الأضياف، والمدافعة، وأنهم يعقلون في الدماء، عمدها وخطأها؟
فأجاب: الحلف إذا وقع على خلاف أحكام الشرع لم يجب التزامه، ولا الوفاء به، فإن قضاء الله أحق وشرط الله أوثق، كما ثبت في الصحيحين من حديث بريرة - الحديث -. وهذا الحلف المذكور على هذا الوجه، يخالف حكم الله، فإن الحكم الشرعي: أن دية العمد على القاتل خاصة، ودية الخطإ على العاقلة؛ وهذا أمر لا خلاف فيه بين العلماء، فكيف يبطل هذا الحكم الشرعي، بحلف الجاهلية وعقودهم وعهودهم؟!
وسئل: عن الصبي إذا قتل؟
فأجاب: الصبي إذا قتل أحداً خطأ أو عمداً، فدية المقتول على عاقلة الصبي، لأن عمده كالخطإ.
ومن قتله المسلمون خطأ، فديته على بيت المال، والعاقلة لا تحمل إلا الخطأ في الجائفة فما فوقها، وأما دون الجائفة في الخطإ، ففيه خلاف بين العلماء؛ والذي نفتي به عندنا: أنها لا تحمل ما دون الثلث، وإنما تحمل ما فوق الثلث فأكثر في الخطإ خاصة; فدية الجائفة والمأمومة على الجاني خاصة في العمد، والظاهر أنها ليست منجمة، بل هي حالة.
стр. 3047
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: ما المعتبر فيما تحمله العاقلة ... إلخ؟
فأجاب: اعلم أن المشهور: أن العاقلة لا تحمل ما دون الثلث، ولا تحمل ما فوق الثلث إلا في الخطإ خاصة; وأما في العمد، فتلزم الجاني في ماله حالّة، وإذا حملت العاقلة رد ولم تحمل؛ فالاعتبار في ذلك بحال المجني عليه، إذا كان حراً مسلماً ولم يكن جنيناً. وأما دية الجنين، فلا تحمله العاقلة لنقصه عن الثلث، إلا إذا كان تبعاً لأمه.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: إذا تعذر حصول الأرش الواجب على العاقلة لعدمهم أو فقرهم، وتعذر الأخذ من بيت المال، فهل يلزم به الجاني؟
فأجاب: الصحيح من المذهب: السقوط والحالة هذه، ولا يطالب الجاني بذلك؛ قال في الإنصاف: هو المذهب، وعليه أكثر الأصحاب، بناء على أن الدية وجبت على العاقلة ابتداء. وجزم به الخرقي وصاحب الوجيز والمنور، ومنتخب الآمدي، وغيرهم؛ قال ابن منجا في شرحه: هذا المذهب، وقدمه في المحرر والنظم والرعايتين، والحاوي الصغير والفروع وغيرهم، وهو من مفردات المذهب.
ويحتمل أن تجب في مال القاتل؛ قال المصنف هنا:
стр. 3048
وهو أولى، فاختاره، يعني: اختار المصنف - وهو الشيخ موفق الدين بن قدامة - هذا القول الثاني; قال في الشرح: فإن لم يمكن الأخذ من بيت المال، فليس على العاقلة شيء؛ وهذا أحد قولي الشافعي; ولأن الدية لزمت العاقلة ابتداء، بدليل أنها لا يطالب بها غيرهم - إلى أن قال - فعلى هذا، إن وجد بعض العاقلة، حملوا بقسطهم، وسقط الباقي فلا يجب على أحد.
قال شيخنا: ويحتمل أن تجب في مال القاتل، إذا تعذر حملها عنه، وهذا القول للشافعي، لعموم قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [سورة النساء آية:٩٢] ، ولأن قضية الدليل وجوبها على الجاني، جبراً للمحل الذي فوته، وإنما سقط عن القاتل، لقيام العاقلة مقامه في جبر المحل، فإذا لم يوجد ذلك بقي واجباً عليه بمقتضى الدليل، ولأن الأثر دائر بين أن يبطل دم المقتول، وبين إيجاب ديته على المتلف، ولا يجوز الأول، لأن فيه مخالفة الكتاب والسنة، وقياس أصول الشريعة، فتعين الثاني، ولأن إهدار الدم المضمون لا نظير له، وإيجاب الدية على القاتل له نظائر؛ وأطال الكلام في تقوية هذا القول.
واختار هذا القول الثاني أيضاً: الشيخ تقي الدين، قال في الاختيارات: وتؤخذ الدية من الجاني خطأ عند تعذر العاقلة، في أصح قولي العلماء; قال في شرح الإقناع:
стр. 3049
وعنه: تجب في مال القاتل، قال في المقنع: وهو أولى، أي: من إهدار دم الأحرار في غالب الأحوال، فإنه لا يكاد توجد عاقلة تحمل الدية كلها، ولا سبيل إلى الأخذ من بيت المال، فتضيع الدماء.
القسامة
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: هل في العبيد والصبيان والنساء القسامة؟
فأجاب: نعم في العبيد والصبيان والنساء القسامة، إذا قتل أحد منهم، وإذا ثبت اللوث ثبتت القسامة؛ والذي ذكر بعض أهل العلم: أن النساء لا قسامة عليهن، يعنون بذلك أنهن لا يحلفن مع الرجال في القسامة.
стр. 3050
كتاب الحدود
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عمن يقيم الحدود.
فأجاب: الذي ذكر العلماء أن الإمام هو الذي يقيم الحدود، أو نائبه كالأمير الذي يؤمِّره الإمام على بلده، أو عشيرته؛ وإذا ثبت ذلك جاز له إقامة الحدود على الوجه المشروع الذي شرعه الله ورسوله، وبيّنه أهل العلم في كتبهم; وأما إذا كان لا يعرف ذلك، وليس عنده من يعلمه بذلك، فلا يجوز له الإقدام على ذلك. وأما إذا نصب نفسه أميراً من غير نصب من أمير المسلمين، فلا يجوز له الإقدام عليه أيضاً.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: وأما الحدود إذا بلغت السلطان، فالمراد بالسلطان الأئمة والقضاة، وكمن يستنيبهم الإمام ويوليهم في بلدهم.
وأجاب الشيخ عبد الرحمن بن حسن: وأما المعاصي التي فيها الحد، فلا يقيمه إلا الإمام أو نائبه; وأما الحدود إذا بلغت السلطان، فالمراد بالسلطان: الأئمة والقضاة، كمن يستنيبهم الإمام ويوليهم في بلدانهم.
стр. 3051
[حد الزنى]
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن حد الزاني؟
فأجاب: حد الزاني المحصن - وهو الذي قد تزوج -: الرجم، إذا ثبت زناه بشهادة أربعة شهود عدول، يشهدون بأنهم رأوا ذكره في فرجها داخلاً، كدخول الميل في المكحلة؛ فإن توقف واحد منهم في شهادته على ما ذكرنا، فالشهود يحدون حد القذف، كل واحد يضرب ثمانين جلدة؛ والشهادة المعتبرة في الزنى صعبة جداً.
وإذا ثبت زناه بشهادة أربعة، رجم بالحجارة التي تؤخذ في اليد، واقفاً أو جالساً; والمرأة تشد عليها ثيابها عن التعري، أو يحفر لها حفيرة. وأما الرجل الذي لم يتزوج، والمرأة التي لم تتزوج، فإذا ثبت زناه بشهادة أربعة شهود عدول، فيجلد مائة جلدة ويغرب عن وطنه عاماً. وأما السوط الذي يجلد به، فهو مثل الجريدة والعصا، بشرط أنها لا تكسر العظام.
