وهو أيضاً مع القدرة، ويشترط أن لا يترتب عليه مفسدة، كما قال: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٠٨] . وقد أخذ بعض الناس من هذا: أن درء المفاسد يقدم على جلب المصالح، كما هو مقرر في علم الأصول.
ثم إن الآية: آية الغلظة، مدنية، بعد تمكن الرسول ﷺ وأصحابه من الجهاد باليد، وظهور الاستمرار على الكفر من أعدائهم، فوقعت الغلظة في مركزها حيث لم ينفع اللين؛ وأسعد الناس بوراثة الرسول ﷺ في دعوة الخلق، أكملهم في متابعته له في هذا.
وكان الصديق أكمل الناس، ولذلك أسلم على يده وانتفع به أمم كثيرة، بخلاف غيره، فقد قيل لبعضهم: "إن منكم منفرين". والقصد من التشريع والأوامر: تحصيل المصالح ودرء المفاسد حسب الإمكان، وقد لا يمكن إلا مع ارتكاب أخف الضررين، أو تفويت أدنى المصلحتين؛ واعتبار الأشخاص والأزمان والأحوال أصل كبير، فمن أهمله وضيعه، فجنايته على الشرع وعلى الناس أعظم جناية.
وقد قرر العلماء هذه الكليات والجزئيات، وفصلوا الآداب الشرعيات، فمن أراد أن ينصب نفسه في مقام الدعوة، فليتعلم أولاً، وليزاحم ركب العلماء، قبل أن يرأس، فيدعو بحجة ودليل، ويدري كيف السير في ذلك السبيل.
стр. 3292
فإن الصناعة لا يعرفها إلا من يعانيها، والعلوم لا يدريها إلا من أخذها عن أهلها، وصحب راويها.
ما كل من طلب المعالي نافذاً ... فيها ولا كل الرجال فحولُ
هذا وقد كنت أظن أنكم تحبون من هاجر إليكم، وتراعون حق أسلافه في المشيخة عليكم، وكأن العلم وتعليمه، وحق الشيخ وتكريمه، غير معتبر لدى الجمهور، بل قصدهم: المناصب والظهور، قال الشيخ وحدثنا، وجلس الأستاذ وأنبأنا، هو غاية قصد الأكثرين، إلا عباد الله المخلصين. والسلام عليكم وعلى من حضر من المسلمين لديكم، وما بسطت لك الكلام، إلا محبة وإعلام، وصلى الله على محمد.
[الآثار الدالة على فرضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
وله أيضاً، رحمه الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى الأخ المكرم: عبد الرحمن بن جربوع، وفقه الله للعمل بدينه المشروع؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فنحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، على سوابغ نعمه، وجزيل عطائه وكرمه، وعلى ما ألبسنا من ملابس فضله، وما اختصنا به من عظيم العطاء الذي صرفه عمن شاء بعدله؛ والخط وصل. وصلك الله إلى ما يرضيه،
стр. 3293
ونظمك في سلك من يخشاه ويتقيه. وأوصيك بتقوى الله، والحرص على معرفة تفاصيلها على القلوب والجوارح، فإنك في وقت كثر قراؤه، وقل فقهاؤه.
وما ذكرت: من طلب الفائدة، بما ورد من النصوص الشرعية الدالة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهذا مما لا يخفى آحاد العامة من المسلمين، فضلاً عن الطلبة والمتعلمين؛ وهذا الأصل من آكد الأصول الإسلامية، وأوجبها وألزمها، وقد ألحقه بعضهم بالأركان التي لا يقوم بناء الإسلام إلا عليها. وهو من فروض الكفاية، لا يسقط عن المكلفين، إلا إن قام به طائفة يحصل بها المقصود الشرعي.
وفرض الكفاية آكد من فرض العين من جهة متعلقه، لأن الخطاب به لجميع الأمة، وإنما أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله: التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله: الشرك، والعمل لغير الله؛ وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته.
ولا يرى تركه والمداهنة فيه، إلا من أضاع حظه ونصيبه من العلم والإيمان، قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية:
стр. 3294
١١٠] . وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
فهذه الآيات تدل على وجوبه، وأن القائم به خير الناس وأفضلهم، وأن الخيرية لا تحصل إلا بذلك. وفيها: أن الفلاح محصور في أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو الفوز بالسعادة الأبدية.
وأما الوعيد على تركه، فمثل قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] . ففي هذه الآية: لعنهم على ألسن أنبيائهم، بترك النهي عن المنكر والأمر بالمعروف، واللعن هو: الطرد والإبعاد عن الله وعن رحمته.
وذكر بعض المفسرين هنا حديثاً: " إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيراً، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأن لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفس محمد بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً، أو ليضربنّ الله
стр. 3295
بقلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم ".
وذكر ابن أبي الدنيا عن إبراهيم بن عمرو الصنعاني قال: "أوحى الله إلى يوشع بن نون: إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم، وستين ألفاً من شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم".
وذكر أيضاً، من حديث ابن عمر: " لينقضنّ الإسلام عروة عروة، حتى لا يقال: الله الله. لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلطنّ الله عليكم شراركم، فيسومونكم سوء العذاب، ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم. ولتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليبعثنّ الله عليكم من لا يرحم صغيركم، ولا يوقر كبيركم". وفي المسند مرفوعاً: "يا أيها الناس، إن الله يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتستنصروني فلا أنصركم، وتسألوني فلا أعطيكم " ١. وفي حديث ابن عباس: " وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا لم ترفع أعمالهم، ولم يسمع دعاؤهم "، رواه الطبراني.
وذكر الإمام أحمد، ﵀، عن عمر بن الخطاب ﵁: "يوشك القرى أن تخرب وهي عامرة، قالوا: كيف تخرب وهي عامرة؟ قال: إذا علا فجارها
стр. 3296
أبرارها، وساد القبيلة منافقوها". والأحاديث في هذا كثيرة، تطلب من مظانها.
