصحيح من المذهب، نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب. جناية المملوك على الحر وقولك: العبد المملوك إذا جنى على الحر، ما حكمه؟ فجوابها: يعرف من التي قبلها، وهو أنه إن كان

стр. 3021

موجباً للقصاص في النفس، أو فيما دونها، فإنه يقتص منه، وإن عفا عنه إلى الدية، فإنها تكون في رقبة العبد، أي في ذمته يباع فيها. الواجب بالقتل العمد وقولك: هل للإمام أو نائبه، أو الحاكم: أن يلزموا المجني عليه أن يقتص، ولو طلب الأرش؟ فالجواب: أنه لا يجوز للإمام ولا لنائبه، إلزام المجني عليه أن يقتص من الجاني، ولو طلب الدية، إلا في مسألة الغيلة، فإن مذهب مالك: أنه يقتل حداً، وأمره إلى الإمام ولو عفا أولياء القتيل؛ وهو اختيار الشيخ تقي الدين، لأنه لا يمكن التحرز منه بالمحاربة، وكذلك قاتل الأئمة، فإن القاضي خرج وجهاً في المذهب أنه يقتل حداً. وقول السائل: وهل إذا امتنع الجاني عن بذل الأرش إلا القصاص منه، يوافق على ذلك؟ أم العبرة بالمجني عليه؟ فهذه المسألة مبنية على أصل، وهو: أنه هل الواجب بقتل العمد أحد شيئين، القصاص أو الدية؟ أو أن الواجب في قتل العمد القصاص عيناً؟ وفي ذلك قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. قال في الشرح الكبير: اختلفت الروايات عن أحمد، ﵀، في موجب العمد، فروي عنه: أن موجبه القصاص عيناً، لقول رسول الله ﷺ : "من قتل عمداً فهو قَوَدٌ " ١، وقوله

стр. 3022

تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٨] ، والمكتوب لا يتخير فيه، ولأنه متلف يجب به البدل، فكان معيناً كسائر المتلفات؛ وبه قال النخعي ومالك وأبو حنيفة، قالوا: ليس للأولياء إلا القتل، إلا أن يصطلحا على الدية برضى الجاني. والمشهور في المذهب: أن الواجب أحد شيئين: إما القتل أو الدية، والخيرة في ذلك إلى الول:، إن شاء اقتص، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء قتل البعض إذا كان القاتلون جماعة، لأن كل من له قتله، فله العفو عنه كالمنفرد، ولا يسقط القصاص عن البعض بعفو عن البعض، لأنهما شخصان، فلا يسقط القصاص عن أحدهما بإسقاطه عن الآخر. فمتى اختار الأولياء أخذ الدية من القاتل، أو من بعض القتلة، كان لهم هذا من غير رضى الجاني; وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين وعطاء ومجاهد، والشافعي وإسحاق، وأبو ثور وابن المنذر، وهي رواية عن مالك، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٨] . قال ابن عباس: "كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فأنزل الله هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٧٨] ?". انتهى. فالعفو: أن يقبل في العمد الدية، فاتباع بالمعروف،

стр. 3023

ويؤدي إليه المطلوب بإحسان ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٨] مما كتب على بني إسرائيل، رواه البخاري. وروى أبو هريرة ﵁ قال: قام فينا رسول الله ﷺ فقال: "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يؤدى، وإما أن يقاد" ١، متفق عليه. وروى أبو شريح أن النبي ﷺ قال: "ثم أنتم يا خزاعة، قد قتلتم هذا القتيل، وأنا والله عاقله، فمن قتل بعده قتيلاً فأهله بين خيرتين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية "، رواه أبو داود وغيره. فإن قلنا: موجبه القصاص، فله العفو إلى الدية، والعفو مطلقاً، فإذا عفا مطلقاً لم يجب شيء؛ وهذا ظاهر مذهب الشافعي. وقال بعضهم: تجب الدية، لئلا يبطل الدم، وليس شيئاً، فإنه لو عفا عن الدية بعد وجوبها صح عفوه، ومتى عفا عن القصاص مطلقاً إلى غير مال لم يجب لشيء، إذا قلنا: الواجب القصاص عيناً، فإن عفا عن الدية لم يصح عفوه، لأنها لم تجب، وإن قلنا: الواجب أحد شيئين لا بعينه، فعفا عن القصاص مطلقاً، أو إلى الدية، وجبت الدية، لأن الواجب غير معين، فإذا ترك أحدهما تعين الآخر. وإن اختار الدية سقط القصاص ولم يملك طلبه، لأن الواجب أحد شيئين، فإذا تعين أحدهما سقط الآخر. وإن اختار القصاص تعين كذلك; وإن اختار بعد ذلك العفو إلى الدية فله ذلك، ذكره