وأجاب أيضاً: وأما حد الزاني، فإن كان محصناً - وهو الذي قد تزوج -: الرجم حتى يموت; وإن كان بكراً لم يتزوج: مائة جلدة، ويغرب عن بلده عاماً؛ والمرأة كالرجل في ذلك، هكذا ثبت عن رسول الله ﷺ .
وسئل: إذا وطئ ربيبته أو امرأة ابنه مطاوعة أو مكرهة؟
стр. 3052
فأجاب: إن كانت مطاوعة لزمها الحد بغير خلاف، ومذهب أحمد: أنه إذا وطئ ذات محرم فإنه يقتل؛ وأما إذا كانت مكرهة، فليس عليها حد، وإن كانت مطاوعة فعليها الحد بشروطه.
والصبي إذا زنى يؤدب أدباً بليغاً، ولا يحد إذا كان دون البلوغ، والأمة إذا زنت فيجلدها سيدها خمسين جلدة.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا وطئ الصبي الصبية هل يلزمهما غير التعزير؟
فأجاب: لا يلزمهما حد، بل يعزران تعزيراً بليغاً; قال الشيخ تقي الدين: لا خلاف بين العلماء أن غير المكلف يعزر على الفاحشة تعزيراً بليغاً.
وسئل: إذا زنت المرأة البكر وجلدت، فهل تغرب؟
فأجاب: المسألة فيها خلاف بين العلماء، والمشهور أنها تغرب كما هو ظاهر الحديث، أعني قوله ﷺ : " البكر بالبكر: جلد مائة، وتغريب عام "١.
[الإقرار بالزنى]
وسئل: عن الإقرار بالزنى هل يكفي فيه مرة أو أربع؟
فأجاب: المسألة خلافية بين أهل العلم، والأحوط أنه لا بد من الإقرار أربع مرات، كما هو مذهب الإمام أحمد، ولا بد أن يقيم على إقراره حتى يتم الحد؛ بل لو شرعوا في
стр. 3053
إقامة الحد عليه فرجع، تُرك، لحديث ماعز.
ما يثبت به الزنى
سئل الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن: عن محصن زنى ببكر تزعم أنه غصبها، وهما عسيفان لرجل، وهرب الزاني، والمرأة ليس لها إلا عصبة أباعد، فما حكمها؟
فأجاب: الرجل إذا زنى وهو محصن، وثبت زناه بشهادة أربعة شهود عدول، وثبتوا على شهادتهم، أو أقر أربع مرات وهو صحيح العقل، وجب رجمه، فإن لم يكمل النصاب أو الإقرار، عزر.
والمرأة البكر إذا ثبت زناها، جلدت مائة جلدة، وغربت عن وطنها عاماً، وغرب معها ذو محرم؛ فإن لم يكن لها محرم، أو خيف عليها من التغريب، تركت بعد تأديبها. فإن ادعت أنها مكرهة أو مغصوبة، سقط عنها الحد؛ ولا حد إلا بعد وضعها وفطام ولدها. والزاني المذكور إذا هرب، ولم يمكن إقامة الحد عليه، فلا شيء على عصبته. والحدود لا يقيمها إلا الإمام أو نائبه. ونفقة المرأة على القريب من عصبتها، وإن كان معسراً فمن بيت المال، فإن تعذر الكل فعلى أهل بلدها.
وقولك: هل لمن عندهم المرأة أن يرسلوها إلى العراق؟ فلا يجوز تغريبها إلى أوطان المشركين.
стр. 3054
ولبعضهم:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
هذه صورة واقعة في سنة ١٢١٨هـ في إمارة الأخ عبد الله بن عامر، حفظه الله، وفي محل ولايته، وهي: أن امرأة من المنجحة حبلت من غير زوج، بل ذكرت أنها رأت منياً مصبوباً على فرجها من غير أن يضاجعها أحد أو يولج في فرجها ذكر، وكانت عند ذلك نائمة، ثم استيقظت فرأت رجلاً قريباً منها، فاتهمته بذلك من غير أن تدعي أنه أدخل في فرجها ذكره وزنى بها، ولا رأته فوقها، ولا ترى أنها زنت، بل تقول: ما فرقني ولا فقعني، والحال هذه أنها نائمة لا تشعر.
وذكر أبوها: أنها تنام نوماً بحيث تبول على فراشها وهي لا تشعر. وحبلت من هذا المني، وأنكر الرجل الذي اتهمته إنكاراً جلياً، والحال أنهما بكران؟
فالجواب، والله الموفق للصواب: أنه ذكر في الميزان للشعراني، في باب: قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: أنه إذا ظهر بالمرأة حمل ولا زوج لها، فلا حد. وقال مالك: يجب. ووجه الأول: يعني قول الثلاثة، عدم تحقيقنا منها ما يوجب الحد، لاحتمال أنها
стр. 3055
وطئت وهي نائمة، فحملت من ذلك الوطء. وقد روى البيهقي: "أن امرأة لا زوج لها أتي بها إلى عمر بن الخطاب ﵁ حين وجدوها حاملاً، فقال عمر للحاضرين: إن هذه ما هي من أهل التهمة، ثم استفهمها عن شأنها، فقالت: يا أمير المؤمنين، إني امرأة أرعى الغنم، وإذا دخلت في صلاتي فربما غلب علي الخشوع فأغيب عن إحساسي، فربما أتى أحد الفتيان فغشيني من غير علمي، فقال لها عمر: وذلك ظني بك، ودرأ عنها الحد" انتهى كلام الشعراني.
وهذه الواقعة أعظم، لأنها لم توطأ، فشبهتها بينة جلية، والتي كلمت عمر قد وطئت، وإنما اعتذرت بما يصيبها إذا صلت، والأئمة الثلاثة عذروها، لاحتمال أنها وطئت وهي نائمة; وهذه الواقعة لا احتمال فيها، بل هي نائمة يقيناً ولا وطي أيضاً، بل سيلان المني عليها، فهي أعذر وأظهر.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية، في السياسة الشرعية: واختلفوا في المرأة إذا وجدت حبلى ولم يكن لها زوج ولا سيد، ولم تدع شبهة في الحمل، ففيها قولان في مذهب أحمد وغيره، وقيل: لا حد عليها، لأنه يجوز أن تكون حبلت مكرهة أو متحمل أو وطي شبهة; وقيل: بل تحد، وهذا هو المأثور عن الخلفاء الراشدين، وهو الأشبه بأصول
стр. 3056
الشريعة، وهو مذهب أهل المدينة، فإن الاحتمالات الباردة لا يلتفت إليها. انتهى كلام ابن تيمية، ﵀.
وتفطن: أن كلامه فيما إذا لم تدع شبهة، أما إذا ادعت شبهة كالنوم في مسألتنا هذه، فلا خلاف بين العلماء: أنها لا تحد عند أحمد وغيره، بل ولا عند ابن تيمية كما يظهر أيضاً من كلامه، ويدل عليه: أن عمر ﵁ عذر المرأة لما ذكرت له ما يصيبها من الغيبة إذا صلت، وإلا فإن عمر يقول: "إن الحبل يثبت به الزنى"، كما ذكره عنه البخاري في خطبته بالمدينة بعد قفوله من الحج؛ وهذه لطيفة فاستفدها واعرف الفرق والجمع بين العبارات، ولا تختلط عليك المتشابهات.