стр. 3297
فصل: [ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سبيل المداهنة]
وترك ذلك على سبيل المداهنة، والمعاشرة، وحسن السلوك، ونحو ذلك مما يفعله بعض الجاهلين، أعظم ضرراً، وأكبر إثماً من تركه لمجرد الجهالة. فإن هذا الصنف، رأوا أن السلوك وحسن الخلق، ونيل المعيشة لا يحصل إلا بذلك، فخالفوا الرسل وأتباعهم، وخرجوا عن سبيلهم ومنهاجهم، لأنهم يرون العقل إرضاء الناس على طبقاتهم، ويسالمونهم، ويستجلبون مودتهم ومحبتهم؛ وهذا مع أنه لا سبيل إليه، فهو إيثار للحظوظ النفسانية والدعة، ومسالمة الناس وترك المعاداة في الله وتحمل الأذى في ذاته.
وهذا في الحقيقة هو الهلكة في الآجلة، فما ذاق طعم الإيمان، من لم يوال في الله ويعاد فيه، فالعقل كل العقل، ما أوصل إلى رضى الله ورسوله، وهذا إنما يحصل بمراغمة أعداء الله، وإيثار مرضاته، والغضب إذا انتهكت محارمه. والغضب ينشأ من حياة القلب، وغيرته وتعظيمه، وإذا عدم الحياة والغيرة والتعظيم، وعدم الغضب والاشمئزاز، وسوى بين الخبيث والطيب في معاملته وموالاته ومعاداته، فأي خير يبقى في قلب هذا؟
стр. 3298
وفي بعض الآثار: "أن الله أوحى إلى جبرائيل، أن اخسف بقرية كذا وكذا، فقال: يا رب إن فيهم فلان العابد، قال: به فابدأ، إنه لم يتمعر وجهه فيّ قط". وذكر ابن عبد البر: "أن الله بعث ملكين إلى قرية ليدمراها، فوجدا فيها رجلاً قائماً يصلي في مسجد، فقالا: يا رب، إن فيها عبدك فلاناً يصلي، فقال الله : دمراها، ودمراه معهم، فإنه ما تمعر وجهه فيّ قط". انتهى.
ومن له علم بأحوال القلوب، وما يوجبه الإيمان ويقتضيه، من الغضب لله، والغيرة لحرماته وتعظيم أمره ونهيه، يعرف من تفاصيل ذلك فوق ما ذكرنا، ولو لم يكن إلا مشابهة المغضوب عليهم والضالين، في الأنس بأهل المعاصي، ومواكلتهم، ومشاربتهم، لكفى بذلك عيباً، والله الموفق والهادي، لا إله غيره، والسلام.
وقال أيضا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن: وأما الفرق بين المداراة والمداهنة: فالمداهنة: ترك ما يجب لله من الغيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتغافل عن ذلك، لغرض دنيوي، وهوى نفساني، كما في حديث: " إن من كان قبلكم كانوا إذا فعلت فيهم الخطيئة، أنكروها ظاهراً، ثم أصبحوا من الغد يجالسون أهلها، ويواكلونهم ويشاربونهم كأن لم يفعلوا شيئا بالأمس " ١. فالاستئناس والمعاشرة، مع القدرة على الإنكار، هي المداهنة.
стр. 3299
وثمود لو لم يدهنوا في ربهم ... لم تدْم ناقتهم بسيف قدارِ
وأما المداراة، فهي: درء الشر المفسد بالقول اللين، وترك الغلظة، أو الإعراض عنه إذا خيف شره، أو حصل منه أكبر مما هو ملابس؛ وفي الحديث: " شركم من اتقاه الناس خشية فحشه "، وعن عائشة، ﵂: " أنه استأذن على النبي رجل، فقال: بئس أخو العشيرة هو. فلما دخل على النبي ﷺ ، ألان له الكلام، فقالت عائشة: قلت فيه يا رسول الله ما قلت؟ فقال: إن الله يبغض الفحش والتفحش " ١.
وقال أيضاً، رحمه الله تعالى: من حكمة الرب تعالى، أنه ابتلى عباده المؤمنين، الذين يدعون الناس إلى ما دعا إليه النبي ﷺ من الدين، بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع:
الصنف الأول: من عرف الحق فعاداه حسداً وبغياً، كاليهود، فإنهم أعداء الرسول والمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٩٠] ، ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٦] .
الصنف الثاني: الرؤساء أهل الأموال، الذين فتنتهم
стр. 3300
دنياهم وشهواتهم، لما يعلمون أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه من شهوات الغي، فلم يعبؤوا بداعي الحق، ولم يقبلوا منه.
الصنف الثالث: الذين نشؤوا في باطل وجدوا عليه أسلافهم، فهم يظنون أنهم على حق وهم على الباطل، فهؤلاء لم يعرفوا إلا ما نشؤوا عليه، ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٤] . وكل هذه الأصناف الثلاثة وأتباعهم أعداء الحق، من لدن زمن نوح إلى أن تقوم الساعة. فأما الصنف الأول: فقد عرفت ما قال الله فيهم، وأما الصنف الثاني: فقد قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] . وقال عن الصنف الثالث: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٢] ، وقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [سورة الصافات آية: ٦٩-٧٠] .
стр. 3301
[ترك الأمر بالمعروف إرضاء للناس]
وقال الشيخ حمد بن عتيق، رحمه الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من حمد بن عتيق: إلى من بلغه من المسلمين، ألزمهم الله شرائع الدين، وجنبهم طريق الكفار والمنافقين آمين؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فالموجب للخط هو النصيحة لكم، والمعذرة من الله في إبلاغكم، فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥٩] ، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] .