стр. 3024

القاضي، لأن القصاص أعلى، فكان له الانتقال إلى الأدنى، ويكون بدلاً عن القصاص. وليست التي وجبت بالقتل، كما قلنا في الرواية الأولى: أن الواجب القصاص عيناً، وله العفو إلى الدية، ويحتمل أنه ليس له ذلك لأنه أسقطها باختياره القود، فلم يعد إليها. وعنه: أن الواجب القصاص عيناً وله العفو إلى الديه، وإن سخط الجاني لما ذكرنا؛ قال في الإنصاف: وهذا الصحيح على هذه الرواية، قال في المحرر: وعنه موجبه القود مع التخيير بينهما، وعنه: أن موجبه القود عيناً، وأنه ليس له العفو على الدية بدون رضى الجاني، فيكون قوده بحاله. انتهى. والصحيح - إن شاء الله - أن موجبه أحد شيئين: القصاص، أو الدية، وأن الخيرة في ذلك إلى الولي، والله أعلم. وأجاب أيضاً: والمسلم إذا قتل مسلماً متعمداً، فيخير ولي المقتول بين قتل من قتله، وأخذ الدية. وأجاب بعضهم: إذا عفا بعض الورثة عن القصاص، فإنه يتعذر القصاص، وتلزمه الدية. [من له الحق في العفو عن القصاص] وسئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر، ﵀: عن قوله في الإنصاف: وليس للنساء عفو، اختاره الشيخ، هل

стр. 3025

المراد عفوهن عن القود؟ أو الدية؟ فأجاب: المراد العفو عن القود، وذلك، أن العلماء اختلفوا، هل كل من ورث المال ورث القصاص؟ أم القصاص حق للعصبة ولا مدخل للنساء فيه؟ فأكثر العلماء على الأول، وأنه حق لجميع الورثة، فإذا عفا بعضهم ولو امرأة سقط القصاص وتعينت الدية، سواء كان العافي عن القصاص والدية جميعاً، أو عن القصاص وحده. والقول الثاني: ليس للنساء عفو، وهو قول الحسن وقتادة، والزهري والليث والأوزاعي؛ وعلى هذا: للعصبة أن يقتصوا ولو عفا النساء عن حقهن.

стр. 3026

كتاب الديات قال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: وأما قولكم: إنه يحكى لنا أنكم تأخذون من مال القاتل غير الدية، فنقول هذا كذب وزور، وبهتان علينا؛ بل المسلم إذا قتل المسلم، فالولي مخير بين القود، والدية، والعفو. سئل الشيخ سعد بن عتيق: عن رجل ثارت بندقه، لما أراد أخذ عصاه من الخرج بغير اختياره، وأصابت رجلاً ومات، وكان المصاب أحضر رجالاً عدولاً، وأشهدهم أنه عفا عن صاحب البندق، وأنه أعتقه، ولا يعارض بطرد ولا مطالبة؟ فأجاب: كلام العلماء في العفو عن الجاني وعن الجناية طويل، على أنواع جملة وتفصيلاً، وهذه المسألة هي مسألة: عفو القتيل عن قتل الخطإ. والذي يظهر لي في هذه المسألة: أن حكمها حكم الوصية، وأن الدية يراعى فيها الثلث، فإن خرجت من الثلث، أعني ثلث مال القتيل، فليس للورثة المطالبة بشيء من الدية، وإن كانت الدية أكثر من ثلث مال القتيل، فيعطي الجاني الورثة ما زاد على الثلث، فإن لم يكن للقتيل

стр. 3027

مال سقط عن الجاني ثلث الدية، والله أعلم. سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀: عن رجلين تكامخا ... إلخ؟ فأجاب: وأما مسألة الرجلين اللذين تكامخا، فالدية أو يصالحون على دون منها. وأما مسألة الصبي ابن خمس عشرة سنة، فأرجو أن مثله ما يضمن. وأجاب ابنه: الشيخ عبد الله: من روع صبياً فشهق فمات، ضمن الدية. مقادير ديات النفس وسئل: عن مقادير ديات النفس؟ فأجاب: وأما دية المسلم الحر إذا قتل عمداً، وقبل أولياؤه الدية، فهي مائة من الإبل: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة؛، وقيمتها وقتنا هذا، بتقدير أمير المسلمين عبد العزيز، وأهل المعرفة: ثمانمائة ريال، وتكون حالَّة. وأما دية الخطإ المخففة، فهي: خمسة أخماس على عشرين، منها عشرون ذكراً، وهي على العاقلة مؤجلة ثلاث سنين، إلا إن كان القتل لم يثبت بالبينة، بل ثبت بإقرار القاتل، فلا تحملها العاقلة، وتكون في مال القاتل. وأجاب أيضاً: ومقدار الدية: مائة ناقة، تقدر اليوم

стр. 3028

بقيمة ثمانمائة ريال، ودية المرأة: نصف دية الرجل. وإن كان قتله خطأ زلة، ما قصد قتله، فتلزمه الدية، وتصير على عاقلته، وتصير أثلاثاً في ثلاث سنين، ويلزمه معها عتق رقبة إن كان يقدر، وإن كان لا يقدر، فيصوم شهرين. [أصل الدية وتقديرها] وسئل الشيخ حسن بن الشيخ حسين بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمهم الله تعالى، ونص السؤال: أصول دية النفس من الإبل، والذهب، والفضة، والبقر، والغنم، والْحُلَل، غير خاف عليكم، وقدر عبد العزيز: مائة من الإبل بثمانمائة ريال، فهل هذا التقدير برخصة من الشيخ، ﵀، أو لا؟ والآن صارت قيمة الإبل عما هي معلومة ناقصة، فما المعمول به؟ فأجاب: لا نزاع في أن دية الحر المسلم: مائة من الإبل، أصل في الدية; واختلف عن أحمد، هل هي الأصل لا غير، أو معها غيرها؟ وهل ذلك الغير أربعة أشياء، أو خمسة؟ فعنه: أنها الأصل، لأن في حديث عمرو بن حزم: " في النفس مائة من الإبل "، رواه النسائي، ومالك عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: " قضى رسول الله ﷺ أن من قتل خطأ، فديته من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور " ١، رواه أبو داود والنسائي، وذكر حديث عقبة بن عامر بن أويس، وحديث عبد الله بن عمرو، ثم قال:

стр. 3029

وظاهر هذه الأحاديث، أن الدية هي الإبل خاصة، ويؤيد ذلك أن النبي ﷺ فرق بين دية العمد والخطإ، فغلظ العمد، وخفف الخطأ، ولم يرد ذلك عنه إلا في الإبل. وعنه: أنها خمسة أشياء كل منها أصل برأسه: الإبل، والبقر، والغنم، والذهب، والفضة; أما في الإبل فلما تقدم; وأما في البقر والغنم، فإن في حديث عمرو بن شعيب:? "قضى على أهل البقر بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاء، فألفا شاة". وأما في الذهب والفضة، فلما روى ابن عباس: " أن رجلاً من بني عدي قتل، فجعل رسول الله ﷺ ديته اثني عشر ألفاً " ١، رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وهذا لفظه. ولمالك في الموطأ: بلغه أن "عمر بن الخطاب ﵁ قوّم الدية على أهل القرى، فجعل على أهل الذهب: ألف دينار، وعلى أهل الورِق: اثني عشر ألف درهم"، قال مالك: فأهل الذهب أهل الشام ومصر، وأهل الورق أهل العراق. وعنه: أنها ستة أشياء، فيضاف إلى الخمسة السابقة: مائتا حلة، وهذه اختيار القاضي، وكثير من أصحابه، لما روى عطاء بن أبي رباح: " أن رسول الله ﷺ قضى في الدية على أهل الإبل: مائة من الإبل، وعلى أهل البقر: مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء: ألفي شاة، وعلى أهل الحلل: مائتي

стр. 3030

حلة، وعلى أهل القمح: شيئاً لم يحفظه محمد بن إسحاق " ١، والرواية الأولى أظهر دليلاً، على أن أحاديث تلك الرواية لا تقاوم تلك الأحاديث. وعلى تقدير مقاومتها، فيحمل على أنه جعل ذلك بدلاً عن الإبل، وظاهر في حديث عمرو بن شعيب، إذ أوله: "أن رسول الله ﷺ كان يقوم الدية على أهل القرى: أربعمائة دينار، أو عدْلها من الورق، ويقومها على أثمان الإبل إذا غلت أرفع قيمتها، وإذا هاجت - رخصت - نقصت من قيمتها "، وبلغت على عهد رسول الله ﷺ أربعمائة، إلى ثمانمائة، وعدلها: ثمانية آلاف درهم. قال: "وقضى على أهل البقر: بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاء: فألفا شاة"، وهذا ظاهر في أنه إنما كان يعتبر الإبل لا غير، بل هو نص في الذهب والورق، أنه كان يعتبرهما بالإبل، وحديث ابن عباس واقعة عين لا عموم له، وفعل عمر ظاهر على أن تلك في سبيل التقويم، فهو مؤيد لما قلناه. وأبو محمد يختار في العمد قولاً رابعاً، هو بعض الرواية الثانية، وهو: أن الدية: مائة من الإبل، أو ألف مثقال، أو اثنا عشر ألف درهم؛ وهذا ظاهر في الورق، لحديث ابن عباس إن صح. وعلى الرواية الأولى: من وجب عليه الدية، متى قدر على الإبل لا يجزئه غيرها،

стр. 3031

وإن عجز عنها انتقل إلى ما شاء من الأربعة أو الخمسة على اختلاف الروايتين، وكذلك إذا لم توجد الإبل إلا بأكثر من ثمن المثل. قال أبو محمد: وهذا ينبغي فيما إذا كانت الإبل موجودة بثمن مثلها، إلا أن هذا لا يحدها، لكونها في غير مثبت، أو نحو ذلك، فإذًا ينتقل إلى غيرها; أما إذا غلت الإبل من غير نظر إلى قيمة، وهذا إحدى الروايتين، واختيار الشيخين، لظاهر حديث عمرو بن حزم، وحديث عمرو بن شعيب، وغيرهما، فإنه ﷺ أطلق الإبل، ولم يقيدها بقيمة، فتقييدها بها يحتاج إلى دليل، وكذلك الأحاديث التي فيها ذكر: البقر، والغنم، والحلل التي فيها اعتبار قيمة. أيضاً، فإنه ﷺ فرق بين دية العمد والخطإ، فغلظ دية العمد وشبهه، وخفف دية الخطإ، واعتبار القيمة يفضي إلى التسوية بينهما، وهو خلاف ما تضمنته سنة رسول الله ﷺ . والرواية الثانية: يعتبر أن لا تنقص المائة بعيراً عن دية الأثمان، نظراً إلى أن عمر قوّمها كذلك، فيعتبر أن قيمتها كذلك؛ وأجيب: أنه اتفق أن قيمتها في ذلك الوقت كان كذلك، فصرنا إليه عند ذلك، حذراً من التنازع. وحكى أبو محمد في الكافي الرواية: أنه يعتبر أن يكون قيمة كل