وفي الجامع الصغير للسيوطي، في حرف الدال: " ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن وجدتم للمسلم مخرجاً فخلوا سبيله، فإن الإمام لأن يخطي في العفو خير من أن يخطي في العقوبة " ١، أخرجه الترمذي والحاكم والبيهقي عن عائشة، وقال فيه: " ادرؤوا الحدود بالشبهات " ٢، أخرجه ابن عدي وقال فيه: " ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعاً " ٣، أخرجه ابن ماجة عن أبي هريرة.
ولا شك أن النوم فيه شبهة ظاهرة ومدفع صحيح، وقد رفع القلم عن النائم، قال ﷺ : " رفع القلم عن
стр. 3057
ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي حتى يكبر " ١، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم عن عائشة. وقال ﷺ : " رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون المغلوب على عقله حتى يبرأ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم " ٢.
وهذه الأحاديث يستدل بها على من وُطِئت وهي نائمة، وأما هذه الواقعة فلا وطي فيها أصلاً، فهي أحق وأولى؛ قال في الأنوار: ولو زنى مجنونة أو مراهقة أو نائمة حدّ. انتهى. ولم يقلك حدت، فاعرف الفرق; وقال فيه: ويشترط الاختيار فلا حد على مُكرَه، والتكليف فلا حد على صبي ولا مجنون لارتفاع القلم عنهما. انتهى. ولم يذكر النائم وهو غير مكلف لأنه قد نص عليه.
قال بعض أهل الأصول:
ومُلْجَأ ومكره وغافل ... ليس التكليف غير مدخل
انتهى. قال: ومنهم الساهي، وأولى منهم النائم؛ فهؤلاء لا يتناولهم اسم التكليف. وقد اتفق العلماء ﵏: أن التكليف شرط لوجوب الحد، واتفقوا: أن النائم ليس بمكلف; قال في الإقناع: للشافعي في الذي يجب حده مكلف، فخرج الصبي والمجنون.
وقد سمعت كلام أهل الأصول: أن النائم أولى منهما; وكذلك شرطوا إيلاج الحشفة أو قدرها في فرج،
стр. 3058
وتظاهروا على ذلك في عباراتهم. أما مطلق وصول المني بلا إيلاج فسكتوا عنه في الزنى، وذكروه في الجناية والعدة; قال في روض ابن المقري، ﵀: وتحد امرأة استدخلت ذكر نائم، لا المني لم تقه. انتهى. فذكر استدخال الذكر، لا المني.
وقد مر كلام ابن تيمية: أن احتمال التحمل عذر وشبهة دافعة، فكيف يقينه لا احتماله؛ قال في المنهاج للنووي، ﵀: ولو شهد أربعة بزناها، وأربع نسوة أنها عذراء، لم تحد لشبهة بقاء العذرة.
وقال القاضي زكريا: لا تحد، لأن الظاهر من العذراء أنها لم توطأ; وهذه المرأة تدعي أنها بكر عذراء، فأمرت أربع نسوة ثقات ورأوها، وشهدن بالله أنها عذراء لم تزل بكارتها، وهذا منها إقامة للحبل في ثبوت الزنى مقام الأربعة الشهداء احتياطاً، وإلا فقد عرفت ما فيه عند الأئمة وكلامهم أيضاً في الحبل من الوطي احتمالاً، أما مجرد دخول الماء من غير وطي فليس كذلك، وإنكارها للزنى فيه كفاية. قال في الأنوار: ولو وجد بامرأة حبل، أو ولدت وأنكرت الزنى، أو سكتت، فلا حد.
إذا علمت هذا، فلنحصر لك الأسباب الدافعة للحد في هذه المسألة:
الأول: أن الحبل وحده لا يثبت به الحد عند أكثر العلماء.
الثاني: أن الحبلى إذا ادعت شبهة كالنوم
стр. 3059
مثلاً، فلا خلاف بينهم أنه يسقط الحد، كما ذكره ابن تيمية وصاحب الميزان والأنوار.
الثالث: أنها غير مكلفة عند سبب الحمل في الظاهر، لأن القلم مرفوع عن النائم، كما ورد، ولو كان وطأ حقيقياً، فكيف بما نحن فيه.
الرابع: أنه لم يوجد إيلاج الحشفة في فرجها، ولم تدع ذلك، وإنما ذكرت سيلان الماء عليها، والإيلاج شرط في الزنى، يلزم من عدمه العدم.
الخامس: ما ذكره أبوها من شدة نومها وعدم إحساسها.
السادس: كون بكارتها موجودة لم تزل كما شهد بذلك أربع نسوة.
السابع: وجود الشبهة الدافعة بهذه الستة الأمور، وواحد منها يكفي في الدفع; هذا حكم المرأة.
وأما الرجل، فلا حد عليه لأمور ثلاثة:
الأول: أنها لم تدع عليه شبهة الزنى وإيلاج الحشفة في فرجها، إنما اتهمته بصب المني.
الثاني: أنه لم يقر بهذا ولا بذاك.
الثالث: أنه لم يشهد عليه الشهادة المعتبرة.
هذا ما ظهر لي في هذه الحادثة العجيبة والواقعة الغريبة، حين وصل إلي: المرأة المذكورة، وأبوها، وأمير المنجحة، وجماعة منهم الرجل المتهم، وطلبوا: إظهار الحكم في ذلك، وجزى الله عنا نبينا محمداً ﷺ بما فصل ما جزى نبياً عن أمته؛ فقد تركنا على البيضاء ليلها كنهارها، وبلغ البلاغ المبين; وجزى الله ورثته العلماء خيراً فقد
стр. 3060
وضحوا وبينوا، وجزى الله أمير البلاد عبد الوهاب أفضل الجزاء; وصلى الله على محمد وصحبه وسلم.
الشبهه في الزنى
وسئل الشيخ عبد الله بن صالح الخليفي، عن رجل عقد على امرأة ولم يدخل بها وهي بكر، فطلب الدخول فامتنع أهلها، فدخل بيتهم يوماً على غرة رجاء أن يصادف زوجته، فصادف أختها فظنها هي فهجم عليها وسدّ فاها، ووطئها.
فلما علم أبوها غضب وحلف بالطلاق أنه ما يدخل على ابنته التي صارت سبباً لوطي أختها سفاحاً. فسكت الرجلان مدة، هذا على غضبه وهذا على حيائه وفشله، ولم يراجع أحدهما الثاني خوفاً من فشو ذلك عند الناس، ثم تبين أن الموطوءة قد حملت، فصار الكل في هم وحزن شديد، فما الحكم في ذلك، أثابكم الله؟
فأجاب: هذا الوطء على ما ذكرتم وطء شبهة ليس فيه حد، ويلحق به النسب، والذي فيه راحة وستر للجميع مع موافقة الحكم الشرعي أن يطلق الزوج زوجته التي عقد عليها ولم يدخل بها، ويعقد على الثانية التي وطئها ويدخل عليها بيومه، لأن الحمل له؛ والأولى ليس لها عدة، ولا يقع بذلك طلاق على زوجة الأب. وإن كان رغبة الزوج في زوجته الأولى، فيصبر حتى تنقضي عدة الثانية بوضع حملها، ثم يدخل على الأولى، ويقع على زوجة الأب طلقة واحدة
стр. 3061
إن لم يكن نوى أكثر، والله أعلم.
