← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

شاءها منهم؛ بل هم الذين يخلقون أفعال أنفسهم، من خير وشر، وطاعة ومعصية; والدرجة الأولى نفاها غلاة القدرية، كمعبد الجهني، وعمرو بن عبيد; ونص أحمد، والشافعي على كفر هؤلاء. وأما من قال: إن الله لم يخلق أفعال العباد، ولم يشأها منهم، مع إقرارهم بالعلم، ففي تكفيرهم نزاع مشهور بين العلماء. فحقيقة القدر، الذي فرض علينا الإيمان به: أن نعتقد أن الله سبحانه عالم ما العباد عاملون، قبل أن يوجدهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأن أعمال العباد خيرها وشرها مخلوقة لله واقعة بمشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٣٧] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٣] ،: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٧] ، فهذه الآيات ونحوها صريحة في أن أعمال العباد، خيرها وشرها، وضلالهم واهتداءهم، كل ذلك صادر عن مشيئته. وقال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس آية: ٧-٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [سورة المعارج آية: ١٩-٢٠-٢١] ، فدل ذلك على أن الله سبحانه هو الذي جعلها فاجرة، أو تقية، وأنه خلق الإنسان هلوعا، خلقه متصفا بالهلع، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ

стр. 352

مُؤْمِنٌ﴾ [سورة التغابن آية: ٢] . ففي هذه الآية: بيان أن الله تعالى خلق المؤمن وإيمانه، والكافر وكفره. وقد صنف البخاري - رحمه الله تعالى - كتاب خلق أفعال العباد، واستدل بهذه الآيات، أو بعضها على ذلك، وفي الحديث: " إن الله خلق كل صانع وصنعته ". وأما الأدلة على تقدم علم الله سبحانه بجميع الكائنات قبل إيجادها، وكتابة ذلك، ومنها: السعادة، والشقاوة، وبيان أهل الجنة، وأهل النار قبل أن يوجدهم، فكثيرة جدا، كقوله سبحانه: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٢] ، وقال النبي ﷺ : " إن الله كتب مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء " ١، وفي حديث آخر: " إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة " ٢. والأحاديث في هذا كثيرة جدا. فهؤلاء الذين وصفنا قولهمبأن الله لم يخلق أفعال العباد، ولا شاءها منهم هم القدرية، الذين هم مجوس هذه الأمة; وقابلتهم طائفة أخرى، غلوا في إثبات القدر، وهم الذين يسمون الجبرية; فقالوا: إن العبد مجبور مقهور على ما يصدر منه، لا قدرة له فيه ولا اختيار، بل هو كغصن الشجرة الذي تحركه الريح; والذي عليه أهل السنة والجماعة: الإيمان بأن أفعال العباد مخلوقة لله، صادرة عن

стр. 353

مشيئته. وهي أفعال لهم، وكسب لهم باختيارهم، فلذا ترتب عليها الثواب، والعقاب. والسلف يسمون الجبرية قدرية، لخوضهم في القدر، ولهذا ترجم الخلال في كتاب "السنة" فقال: الرد على القدرية وقولهم إن الله جبر العباد على المعاصي. ثم روى عن بقية قال: سألت الزبيدي والأوزاعي عن الجبر؟ فقال الزبيدي: " أمر الله أعظم، وقدرته أعظم من أن يجبر أو يعضل; ولكن يقضي ويقدر، ويخلق ويجبل عبده على ما أوجب ". وقال الأوزاعي: " ما أعرف للجبر أصلا من القرآن ولا السنة. فأهاب أن أقول ذلك، ولكن القضاء والقدر، والجبل، والخلق، فهذا يعرف من القرآن، والحديث " قال شيخ الإسلام ابن تيمية، ﵀: فهذان الجوابان اللذان ذكرهما هذان الإمامان في عصر تابع التابعين من أحسن الأجوبة. أما الزبيدي، فقال: ما تقدم، وذلك لأن الجبر في اللغة إلزام الإنسان بغير رضاه، كما يقول الفقهاء، هل تجبر المرأة على النكاح أم لا؟ وإذا عضلها الولي ماذا تصنع؟ فقال: الله أعظم من أن يجبر، أو يعضل، لأن الله قادر على أن يجعل العبد مختارا راضيا لما يفعله، مبغضا تاركا لما يتركه، فلا جبر على أفعاله الاختيارية، ولا عضل عما يتركه لكراهته، أو عدم إرادته. وروي عن سفيان الثوري: أنه أنكر "جبر" وقال: "الله سبحانه جبل العباد ". وقال الراوي عنه: وأظنه أراد

стр. 354

قوله ﷺ لأشج عبد القيس: (بل جبلت عليهما) فقال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين، يحبهما الله، يعني: الحلم، والأناة. وقال المروذي للإمام أحمد إن رجلا يقول: إن الله جبر العباد، فقال: لا نقول هكذا، وأنكر هذا، وقال: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة المدثر آية: ٣١] . وأما المعتزلة: فهم الذين يقولون بالمنْزلة بين المنْزلتين، يعنون: أن مرتكب الكبيرة يصير في منْزلة بين الكفر والإسلام، فليس هو بمسلم، ولا كافر; ويقولون: إنه يخلد في النار، ومن دخل النار لم يخرج منها بشفاعة، ولا غيرها. وأول من اشتهر عنه ذلك: عمرو بن عبيد، وكان هو وأصحابه يجلسون معتزلين الجماعة، فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة. وهم كانوا بالبصرة بعد موت الحسن البصري. وضم المعتزلة إلى ذلك: التكذيب بالقدر، ثم ضموا إلى ذلك: نفي الصفات، فيثبتون الاسم دون الصفة، فيقولون: عليم بلا علم، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، وهكذا سائر الصفات. فهم قدرية جهمية، وامتازوابالمنْزلة بين المنْزلتين وخلود عصاة الموحدين في النار. وأما الخوارج: فهم الذين خرجوا على علي ﵁، وقبل ذلك قتلوا عثمان ﵁، وكفروا عثمان، وعليا، وطلحة، والزبير ومعاوية، وطائفتي علي ومعاوية، واستحلوا دماءهم.

стр. 355

وأصل مذهبهم الغلو الذي نهى الله عنه، وحذر عنه النبي ﷺ ، فكفروا من ارتكب كبيرة، وبعضهم يكفر بالصغائر، وكفروا عليا وأصحابه بغير ذنب، فكفروهم بتحكيم الحكمين: عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري، وقالوا: لا حكم إلا لله. واستدلوا على قولهم بالتكفير بالذنوب، بعمومات أخطؤوا فيها، وذلك كقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٣] ،: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ١٤] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٣] ، وغير ذلك من الآيات. وأجمع أهل السنة والجماعة: أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار إذا ماتوا على التوحيد، وأن من دخل النار منهم بذنبه يخرج منها كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ . وأيضا، فلو كان الزاني وشارب الخمر والقاذف والسارق ونحوهم كفارا مرتدين لكان حكمهم في الدنيا القتل الذي هو حكم الله في المرتدين؛ فلما حكم الله على الزاني البكر الجلد وعلى السارق بالقطع وعلى الشارب والقاذف بالجلد، دلنا حكم الله فيهم بذلك أنهم لم يكفروا بهذه الذنوب كما تزعمه الخوارج.