وقد سمعتم فيما يتلى عليكم من حلول العقوبات، عند ظهور المنكرات، ولكن قد فتح الشيطان لكثير من الناس أبواباً من الشر، في إسقاط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وألقاها على أناس فيهم شبهة دين، حتى اعتقدوها أعذاراً لهم، وإنما هي من زخارف الشياطين ولكن إذا تبين أن الزاني والسارق وشارب الخمر، أحسن حالاً عند الله من هؤلاء الجنس، فهذا كاف في شناعة مذهبهم
стр. 3302
وسوء منقلبهم، فنسأل الله العفو والعافية.
ومما ينبغي أن يعلم: أن العقل على ثلاثة أنواع: عقل غريزي، وعقل إيماني مستفاد من مشكاة النبوة، وعقل نفاقي شيطاني، يظن أربابه أنهم على شيء؛ وهذا العقل هو حظ كثير من الناس بل أكثرهم، وهو عين الهلاك، وثمرة النفاق. فإن أربابه يرون أن العقل إرضاء الناس جميعهم، وعدم مخالفتهم في أغراضهم وشهواتهم، واستجلاب مودتهم، ويقولون: صلح نفسك بالدخول مع الناس، ولا تبغض نفسك عندهم؛ وهذا هو إفساد النفس، وهلاكها من أربعة أمور:
أحدها: أن فاعل ذلك قد التمس رضى الناس بسخط الله، وصار الخل في نفسه أجل من الله؛ ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس؛ فقد جاء أن الله تعالى يقول: "إذا غضبت لعنت، ولعنتي تبلغ السابع من الولد". فإذا ترك القادر المعروف فلم يأمر به، والمنكر فلم ينه عنه، فقد تسبب أن الله يلعنه لعنة تبلغ السابع من ولده، ومصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨] . فقد ظهر أن هذا المداهن قد أفسد نفسه من حيث يظن أنه يصلحها.
стр. 3303
الثاني: أن المداهن لا بد أن يفتح الله له باباً من الذل والهوان من حيث طلب العز; وقد قال بعض السلف: من ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، مخافة المخلوقين، نزعت منه الطاعة؛ فلو أمر ولده أو بعض مواليه لاستخف بحقه، فكما هان عليه أمر الله، أهانه الله وأذله، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٧] .
الثالث: أنها إذا نزلت العقوبات، فالمداهن داخل فيها، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [سورة الأنفال آية: ٢٥] ، وفي المسند والسنن عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال ﷺ : " إن من كان قبلكم إذا عمل العامل بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيراً إليه، فإذا كان الغد جالسه، وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ . والذي نفس محمد بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد السفيه، ولتأطرنّه على الحق أطراً، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليلعنكم كما لعنهم ". وذكر ابن أبي الدنيا عن وهب بن منبه قال: "لما أصاب داود الخطيئة، قال: يا رب اغفر لي، قال: قد غفرتها لك، وألزمت عارها بني إسرائيل، قال: لِم يا رب؟ كيف -
стр. 3304
وأنت الحكم العدل لا تظلم أحداً - أنا أعمل الخطيئة، وتلزم عارها غيري؟! فأوحى الله إليه: أنك لما عملت لم يعيبوا عليك بالإنكار".
وذكر ابن أبي الدنيا: "أن الله أوحى إلى يوشع بن نون، إني مهلك من قومك أربعين ألفاً من خيارهم، وستين ألفاً من شرارهم، قال: يا رب، هؤلاء الأشرار، فما بال الأخيار؟ قال: إنهم لم يغضبوا لغضبي، وكانوا يواكلونهم ويشاربونهم". وذكر ابن عبد البر وغيره: "أن الله تعالى أمر ملكاً من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب، إن فيهم فلاناً الزاهد العابد، قال: به فابدأ، وأسمعني صوته، إنه لم يتمعر وجهه فيّ يوماً قط". فالنجاة عند نزول العقوبات، هي لأهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ١٦٥] .
الرابع: أن المداهن، الطالب رضى الخلق، أخبث حالاً من الزاني والسارق والشارب؛ قال ابن القيم، رحمه الله تعالى: وليس الدين بمجرد ترك المحرمات الظاهرة، بل بالقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله، وأكثر الدينين لا يعبؤون منها، إلا بما شاركهم فيه عموم الناس، وأما الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة لله ورسوله وعباده، ونصرة الله ورسوله وكتابه ودينه، فهذه الواجبات،
стр. 3305
لا يخطرن ببالهم، فضلاً عن أن يريدوا فعلها، فضلاً عن أن يفعلوها. وأقل الناس ديناً، وأمقتهم إلى الله، من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها. وقل أن يرى منهم من يحمر وجهه، ويتمعر في الله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه؛ وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء. انتهى.
فلو قدر أن رجلاً يصوم النهار، ويقوم الليل، ويزهد في الدنيا كلها، وهو مع ذلك لا يغضب، ولا يتمعر وجهه ويحمر لله، فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فهذا الرجل من أبغض الناس عند الله، وأقلهم ديناً؛ وأصحاب الكبائر أحسن حالا عند الله منه.
وقد حدثني من لا أتهم، عن شيخ الإسلام، إمام الدعوة النجدية، أنه قال مرة: أرى ناساً يجلسون في المسجد على مصاحفهم، يقرؤون ويبكون، فإذا رأوا المعروف لم يأمروا به، وإذا رأوا المنكر لم ينهوا عنه، وأرى أناساً يعكفون عندهم، يقولون: هؤلاء لحى غوانم، وأنا أقول: إنهم لحى فوائن، فقال السامع: أنا لا أقدر أقول إنهم لحى فوائن، فقال الشيخ: أنا أقول: إنهم من العمي البكم.