الإكراه على فعل محرم
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، ﵀: عن الإكراه على فعل محرم ... إلخ؟
فأجاب: فيه تفصيل يعذر فيه ببعض دون بعض، فلو أكرهت المرأة لم تحد عند أكثر العلماء، لقوله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ الآية [سورة النور آية: ٣٣] .
وطء الماشية
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عمن يطأ الماشية؟
فأجاب: والرجل الذي يطأ الماشية يؤدب أدباً بليغاً.
حكم اللواط
سئل الشيخ سعيد بن حجي: عن حكم من فعل اللواط، أو أتى بهيمة؟
فأجاب: أجمع أهل العلم على تحريم اللواط؛ وأما حكمه، فاختلفت الرواية عن أحمد: فعنه: أن حده الرجم بكراً كان أو ثيباً، وهذا قول علي وابن عباس وجابر، وغيرهم من الصحابة، ومالك وأحد قولي الشافعي; والرواية الثانية: حده حد الزنى، وبه قال ابن المسيب وغيره. ووجه الرواية الأولى، قوله ﷺ : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به " ١، رواه أبو داود وفي لفظ: "فارجموا الأعلى والأسفل " ولأن الصحابة أجمعوا على قتله، وإنما اختلفوا في صفته. انتهى ملخصاً من المغني.
стр. 3062
وقال الشيخ تقي الدين - في جواب له -: وفي السنن عن النبي ﷺ : " من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط، فاقتلوا الفاعل والمفعول به " ١، ولهذا اتفق الصحابة على قتلهما جميعاً، لكن تنازعوا في صفة القتل: فمذهب جمهور الفقهاء: أنهما يرجمان، بكرين كانا أو ثيبين، حرين كانا أو مملوكين، أو كان أحدهما مملوكاً للآخر; واتفق المسلمون على أن من استحلها من مملوك أو غيره، أنه كافر مرتد. انتهى. وإنما يثبت هذا الحد ببينة أو إقرار كالزنى، سواء.
وأما من أتى بهيمة فهو يعزر ويبالغ في تعزيره، ولا حد عليه، روي ذلك عن ابن عباس وحماد، ومالك وأصحاب الرأي; وهو قول الشافعي. وتقتل البهيمة ويكره أكلها. وإنما يثبت هذا التعزير بشهادة رجلين عدلين، أو إقراره، ولو مرة.
حكم الوسم
سئل بعضهم: عن شق أنف الحمار ... إلخ؟
فأجاب: لا يجوز أن يحمل الدابة ما لا تطيق، ولا يجوز وسمها في وجهها، ولا ضربها في الوجه، لأنه ﷺ لعن من وسم أو ضرب في الوجه؛ وتشقيق المناخر أعظم، فانهوا عنه، فمن شق بعد النهي عزر.
стр. 3063
باب حد القذف
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن حد القذف؟
فأجاب: وأما حكم القذف بالزنى، فإذا قذف [إنسان] رجلاً أو امرأة بالزنى، ولم يأت بأربعة شهداء يشهدون بأنهم رأوا ذكره في فرجها، كالميل في المكحلة، فإنه يجب عليه حد القذف: ثمانون جلدة، ولا تقبل له شهادة أبداً. وحد القذف حق للمقذوف، إن طلبه أقامه عليه الأمير، فإن عفا عنه فلا يقيمه الأمير؛ لكن إن كان القاذف معروفاً بالشر، جاز للأمير تأديبه عن تعرض أعراض المسلمين.
وأما الذي يرمي أخاه بالزنى، ويعتذر أن ما له قصد، وأنه من الشيطان، فليس هذا بعذر، فإن كان المقذوف بالزنى شكاه على الأمير، أقام عليه الحد، وإلا أدب أدباً يزجره عن مثل هذا الكلام القبيح.
وأجاب أيضاً: وأما من قال: يا زان، فهذا يجلد حد القذف: ثمانين جلدة، إذا لم يأت بأربعة شهداء يشهدون على أنه زان. وأما الحرة إذا قذفت الحرة، فتجلد ثمانين جلدة، إذا لم تأت بأربعة شهداء؛ وشهادة النساء على
стр. 3064
القذف ما يثبت بها جلد; وأما الرجال، فإذا شهد اثنان مقبولا الشهادة، على أن هذه المرأة قاذفة هذه المرأة، أو هذا الرجل قاذف هذا الرجل بالزنى، فيجلد ثمانين جلدة، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [سورة النور آية: ٤] ؛ ولا تقبل شهادة القاذف بعد ذلك إلا إن تاب وكذّب نفسه.
وأجاب أيضاً: وأما الذي يقذف المحصن أو المحصنة، ولم يأت بأربعة شهداء عدول، يجلد ثمانين جلدة ولا تقبل شهادته إلا إن تاب، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [سورة النور آية: ٤] .
وأما الذي يسب المسلمين ويؤذيهم بلسانه، فيؤدبه الأمير بما يزجره. والذي قال لمسلم: يا مشرك، فهذا القول لا يجوز، ويؤدب من قال ذلك أدباً بليغاً. والذي قال لرجل: ما فيك إسلام، وهو مسلم، فكذلك يؤدب. وكذلك الذي يسب المسلمين يؤدب، وكذلك الذي يقذف أخاه بالفسق، وكذلك الذي قال للمسلم: يا عدو الله، وكذلك الذي قال للمسلم: يا حمار، وكذلك الذي قال لرجل مسلم: يا كلب، وكذلك الذي قال لأخيه: يا سارق، وهو كاذب، وكذلك الذي قال لأخيه: يا باطل، يا عفن، وليس كذلك؛ وكل هؤلاء يؤدبهم الأمير، بما يزجرهم عن الكلام الخبيث.
стр. 3065
وسئل أيضاً: إذا قذف إنسان جماعة بالزنى أمواتاً أو أحياء ... إلخ؟
فأجاب: الذي وقفنا عليه من كلام أهل العلم، أنه إذا قذفهم بلفظة واحدة، فإنه يحد حداً واحداً، إذا طلبوا إقامة الحد عليه، وأما قذف الأموات، فلا أدري عنه، وأقل ما فيه إذا كانوا مسلمين، يعزره الإمام على قدر ما يراه؛ وأما ما ذكره المالكية من شروط القذف، فهو كلام متوجه.
وأجاب الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: إذا قذف صبي صبية بالزنى، أو صبياً، فإن كان يمكن الوطء من مثله، كبنت تسع، وابن عشر، فهذا يقام الحد على قاذفهما، وإن لم يبلغا، بخلاف الصغير الذي لا يجامع مثله، والصغيرة التي لا يجامع مثلها، فليس على قاذفهما إلا التعزير، وأما الصغير إذا قذف الكبير، فليس عليه إلا التعزير.
وأما مسألة القذف، فالقذف ينقسم إلى صريح وكناية، كالطلاق: فالصريح: ما لا يحتمل غيره، نحو: يا زان، يا عاهر، يا منيوك، ونحو ذلك. والكناية: التعريض بالألفاظ المجملة، المحتملة للقذف وغيره؛ فإن فسر الكناية بالزنى فهو قذف، لأنه أقر بالقذف، وإن فسره بما يحتمله غير القذف، قبل مع يمينه، ويعزر تعزيراً يردعه وأمثاله. فمتى وجد منه اللفظ المحتمل للقذف وغيره، ولم يفسره بما يوجب القذف، فإنه يعزر، ولا حد عليه.
стр. 3066
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن قذف المملوك؟
فأجاب: أما قذف العبد فيوجب التعزير لا حد القذف، عند عامة العلماء.