стр. 356

فإذا عرفت مذهبهم أن أصله التكفير بالذنوب، وكفروا أصحاب رسول الله ﷺ ، واستحلوا قتلهم، متقربين بذلك إلى الله، فإذا تبين لك ذلك، تبين لك ضلال كثير من أهل هذه الأزمنة، في زعمهم: أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وأتباعه خوارج؛ ومذهبهم مخالف لمذهب الخوارج، لأنهم يوالون جميع أصحاب رسول الله ﷺ ، ويعتقدون فضلهم على من بعدهم، ويوجبون اتباعهم، ويدعون لهم، ويضللون من قدح فيهم، أو تنقص أحدا منهم، ولا يكفرون بالذنوب، ولا يخرجون أصحابها من الإسلام، وإنما يكفرون من أشرك بالله، أو حسن الشرك؛ والمشرك كافر بالكتاب، والسنة، والإجماع، فكيف: يجعل هؤلاء مثل أولئك؟!. وإنما يقول ذلك معاند يقصد التنفير للعامة; أو يقول ذلك جاهل بمذهب الخوارج، ويقوله تقليدا; ولو قدرناأن إنسانا يقع منه جراءة، وجسرة على إطلاق الكفر، جهلا منه، فلا يجوز أن ينسب إلى جميع الطائفة، وإنما ينسب إليهم ما يقوله شيخهم، وعلماؤهم بعده؛ وهذا أمر ظاهر للمنصف، وأما المعاند المتعصب، فلا حيلة فيه. إذا عرفت مذاهب الفرق المسؤول عنها، فاعلم أن أكثر أهل الأمصار اليوم أشعرية، ومذهبهم في صفات الرب موافق لبعض ما عليه المعتزلة الجهمية.

стр. 357

فهم يثبتون بعض الصفات دون بعض، فيثبتون الحياة والعلم والقدرة والإرادة والسمع، والبصر والكلام، وينفون ما سوى هذه الصفات بالتأويل الباطل. مع أنهم وإن أثبتوا صفة الكلام موافقة لأهل السنة، فهم في الحقيقة نافون لها، لأن الكلام عندهم هو: المعنى فقط. ويقولون: حروف القرآن مخلوقة، لم يتكلم الله بحرف، ولا صوت; فقالت لهم الجهمية: هذا هو نفس قولنا: إن كلام الله مخلوق، لأن المراد: الحروف، لا المعنى. ومذهب السلف قاطبة أن كلام الله غير مخلوق، وأنه تكلم بالقرآن حروفه ومعانيه، وأنه سبحانه يتكلم بصوت يسمعه من شاء. والأشعرية لا يثبتون علو الرب فوق سماواته واستواءه على عرشه، ويسمون: من أثبت صفة العلو والاستواء على العرش مجسما مشبها، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنهم يثبتون صفة العلو والاستواء كما أخبر سبحانه بذلك عن نفسه، ووصفه به رسوله ﷺ ، من غير تكييف ولا تعطيل. وصرح كثير من السلف بكفر من لم يثبت صفة العلو والاستواء. والأشاعرة وافقوا الجهمية في هذه الصفة، لكن الجهمية، يقولون: إنه سبحانه في كل مكان، والحلولية والأشعرية يقولون: كان ولا مكان، فهو على ما كان، قبل أن يخلق المكان.

стр. 358

والأشعرية: يوافقون أهل السنة في روية المؤمنين ربهم في الجنة، ثم يقولون: معنى الرؤية: إنما هو زيادة علم يخلقه الله في قلب الناظر ببصره، لا رؤية بالبصر حقيقة عيانا; فهم بذلك نافون للرؤية، التي دل عليها القرآن، وتواترت بها الأحاديث عن النبي ﷺ . ومذهب الأشاعرة أن الإيمان مجرد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح، قالوا: وإن سميت الأعمال في الأحاديث إيمانا، فعلى المجاز لا الحقيقة. ومذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وقد كفر جماعة من العلماء من أخرج العمل عن الإيمان. فإذا تحققت ما ذكرنا من مذهب الأشاعرة، من نفي صفات الرب سبحانه غير السبع التي ذكرنا، ويقولون: إن الله لم يتكلم بحرف ولا صوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويزعمون أن كلام الرب سبحانه معنى واحد، وأن نفس القرآن هو نفس التوراة والإنجيل، لكن إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل. ولا يثبتون رؤية أهل الجنة ربهم بأبصارهم. إذا عرفت ذلك، عرفت خطأ من جعل الأشعرية من أهل السنة، كما ذكره السفاريني في بعض كلامه، ويمكن أنه

стр. 359

أدخلهم في أهل السنة مداراة لهم، لأنهم اليوم أكثر الناس، والأمر لهم، مع أنه قد دخل بعض المتأخرين من الحنابلة، في بعض ما هم عليه. (هل النبي ﷺ حي في قبره، وهل يشفع للمشركين) وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين: هل النبي ﷺ حي في قبره؟ فأجاب: الله أخبر بحياة الشهداء، ولا شك أن الأنبياء أعلى رتبة من الشهداء، وأحق بهذا، وأنهم أحياء في قبورهم. ونحن نرى الشهداء رميما، وربما أكلتهم السباع، ومع ذلك هم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٩-١٧٠] ، فحياتهم حياة برزخية، الله أعلم بحقيقتها. والنبي ﷺ قد مات بنص القرآن والسنة، ومن شك في موته فهو كافر، وكثير من الناس خصوصا في هذه الأزمنة يدعون أنه ﷺ حي كحياته لما كان على وجه الأرض بين أصحابه، وهذا غلط عظيم، فإن الله سبحانه أخبر بأنه ميت. وهل جاء أثر صحيح أنه باعثه لنا في قبره كما كان قبل موته؟ وقد قام البرهان القاطع: أنه لا يبقى أحد حي، حين يقول الله : ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [سورة غافر آية: ١٦] ، فيكون ﷺ قد مات ثم بعثه في قبره ثم مات، فيكون له ثلاث موتات، ولغيره موتتان. وقد قال أبو بكر

стр. 360

رضي الله عنه لما جاءه بعد موته: "أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، ولن يجمع الله عليك موتتين"، وقال سبحانه عن أهل الجنة: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلاَّ الْمَوْتَةَ الأُولَى﴾ [سورة الدخان آية: ٥٦] ، يعني: التي كانت في الدنيا. أفيكون الرسول ﷺ قد مات موتة ثانية، بعد الموتة الأولى؟ وأيضا: لو كان في قبره حيا، مثل حياته على ظهر الأرض، لسأله أصحابه عما أشكل عليهم، قال عمر ﵁:" ثلاث وددت أني سألت رسول الله ﷺ عنهن، الجد، والكلالة، وأبواب من الربا ".فهلا جاء إلى قبره؟ واستسقى بالعباس ولم يجئ إلى قبره يستسقي به. ومعلوم ما صار بعده ﷺ من الاختلاف العظيم، ولم يجئ أحد إلى قبره ﷺ يسأله عما اختلفوا فيه؟ وفي الحديث المشهور: " ما من مسلم يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇ " ١، فهذا يدل على أن روحه ﷺ ليست دائمة في قبره، ومعرفة الميت زائره، ليس مختصا به ﷺ . والذين يظنون أن حياته في قبره كحياته قبل موته، يقرؤون في كتاب الشفاء وغيره، الحكاية المشهورة عندهم: أن الإمام مالكا قال للمنصور، لما رفع صوته في مسجد النبي ﷺ : لا ترفع صوتك في مسجد رسول الله ﷺ ، فإن حرمته ميتا، كحرمته حيا. وقد عقد ابن القيم ﵀ في النونية، فصلا على من ادعى هذه الدعوى، وأجاد ﵀.