ويشهد لهذا: ما جاء عن بعض السلف، أن الساكت عن الحق شيطان أخرس، والمتكلم بالباطل شيطان ناطق؛ فلو علم المداهن الساكت، أنه من أبغض الخلق عند الله،
стр. 3306
وإن كان يرى أنه طيب، لتكلم وصدع. ولو علم طالب رضى الخلق، بترك الإنكار عليهم، أن أصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله منه، وإن كان عند نفسه صاحب دين، لتاب من مداهنته ونزع. ولو تحقق من يبخل بلسانه عن الصدع بأمر الله أنه شيطان أخرس، وإن كان صائما قائماً زاهداً، لما ابتاع مشابهة الشيطان بأدنى الطمع.
اللهم إنا نعوذ بك من كل عمل يغضب الرحمن، ومن كل سجية تقربنا من التشبه بالشيطان، أو نداهن في ديننا أهل الشبهات والنفاق والكفران. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3307
[الخروج من الهجرة]
وقال الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد اللطيف: إلى جناب كافة الإخوان، من أهل الأرطاوية وغيرهم، سلمهم الله تعالى من الأسواء، ووفقهم للتمسك بالعروة الوثقى، وحماهم من الآراء المضلة والأهواء؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وموجب الخط: زيادة تنبيهكم وتفهيمكم، وتحذيركم عن الشحناء والتفرق والاختلاف، لما من الله عليكم بمعرفة دينه، وهداكم له، وأنقذكم من ظلمات الجهل والهوى، والشرك والردى، ومن الجاهلية الذين من عاش منهم عاش شقياً، ومن مات منهم رمي به في النار. وإن الله سبحانه وبحمده ما قطع الأخوة الإسلامية بين القاتل ظلماً، وبين المقتول، مع شدة الوعيد بقتل الظلم، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٨] فسماه أخاً له، ولم يقطع هذا الذنب العظيم الأخوة بينهم، قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا
стр. 3308
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين َإِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [سورة الحجرات آية: ٩-١٠] ؛ ولم يقطع سبحانه الأخوة بين المسلمين، وإن وقع بينهما القتال، وبغى إحدى الطائفتين على الأخرى.
وأنتم تهاجرتم، وتشاحنتم على ما هو دون ذلك، مما لا يوجب الهجر؛ وهذه من أعظم دسائس الشيطان على أهل الإسلام، أعاذنا الله وإياكم من ذلك.
وأيضاً، منّ الله سبحانه وبحمده، على من منّ عليه منكم، بالهجرة والاستيطان؛ وهذه نعمة عظيمة، ندب إليها رسول الله ﷺ من أسلم من الأعراب وغيرهم، قال في حديث بريدة: " ادعهم إلى الهجرة والجهاد، فإن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين، وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، إلا أن يجاهدوا مع المسلمين " ١، "وأخبر ﷺ عن رجل هاجر، ثم خرج من هجرته إلى البادية، فقال: ردة صغرى، ملعون من فعل ذلك، والذي يبقى على باديته ويحسن إسلامه، أحسن عند الله ممن هاجر ثم خرج من هجرته"، وبلغني: أن من أهل الأرطاوية أناساً هاجروا وبنوا، يريدون الخروج عن الهجرة إلى البادية؛ وهذه مصيبة عظيمة، لا يأمن من فعلها أن يقع في الردة الكبرى، ويكون
стр. 3309
ممن ارتد على عقبيه من بعد ما تبين له الهدى، فاحذروا ذلك، واصبروا وصابروا ورابطوا، واستقيموا على أمر ربكم، ولا تكونوا ممن بدل نعمة الله كفرً. اوأسأل الله لي ولكم التوفيق والهداية، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[هجران أهل المعاصي]
وقال الشيخ محمد بن عبد اللطيف بن عبد الرحمن، وفقه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد اللطيف: إلى جناب الإخوان الكرام من أهل الأرطاوية، سلمهم الله تعالى وتولاهم، وأصلح أحوالهم وعافاهم؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فأوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، ولزوم طاعته، وتقديم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ على ما عداهما، فإن من ظفر بهما فقد نجا، ومن تركهما فقد ضل وغوى.
وأوصيكم أيضاً، بالبصيرة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر الإنسان بأمر من أمور الخير، نظر: فإن كان يترتب على ذلك الأمر خير في العاجل والآجل، وسلامة في الدين، وكان الأصلح الأمر به، مضى فيه بعلم وحلم ونية صالحة، وإن كان يترتب على ذلك الأمر شر وفتن، وتفريق كلمة، في العاجل والآجل، ومضرة في الدين والدنيا، وكان الصلاح في تركه، وجب تركه ولم يأمر به،
стр. 3310
لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
وأيضاً، ينبغي لمن قصده الخير والدعوة إلى الله، التوقع في الأمور والتثبت، وعدم الطيش والعجلة، والحرص على الرفق والملاطفة في الدعوة، فإن في ذلك خيراً كثيراً، وينبغي له أن يعرف من له قدم صدق ومعرفة راسخة، فيسأله ويستفتيه، ولا ينظر إلى الأشخاص، ولا من ليس له بصيرة.
وهجران أهل المعاصي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستقيم إلا بالبصيرة، والمعرفة التامة؛ وأقل الأحوال - إذا لم يحصل للعبد ذلك - أن يقتصر على نفسه، كما قال ﷺ : " إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ".
فإذا رأى الإنسان من يعمل شيئاً من المعاصي، أبغضه على ما فيه من الشر، وأحبه على ما فيه من الخير، ولا يجعل بغضه على ما معه من الشر قاطعاً، وقاضياً على ما معه من الخير فلا يحبه؛ بل إن كان بغضه له يزجره، ويزجر أمثاله عن هذه المعصية مثلاً، هجره وأبغضه، وإن كان لا يزجره ذلك، ولا يرتدع هو وأمثاله، راعى ما فيه الأصلح، لأن النبي ﷺ هجر من علم أن الهجر يزجره ويردعه، وقبل معذرة من علم أن الهجر لا ينجع فيه شيئاً، ووكل سرائرهم إلى الله.