стр. 3067
باب حد المسكر
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهما الله: عن التنباك الذي اعتاد شربه كثير من الناس؟
فأجاب: لا ريب أن الله تعالى بعث محمداً ﷺ بجوامع الكلم، وهي من خصائصه التي خصه الله بها من بين الأنبياء، كما ثبت أن رسول الله ﷺ قال في ذكر خصائصه: " وأوتيت جوامع الكلم " ١، وهي: أن يقول الكلمة اليسيرة الجامعة لأحكام كثيرة لا تعد ولا تحصى، ومن ذلك قوله ﷺ : " كل مسكر حرام " ٢، فدخل في هذه الكلمة جميع المسكرات، التي تسكر وتزيل العقل، من الأطعمة والأشربة الموجودة في زمانه ﷺ والحادثة بعده إلى يوم القيامة.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ بالنهي عن المسكر، وهو: الخمر الذي يغطي العقل ويزيله، كما في الصحيح عن ابن عمر، ﵄، عن النبي ﷺ قال: " كل مسكر خمر، وكل خمر حرام " ٣، ولفظ مسلم: " وكل مسكر حرام " ٤، وعن عائشة، ﵂: "أنه ﷺ سئل عن البتع؟ فقال: كل شراب أسكر فهو حرام " ٥، متفق عليه، وفي
стр. 3068
رواية لمسلم: "كل شراب مسكر حرام " ١؛ ونقل ابن عبد البر: إجماع أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء روي عن النبي ﷺ في تحريم المسكر.
وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيرُه، كما أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه، من حديث عائشة مرفوعاً: " كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه، فملء الكف منه حرام " ٢، وفي رواية: " فالحسوة منه حرام "، وقد احتج به أحمد، وذهب إليه؛ وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين، من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك والشافعي، والليث والأوزاعي، وأحمد وإسحاق.
إذا تقرر هذا، فاعلم: أن المسكر الذي يزيل العقل نوعان:
أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، قال العلماء: وسواء كان المسكر جامداً، أو مائعاً، وسواء كان مطعوماً أو مشروباً، وسواء كان من حب، أو من ثمر أو لبن، أو غير ذلك، وأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل من ورق القنب وغيرها، مما يؤكل لأجل لذته وسكره.
الثاني: ما يزيل العقل ويسكر، ولا لذة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه; وأكثر العلماء الذين يرون تحريم ما أسكر كثيره، يرون حد من شرب ما يسكر كثيره، وإن
стр. 3069
اعتقد حله متأولاً، وهو قول الشافعي وأحمد، قال أحمد في رواية الأثرم: يحد من شرب النبيذ متأولاً، وذلك لضعف التأويل عنده في ذلك.
وبما ذكرنا من كلام رسول الله ﷺ وكلام أهل العلم: يتبين لك بيان تحريم التتن، الذي كثر في هذا الزمان استعماله، وصح بالتواتر عندنا والمشاهدة إسكاره في بعض الأوقات، خصوصاً إذا أكثر منه، أو تركه يوماً أو يومين لا يشربه ثم شربه، فإنه يسكر ويزيل العقل، حتى إن صاحبه يُحْدِث عند الناس ولا يشعر بذلك، نعوذ بالله من الخزي وسوء البأس؛ فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يلتفت إلى قول أحد من الناس، إذا تبين له كلام الله وكلام رسوله في مثله من المسائل، وذلك لأن الشهادة بأنه رسول الله تقتضي طاعته فيما أمر، والانتهاء عما عنه نهى وزجر، وتصديقه فيما أخبر.
حكم التنباك
وسئل أيضاً، ﵀: ما حكم التنباك الذي اختلفت فيه آراء العلماء، منهم من أفتى بحله، ومنهم من أفتى بتحريمه بقيد وتعليق، ومنهم من أفتى بتحريمه مطلقاً؟ ولما أنكم أفتيتم فيه بأنه من المسكرات، اعتمدنا على قولكم، فعارض بعض الواصلين من عندكم، فقالوا: من شرب منه بعد ما تاب منه فقد ارتد وحل دمه وماله؟
فأجاب: من نسب إلينا القول بهذا، فقد كذب
стр. 3070
وافترى، بل من قال هذا القول استحق التعزير البليغ، الذي يردعه وأمثاله؛ فإن هذا مخالف للكتاب والسنة، بل لو تاب منه ثم عاد إلى شربه لم يحكم بكفره وردته، ولو أصر على ذلك إذا لم يستحله. والتكفير بالذنوب، مذهب الخوارج الذين مرقوا من الإسلام، واستحلوا دماء المسلمين بالذنوب والمعاصي.
وأجاب أيضاً: والذي يشرب التنباك، إن كان شربه له بعدما عرف أنه حرام، فيضرب ثمانين جلدة ضرباً خفيفاً ما يضره. فإن كان شربه وهو جاهل فلا حد عليه، ويؤمر بالتوبة والاستغفار.
والذي يقول لكم - من علماء تهامة - إن التتن ليس حراماً ولا حلالاً، فهذا جاهل، ما يعرف ما يقول، ولا يلتفت لقوله؛ وفي الحديث عن النبي ﷺ : " كل مسكر حرام " ١، " وما أسكر كثيره حرم قليله " ٢.
وأجاب أيضاً: وأما الذي يشرب التتن ويزرعه، فيجلد ثمانين جلدة.
وأجاب أيضاً: وأما شارب التتن، إذا شهد عليه شاهدان أنهم رأوه يشربه، فيجلد أربعين جلدة.
وأجاب أيضاً: وأما شارب التتن فيؤدب بأربعين جلدة، فإن لم ينته بذلك أدب ثمانين جلدة.
стр. 3071
وأجاب أيضاً: والذي زرع التنباك يؤدب، أو يوجد في بيته أو متاعه، أو يشربه يؤدب.
وأجاب أيضاً: إذا وجد من فيه رائحة المسكر فإنه يحد، وأما إذا خرج من بيته فليس فيه إلا التعزير، إذا كان مظنة لذلك.
وأجاب أيضاً: إذا شهد اثنان على ريح التتن من فم رجل، يحد، لأن الصحابة، ﵃، حدوا على ريح الخمر؛ وهذا خمر، لأنه مسكر وكل مسكر خمر.
سئل الشيخ حمد بن ناصر بن معمر: عن التتن؟
فأجاب: هو حرام، لقول النبي ﷺ : "كل مسكر خمر " ١، وفي لفظ حرام وفي لفظ: " ما أسكر كثيره، فملء الكف منه حرام " ٢، وهذا عام في كل مسكر، فإن النبي ﷺ قد أوتي جوامع الكلم، وقد نص العلماء على ذلك.
وسئل: عن شارب التنباك؟
فأجاب: وأما شارب التنباك، فيجلد قدر أربعين جلدة.
وأجاب الشيخ عبد الله أبا بطين: وأما شرب التنباك، فالذي نعتقد تحريمه، وفيه التعزير، ولا يتبين لي أنه يبلغ به حد الخمر.
وأجاب أيضاً: الذي نرى فيه التحريم لعلتين:
стр. 3072
إحداهما: حصول الإسكار فيما إذا فقده شاربه مدة، ثم شربه وأكثر، وإن لم يحصل إسكار، حصل تخدير وتفتير; وروى الإمام أحمد حديثاً مرفوعاً: أنه ﷺ نهى عن كل مخدر ومفتر. والعلة الثانية: أنه منتن مستخبث عند من لم يعتده، واحتج العلماء بقوله: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٥٧] ، وأما من ألفه واعتاده فلا يرى خبثه، كالجعل لا يستخبث العذرة.