стр. 361

والحديث الذي: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " ١ ليس له أصل. وأما قوله لعلي ﵁:" أنت مني بمنْزلة هارون من موسى " ٢ فهو: حديث صحيح، وسببه: أن النبي ﷺ لما تجهز لغزوة تبوك، لم يأذن لعلي في الغزو، واستخلفه على أهله، فقال علي: يا رسول الله، تخلفني مع النساء، والصبيان؟ فقال ﷺ : " أما ترضى أن تكون مني بمنْزلة هارون من موسى " ٣. قال العلماء: يشير إلى قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [سورة الأعراف آية: ١٤٢] ، فالمراد: استخلافه ﷺ عليا على أهله في سفر غزوه. وأما من قال: إن النبي ﷺ يشفع للمشركين يوم القيامة، فهذا كذب، يرده: قول النبي ﷺ لما سأله أبو هريرة ﵁: من أحق الناس بشفاعتك يا رسول الله؟ قال: " من قال لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله " ٤. فشفاعته ﷺ لأهل التوحيد لا للمشركين، وقال ﷺ : " إني اختبأت دعوتي شفاعة لأهل الكبائر من أمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى من مات لا يشرك بالله شيئا " ٥. (حكم من مات في زمن الفترات ولم تبلغه الدعوة) وسئل أيضا: رحمه الله تعالى: ما حكم من مات في زمن الفترات، ولم تبلغه الدعوة؟ فأجاب: وأما حكم من مات في زمن الفترات، ولم تبلغه دعوة رسول الله ﷺ ، فالله سبحانه أعلم به. واسم

стр. 362

الفترة لا يختص بأمة دون أمة كما قال الإمام أحمد في خطبة: الرد على الزنادقة والجهمية: الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل، بقايا من أهل العلم. ويروى هذا اللفظ عن عمر ﵁. والكلام في حكم أهل الفترة لسنا مكلفين به، والخلاف في المسألة معروف. ولما تكلم في الفروع على حكم أطفال المشركين، وكذا من بلغ منهم مجنونا، قال: ويتوجه مثلها من لم تبلغه الدعوة، وقاله شيخنا، وفي الفنون عن أصحابنا: لا يعاقب، وذكر عن ابن حامد: يعاقب مطلقا، إلى أن قال: وقال القاضي أبو يعلى، في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٥] : في هذا دليل على أن معرفة الله لا تجب عقلا، وإنما تجب بالشرع، وهو بعثة الرسل، وأنه لو مات الإنسان قبل ذلك، لم يقطع عليه بالنار. انتهى. وقال ابن القيم ﵀ في طبقات المكلفين: الطبقة الرابعة عشر: قوم لا طاعة لهم ولا معصية، ولا كفر ولا إيمان، قال: وهؤلاء أصناف، منهم: من لم تبلغه الدعوة بحال، ولا سمع لها بخبر؛ ومنهم: المجنون الذي لا يعقل شيئا; ومنهم: الأصم الذي لا يسمع شيئا أبدا؛ ومنهم: أطفال المشركين الذين ماتوا قبل أن يميزوا شيئا. فاختلفت الأمة في حكم هذه الطبقة اختلافا كثيرا. وذكر

стр. 363

الأقوال واختار ما اختاره شيخه أنهم يكلفون يوم القيامة. واحتج بما رواه الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع، مرفوعا قال: " أربعة يحتجون يوم القيامة: رجل أصم لا يسمع، ورجل أحمق، ورجل هرم، ورجل مات في الفترة. أما الأصم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وأنا ما أسمع شيئا. وأما الأحمق فيقول: رب لقد جاء الإسلام والصبيان يرمونني بالبعر. وأما الهرم فيقول: رب لقد جاء الإسلام وما أعقل. وأما الذي مات في الفترة فيقول: رب ما أتاني من رسول. فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم رسولا: أن ادخلوا النار. فوالذي نفسي بيده، لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما " ثم رواه من حديث أبي هريرة بمثله، وزاد في آخره: " ومن لم يدخلها رد إليها " انتهى. وذكر ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [سورة الإسراء آية: ١٥] ، قال: وهذه مسألة اختلف الأئمة فيها، وهي مسألة الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار، وكذلك المجنون والأصم والخرف والأحمق ومن مات في الفترة. وقد روي في شأنهم أحاديث: أنا أذكرها بعون الله وتوفيقه. ثم ذكر في المسألة عشرة أحاديث، افتتحها بالحديث الذي ذكرناه. ثم أشار إلى الخلاف.

стр. 364

ثم قال: ومن العلماء من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه، ومن عصى دخل النار، وانكشف علم الله فيه. وهذا القول: يجمع بين الأدلة; وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة، المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض; وهذا القول: حكاه الأشعري عن أهل السنة، ثم رد قول من عارض ذلك بأن الآخرة ليست بدار تكليف، إلى أن قال: ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة، وقد يتكلم فيها من لا علم عنده، كره جماعة من العلماء الكلام فيها، روي ذلك عن ابن عباس، وابن الحنفية، والقاسم بن محمد، وغيرهم. قال: وليعلم: أن الخلاف في الولدان مخصوص بأولاد المشركين، فأما ولدان المسلمين والمؤمنين، فلا خلاف بين العلماء، حكاه القاضي أبو يعلى الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال: لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة، فأما ما ذكره ابن عبد البر: أنهم توقفوا في ذلك، وأن الولدان كلهم تحت المشيئة، وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر، فهذا غريب جدا، وذكر القرطبي في التذكرة نحوه. وقال أيضا: وأما الأحاديث التي فيها إطلاق الكفر على من فعل معصية، كقوله ﷺ " قتال المؤمن كفر " ١،