стр. 3032

بعير مائة وعشرين درهماً، وقال في المغني: إن الأصحاب ذكروا أن ذلك مذهب أحمد، والتحقيق هو الأول. انتهى ملخصاً من شرح الزركشي على الخرقي. إذا تقرر هذا، فالمتعين المعمول به هو ما نص عليه الشارع - صلوات الله وسلامه عليه - مهما أمكن، ولا يقال بالقيمة إلا عند التعذر، فحينئذ يرجع إلى القيمة في الجميع، كل أصل بقيمته؛ وقيمة الريال بالدراهم الإسلامية، بالتحرير تقريباً: تسعة دراهم، كذا قيل. وما علمنا، فيما بلغنا عن شيخ الإسلام، رخصة بتقدير قيمة الإبل خاصة بما ذكر، وإنما ذلك من ولي الأمر، في دية أعوز السن فيها ذلك الوقت، فقومت المائة بثمانمائة ريال، لا أنها بدل وقيمة مطلقاً، بل في وقت تقوم تكون قيمتها الثمان، وفي وقت أربعاً، وفي غيره ثلاثاً، وغير ذلك بحسب الغلاء والرخص؛ فقد عرفت المتيقن المعمول به، هذا ما ظهر لي. وأجاب بعضهم، ﵀: وأما إذا اختلفت القيم، أي: قيم الدية والبلدان، فإنه ينظر إلى قيمة الإبل في بلد القاتل، إذا لم توجد الإبل. [حكم الدية على من قتل في الجاهلية ثم أسلم] سئل علماء الدرعية، ﵏: عمن قتل في الجاهلية ثم أسلم؟

стр. 3033

فأجابوا: وأما حكم هذا الشخص إذا قتل ثم أسلم قاتله، فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول: الإسلام يجُبُّ ما قبله، لأن القاتل قتله في حال كفره. وأجاب الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: وأما قتل الجاهلية، والجراحات، فما كان من ذلك مقطوعاً ديته، مضموناً، كثيراً أو قليلاً، فإنه يدفع إلى صاحبه، أو لم يكن مقطوعاً، ولا مطالباً به، فهدر. وأجاب أيضاً: إذا أسلم سقط ما فعله في الشرك، وليس عليه دية لأهل القتيل، فإن كانت ديناً في الذمة، وقدرت بشيء معلوم، ودفع بعضه فيدفع الباقي، فإن كان لم يطالب بها إلا بعد الإسلام، ولا دفع منها شيئاً، فهدر. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: هل يودى المشرك؟ فأجاب: إذا ضرب المشرك أو جرح فدمه هدر، إلا الذمي، والمعاهد، والمستأمن، فديتهم إذا أصيبت نفس أحدهم، ثمانمائة درهم، والجروح ينظر فيها على قدر دياتهم. [هل المرأة تعاقل الرجل حتى تبلغ ثلث الدية] سئل الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن الشيخ: هل المرأة تعاقل الرجل حتى تبلغ ثلث الدية؟ فأجاب: المرأة كالرجل، تساوي جراحها جراحه، حتى تبلغ ثلث ديته، على الصحيح من المذهب. واستدل

стр. 3034

علماؤنا، ﵏، في كتبهم، بحديث عمرو بن شعيب، الذي رواه النسائي، بكلام سعيد بن المسيب لربيعة، وهو ظاهر في أن المراد الثلث من دية الرجل؛ ولفظ الحديث الذي نقلت من شرح زاد المستقنع، هو كما نقلت، وهو كذلك في المنتقى والمحرر، والجامع الصغير، ولفظه: عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله ﷺ : " عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديتها "١، رواه النسائي والدارقطني. قال الحافظ ابن عبد الهادي في محرره: هو من رواية إسماعيل بن عياش، وهو كثير الخطإ؛ وعلى تقدير صحته، واستدلال الفقهاء به، يحتمل أن يكون الضمير للمضاف إليه المحذوف، أي: عقل جراح المرأة، فهو راجع إلى الجراح، لكونه مفهوماً من الحديث، لا إلى المرأة، إذ لو كان كذلك، لما صح الاستدلال به، على أن جراح المرأة مثل جراح الرجل، حتى تبلغ الثلث من ديته، مع مخالفته لكلام سعيد؛ وقد استدل العلماء بهما معاً على حكم واحد، وذلك ينبئ عن الاتفاق في المعنى. دية الرقيق سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن دية الرقيق؟ فأجاب: دية المملوك قيمته، سواء كثرت أو قلت. وسئل: هل الغرة في الجنين واجبة على كل حال، خلق أم لا؟