стр. 3311
وبلزوم هذه الطريقة مع النية الصالحة، تندفع المضار، وتأتلف القلوب، ويكون على الآمر والناهي الوقار والمحبة؛ والله الموفق الهادي للصواب. فاجتهدوا فيما يعود نفعه عليكم في الدنيا والآخرة، واعلموا: أنه لا ينجي عند اختلاف الناس، وكثرة الفتن، إلا البصيرة، وليس كل من انتسب إلى العلم، وتزيا بزيه، يسأل ويستفتى وتأمنونه على دينكم.
قال بعض السلف: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم"، ولا تأخذوا عمن هب ودب، وحرم الفقه والبصيرة، فإنكم مسؤولون عن ذلك يوم القيامة. نسأل الله لنا ولكم العافية، في الدنيا والآخرة، والتوفيق لما يحبه ويرضى، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو يقول الحق ويهدي السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 3312
[إلزام العامة والخاصة بالدين]
وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن، رحمه الله تعالى.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وقيوم السماوات والأرضين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النبي الأمين، وخاتم المرسلين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
من عبد الرحمن بن حسن، إلى من يصل إليه هذا الكتاب، من المجاهدين والقرى، والبادين، الذين هم إلى الإسلام منتسبين، وعلى التوحيد معتصمين؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أما بعد، فاعلموا، وفقنا الله وإياكم، أن الله تعالى - وله الحمد والمنة - منّ علينا، وعلى كافة أهل نجد، بالبيعة للإمام عبد الله بن الإمام فيصل، لما توفى الله أباه، ﵀؛ وقد صار له همة عالية، هي أعلى الهمم، وأوجبها على الإطلاق.
وذلك للسعي في تجديد هذا الدين، الذي من الله تعالى بقبوله من الداعي إليه، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، فجعل آل سعود: محمد وأبناؤه، هم
стр. 3313
أنصاره، وخالفوا أهل نجد وغيرهم، لأن أكثرهم أجلبوا على رد ما دعاهم إليه هذا الشيخ من التوحيد، وكراهته، وعداوته.
وجعل الله هذه الحمولة، على قلتهم إذ ذاك، هم أنصاره، فما زال الأمر يزداد بالجهاد، حتى أكمله الله في نجد، وأكثر الحجاز، والشرق. فيا لها نعمة على من عرفها وقبلها، وأدى شكرها. وحصل التفاضل في العلم بالتوحيد، لكن معرفته على الحقيقة تحتاج إلى تجديد، لا سيما في هذه الأوقات التي عمت فيها الغفلة، والإعراض عن هذا الأصل العظيم، وهو دين الله الذي رضيه لعباده، وخلقهم له، وأرسل به رسله، وأنزل به كتبه، وهو إخلاص العبادة لله وحده، دون ما سواه.
والعبادة: كل ما يحب الله تعالى من عبده أن يقصده به، فهو عبادة لا يجوز أن يصرف منها شيء لغيره، كالدعاء، والاستعانة؛ وقد ذكر الله تعالى أنواع العبادة في كتابه، من ذلك: الدعاء الذي هو مخ العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ٢٠] ، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ الآية [سورة الرعد آية: ١٤] .
والمقصود: أن هذا الأصل العظيم، الذي هو الإسلام: أن لا يعبد إلا الله، وأن لا يعبد إلا بما شرع،
стр. 3314
يجب تجديده دائماً، تعلماً وتعليماً، ومعرفة أدلته، وما اشتملت عليه من البيان؛ فصار من هدي ١ - وفقه الله لما يحبه ويرضاه - أن ينظر لكم في رجلين من العلماء، يذكرانكم نعمة الله عليكم بهذا الدين، ويبيناه لكم، وينشرانه فيكم، ويسألان الخاصة والعامة عن الأصول والقواعد، التي لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، حتى يحصل بها بصيرة في معرفة التوحيد من ضده، وفيها معرفة حقوق التوحيد، من فرائض الإسلام.
فالواصل إليكم: علي بن عبد العزيز بن سليم، وعبد الله بن علي بن جريس، لما منّ الله به عليهما من معرفة هذا الدين، وإلزامهم العامة والخاصة ما منّ الله عليهم به من دينه الذي أعزهم الله به، وجملهم به.
فالواجب عليكم ردة الراس إلى ما ينفعكم، ويصير منكم إقبال بقلوبكم على هذا العلم الذي ما تستغنون عنه، وحاجتكم إليه أعظم من حاجتكم إلى الطعام والشراب. كذلك يقع أمور فيها إفراط وتفريط في آمر دينكم، فلا بد من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا بد للناس من آمر يأمرهم، وناه ينهاهم، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ
стр. 3315
وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] .
ومن الناس من يتوسع في المحرمات، كلبس الحرير، يزينه الشيطان، والنفس الأمارة بالسوء، كذلك مواقع التهم التي يحصل بها فساد، فالغفلة عنها فساد، وغير ذلك مما تقدمت الإشارة إليه.
فالإمام - وفقه الله وهداه لما يحبه ويرضاه - قادهم إليكم، خوفاً من أن تفعلوا ما يوقع في المحرمات، ويجلب العقوبات العاجلة والآجلة، فيجب على الأمير تركي، وكل رئيس في قبيلة: القيام بما فيه صلاح البلاد والعباد، ويدفع الله به كل شر ومكروه، فإن الله تعالى لا يرضيه من العباد إلا طاعته في الأمور التي نهى عنها وحذر. والنعمة عليكم عظيمة لمن رزقه الله النية إذا عرفتم هذا الدين، حصل فيه أجر عظيم وغدوة في سبيل الله، وروحة خير من الدنيا وما عليها. والمجاهد كل أحواله عمل صالح، حتى نومه ونفسه. حماني الله وإياكم عما يوجب سخطه وغضبه.