стр. 365

وقوله: " كفر من تبرأ من نسبه "، ونحو ذلك، فهذا محمول عند العلماء على التغليظ، مع إجماع أهل السنة على أن نحو هذه الذنوب، لا تخرج من الإسلام; ويقال: كفر دون كفر; وكذلك لفظ الظلم، والفسق، ظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. والأحاديث التي فيها تحريم الجنة على فاعل بعض الكبائر، فهذا على التشديد والتغليظ، لإجماع أهل السنة والجماعة أنه لا يبقى في النار أحد من أهل التوحيد، كما دلت على ذلك الأحاديث المتواترة عن النبي ﷺ . (معنى قول مؤلف الحموية: أما الذين وافقوه ببواطنهم وعجزوا عن إقامة الظواهر) وسئل أيضا: الشيخ عبد الله أبا بطين: ما معنى قول مؤلف الحموية: أما الذين وافقوه ببواطنهم، وعجزوا عن إقامة الظواهر، أو الذين وافقوه بظواهرهم، وعجزوا عن تحقيق البواطن، أو الذين وافقوه ظاهرا وباطنا بحسب الإمكان، فلا بد للمنحرفين عن سنته، أن يعتقدوا فيهم نقصا يذمونهم به، ويسمونهم بأسماء مكذوبة، وإن اعتقدوا صدقها، كقول الرافضي: من لم يبغض أبا بكر وعمر، فقد أبغض عليا. فأجاب: لما ذكر قبل ذلك: أن السنة هي ما كان عليه رسول الله ﷺ اعتقادا، واقتصادا، وقولا، وعملا، ثم ذكر التابعين له على بصيرة، الذين هم أولى الناس به، في المحيا والممات، باطنا وظاهرا، ثم ذكر الفريق الذين وافقوه ببواطنهم، وعجزوا عن إقامة الظواهر، فهم الذين وافقوه اعتقادا، وعجزوا عن إقامة القول، والعمل، كالدعوة

стр. 366

إلى الله سبحانه، وطائفة وافقوه في الظواهر، وعجزوا عن تحقيق البواطن، على ما هي عليه، من الفرق بين الحق والباطل بقلوبهم، ففيهم نقص من هذا الوجه; وفريق وافقوه ظاهرا وباطنا، بحسب الإمكان، لكنهم دون الأولين التابعين له على بصيرة، اعتقادا واقتصادا، قولا وعملا، والله أعلم. (معنى قوله ﷺ وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي) وسئل عن معنى، قوله ﷺ : " وأنا الحاشر يحشر الناس على قدمي " ١؟ وفي لفظ: " على عقبي "؟ فأجاب: قوله ﷺ لي خمسة أسماء، وذكر منها الحاشر، الذي يحشر الناس على قدمي، قوله: (قدمي) ، روي: بتخفيف الياء، على الإفراد، وتشديدها على التثنية، وفي رواية: (على عقبي) أي: على أثري وزمان نبوتي، ورسالتي، إذ لا نبي بعده، وقيل معناه: يقدمهم وهم خلفه، أو على أثره في المحشر، لأنه أول من تنشق عنه الأرض و "العاقب" هو: الذي يخلف من كان قبله في الخير، ومنه: عقب الرجل لولده، وقيل معناه: لأنه ليس بعده نبي، لأن العقب هو الآخر، فهو عقب الأنبياء، أي: آخرهم. (بيان الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن لعقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب) سئل الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى، عن عقيدة شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب، وحقيقة ما يدعو إليه؟

стр. 367

فأجاب: بما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة، بشيرا ونذيرا. أما بعد: فقد سألت أرشدك الله أن أرسل إليك نبذة مفيدة، كاشفة عن حال الشيخ الإمام، العالم، القدوة، المجدد لما اندرس من دين الإسلام، القائم بنصرة شريعة سيد الأنام، الشيخ: محمد بن عبد الوهاب، أحسن الله له المآب، وضاعف له الثواب، ويسّر له الحساب. وذكرت أرشدك الله: أن جهتكم لا يوجد فيها ذلك، وأن عندكم من الطلبة من يتشوق إلى تلك المناهج والمسالك، فكتبت إليك هذه الرسالة، وسودت إليك هذه الكراسة والعجالة ليعلم الطالب، ويتحقق الراغب حقيقة ما دعا إليه هذا الإمام، وما كان عليه من الاعتقاد والفهم التام، ويستبين للناظر فيها، ما يبهت به الأعداء من

стр. 368

الأكاذيب والافتراء، التي يرومون بها تنفير الناس، عن المحجة والسبيل، وكتمان البرهان والدليل. وقد كثر أعداؤه ومنازعوه، وفشا البهت بينهم فيما قالوه ونقلوه، فربما اشتبه على طالب الإنصاف والتحقيق، والتبس عليه واضح المنهج والطريق، فإن استصحب الأصول الشرعية، وجرى على القوانين المرضية، عرف أن لكل نعمة حاسدا، ولكل حق جاحدا؛ ولا يقبل في نقل الأقوال والأحكام، إلا العدول الثقات، الضابطين من الأنام. ومن استصحب هذا استراح عن البحث فيما ينقل إليه ويسمع، ولم يلتفت إلى أكثر ما يختلق ويصنع، وكان من أمره على منهاج واضح ومشرع. فصل: (نشأة الإمام محمد بن عبد الوهاب وحياته) فأما نسب هذا الشيخ فهو: الإمام العالم القدوة البارع محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد، بن محمد بن بريد بن مشرف. ١. ولد ﵀ سنة خمس عشرة بعد المائة والألف من الهجرة النبوية، في بلد: العينية من أرض نجد، ونشأ

стр. 369

بها وقرأ القرآن بها حتى حفظه وأتقنه قبل بلوغه العشر. وكان حاد الفهم سريع الإدراك والحفظ، يتعجب أهله من فطنته، وذكائه. وبعد حفظ القرآن اشتغل بالعلم وجد في الطلب وأدرك بعض الإرب قبل رحلته لطلب العلم، وكان سريع الكتابة، ربما كتب الكراسة في المجلس. قال أخوه سليمان: كان والده يتعجب من فهمه، ويعترف بالاستفادة منه مع صغر سنه. ووالده هو: مفتي تلك البلاد، وجده مفتي البلاد النجدية، آثاره وتصنيفه وفتواه تدل على علمه وفقهه. وكان جده إليه المرجع في الفقه والفتوى، وكان معاصرا الشيخ منصور البهوتي الحنبلي خادم المذهب، اجتمع به بمكة. وبعد بلوغ الشيخ سن الاحتلام، قدمه والده في الصلاة، ورآه أهلا للائتمام. ثم طلب الحج إلى بيت الله الحرام، فأجابه والده إلى ذلك المقصد والمرام وبادر إلى قضاء فريضة الإسلام، وأداء المناسك على التمام. ثم قصد المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأقام بها قريبا من شهرين. ثم رجع إلى وطنه قرير العين، واشتغل بالقراءة في الفقه، على مذهب الإمام أحمد ﵀. ثم بعد ذلك رحل يطلب العلم، وذاق حلاوة التحصيل والفهم، وزاحم العلماء الكبار، ورحل إلى البصرة والحجاز