حد المسكر
وسئل: عن الإكراه على فعل المحرم؟
فأجاب: فيه تفصيل يعذر فيه ببعض دون بعض، فلو أكره على شرب الخمر لم يحد.
وسئل الشيخ سعيد بن حجي: إذا وجد من فيه رائحة التتن وأنفه، هل يحد؟ وهل يثبت الحد بشهادة رجل واحد؟ وهل يعزر إذا خرج من بيته وهو مظنة لذلك؟ وإذا وجد في كمه مصروراً؟ أو سقطت منشقته منه وهو مظنة لذلك، هل يحد أو يعزر؟
فأجاب: لا يجب الحد بوجود رائحة الخمرة في قول أكثر أهل العلم، ولا يثبت الحد فيه إلا بإقراره مرة، أو شهادة رجلين عدلين، يشهدان أنه شرب مسكراً. وإذا خرج من بيته التتن، أو وجدت معه الرائحة ولم يدع شبهة، لما روى ابن عمر مرفوعاً، قال: " لعن الله الخمرة، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، وحاملها،
стр. 3073
والمحمولة إليه " ١.
وكذا حاضر شربها يعزر; إذا ثبت هذا، فاعلم: أن التعزير راجع إلى رأي الإمام أو نائبه.
سئل الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين: عن الحميض وما يتعلق به من التحريم؟
فأجاب: وما سألتم عنه من أمر الحميض، فهو إذا أتى عليه ثلاثة أيام حرم، وإن تعدى إلى أكثر من ثلاثة أيام، صار خمراً يجلد آكله ثمانين جلدة؛ ويكون لديكم معلوماً: أنه حرام لا شك فيه، ولو زيد ونقص كل يوم مائة مرة، وإذا لم يتم ثلاثة أيام فلا تحريم فيه، إلا إذا أتى عليه اليوم الثالث فهو حرام، لأنه أصل الخمر. واعلموا: أن الخمر الذي يجعله الناس في أطعمتهم، يجعلونه حميضاً، أنه حرام لا شك فيه.
ما يشرع فيه التعزير
سئل الشيخ عبد الله بن الشيخ: عن قوله: إذا ظلم صبي صبياً أو بهيمة اقتص للمظلوم ... إلخ؟
فأجاب: يعمل بذلك، لأن ذلك في الغالب لا يخلو عن ردع للظالم، وإن لم يكن مكلفاً؛ قال الشيخ تقي الدين: لا نزاع بين العلماء أن غير المكلف، كالصبي المميز، يعاقب على الفاحشة تعزيراً بليغاً، وكذلك المجنون، يضرب على ما فعل لينزجر، لكن لا عقوبة بقتل أو قطع. قال في الفروع: قال في الواضح: من شرع في عشر، صلح تأديبه في تعزير على طهارة، وصلاة، وكذا
стр. 3074
في زنى، وهو معنى كلام القاضي، وذكر ما نقله الشالنجي في الغلمان يتمردون، لا بأس في ضربهم.
وظاهر ما ذكره الشيخ عن القاضي: يجب ضربه على الصلاة، قال الشيخ لمن أوجبها محتجاً به، أنه تأديب وتعويد لفعل الخير، كالتأديب على تعليم خط، وقراءة وصناعة وشبهها؛ وكذا قال صاحب المحرر: كتأديبه اليتيم والمجنون والدواب، فإنه شرع، لا لترك واجب؛ وظاهر كلامهم في تأديبه في الإجارة والديات: أنه جائز.
فأما القصاص، مثل أن يظلم صبي صبياً، أو مجنون مجنوناً، أو بهيمة بهيمة، فيقتص للمظلوم من الظالم، وإن لم يكن في ذلك زجر عن المستقبل، لكن لاشتفاء المظلوم، وأخذ حقه، يتوجه أن يقال بفعل ذلك، ولا يخلو عن ردع وزجر في المستقبل، ففعله لأجل الزجر، وإلا لم يشرع لعدم الأثرية والفائدة في الدنيا. وأما في الآخرة، فالله تعالى يتولى ذلك، للعدل بين خلقه، فلا يلزم منه فعلنا نحن، كما قال ابن حامد: القصاص بين البهائم والشجر والعيدان، جائز شرعاً، بإيقاع مثل ما كان في الدنيا، وكما قال أبو محمد البربهاري في القصاص في الحجر، لمن نالت أصبع الرجل، وهذا ظاهر كلامهم السابق في التعزير، أو صريحه فيمن لم يميز.
وقال شيخنا: القصاص موافق للشريعة، واحتج بثبوته
стр. 3075
في الأموال، وبوجوب دية الخطإ، وبقتال البغاة المغفور لهم، قال فتبين بذلك: أن الظلم والعدوان يؤدى في حق المظلوم، مع عدم التكليف، فإنه من العدل، وحرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين عباده، كذا قال؛ وبتقديره: فإنما يدل على الآدميين. انتهى كلام صاحب الفروع. وقد عرفت: أنه قول كثير من العلماء. فأما الصبيان، فمعلوم أن ذلك زجر لهم في المستقبل، إذا اقتص لبعضهم من بعض. والذي نرى: أن الذي يقتص لهم الأمير، أو القاضي، إلا إذا لم يخف من تعدي الصبي في اقتصاصه لنفسه، لأنه أشفى لنفسه. وأما البهيمة، فيقتص لها من مالكها؛ ومعلوم: أن بعض البهائم يتأدب إذا أُدب.
وأما إذا وجد مع امرأته رجلاً من غير زنى بها، فإنه يضرب مائة سوط، كما في رواية يعقوب، واحتج بفعل علي ﵁، فذكر هذه المسألة في الإنصاف، وذكر أنه يعزر بذلك. انتهى. والتعزير يرجع إلى اجتهاد الإمام، لكن الذي نختار: أنه يعزر بذلك، اتباعاً للخليفة الراشد علي ﵁.
[التعزير أصل عظيم من أصول الشريعة]
وسئل أيضاً: عن قول صاحب الإقناع في باب التعزير: وإن ظلم صبياً أو بهيمة اقتص من الظالم.
فأجاب: اعلم قبل ذلك أن العلماء ذكروا أن التعزير أصل عظيم من أصول الشريعة المحمدية الآتية بالْحِكَم
стр. 3076
والمصالح، والغايات المحمودة في المعاش والمعاد؛ قال ابن عقيل، ﵀، في الفنون: للسلطان سلوك السياسة، وهو الحزم عندنا، ولا ننفي السياسة على ما نطق به الشرع، إذ الخلفاء الراشدون قتلوا ومثلوا، وحرقوا المصاحف، ونفى عمر نصر بن الحجاج; ولينل من عرضه، مثل أن يقول له: يا ظالم، يا معتد، وبإقامته من المجلس; والذين قدروا التعزير من أصحابنا، إنما هو فيما إذا كان تعزيراً عاماً من فعل أو ترك، فإن كان تعزيراً لأجل ترك ما هو فاعل له، فهو بمنزلة قتل المرتد، والحربي والباغي، وهنا تعزير ليس يقدر، بل ينتهي إلى القتل، كما في الصائل الآخذ للمال، يجوز أن يمنع من الأخذ ولو بالقتل.