стр. 3035

فأجاب: المشهور أن الغرة تجب إذا وضعت المرأة ما تنقضي به عدتها، وتصير به الأمة أم ولد، وذلك إذا تبين فيه خلق الآدمي. دية الجنين سئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا شربت دواء أو جنى الزوج على زوجته وألقت جنيناً ميتاً، هل تجب الغرة ولا يرث منها ... إلخ؟ فأجاب: إذا شربت الحامل دواء وألقت جنينها، فعليها غرة عبد أو أمة، ولا ترث منها شيئاً، لأن القاتل لا يرث المقتول، فتكون الغرة لسائر ورثته، وعليها عتق رقبة؛ وليس في هذا اختلاف بين أهل العلم نعلمه. ولو كان الجاني المسقط الجنين أباً، أو غيره من ورثته، فعليه غرة لا يرث منها شيئاً ويعتق رقبة؛ وهذا قول الزهري والشافعي وغيرهما. ولو قتل حاملاً فلم تسقط جنينها، فلا شيء فيه، لأنه لا يثبت حكم الولد إلا بخروجه. انتهى من الإقناع وشرحه. وعبارة الكافي: وإن قُتِلت فلم تسقط لم يضمن جنينها، لعدم اليقين لحملها. انتهى. وكذا قال الزركشي وغيره، وكذا قال ابن المقري الشافعي في شرح الإرشاد.

стр. 3036

[فصل في دية العين والسمع والبصر] سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن دية العين والسمع والبصر ... إلخ؟ فأجاب: أما دية العين والسمع إذا ذهب والبصر، مع عفو المجني عليه عن القصاص، كم هي دراهم؟ فالبصر إذا ذهب كله: الدية كاملة مائة من الإبل، تقديرها عندنا: ثمانمائة ريال. دية الأعضاء سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن اليد إذا قطعت من المرفق ولم يبق فيها إلا جلدة يسيرة؟ فأجاب: في اليد نصف الدية، ولا عبرة بالجلدة. سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا عاب من الإنسان يده أو رجله وبقي العضو مع عيبه، هل الدية تامة؟ فأجاب: هذا فيه تفصيل، وذلك أن ينظر إلى العضو، فإن ذهب نفعه بالكلية، بحيث تعطل نفعه فديته تامة، وأما إذا كان في العضو نفع، فليس فيه من الدية إلا بقدر الذاهب من النفع. سئل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عمن ضرب في كفه وحصل بالكف عيب؟ فأجاب: إن تعطل بالكلية ففيه الدية، وإن تعطل بعض الأصابع، ففي كل أصبع إذا تعطلت عُشْر الدية.

стр. 3037

وسئل بعضهم: عن الضلع، والترقوة، والسن السوداء ... إلخ؟ فأجاب: أما الضلع والترقوة والسن السوداء، أو السن الزائدة، واليد الشلاء، ففي مصنف عبد الرزاق:? "أن عمر قضى في السن السوداء، واليد الشلاء بثلث ديتها"، وفيه عن زيد بن ثابت أنه قال: "في السن الزائدة ثلث دية السن"، وفيه عن عمر أنه قال: "في الترقوة جمل، وفي الضلع جمل"، وأما السن الذي قد ذهب نفعها إلا للجمال، فلا يحضرني الآن فيها شيء مقدر. دية الشجاج سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد: عن دية السن والإصبع والشجاج وغيره؟ فأجاب: دية السن: خمس من الإبل، وقيمتها: أربعون ريالاً. والإصبع: عشر من الإبل، وقيمتها: ثمانون ريالاً. والموضحة في الرأس تقدر: بخمس من الإبل، وهي: الموضحة التي توضح العظم، أي: يتبين ولو بقدر رأس إبرة، فيها: خمس قيمتهن: أربعون ريالاً للذي ما عنده إبل؛ وموضحة الوجه والرأس سواء. وإن أوضحه موضحتين بينهما حاجز، ففي كل واحدة دية الموضحة. ثم الهاشمة وهي: التي توضح العظم وتهشمه، ففيها: عشر من الإبل، قيمتهن: ثمانون ريالاً. ثم المنقلة وهي: التي توضح وتهشم، وتنقل عظامها بتكسرها، ففيها: خمس عشرة من الإبل،

стр. 3038

قيمتهن: مائة وعشرون ريالاً. ثم المأمومة، وهي: التي تصل إلى أم الدماغ، وهي الجلدة التي فيها الدماغ، وفيها: ثلث الدية. وفي الدامغة: ثلث الدية، وهي: التي تخرق جلدة الدماغ. وما سوى ذلك من الشجاج فليس فيه تقدير، بل يجتهد فيه الحاكم هو واثنان من أهل العدالة، ويقدرونه باجتهادهم. وفي الجائفة: ثلث الدية، وهي: التي تصل إلى باطن الجوف، من بطن أو صدر أو ظهر؛ فإن كانتا جائفتين وبينهما حاجز، ففيهما: ثلثا الدية. وفي قطع مارن الأنف: الدية. وفي كل واحد من المنخرين والحاجز بينهما: ثلث الدية. وفي كل واحدة من الثندوتين نصف الدية. وقال أيضاً: الشيخ عبد الله بن الشيخ: يعلم من يراه، بأن دية الموضحة، سواء كانت في الرأس أو في الوجه، إذا بان العظم ولو قدر مقرّ إبرة، فديتها: خمس من الإبل، فإن هشمت العظم فديتها: عشر، فإن سقط منها عظام فديتها: خمس عشرة. وفي الرجل المكسورة، أو اليد إن كان نفعها زائلاً بالكلية: خمسون ناقة؛ فإن كان ذهب بعض نفعها، ثبت من الدية بقدر ما ثبت من النفع. والإصبع إذا قطعت فيها: عشر من الإبل؛ وفي الفصلة من الإبهام خمس من الإبل. والرصاصة أو الرمح إذا هوى في البطن، ففيه: ثلث