стр. 370

مرارا، واجتمع بمن فيها من العلماء، والمشايخ الأحبار، وإلى الأحساء، وهي إذ ذاك آهلة بالمشايخ والعلماء، فسمع وناظر، وبحث واستفاد، وساعدته الأقدار الربانية، بالتوفيق والإمداد. وروى عن جماعة، منهم: الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي ثم المديني وأجازه من طريقين، وأول ما سمع منه: الحديث المسلسل بالأولية في كتب السماع بالسند المتصل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :" الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " ١ وسمع منه مسلسل الحنابلة بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا أراد الله بعبده خيرا استعمله، قالوا كيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح قبل موته " ٢ وهذا الحديث: من ثلاثيات أحمد ﵀. وطالت إقامة الشيخ ورحلته بالبصرة، وقرأ بها كثيرا من الحديث والفقه، والعربية، وكتب من الحديث، والفقه، واللغة ما شاء الله في تلك الأوقات. وكان يدعو إلى التوحيد، ويظهره لكثير ممن يخالطه ويجالسه، ويستدل عليه ويظهر ما عنده من العلم وما لديه. كان يقول: إن الدعوة كلها لله، لا يجوز صرف شيء منها إلى سواه، وربما ذكروا بمجلسه إشارة الطواغيت أو

стр. 371

شيئا من كرامات الصالحين الذين كانوا يدعونهم ويستغيثون بهم، ويلجؤون إليهم في المهمات، فكان ينهى عن ذلك ويزجر، ويورد الأدلة من الكتاب والسنة، ويحذر ويخبر: أن محبة الأولياء والصالحين، إنما هي متابعتهم في ما كانوا عليه، من الهدى والدين، وتكثير أجورهم بمتابعتهم على ما جاء به سيد المرسلين; وأما دعوى المحبة والمودة مع المخالفة في السنة والطريقة، فهي دعوى مردودة، غير مسلمة عند أهل النظر والحقيقة، ولم يزل على ذلك ﵀. ثم رجع إلى وطنه، فوجد والده قد انتقل إلى بلدة: حريملا، فاستقر معه فيها، يدعو إلى السنة المحمدية ويبديها، ويناصح من خرج عنها، ويفشيها، حتى رفع الله شأنه، ورفع ذكره، ووضع له القبول، وشهد له بالفضل ذووه، من أهل المعقول والمنقول. وصنف كتابه المشهور في التوحيد، وأعلن بالدعوة إلى صراط العزيز الحميد، وقرئ عليه هذا الكتاب المفيد، وسمعه كثير ممن لديه من طالب ومستفيد، وشاعت نسخه في البلاد، وطار ذكرها في الغور والأنجاد، وفاز بصحبته واستفاد، من جرد القصد وسلم من الأشر والبغي والفساد. وكثر بحمد الله محبوه وجنده، وصار معه عصابة من فحول الرجال، وأهل السمت الحسن والكمال، يسلكون معه

стр. 372

الطريق ويجاهدون كل فاسق وزنديق. فصل (مبدأ دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب وحالة البلاد عند ظهوره) كان أهل عصره ومصره في تلك الأزمان، قد اشتدت غربة الإسلام بينهم، وعفت آثار الدين لديهم، وانهدمت قواعد الملة الحنيفية وغلب على الأكثرين ما كان عليه أهل الجاهلية، وانطمست أعلام الشريعة في ذلك الزمان، وغلب الجهل والتقليد والإعراض عن السنة والقرآن، وشب الصغير وهو لا يعرف من الدين إلا ما كان عليه أهل تلك البلدان، وهرم الكبير على ما تلقاه عن الآباء والأجداد، وأعلام الشريعة مطموسة، ونصوص التنْزيل وأصول السنة فيما بينهم مدروسة، وطريقة الآباء والأسلاف مرفوعة الأعلام، وأحاديث الكهان والطواغيت مقبولة غير مردودة، ولا مدفوعة، قد خلعوا ربقة التوحيد والدين، وجدوا واجتهدوا في الاستغاثة، والتعلق على غير الله، من الأولياء والصالحين، والأوثان والأصنام والشياطين. وعلماؤهم ورؤساؤهم، على ذلك مقبلون، ومن بحره الأجاج شاربون، وبه راضون، وإليه مدى الزمان داعون، قد أعشتهم العوائد والمألوفات، وحبستهم الشهوات والإرادات، عن الارتفاع إلى طلب الهدى من النصوص المحكمات، والآيات البينات، يحتجون بما رأوه من الآثار الموضوعات، والحكايات

стр. 373

المختلقة، والمنامات، كما يفعله أهل الجاهلية وغبر الفترات. وكثير منهم يعتقد النفع والضر في الأحجار والجمادات، ويتبركون بالآثار والقبور في جميع الأوقات: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١٩] ،: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] ،: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] . فأما بلاد نجد، فقد بالغ الشيطان في كيدهم وجد، وكانوا ينتابون قبر زيد بن الخطاب، ويدعونه رغبا ورهبا بفصيح الخطاب، ويزعمون أنه يقضي لهم الحوائج، ويرونه من أكبر الوسائل والولائج، وكذلك عند قبر يزعمون أنه قبر ضرار بن الأزور، وذلك كذب ظاهر، وبهتان مزور. وكذلك عندهم: نخل - فحال - ينتابه النساء والرجال، ويفعلون عنده أقبح الفعال. والمرأة إذا تأخر عنها الزواج، ولم ترغب فيها الأزواج، تذهب إليه، فتضمه بيدها، وتدعوه برجاء وابتهال، وتقول: يا فحل الفحول، أريد زوجا قبل الحول. وشجرة عندهم تسمى: الطرفية، أغراهم الشيطان بها، وأوحى إليهم التعلق عليها، وأنها ترجى منها البركة، ويعلقون عليها الخرق، لعل الولد يسلم من السوء.

стр. 374

وفي أسفل بلدة الدرعية مغارة في الجبل، يزعمون أنها انفلقت من الجبل، لامرأة تسمى: بنت الأمير، أراد بعض الناس أن يظلمها ويضير، فانفلق لها الغار، ولم يكن له عليها اقتدار، كانوا يرسلون إلى هذا المكان من اللحم والخبز ما يقتات به جند الشيطان. وفي بلدتهم رجل يدعي الولاية، يسمى: تاج، يتبركون به، ويرجون منه العون والإفراج، وكانوا يأتون إليه، ويرغبون فيما عنده من المدد - بزعمهم - ولديه، فتخافه الحكام والظلمة، ويزعمون أن له تصرفا، وفتكا بمن عصاه وملحمة، مع أنهم يحكون عنه الحكايات القبيحة الشنيعة، التي تدل على انحلاله عن أحكام الملة والشريعة. وهكذا سائر بلاد نجد، على ما وصفنا من الإعراض عن دين الله، والجحد لأحكام الشريعة والرد. ومن العجب أن هذه الاعتقادات الباطلة، والمذاهب الضالة، والعوائد الجائرة، والطرائق الخاسرة قد فشت وظهرت، وعمت وطمت، حتى بلاد الحرمين الشريفين! فمن ذلك: ما يفعل عند قبر محجوب، وقبة أبي طالب، فيأتون قبره بالشماعات والعلامات للاستغاثة عند نزول المصائب، وحلول النواكب، وكانوا له في غاية التعظيم، ولا ما يجب عند البيت الكريم! فلو دخل سارق أو غاصب أو ظالم قبر أحدهما، لم يتعرض له أحد، لما يرون له من وجوب التعظيم والاحترام والمكارم.