وخط الإمام عبد الله تشرفون عليه إن شاء الله تعالى.
стр. 3316
[جعل في كل محلة من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر]
وقال الإمام عبد الله بن فيصل بن تركي، ﵏:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن فيصل، إلى الأمير: مجاهد بن عبد الله، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، يكون عندك معلوماً: أن الله أوجب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، وأوجبه ﷺ كما في الحديث: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه " ١.
وأنت - ولله الحمد - لك القدرة باليد واللسان، ويذكر لنا: أنه يحدث في بلدتكم بعض المنكرات، من موالاة المشركين ومحبة أعداء الدين، وعدم تنظيم أحكام الشرع، وشرب المسكرات، والتماهن عن الصلوات بالحاضر، أنا ملزمك، ومن ذمتي في ذمتك: أنك تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتنظم أحكام الشرع، وتأخذ على يد السفيه، ولا تأخذك في الله لومة لائم.
стр. 3317
وعبد المحسن وابنه، ملزمينهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما بينوا لك فيلزمك القيام به، وتجعل معهم من يعاضدهم، وتجعل في كل طرف إنساناً من أهله، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويكون ناظرة عليهم. ويكون عندك معلوماً: أنه ما يتعرض الأمر بالمعروف والناهي عن المنكر خاص أو عام، فلا يكفينا نكاله بماله دون حاله، ويلزمكم ترفعون خبره إلينا.
وكذلك، يذكر لنا أنه ينزل في القيظ عندكم، في أطراف البلد "صلبة" يحصل منهم فساد، فأنت نبه عليهم، لا ينزلها أحد، ومن نزلها فالأدب في رأسك، والسلام.
стр. 3318
سئل الشيخ حسن بن حسين بن الشيخ: عن قوله ﷺ : " للعامل منهم أجر خمسين " ١ ... إلخ؟
فأجاب: اعلم أولاً: أن هذا الحديث المشار إليه، خرجه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من طريق عتبة بن حكيم، عن عمرو بن حارثة، عن أبي أمية الشعباني، عن أبي ثعلبة الخشني، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ١٠٥] : أما والله: لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: " بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، ورأيت أمراً لا بد لك منه – وفي لفظ - لا يدان لك به، فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام؛ فإن وراءكم أيام الصبر، فمن صبر فيهن كان كمن قبض على الجمر؛ للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عمله. قالوا: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم " ٢، وعتبة هذا، قال الحافظ المنذري، في مختصر السنن لأبي داود: هو: العباس بن أبي حكيم الهمداني الشامي، وثقه غير واحد، وتكلم فيه غير واحد؛ قلت: وقد حكم الترمذي على هذا الحديث، أنه حسن غريب.
إذا عرفت ذلك، فالمعنى الذي لأجله استحق الأجر العظيم والثواب، وساوى فضل خمسين من الصحابة، إنما هو لعدم المعاون والمساعد، على ما ذكره الحافظ أبو
стр. 3319
سليمان الخطابي، وأبو الفرج عبد الرحمن بن رجب وغيرهما.
فالمستقيم على المنهج السوي، والطريق النبوي، عند فساد الزمان ومروج الأديان، غريب ولو عند الحبيب، إذ قد توفرت الموانع، وكثرت الآفات، وتظاهرت القبائح والمنكرات، وظهر التغيير في الدين والتبديل، واتباع الهوى والتضليل، وفقد المعين، وعز من تلوذ به من الموحدين، وصار الناس كالشيء المشوب، ودارت بين الكل رحى الفتن والحروب، وانتشر شر المنافقين، وعيل صبر المتقين، وتقطعت سبل المسالك، وترادفت الضلالات والمهالك، ومنع الخلاص ولات حين مناص؛ فالموحد بينهم أعز من الكبريت الأحمر، ومع ذلك فليس له مجيب ولا راع، ولا قابل لما يقول ولا داع. وقد نصبت له رايات الخلاف، ورمي بقوس العداوة والاعتساف، ونظرت إليه شزر العيون، وأتاه الأذى من كل منافق مفتون، واستحكمت له الغربة، وأفلاذ كبده تقطعت مما جرى في دين الإسلام وعراه من الانثلام والانفصام، والباطل قد اضطرمت ناره، وتطاير في الآفاق شراره؛ ومع هذا كله، فهو على الدين الحنيفي مستقيم، وبحجج الله وبراهينه مقيم، فبالله، قل لي: هل يصدر هذا إلا عن يقين صدق راسخ في الجنان، وكمال توحيد وصبر وإيمان، ورضى
стр. 3320
وتسليم لما قدره الرحمن؟ وقد وعد الله الصابرين جزيل الثواب: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [سورة الزمر آية: ١٠] . وقد قال بعض العلماء، ﵏: من اتبع القرآن والسنة، وهاجر إلى الله بقلبه، واتبع آثار الصحابة، لم يسبقه الصحابة، إلا بكونهم رأوا رسول الله ﷺ . انتهى.
وفي ذلك الزمان، فالكل له أعوان وإخوان، ومساعدون ومعاضدون، ولهذا قال علي بن المديني، كما ذكره عنه ابن الجوزي، في كتاب صفوة الصفوة: ما قام أحد بالإسلام بعد رسول الله ﷺ ما قام أحمد بن حنبل، قيل: يا أبا الحسن، ولا أبا بكر الصديق؟ قال: إن أبا بكر الصديق ﵁ كان له أصحاب وأعوان، وأحمد بن حنبل لم يكن له أصحاب. انتهى.