стр. 3039

الدية، فإن كانت خرقت الجنب الآخر، ففيها: ثلثا الدية، لأنها جائفتان. وفي الضلع: بعير، إذا انكسر. وفي الترقوة: بعير. وفي الذراع إذا انكسر: بعيران. وفي الفخذ إذا انكسر: بعيران. وفي العضد إذا انكسر بعيران. والجروح التي غير ما ذكرنا، يجتهد العمال في ديتها، ولا يبلغون بها دية ما ذكرنا. [أرش الجراحات] وقال الشيخ حسن بن الشيخ محمد: بيان أرش الجراحات على التقدير، أي: الحد، وهي في الرأس، والوجه، تسمى: شجاجاً، وفي البدن دون الرأس والوجه، تسمى: جراحات. الأولى: في الرأس والوجه، تسمى: حارصة، وهي ما تشق الجلد ولا تدميه، فأرشها: خمسة دنانير. الثانية: وهي التي تشق الجلد وتدمي، ولا يقطر دمها، فأرشها: عشرة دنانير؛ فإن سال منها الدم فهي: دامعة - بالعين المهملة – فأرشها: اثنا عشر مثقالاً ونصف مثقال. الثالثة: الباضعة، وهي: ما تقطع اللحم قليلاً، فأرشها: عشرون ديناراً. الرابعة: المتلاحمة، وهي: ما تقطع اللحم كثيراً، فأرشها: ثلاثون ديناراً. الخامسة: السمحاق، وهي: ما يبقى بينها وبين العظم جلدة رقيقة، فأرشها: أربعون ديناراً. السادسة: وهي ما توضح العظم في الرأس والوجه، ففيها القصاص إذا كان عمداً محضاً، فإن كان خطأً أو عفا

стр. 3040

عن المال، فأرشها: خمس من الإبل نصف عشر دية صاحبها. السابعة: الهاشمة، ففيها: عشر من الإبل. الثامنة: المنقلة، وهي: التي تنقل العظم، وأرشها: خمس عشرة من الإبل. التاسعة: وهي التي تصل إلى الجلدة التي تلي الدماغ، ففيها: ثلث الدية أيضاً، كالمأمومة والجائفة. هذا إذا كانت الجراحة في وجه الرجل المسلم الحر، أو في رأسه؛ فإن كانت على غير الرأس والوجه، ففي الكل: نصف ذلك، والمرأة: نصف ذلك، وهكذا مقتضى الحكومة. والمثقال هو: الدينار من الذهب: ثنتان وسبعون شعيرة، والدرهم: خمسون شعيرة وخمساها، وكل عشرة دراهم: سبعة مثاقيل. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر: الجراحات المقدرات، مثل الموضحة، والمأمومة إذا كانت في العبد، فديتها فيه نسبتها من ثمنه، والموضحة من الحر ديتها: نصف عشر الدية، ومن العبد: نصف عشر قيمته بعد البرء، والجائفة في الحر فيها: ثلث الدية، ومن العبد: ثلث قيمته. وأما الجراحات التي لا مُقدَّر فيها من الحر، فديتها من العبد ما نقص قيمته بعد البرء. وأما قولك: من ينظر في جراحات النساء؟ فالذي ينظر في جراح النساء، من يوثق به من أهل الخبرة والمعرفة. وأجاب الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: الجرح

стр. 3041

في الرِّجل، والفخذ، لا تقدير فيها، إذا سلم العظم، ولم تتعطل منفعة العضو، ولكن فيها حكومة، وهي: أن يُقَوَّم المجني عليه قيمة عبد، ثم ينظر ما نقصته الجروح، فإن نقصته عشر القيمة أو ثمنها مثلاً، فيعطى من دية الحر الخمس أو العشر. وسئل الشيخ سعد بن حمد بن عتيق: عن جماعة تعدوا على رجل وضربوه، وحصل فيه شجاج، ويدعي أن هذه الشجة من فلان، وهذه من فلان مثلًا، وهم لا ينكرون أنهم تعدوا وضربوا، لكن كل ينكر تلك الشجة المعينة أن تكون منه؟ فأجاب: ما يكون من الشجاج والجروح، على الوجه الذي ذكرت، يعرف أرشه، وما يستحقه من القيمة على جميع المعتدين، المجتمعين على ذلك العدوان. وأما ما سألت عنه: من عادتنا في تقدير حكومة الشجاج التي دون الموضحة، فالجواب غير خاف عليك حقيقة الحكومة وكيفيتها، ونحن في الغالب ما نعتبر الحكومة، لكن نتحرى ما تأخذ الجناية من اللحم الحاصل بين البشرة وبين العظم - أعني: حد الموضحة - ثم نعرف نسبة ما أخذته الجناية من اللحم، إلى أرش الجناية، وهو: نصف عشر الدية؛ فإذا عرفنا أن الجناية أخذت ثلث ما بين البشرة إلى حد الموضحة، ففيها: ثلث أرش الموضحة،