стр. 375

ومن ذلك: ما يفعل عند قبر ميمونة أم المؤمنين ﵂، في سرف، وكذلك عند قبر: خديجة، ﵂، يفعل عند قبرها، ما لا يسوغ السكوت عليه، من مسلم يرجو الله والدار الآخرة، فضلا عن كونه من المكاسب الدينية الفاخرة، وفيه: من اختلاط النساء بالرجال، وفعل الفواحش والمنكرات وسوء الأفعال، ما لا يقره أهل الإيمان والكمال وكذلك سائر القبور المعظمة المشرفة، في بلد الله الحرام: مكة المشرفة. وفي الطائف، قبر ابن عباس، ﵄، يفعل عنده من الأمور الشركية التي تشمئز منها نفوس الموحدين، وتنكرها قلوب عباد الله المخلصين، وتردها الآيات القرآنية وما ثبت من النصوص عن سيد المرسلين، منها: وقوف السائل عند القبر، متضرعا مستغيثا، وإبداء الفاقة إلى معبودهم مستكينا مستعينا، وصرف خالص المحبة التي هي محبة العبودية، والنذر، والذبح لمن تحت ذاك المشهد والبنية. وأكثر سوقتهم وعامتهم يلهجون بالأسواق: اليوم على الله وعليك يا ابن عباس، فيستمدون منه الرزق والغوث، وكشف الضر والبأس. وذكر محمد بن الحسين النعيمي الزبيدي، ﵀: أن رجلا رأى ما يفعل أهل الطائف، من الشعب الشركية والوظائف، فقال: أهل الطائف لا يعرفون الله، إنما يعرفون ابن عباس، فقال له

стр. 376

بعض من يترشح للعلم: معرفتهم لابن عباس كافية، لأنه يعرف الله. فانظر إلى هذا الشرك الوخيم، والغلو الذميم، المجانب للصراط المستقيم، ووازن بينه وبين قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ١٨٦] ، وقوله جل ذكره: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] . وقد لعن رسول الله ﷺ اليهود والنصارى، باتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد، يعبد الله فيها، فكيف بمن عبد الصالحين، ودعاهم مع الله؟ والنصوص في ذلك لا تخفى على أهل العلم. كذلك ما يفعل بالمدينة المشرفة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، هو من هذا القبيل، بالبعد عن منهاج الشريعة والسبيل. وفي بندر جدة ما قد بلغ من الضلال حده، وهو القبر الذي يزعمون أنه قبر حواء، وضعه لهم بعض الشياطين، وأكثروا في شأنه الإفك المبين، وجعلوا له السدنة والخدام، وبالغوا في مخالفة ما جاء به محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، من النهي عن تعظيم القبور، والفتنة بمن فيها من الصالحين والكرام. وكذلك مشهد العلوي، بالغوا في تعظيمه وتوقيره، وخوفه ورجائه; وقد جرى لبعض التجار أنه انكسر بمال عظيم لأهل الهند وغيرهم، وذلك في سنة عشر

стр. 377

ومائتين وألف، فهرب إلى مشهد العلوي مستجيرا، ولائذا به، مستغيثا، فتركه أرباب الأموالولم يتجاسر أحد من الرؤساء، والحكام، على هتك ذاك المشهد والمقام، واجتمع طائفة من المعروفين، واتفقوا على تنجيمه في مدة سنين، فنعوذ بالله من تلاعب الفجرة، والشياطين. وأما بلاد مصر وصعيدها، وفيومها وأعماله، فقد جمعت من الأمور الشركية والعبادات الوثنية والدعاوى الفرعونية ما لا يتسع له كتاب، ولا يدنو له خطاب، لا سيما عند مشهد أحمد البدوي وأمثاله من المعتقدين المعبودين، فقد جاوزوا بهم ما ادعته الجاهلية لآلهتهم. وجمهورهم يرى من تدبير الربوبية، والتصريف في الكون بالمشيئة، والقدرة العامة ما لم ينقل مثله عن أحد من الفراعنة والنماردة. وبعضهم يقول: يتصرف في الكون سبعة، وبعضهم يقول: أربع، ة وبعضهم يقول: قطب يرجعون إليه. وكثير منهم يرى الأمر شورى بين عدد ينتسبون إليه; فتعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾ [سورة الكهف آية: ٥] . وقد استباحوا عند تلك المشاهد من المنكرات، والفواحش، والمفاسد، ما لا يمكن حصره، ولا يستطاع وصفه، واعتمدوا في ذلك من الحكايات والخرافات

стр. 378

والجهالات، ما لا يصدر عمن له أدنى مسكة أو حظ من المعقولات، فضلا عن النصوص الشرعيات. كذلك ما يفعل في بلدان اليمن، جار على تلك الطريق والسنن، ففي صنعاء، وبرع، والمخا، وغيرها من تلك البلاد ما يتنَزه العاقل عن ذكره ووصفه، ولا يمكن الوقوف على غايته وكشفه، ناهيك بقوم استخفهم الشيطان، وعدلوا عن عبادة الرحمن إلى عبادة القبور والشيطان. فسبحان من لا يعجل بالعقوبة على الجرائم، ولا يهمل الحقوق والمظالم. وفي حضرموت، والشحر، وعدن ويافع، ما تستك عن ذكره المسامع، يقول قائلهم: شيء لله يا عيدروس! شيء لله يا محيي النفوس! وفي أرض نجران من تلاعب الشيطان، وخلع ربقة الإيمان، ما لا يخفى على أهل العلم بهذا الشأن. كذلك رئيسهم، المسمى بالسيد، لقد أتوا من طاعته، وتعظيمه، وتقديمه، وتصديره، والغلو فيه، بما أفضى بهم إلى مفارقة الملة والإسلام، والانحياز إلى عبادة الأوثان والأصنام: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّّ لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٣١] . وكذلك حلب ودمشق وسائر بلاد الشام، فيها من