وقد روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء. قيل: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: النزاع من القبائل " ١، ورواه أبو بكر الآجري الحنبلي، وعنده: " قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: الذين يصلحون إذا فسد الناس " ٢، ورواه غيره، وعنده: " قال: الذين يفرون بدينهم من الفتن ". ورواه الترمذي عن كثير بن عبد الله المزني، عن أبيه عن جده، عن النبي ﷺ بلفظ: " الذين يصلحون ما أفسد الناس
стр. 3321
من سنتي "، ورواه الإمام أحمد أيضاً من حديث سعد بن أبي وقاص، ورواه الطبراني من حديث عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: " طوبى للغرباء، قيل: ومن الغرباء؟ قال: قوم صالحون قليل، في قوم سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم " ١، قال الأوزاعي في تفسيره: أما إنه ما يذهب الإسلام، ولكن يذهب أهل السنة، حتى ما يبقى في البلد منهم إلا رجل واحد، أو رجلان.
ورواه البخاري عن مرداس السلمي قال: قال رسول الله ﷺ : "يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حثالة كحثالة الشعير، أو التمر، لا يباليهم الله باله" ٢. وكان الحسن البصري يقول لأصحابه: "يا أهل السنة ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أول الناس". وقال يوسف بن عبيد: "ليس شيء أغرب من السنة، وأغرب منها من يعرفها". وروى أبو القاسم الطبراني وغيره، بإسناد فيه نظر، من حديث أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: " المتمسك بسنتي عند اختلاف أمتي، له أجر شهيد ".
وروى مسلم في صحيحه عن معقل بن يسار: أن رسول الله ﷺ قال: "العبادة في الهرج كهجرة إلي " ٣. وعن الحسن البصري: "لو أن رجلاً من الصدر الأول بُعث، ما عرف من الإسلام شيئاً إلا هذه الصلاة. ثم قال: أما والله، لئن عاش على هذه المنكرات، فرأى صاحب بدعة يدعو إلى بدعته، وصاحب دنيا يدعو إلى
стр. 3322
دنياه، فعصمه الله، وقلبه يحن إلى ذلك السلف، ويتبع آثارهم ويستن بسنتهم، ويتبع سبيلهم، كان له أجر عظيم".
وروى المبارك بن فضالة، أحد علماء الحديث بالبصرة، عن الحسن البصري، أنه ذكر الغني المترف الذي له سلطان، يأخذ المال ويدعي أنه لا عقاب فيه، وذكر المبتدع الضال، الذي خرج على المسلمين، وتأول ما أنزل الله في الكفار على المسلمين، ثم قال: "سنتكم، والله الذي لا إله إلا هو، بينها وبين الغالي والجافي، والمترف والجاهل؛ فاصبروا عليها، فإن أهل السنة كانوا أقل الناس، الذين لم يأخذوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع أهواءهم، وصبروا على سنتهم حتى أتوا ربهم. فكذلك فكونوا إن شاء الله". ثم قال: "والله لو أن رجلاً أدرك هذه المنكرات، يقول هذا: هلم إلي! ويقول هذا هلم إلي! فيقول: لا أريد إلا سنة محمد ﷺ ، يطلبها ويسأل عنها، إن هذا له أجر عظيم. فكذلك فكونوا إن شاء الله". وعن مورق، ﵀، قال: المتمسك بطاعة الله إذا جنب الناس عنها، كالكار بعد الفار. قال أبو السعادات ابن الأثير في النهاية: أي: إذا ترك الناس الطاعات ورغبوا عنها، كان المتمسك بها له ثواب كثواب الكار في الغزو، بعد أن فر الناس عنه.
стр. 3323
فصل: [ما جاء في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]
ولنذكر طرفاً مما في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، إذ له تعلق بما تقدم، قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٠٤] ، وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٠] .
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [سورة التوبة آية: ٧١] ، وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٧٨-٧٩] ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٦٥] . والآيات في هذا الباب كثيرة.
وروى مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان " ١. وروى مسلم أيضاً عن ابن مسعود قال: قال
стр. 3324
رسول الله ﷺ : " ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون. فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن. وليس وراء ذلك من الإيمان وزن حبة خردل من إيمان " ١.
وقد روى الإمام أحمد عن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إذا ظهرت المعاصي في أمتي، عمهم الله بعذاب من عنده. فقلت: يا رسول الله، أما فيهم يومئذ صالحون؟ قال: بلى. قلت: فكيف يصنع بأولئك؟ قال: يصيبهم ما أصاب الناس، ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان " ٢، وروى البخاري عن زينب بنت جحش، قالت: " قلت: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث " ٣.
وروى الترمذي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ : " والذي نفسي بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّّّ عن المنكر، أو ليوشكنّ الله أن يبعث عليكم عذاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم " ٤. وروى الإمام أحمد، وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث عمرو بن مرة عن سالم عن أبي الجعد، عن أبي
стр. 3325
عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : " إن من كان قبلكم كانوا إذا عمل العامل فيهم بالخطيئة، جاءه الناهي تعذيراً، فإذا كان الغد جالسه وواكله وشاربه، كأنه لم يره على خطيئة بالأمس. فلما رأى الله ذلك منهم، ضرب بقلوب بعضهم على بعض، ثم لعنهم على لسان نبيهم داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. والذي نفس محمد بيده، لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، ولتأخذنّ على يد السفيه، ولتأطرنّه على الحق أطراً، أو ليضربنّ الله بقلوب بعضكم بعضاً، ثم يلعنكم كما لعنهم ". وروى ابن ماجة عن عبد الله بن عمر، قال: " كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ﷺ ، فأقبل علينا بوجهه، وقال: يا معاشر المهاجرين، خمس خصال، وأعوذ بالله أن تدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى أعلنوها، إلا ابتلاهم الله بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال والميزان، إلا ابتلوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد، إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه، إلا جعل بأسهم بينهم ".