стр. 3042

وهكذا. وهذا قد ذكره بعض العلماء، وهو حسن، لكنه يحتاج إلى عارف بصير بالجراحات؛ ولكن إذا علم الله من العبد تحري العدل والإنصاف، فالله يغفر له. سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: إذا لم تنقص الجناية المجني عليه بعد البرء ولا حالة جريان الدم؟ فأجاب: المشهور في المذهب أنه لا شيء فيها سوى التعزير، فقد صرحوا بوجوب التعزير في ذلك; قال في الإنصاف، في هذه المسألة: فإن لم تنقصه شيئاً بحال، أو زادته حسناً كإزالة لحية امرأة، أو إصبع زائدة ونحوه، فلا شيء فيه؛ هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب، قال في المحرر: فلا شيء فيها على الأصح، قال في الفروع: فلا شيء فيها في الأصح، وكذلك قال الناظم، وصححه في المغني والشرح وغيرهما. وقيل: بلى، قال القاضي: نص أحمد على هذا، قال المصنف: على هذا يُقَوَّم في أقرب الأحوال إلى البرء، فإن لم ينقص في ذلك الحال، قُوِّم حال جريان الدم، لأنه لا بد من نقص للخوف عليه، ذكره القاضي، وجزم بهذا القول في الهدى، والمذهب والخلاصة. انتهى. وعلى القول الأول، يعزر الجاني، لأنهم صرحوا بوجوب التعزير في جناية لا قصاص فيها، كالصفع والوكز ونحو ذلك، مع أن في اللطمة ونحوها، رواية في ثبوت

стр. 3043

القصاص في ذلك؛ قال في الإنصاف، لما ذكر عدم وجوب القصاص في ذلك، قال: إنه المذهب، وعليه الأصحاب، قال ونقل حنبل والشالنجي: القود في اللطمة ونحوها. ونقل حنبل: قال الإمام أحمد والشعبي، والحكم وحماد، قالوا: ما أصاب بسوط أو عصا، وكان دون النفس، ففيه القصاص، قال أحمد: وكذلك أرى; ونقل أبو طالب: لا قصاص بين المرأة وزوجها في أدب يؤدبها به، فإن اعتدى أو جرح، يقتص لها منه. ونقل ابن منصور: إذا قتله بعصا، أو خنقه، أو شدخ رأسه بحجر، يقتل بمثل الذي قتل به، لأن الجروح قصاص; ونقل أيضاً: كل شيء من الجروح والكسر يقدر على القصاص، يقتص منه، للأخبار؛ واختار ذلك الشيخ تقي الدين، وقال: ثبت عن الخلفاء الراشدين.

стр. 3044

[فصل في الذين لا يلزمهم عقل] سئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب: عن عمودي النسب هل يعقلون؟ فأجاب: وعمودي النسب ما يلزمهم عقل. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل يحمل الصبي والمرأة واليتيم شيئاً من الدية؟ فأجاب: الصبي والمرأة واليتيم، ما عليهم شيء من

стр. 3045

الدية التي تسوقها العشيرة، ولو كان أبو اليتيم القاتل. سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن الذين يعقلون في الدية، ما حدهم الذي ينتهون إليه في البعد والقرب؟ فأجاب: لا خلاف بين أهل العلم، أن العاقلة العصبات، وأن غيرهم من الإخوة من الأم، وسائر ذوي الأرحام، والزوج، وكل من عدا العصبات، ليس هم من العاقلة; وسائر العصبات من العاقلة، بعدوا أو قربوا من النسب، والولاء؛ وبهذا قال عمر بن عبد العزيز، وحماد ومالك والشافعي، ولا أعلم عن غيرهم خلافهم، ولا يعتبر أن يكونوا وارثين في الحال، بل متى كانوا يرثون لولا الحجب عقلوا - إلى أن قال - وليس على فقير من العاقلة، ولا صبي، ولا زائل عقل، حمل شيء من الدية، وأكثر أهل العلم: أنه لا مدخل لأحد من هؤلاء في تحمل العقل. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم، على أن المرأة والصبي الذي لم يبلغ، لا يعقلان، وأجمعوا على أن الفقير لا يلزمه شيء؛ وهذا قول مالك والشافعي، وأصحاب الرأي. انتهى ملخصاً. فقد علمت: أن العاقلة: العصبات الذين يرثون بالتعصيب، وأنهم يعقلون وإن حجبوا، وأن الفقير والمرأة والصبي لا عقل عليهم. سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن قوم اجتمعوا وعقدوا بينهم العهود في الموازرة، والمعاونة على

стр. 3046

الأضياف، والمدافعة، وأنهم يعقلون في الدماء، عمدها وخطأها؟ فأجاب: الحلف إذا وقع على خلاف أحكام الشرع لم يجب التزامه، ولا الوفاء به، فإن قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، كما ثبت في الصحيحين من حديث بريرة - الحديث -. وهذا الحلف المذكور على هذا الوجه، يخالف حكم الله، فإن الحكم الشرعي: أن دية العمد على القاتل خاصة، ودية الخطإ على العاقلة؛ وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء، فكيف يبطل هذا الحكم الشرعي، بحلف الجاهلية وعقودهم وعهودهم؟! وسئل: عن الصبي إذا قتل؟ فأجاب: الصبي إذا قتل أحداً خطأ أو عمداً، فدية المقتول على عاقلة الصبي، لأن عمده كالخطإ. ومن قتله المسلمون خطأ، فديته على بيت المال، والعاقلة لا تحمل إلا الخطأ في الجائفة فما فوقها، وأما دون الجائفة في الخطإ، ففيه خلاف بين العلماء؛ والذي نفتي به عندنا: أنها لا تحمل ما دون الثلث، وإنما تحمل ما فوق الثلث فأكثر في الخطإ خاصة; فدية الجائفة والمأمومة على الجاني خاصة في العمد، والظاهر أنها ليست منجمة، بل هي حالة.