стр. 379

تلك المشاهد والنصب والأعلام، ما لا يجامع عليه أهل الإيمان والإسلام، من أتباع سيد الأنام. وهي تقارب ما ذكرنا، من الكفريات المصرية، والتلطخ بتلك الأحوال الوثنية الشركية. وكذلك الموصل، وبلاد الأكراد، ظهر فيها من أصناف الشرك والفجور والفساد. وفي العراق من ذلك بحره المحيط بسائر الخلجان، وعندهم المشهد الحسيني، قد اتخذه الرافضة وثنا، بل ربا مدبرا وخالقا ميسرا، وأعادوا به المجوسية، وأحيوا به معاهد اللات والعزى، وما كان عليه أهل الجاهلية. وكذلك مشهد العباس، ومشهد: علي، ومشهد أبي حنيفة، ومعروف الكرخي، والشيخ عبد القادر، فإنهم قد افتتنوا بهذه المشاهد، رافضتهم وسنيتهم، وعدلوا عن أسنى المطالب والمقاصد، ولم يعرفوا ما وجب عليهم من حق الله الفرد الصمد الواحد. وبالجملة: فهم شر تلك الأمصار، وأعظمهم نفورا عن الحق، واستكبارا. والرافضة يصلون لتلك المشاهد، ويركعون ويسجدون لمن في تلك المعاهد، وقد صرفوا من الأموال والنذور، لسكان تلك الأجداث والقبور، ما لا يصرف عشر معشاره للملك العلي الغفور. ويزعمون: أن زيارتهم لعلي وأمثاله، أفضل من سبعين

стр. 380

حجة لله تعالى وتقدس في مجده وجلاله، ولآلهتهم من التعظيم والتوقير والخشية والاحترام، ما ليس معه من تعظيم الله، وتوقيره وخشيته وخوفه، شيء للإله الحق، والملك العلام. ولم يبق مما عليه النصارى، سوى دعوى الولد، مع أن بعضهم يرى الحلول لأشخاص بعض البرية ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ١٨٠] . وكذلك جميع قرى الشط، والمجرة، على غاية من الجهل، وفي القطيف، والبحرين، من البدع الرافضية، والأحداث المجوسية، والمقامات الوثنية، ما يضاد ويصادم أصول الملة الحنيفية. فمن اطلع على هذه الأفاعيل، وهو عارف بالإيمان والإسلام، وما فيهما من التفريع والتأصيل، تيقن أن القوم قد ضلوا عن سواء السبيل، وخرجوا عن مقتضى القرآن والدليل، وتمسكوا بزخارف الشيطان، وأحوال الكهان، وما شابه هذا القبيل، فازداد بصيرة في دينه، وقوي بمشاهدته إيمانه ويقينه، وجد في طاعة مولاه وشكره، واجتهد في الإنابة إليه وإدامة ذكره، وبادر إلى القيام بوظائف أمره، وخاف أشد الخوف على إيمانه من طغيان الشيطان وكفره. فليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا. ولقد أحسن العلامة: محمد بن إسماعيل، الأمير، فيما أبداه عن أهل وقته، من التبديل والتغيير.

стр. 381

فصل: (إنكار أهل العلم لكل مشاهد البدع والشرك) وهذه الحوادث المذكورة، والكفريات المشهورة، والبدع المزبورة، قد أنكرها أهل العلم والإيمان، واشتد نكيرهم حتى حكموا على فاعلها بخلع ربقة الإسلام والإيمان. ولكن لما كانت الغلبة للجهال والطغام، انتقضت عرى الدين، وانثلمت أركانه وانطمست منه الأعلام، وساعدهم على ذلك من قل حظه ونصيبه من الرؤساء والحكام، والمنتسبين من الجهال إلى معرفة الحلال والحرام، فاتبعتهم العامة والجمهور من الأنام، ولم يشعروا بما هم عليه من المخالفة والمباينة لدين الله الذي اصطفاه لخاصته وأوليائه وصفوته الكرام. ومع عدم العلم، والإعراض عن النظر في آيات الله والفهم، لا مندوحة للعامة عن تقليد الرؤساء والسادة، ولا يمكن الانتقال عن المألوف والعادة، ولهذا كرر التنبيه، على هذه الحجة الداحضة، والعادة المطردة الفاضحة، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [سورة لقمان آية: ٢١] ، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ الآية [سورة الزخرف آية: ٢٣] . وقد قرر هذا المعنى في القرآن، لحاجة العباد، وضرورتهم إلى معرفته، والحذر منه، وعدم الاغترار بأهله. وما أحسن ما قال عبد الله بن المبارك، ﵀:

стр. 382

وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورهبانها! إذا عرفت هذا، فليس إنكار هذه الحوادث من خصائص هذا الشيخ، بل له سلف صالح من أئمة العلم والهدى، قاموا بالتنكير والرد على من ضل وغوى وصرف خالص العبادة إلى من تحت أطباق الثرى، وسنسرد لك من كلامهم ما تقر به العيون وتثلج به الصدور، ويتلاشى معه ما أحدثه الجهال من البدع والإشراك والزور. قال: أبو بكر الطرطوشي، في كتابه المشهور، الذي سماه: "الحوادث والبدع": روى البخاري عن أبي واقد الليثي، قال: (خرجنا مع رسول الله ﷺ قبل حنين، ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله ﷺ : " الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده، كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ ١ لتركبن سنن من كان قبلكم ". فانظروا رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق; فهي: ذات أنواط، فاقطعوها; انتهى كلامه ﵀.

стр. 383

فانظر رحمك الله، إلى تصريح هذا الإمام: بأن كل شجرة يقصدها الناس ويعظمونها، ويرجون الشفاء والعافية من قبلها، فهي ذات أنواط، التي قال رسول الله ﷺ لأصحابه لما طلبوا منه أن يجعل لهم شجرة كذات أنواط، فقال: " الله أكبر، هذا كقول بني إسرائيل، اجعل لنا إلها "، ١ مع أنهم لم يطلبوا إلا مجرد مشابهتهم في العكوف عندها، وتعليق الأسلحة للتبرك. فتبين لك بهذا أن من جعل قبرا أو شجرة، أو شيئا حيا أو ميتا مقصودا له، ودعاه واستغاث به، وتبرك به، وعكف على قبره، فقد اتخذه إلها مع الله. فإذا كان الرسول - صلوات الله وسلامه عليه - أنكر عليهم مجرد طلبهم منه مشابهة المشركين، في العكوف وتعليق الأسلحة للتبرك، فما ظنك بما هو أعظم من ذلك وأطم؟! الشرك الأكبر، الذي حرمه الله، ورسوله، وأخبر أن أصلح الخلق لو يفعله لحبط عمله وصار من الظالمين; فصلوات الله وسلامه عليه، فقد بلغ البلاغ المبين، وعرفنا بالله، وأوضح لنا الصراط المستقيم، فحقيق بمن نصح نفسه، وآمن بالله، واليوم الآخر، أن لا يغتر بما عليه أهل الشرك، من عبادة القبور، من هذه الأمة. ومن ذلك: ما ذكره الإمام، محدث الشام: عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بأبي