стр. 3326
وروى البخاري عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فصار لبعضهم أعلاها، ولبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا؛ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا، ونجوْا جميعاً "، قال النووي: القائم في حدود الله، معناه: المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه. والأحاديث في هذا كثيرة، قد أفردنا لها رسالة، وجمعنا فيها جميع ما ورد، وتقنصنا سائر ما شرد، ولله الحمد، فلتراجع.
فضل التمسك بالدين عند وقوع الفتن
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى الإخوان: عبد الله آل علي، وحمود وعلي آل عبد الله، وفقهم الله لطاعته وحفظهم بكلايته؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، موجب الخط: إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم؛ أصلح الله لنا ولكم الدين والدنيا والآخرة، نسأل الله
стр. 3327
أن يحيينا وإياكم حياة طيبة، وهي الحياة في الطاعة. وأوصيكم بتقوى الله، والاستكثار من أعمال الخير، والتمسك بما تعرفون من التوحيد، الذي دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀.
فأكثر الناس اليوم، صار المعروف عندهم منكراً والمنكر معروفاً؛ وهذا زمان، الصابر فيه كالقابض على الجمر، وكل زمان شر مما قبله. وتصدر للفتوى جهال أضلوا الناس، اجتمع فيهم الجهل والفجور، وبعض من عنده معرفة، صار يناظر وجوه أهل الدنيا. والمنصف اليوم، أعز من الكبريت الأحمر، والحق - ولله الحمد - عليه نور، قال ﷺ : " تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها " ١. والحق مع ظهوره في غاية الغربة، ويرى المؤمن ما يذوب منه قلبه.
ونرجو أن المتمسك بدينه اليوم، يحصل له أجر خمسين من أصحاب رسول الله، لأجل ظهور الشرك في الأمصار، وظهور المنكرات، وإضاعة الصلوات؛ فلم يبق، والله، من الإسلام إلا اسمه؛ وهذا مصداق ما أخبر به الصادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين، ويجعلنا وإياكم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
стр. 3328
وقال أيضاً: والحديث المروي: " يأتي على الناس زمان، يذوب فيه قلب المؤمن " الحديث; فهذه الأزمنة، والله، كذلك، ولكن لضعف الإيمان، ما نحس بذلك على حقيقته. وقد اشتدت، والله، غربة الإسلام، وأي غربة أعظم من غربة من وفقه الله لمعرفة التوحيد، الذي اتفقت عليه جميع الرسل، الذي هو حق الله على عباده، مع جهل أكثر الناس اليوم، وإنكارهم له، والأمر كما قال الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] .
نسأل الله لنا ولكم الوفاة على التوحيد، الذي هو إخلاص العبادة لله وحده؛ وقول الحسن، ﵀، فما أحسن ذلك وأحلاه! وتوجعه وتأوهه، مما رأى في زمانه المثنى على أهله. ولا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه، كما قال الصادق المصدوق؛ ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم، وإلف العادة، ضعف استنكار المنكر وعدم، فالله المستعان.
مسألة: من سن في الإسلام سنة حسنة
وقال أيضاً، رحمه الله تعالى: مسألة: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها " ١ الحديث.
الجواب: أما حديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة " ٢، الحديث صحيح، لكن ليس فيه حجة لأهل البدع.
стр. 3329
وسبب قول النبي ﷺ أنه لما حثهم على الصدقة ورغبهم فيها، جاء رجل من الأنصار بدراهم كادت كفه أن تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس خلفه في الصدقة، كل أحد بحسبه، فسر النبي ﷺ بذلك وقال: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ١. فالمراد بالحسنة: إذا كان باب من الخير متروكاً، فعمل به إنسان وفتحه، واقتدى به غيره، كان كمن سن سنة حسنة، كحال الأنصاري الذي بادر بصرة الدراهم، فتتابع الناس بعده بالصدقات، وكمن كان في بلد وعنده ناس لا يصومون يوم عاشوراء، ونحو ذلك، فصامه وتتابعوا على ذلك.
والمستدل بالحديث لمن ابتدأ قولاً أو عملاً استحسنه، وقال: هذه بدعة حسنة، ولفظ الحديث: "من سن في الإسلام " ٢، لم يقل: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، وقول النبي ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ٣ كلمة جامعة، وقوله: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ٤.
وهذا أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، كما قال الإمام أحمد: الإسلام يدور على ثلاثة أحاديث: حديث عمر ﵁: " إنما الأعمال بالنيات " ٥، وحديث عائشة، ﵂: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ٦،
стр. 3330
وحديث: "الحلال بيّن والحرام بيّن " ١ ... إلخ.
وكان النبي ﷺ يقول في خطبه: " إياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ٢، وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها نبينا ﷺ . فمن ابتدع شيئاً استحسنه، وقال: هذه بدعة حسنة، فهو مشاق قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ٣، وما يطلق عليه اسم البدعة مما فعله الصحابة، والأئمة والتابعون، فهو بدعة لغوية، كقول عمر: "نعمت البدعة هذه"، يعني التراويح، وكزيادة عثمان والصحابة، الأذان الأول يوم الجمعة، فهو لا يدخل في قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ٤، لأن له أصلاً في الشرع. وأيضاً، فهو مما سنه الخلفاء الراشدون، ولهم سنة يجب اتباعها، لقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ٥.
ومن ابتدع شيئاً استحسنه، وقال: هذه بدعة حسنة، فمقتضى دعواه أنه يقول: ليس كل بدعة ضلالة، فهذا مشاق لرسول الله ﷺ ، ومراغم له؛ وإنما الذي ينبغي أن يقال: إنما ثبت حسنه من الأعمال التي قد قيل إنها بدعة، إن هذا العمل المعين مثلاً، ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث.
قال ابن رجب: وما وقع في علماء السلف، من استحسان بعض البدع، إنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، وذكر من ذلك: جمع عمر على التراويح، وأذان