وعلى هذا، فإن كان المقصود دفع الفساد، ولم يندفع إلا بالقتل قُتل، وحينئذ فمن تكرر منه فعل الفساد، ولم يرتدع بالحدود المقدرة، بل استمر على الفساد، فهو كالصائل الذي لا يندفع إلا بالقتل، فيُقتل. ويمكن تخريج قتل شارب الخمر في الرابعة على هذا، وقتل الجاسوس الذي تكرر منه التجسس. وقد ذكر شيئا من هذا، الحنفية والمالكية، وإليه يرجع قول ابن عقيل: وهو أصل عظيم في صلاح الناس، وكذلك طلب الفعل، فلا يزال يعاقب حتى يفعل.
стр. 3077
والتعزير بالمال سائغ إتلافاً وأخذاً، وهو جار على أصل أحمد، لأنه لم يختلف أصحابهأن العقوبات في المال غير منسوخة. وقول الشيخ أبي محمد المقدسي: ولا يجوز أخذ ماله وهو المعزر، فإشارة منه إلى ما يفعله الولاة الظلمة.
والتعزير يكون على فعل المحرمات، وترك الواجبات; فمن جنس ترك الواجبات: من كتم ما يجب بيانه، كالبائع المدلس، والمؤجر، والناكح، وغيرهم من المعاملين، وكذا الشاهد، والمخبر، والمفتي، والحاكم، ونحوهم، فإن كتمان الحق شبيه بالكذب، وينبغي أن يكون سبباً للضمان، كما أن الكذب سبب للضمان، فإن ترك الواجبات عندنا في الضمان، كفعل المحرمات؛ حتى قلنا فيمن قدر على إنجاء شخص، بإطعام أو سقي، فلم يفعل فمات ضمنه. وعلى هذا، فلو كتم شهادة أبطل بها حق مسلم، ضمنه.
ومن هذا الباب: لو كان في القرية أو المحل أو البلدة، رجل ظالم، فسأل الوالي الغريم عن مكانه، ليأخذ منه الحق، فإنه يجب دلالته، بخلاف ما لو كان قصده أكثر من الحق. فعلى هذا، إذا كتموا ذلك حتى تلف الحق، ضمنوه، ويملك السلطان تعزير من ثبت عنده أنه كتم الخبر الواجب، كما يملك تعزير المقر إقراراً مجهولاً حتى
стр. 3078
يفسره، ومن كتم الإقرار. وقد يكون التعزير ترك المستحب، كما يعزر العاطس الذي لم يجهر، بترك تشميته.
وسئل أيضاً: الشيخ عبد الله: عن قولهم: إن رأى الإمام العفو عنه جاز، وقال في المبدع ومعناه من الشرح: ما كان من التعزير منصوص عليه، كوطء جارية امرأته، أو الجارية المشتركة، فيجب امتثال الأمر فيه، وما لم يكن رأى الإمام المصلحة فيه، وجب كالحد. وإن رأى العفو جاز، للأخبار ... إلى آخر الكلام.
فأجاب: اعلم أن في وجوب التعزير وعدمه، روايتين في مذهب أحمد: إحداهما: الوجوب مطلقاً، وهي المذهب، وعليه الأصحاب، وهي من مفردات المذهب. ومال إلى وجوبه الشيخ تقي الدين، وعنه: مندوب، نص عليه في تعزير رقيقه على معصيته، وشاهد الزور؛ قال في المغني والشرح: إن كان التعزير منصوصاً عليه، كوطء جارية امرأته، أو المشتركة، وجب، وإن كان غير منصوص عليه، وجب إذا رأى المصلحة فيه، أو علم أنه لا ينزجر إلا به. وإن رأى العفو عنه، جاز. انتهى.
قلت: ومراده إذا كان في العفو عنه مصلحة، قال في الكافي: يجب التعزير في الموضعين اللذين ورد فيهما الخبر، إلا إن جاء تائباً فله تركه. انتهى. قلت: ومراده
стр. 3079
بالموضعين: إذا وطئ أمة امرأته مع تحليلها له، والأمة المشتركة، وهو معنى كلام صاحب المبدع الذي ذكرته في السؤال؛ وليس في ذلك معارضة لما تقدم من كلامهم، لأنه إذا جاء تائباً نادماً جاز ترك تعزيره، كما روي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة هود آية: ١١٤] أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، وفعل بها كل شيء إلا الجماع، ثم جاء تائباً، وذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، قال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ الآية [سورة هود آية: ١١٤] ، فقال الرجل: ألي ذلك يا رسول الله، أم لجميع الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : " بل لجميع أمتي " ١، رواه الأئمة من طرق مختلفة.
قال المجد: فإن جاء من استوجب التعزير تائباً، لم يعزر عندي. انتهى. قال في الرعاية: إن تشاتم اثنان عزرا، ويحتمل عدمه؛ قال في الفروع: فدل على أن ما رآه تعين فلا يبطله غيره، وأنه يتعين قدر تعزيره خلافاً لمالك. انتهى. قلت: يعني إذا عين الإمام التعزير للمصلحة، فلا يجوز لغيره إبطاله، وأنه يتعين قدر تعزير عينه الإمام؛ قال في الإنصاف: ويجب إذا طالب الآدمي بحقه، قال في الفروع وفي المغني: في قذف صغيرة لا يحتاج في التعزير إلى مطالبة، لأنه مشروع لتأديبه، فللإمام تعزيره إذا رآه، يؤيده نصه: فيمن سب صحابياً، يجب على السلطان تأديبه، ولم يقيده بطلب وارث، مع أن
стр. 3080
أكثرهم أو كثيرًا منهم له وارث.
وقد نص في مواضع على التعزير ولم يقيده، وهو ظاهر كلام الأصحاب، ويأتي في أول آداب القاضي: إذا افتات خصم على الحاكم له تعزيره، مع أنه لا يحكم لنفسه إجماعاً، فدل على أنه ليس كحق الآدمي المفتقر جواز إقامته إلى طلب؛ ولهذا أجاب في المغني عن قول الأنصاري للنبي ﷺ عن الزبير: أن كان ابن عمتك، وأنه لم يعزره; وعن قول الرجل: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله، بأن للإمام العفو عنه.
وفي البخاري: "أن عيينة بن حصن لما أغضب عمر، هم به، فتلا عليه الحرّ بن قيس ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ الآية [الأعراف: ١٩٩] ". قال في شرح مسلم في قول عائشة: " ما انتقم رسول الله ﷺ إلا أن يُنتهَك شيء من محارم الله فينتقم لله " ١: إنه يستحب لولاة الأمور التخلق بهذا، فلا ينتقم لنفسه ولا يهمل حقاً، انتهى كلام صاحب الفروع.
فعلم مما تقدم: أن الأمير والحاكم إذا رأى التعزير في المعصية جاز له ذلك، وإن كان لحق آدمي ولا يفتقر جوازه إلى طلب صاحب الحق، لأن ذلك من باب إنكار المنكر، وإزالة الظلم الذي يتعلق بالأئمة والأمراء. وأما نائب الإمام، فالمعروف عندنا: أن نائبه الأمير والقاضي جميعاً.
стр. 3081
وسئل: عن الأمير يؤدب الرعية بأخذ شيء من مالهم، هل يحل؟ أو يصرف في بيت المال؟
فأجاب: أما ما أدب به الرعية بأخذ شيء من المال، فهذا جائز في قول كثير من العلماء، وأما حل أكله أو صرفه في بيت المال فلا أدري.