стр. 384

شامة، من فقهاء الشافعية وقدمائهم، في كتابه الذي سماه: الباعث على إنكار البدع والحوادث، في فصل: البدع المستقبحة. قال: البدع المستقبحة تنقسم إلى قسمين: قسم تعرفه العامة والخاصة، أنه بدعة محرمة أو مكروهة، وقسم يظنه معظمهم إلا من عصمه الله، عبادات، وقربات، وطاعات، وسننا. فأما القسم الأول: فلا نطول بذكره، إذ كفينا مؤنة الكلام عنه، لاعتراف فاعله أنه ليس من الدين، لكن نبين من هذا القسم ما قد وقع فيه جماعة من جهال العوام، النابذين لشريعة الإسلام، التاركين للاقتداء بأئمة الدين من الفقهاء، وهو ما يفعله طوائف من المنتسبين للفقر، الذي حقيقته الافتقار من الإيمان، من مواخاة النساء الأجانب، والخلوة بهن، واعتقادهم في مشايخ لهم ضالين مضلين، يأكلون في نهار رمضان من غير عذر، ويتركون الصلاة، ويخامرون النجاسات، غير مكترثين بذلك، فهم داخلون تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] . وبهذه الطرق وأمثالها كان مبادئ ظهور الكفر، من عبادة الأصنام وغيرها، ومن هذا القسم أيضا ما قد عم الابتلاء به، من تزيين الشيطان للعامة تخليق الحيطان والعمد، وسرج مواضع مخصوصة في كل بلد، يحكي لهم حاك أنه رأى في منامه بها أحدا، ممن شهر بالصلاح،

стр. 385

والولاية، فيفعلون ذلك، ويحافظون عليه، مع تضييعهم فرائض الله تعالى، وسننه، ويظنون أنهم متقربون بذلك. ثم يتجاوزون هذا إلى أن يعظم وقع تلك الأماكن في قلوبهم، فيعظمونها، ويرجون الشفاء لمرضاهم، وقضاء حوائجهم، بالنذر لهم، وهي ما بين: عيون وشجر، وحائط وحجر. وفي مدينة دمشق - صانها الله من ذلك - مواضع متعددة، كعوينة الحمى، خارج باب توما، والعمود المخلق داخل الباب الصغير، والشجرة الملعونة اليابسة، خارج باب النصر في نفس قارعة الطريق، سهل الله قطعها واجتثاثها من أصلها، فما أشبهها بذات أنواط الواردة في الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق، وسفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سنان بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي ﵁ قال: " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حنين، وكانت لقريش شجرة خضراء عظيمة يأتونها كل سنة، فيعلقون عليها سلاحهم، ويعكفون عندها، ويذبحون لها ". وفي رواية: " خرجنا مع النبي ﷺ قبل حنين، ونحن حديثو عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عليها، وينوطون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فتنادينا من جنبتي الطريق، ونحن نسير إلى حنين: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط، كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ : الله أكبر، هذا كما قال قوم موسى: ﴿اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون﴾ . لتركبن سنن من كان

стр. 386

قبلكم " أخرجه الترمذي بلفظ آخر، والمعنى واحد، وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال الإمام أبو بكر الطرطوشي، في كتابه المتقدم ذكره ١: فانظروا رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها. قلت: ولقد أعجبني ما فعله الشيخ أبو إسحاق، الجبيناني، رحمه الله تعالى، أحد الصالحين ببلاد إفريقية، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله، محمد بن أبي العباس المؤدب: أنه كان إلى جانبه عين تسمى: عين العافية، كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد، قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة، إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت، فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن. قلت: وأدهى من ذلك وأمر، إقدامهم على قطع الطريق السابلة، يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية، التي هي من بناء الجن، في زمن نبي الله سليمان بن داود ﵇، أو من بناء ذي القرنين، وقيل فيها غير ذلك،

стр. 387

مما يؤذن بالتقدم، على ما نقلناه في: كتاب تاريخ مدينة دمشق، حرسها الله تعالى، وهو الباب الشمالي، ذكر لهم بعض من لا يوثق به، في شهور سنة ست وثلاثين وستمائة، أنه رأى مناما يقتضي أن ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت. وقد أخبرني عنه ثقة: أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريقة المارة فيه، وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب، وقد كان الطريق يضيق بسالكيه، فتضاعف الضيق والحرج، على من دخل ومن خرج. ضاعف الله عذاب من تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان على هدمه وإزالة اعتدائه، اتباعا لسنة النبي ﷺ في هدم مسجد الضرار، المرصد لأعدائه من الكفار، فلم ينظر الشارع إلى كونه مسجدا، وهدمه لما قصد به من السوء والردى، وقال تعالى لنبيه ﷺ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٨] . نسأل الله الكريم معافاتنا من كل ما يخالف رضاه، وأن لا يجعلنا ممن أضله، فاتخذ إلهه هواه. وهذا الشيخ أبو شامة، من كبار أئمة الشافعية، في أوائل القرن السابع. وقال الإمام: أبو الوفاء، ابن عقيل الحنبلي ﵀: لما صعبت التكاليف على الجهلة والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.

стр. 388

قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، وإلزامها لما نهى عنه الشارع، من إيقاد السرج، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وأخذ بتربتها تبركا بها، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرّة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر، أو محمد وعلي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى. فتأمل رحمك الله تعالى ما ذكره هذا الإمام، الذي هو أجل أئمة الحنابلة، بل من أجل أئمة الإسلام، وما كشف من الأمور التي يفعلها الخواص من الأنام، فضلا عن النساء والغوغاء والعوام، مع كونه في سادس القرون، والناس إذ ذاك لما ذكره يفعلون، وجهابذة العلماء والنقدة لذلك يشهدون، وحظهم من النهي مرتبة ثانية، فهم بها قائمون، يتضح لك فساد ما زخرفه المبطلون، وموه به المتعصبون والملحدون. وقال الشيخ تقي الدين: وأما سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غيره، فهو من المحرمات المنكرة،

стр. 389

باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به ترة، أو عرضت له حاجة، لميت: يا سيدي، يا فلان، أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقوله بعض هؤلاء المشركين، لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها. (ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك إذا أجدبنا، فتسقينا، فإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا) ، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، و (كذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام، توسل بيزيد بن الأسود الجرشي) ، فهذا الذي ذكره عمر ﵁ توسلا منه بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس، وبدعاء يزيد بن الأسود، وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، فقالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فأفضل. وقد كره العلماء كمالك، وغيره، أن يقوم الرجل عند

стр. 390

قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف. قال أصحاب مالك: إنه إذا دخل المسجد يدنو من القبر، فيسلم على النبي ﷺ ، ويدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره؛ فأما إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد زال المحذور بلا خلاف. ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإذا كان قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه، قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويصلي. ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة، وثلثت، لما بنيت; فلم يجعل حائطها الشمالي، على سمت القبلة، ولا جعل مسطحا. وذكر الإمام، وغيره أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبره; وذلك بعد تحيته، والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه. وذكروا أنه إذا حياه، وصلى، يستقبل وجهه - بأبي وأمي ﷺ فإذا أراد الدعاء: جعل الحجرة عن يساره، واستقبل القبلة، ودعا، وهذا مراعاة منهم أن يفعل الداعي أو الزائر ما نهي عنه من تحري الدعاء عند القبر. وقد: كره مالك - رحمه الله تعالى - وغيره، من أهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد، أن يجيء فيسلم
следующие страницы →