стр. 3047

سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: ما المعتبر فيما تحمله العاقلة ... إلخ؟ فأجاب: اعلم أن المشهور: أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، ولا تحمل ما فوق الثلث إلا في الخطإ خاصة; وأما في العمد، فتلزم الجاني في ماله حالّة، وإذا حملت العاقلة رد ولم تحمل؛ فالاعتبار في ذلك بحال المجني عليه، إذا كان حراً مسلماً ولم يكن جنيناً. وأما دية الجنين، فلا تحمله العاقلة لنقصه عن الثلث، إلا إذا كان تبعاً لأمه. سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا تعذر حصول الأرش الواجب على العاقلة لعدمهم أو فقرهم، وتعذر الأخذ من بيت المال، فهل يلزم به الجاني؟ فأجاب: الصحيح من المذهب: السقوط والحالة هذه، ولا يطالب الجاني بذلك؛ قال في الإنصاف: هو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، بناء على أن الدية وجبت على العاقلة ابتداء. وجزم به الخرقي وصاحب الوجيز والمنور، ومنتخب الآمدي، وغيرهم؛ قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب، وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين، والحاوي الصغير والفروع وغيرهم، وهو من مفردات المذهب. ويحتمل أن تجب في مال القاتل؛ قال المصنف هنا:

стр. 3048

وهو أولى، فاختاره، يعني: اختار المصنف - وهو الشيخ موفق الدين بن قدامة - هذا القول الثاني; قال في الشرح: فإن لم يمكن الأخذ من بيت المال، فليس على العاقلة شيء؛ وهذا أحد قولي الشافعي; ولأن الدية لزمت العاقلة ابتداء، بدليل أنها لا يطالب بها غيرهم - إلى أن قال - فعلى هذا، إن وجد بعض العاقلة، حملوا بقسطهم، وسقط الباقي فلا يجب على أحد. قال شيخنا: ويحتمل أن تجب في مال القاتل، إذا تعذر حملها عنه، وهذا القول للشافعي، لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [سورة النساء آية:٩٢] ، ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني، جبراً للمحل الذي فوته، وإنما سقط عن القاتل، لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل، فإذا لم يوجد ذلك بقي واجباً عليه بمقتضى الدليل، ولأن الأثر دائر بين أن يبطل دم المقتول، وبين إيجاب ديته على المتلف، ولا يجوز الأول، لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة، وقياس أصول الشريعة، فتعين الثاني، ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له، وإيجاب الدية على القاتل له نظائر؛ وأطال الكلام في تقوية هذا القول. واختار هذا القول الثاني أيضاً: الشيخ تقي الدين، قال في الاختيارات: وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة، في أصح قولي العلماء; قال في شرح الإقناع:

стр. 3049

وعنه: تجب في مال القاتل، قال في المقنع: وهو أولى، أي: من إهدار دم الأحرار في غالب الأحوال، فإنه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدية كلها، ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال، فتضيع الدماء. القسامة سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل في العبيد والصبيان والنساء القسامة؟ فأجاب: نعم في العبيد والصبيان والنساء القسامة، إذا قتل أحد منهم، وإذا ثبت اللوث ثبتت القسامة؛ والذي ذكر بعض أهل العلم: أن النساء لا قسامة عليهن، يعنون بذلك أنهن لا يحلفن مع الرجال في القسامة.

стр. 3050

كتاب الحدود سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عمن يقيم الحدود. فأجاب: الذي ذكر العلماء أن الإمام هو الذي يقيم الحدود، أو نائبه كالأمير الذي يؤمِّره الإمام على بلده، أو عشيرته؛ وإذا ثبت ذلك جاز له إقامة الحدود على الوجه المشروع الذي شرعه الله ورسوله، وبيّنه أهل العلم في كتبهم; وأما إذا كان لا يعرف ذلك، وليس عنده من يعلمه بذلك، فلا يجوز له الإقدام على ذلك. وأما إذا نصب نفسه أميراً من غير نصب من أمير المسلمين، فلا يجوز له الإقدام عليه أيضاً. وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما الحدود إذا بلغت السلطان، فالمراد بالسلطان الأئمة والقضاة، وكمن يستنيبهم الإمام ويوليهم في بلدهم. وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما المعاصي التي فيها الحد، فلا يقيمه إلا الإمام أو نائبه; وأما الحدود إذا بلغت السلطان، فالمراد بالسلطان: الأئمة والقضاة، كمن يستنيبهم الإمام ويوليهم في بلدانهم.
следующие страницы →