سئل بعضهم: إذا قدم رجل معه امرأة غير محرم له، كبنت عمه وليس معهما غيرهما، كم نجلدهما؟
فأجاب: لا يجوز للرجل أن يخلو بأجنبية، وهي كل امرأة يجوز له أن يتزوجها، لحديث ابن عباس: " لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم " ١، متفق عليه. وأما حد الجلد فليس عليهما حد، بل يعزران بما يردعهما. والتعزير على الإمام أو نائبه، فإن رأى العفو عنه عفا، لكن العفو للمصلحة؛ ويكون التعزير بالنيل من عرضه، كقوله: يا ظالم، يا معتد، وبإقامته من المجلس، وبأخذ المال أو إتلافه، وبالجلد وليس فيه عدد معلوم إلا ما نص عليه الشارع؛ والتعزير أصل عظيم فيه صلاح الدين والدنيا.
سئل الشيخ عبد الله أبا بطين: عن شتم العيال وخصامهم؟
فأجاب: أما شتم العيال وخصامهم، إذا كان من باب التأديب والتمرين والتعليم، فهو مندوب إليه، بشرط أن لا
стр. 3082
يخرج بالشتم والخصام إلى كلام منهي عنه، وأن لا يتجاوز بالضرب عشر جلدات، في حق من يجوز له ضربه، ممن له الولاية عليه. قال الشيخ عبد الله بن حمد الحجازي: وأما الفتوى التي أفتى بها الشيخ عبد العزيز بن حسن، ﵀، فيمن ظهرت عليه الريبة في عرضه، فهذا نصها، قال: وأما من ظهرت منه الريبة وقويت، ولم تؤثر فيه النصيحة، فيؤدب بحسب قوة الريبة وضعفها؛ وإن لم يندفع فساده إلا بالنفي نفي، إلا أن يترتب على نفيه مفسدة أكبر فلا ينفى، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المضار وتقليلها. انتهى كلامه. فتأمله تجده وافياً بالمقصود مع اختصاره.
سئل بعضهم: ما قولكم، علماء المسلمين، إذا نبّه إمام المسلمين وولي أمرهم، على رعيته أن لا يسابلوا بلدة حربية، وأناس من أهل الذمة عند العهد، أن لا يسابلوا تلك البلدان الكفار، وأيضاً، اشترط على أناس من أهل الذمة، وسابلوهم بعد أن نبّه الإمام عليهم بعدم المسابلة، وأن من سابل هذه البلد الكافرة، تراني أُؤَدِّبه وأنكّله، أيجوز لولي الأمر، ومن ظفر بهم يأخذهم، والحالة كما ذكرنا؟ فبينوا لنا مأجورين، إن شاء الله تعالى.
الجواب: فنقول: الكلام على هذه المسألة في
стр. 3083
مقامين: الأول: أن المسلم العاصي بمسابلة هذه البلدة المذكورة، مستحق الأدب والنكال بالحبس والضرب، وأخذ ماله وإتلافه، وإن حسّس على المسلمين علماً يضرهم أبيح دمه وماله، بإجماع العلماء من الأمة المحمدية، ويصير أدباً لأمثاله.
وأنسب ما يعاقب به العاصي بنقيض قصده: فإن كان الذي حمله على هذا حب المال، والاستكثار منه، فيؤدب بأخذه منه وإتلافه، كما هو مستفاد من شريعته ﷺ : لما غل الغال حرق متاعه، وأخذ مصحفه وبيع وأخذ ثمنه، وضرب؛ وفعله الخلفاء الراشدون. ولما حمل القاتل لمورثه الاستعجال على المال، عوقب بنقيض قصده، وحرم الإرث. ولما استعجل الناكح في العدة، عوقب بتحريمها عليه. ولما استشغل المتخلفون عن الصلاة في بيوتهم أراد أن يحرقها عليهم لولا الذرية.
ولما أساء الشافع في السلب على أمير السرية، عاقب المشفوع له بمنعه منه. ولما أخذ السارق من التمر، عاقبه بضعف الثمن مرتين. ولما كتم صاحب المال الزكاة، أخذ شطر ماله.
وهذا كله يدل على جواز العقوبات المالية، وأخذها، عزمة من عزمات ربنا. وعلى أن الأنسب معاقبة العاصي بنقيض قصده، لأن العقوبات الشرعية مقدرة، وغير
стр. 3084
مقدرة: أما المقدرة فلا يزاد فيها ولا ينقص، وأما التي غير مقدرة فهي ترجع إلى اجتهاد ولاة الأمر بما يرونه؛ وهذا مما لا خلاف فيه. قال الإمام ابن القيم، رحمه الله تعالى: هذا من باب التعزير، والعقوبات الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة. انتهى كلامه.
المقام الثاني: في الذمي إذا نقض بعض ما شرط عليه، أجمع العلماء من كل مذهب على إباحة دمه وماله؛ والدليل على ذلك: أنه ﷺ لما صالح أهل خيبر، اشترط عليهم الصفراء والبيضاء، والحلقة - أي السلاح - وأن لا يكتموا ولا يغيبوا شيئاً، فإن كتموا أو غيبوا شيئاً فلا ذمة لهم.
فغيبوا مسكاً لحيي بن أخطب فيه مال وحلي، فسألهم عنه، فقالوا: أذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ : "العهد قريب والمال أكثر من ذلك، فدفع من كان عنده ذلك إلى الزبير يستقره، فمسه بعذاب، فقال: لقد رأيت حيياً يطوف في خربة هناك، فذهبوا به فوجدوا المسك في الخربة، فقتل رسول الله ﷺ بني أبي الحقيق، وسبى نساءهم وذراريهم، وقسم أموالهم بالنكث "، "وغزا أهل مكة لما أعانوا بني بكر على خزاعة خفية"؛ قال الإمام ابن القيم، ﵀: إن ذلك من السياسة الشرعية،
стр. 3085
فإن الله سبحانه قادر على أن يدل رسوله على الكنز بطريق الوحي، لكن أراد أن يسن للأئمة عقوبة المتهمين.
قال الإمام ابن القيم، ﵀، في الهدي النبوي: فواجب على الإمام إزالة المنكرات، وتحريق أمكنة المعصية التي يعصى الله فيها ورسوله، وهدمها، كما "حرق رسول الله ﷺ مسجد الضرار، وأمر بهدمه"، وهو مسجد يصلى فيه ويذكر الله فيه، لما كان بناؤه ضراراً، وتفريقاً بين المؤمنين، وكذلك محالّ المعاصي والفسوق، كالخانات، وبيوت الخمارين، وأرباب المنكرات، وقد "حرق عمر قرية بكمالها يباع فيها الخمر، وحرق حانوت رويشد الثقفي، وسماه فويسقاً، وأحرق قصر سعد عليه، لما احتجب فيه عن الرعية".
قال الإمام موفق الدين بن قدامة المقدسي الحنبلي، في كتاب العمدة: مسألة: ومن نقض العهد بامتناعه من التزام الجزية والملة، أو قاتل المسلمين، أو هرب إلى دار الحرب، حل دمه وماله، لأن في كتاب عبد الرحمن بن غنم، الذي فيه شرائط أهل الذمة على أنفسهم: وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا، فلا ذمة لنا، وقد حل لكم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق، فزاد عليهم عمر: "ومن ضرب مسلماً فقد خلع عهده"، فظاهره: أنه متى نقض شيئاً من ذلك حل دمه وماله، ولأنه عقد بشرط،