← Джавами‘

Джавами‘ · id 3055

الدرر السنية في الأجوبة النجدية

عبد الرحمن بن قاسم

Полный текст (7 841 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.

стр. 3326

وروى البخاري عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : " مثل القائم في حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا في سفينة، فصار لبعضهم أعلاها، ولبعضهم أسفلها. فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا؛ فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوْا، ونجوْا جميعاً "، قال النووي: القائم في حدود الله، معناه: المنكر لها، القائم في دفعها وإزالتها، والمراد بالحدود: ما نهى الله عنه. والأحاديث في هذا كثيرة، قد أفردنا لها رسالة، وجمعنا فيها جميع ما ورد، وتقنصنا سائر ما شرد، ولله الحمد، فلتراجع. فضل التمسك بالدين عند وقوع الفتن وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، رحمه الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ من عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، إلى الإخوان: عبد الله آل علي، وحمود وعلي آل عبد الله، وفقهم الله لطاعته وحفظهم بكلايته؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد، موجب الخط: إبلاغكم السلام، والسؤال عن حالكم؛ أصلح الله لنا ولكم الدين والدنيا والآخرة، نسأل الله

стр. 3327

أن يحيينا وإياكم حياة طيبة، وهي الحياة في الطاعة. وأوصيكم بتقوى الله، والاستكثار من أعمال الخير، والتمسك بما تعرفون من التوحيد، الذي دعا إليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ﵀. فأكثر الناس اليوم، صار المعروف عندهم منكراً والمنكر معروفاً؛ وهذا زمان، الصابر فيه كالقابض على الجمر، وكل زمان شر مما قبله. وتصدر للفتوى جهال أضلوا الناس، اجتمع فيهم الجهل والفجور، وبعض من عنده معرفة، صار يناظر وجوه أهل الدنيا. والمنصف اليوم، أعز من الكبريت الأحمر، والحق - ولله الحمد - عليه نور، قال ﷺ : " تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها " ١. والحق مع ظهوره في غاية الغربة، ويرى المؤمن ما يذوب منه قلبه. ونرجو أن المتمسك بدينه اليوم، يحصل له أجر خمسين من أصحاب رسول الله، لأجل ظهور الشرك في الأمصار، وظهور المنكرات، وإضاعة الصلوات؛ فلم يبق، والله، من الإسلام إلا اسمه؛ وهذا مصداق ما أخبر به الصادق المصدوق، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. نسأل الله أن يهدينا وإياكم صراطه المستقيم، ويتوفانا مسلمين، ويجعلنا وإياكم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

стр. 3328

وقال أيضاً: والحديث المروي: " يأتي على الناس زمان، يذوب فيه قلب المؤمن " الحديث; فهذه الأزمنة، والله، كذلك، ولكن لضعف الإيمان، ما نحس بذلك على حقيقته. وقد اشتدت، والله، غربة الإسلام، وأي غربة أعظم من غربة من وفقه الله لمعرفة التوحيد، الذي اتفقت عليه جميع الرسل، الذي هو حق الله على عباده، مع جهل أكثر الناس اليوم، وإنكارهم له، والأمر كما قال الله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٥٨] . نسأل الله لنا ولكم الوفاة على التوحيد، الذي هو إخلاص العبادة لله وحده؛ وقول الحسن، ﵀، فما أحسن ذلك وأحلاه! وتوجعه وتأوهه، مما رأى في زمانه المثنى على أهله. ولا يأتي زمان إلا وما بعده شر منه، كما قال الصادق المصدوق؛ ولكن لغلبة الجهل، وقلة العلم، وإلف العادة، ضعف استنكار المنكر وعدم، فالله المستعان. مسألة: من سن في الإسلام سنة حسنة وقال أيضاً، رحمه الله تعالى: مسألة: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها " ١ الحديث. الجواب: أما حديث: " من سن في الإسلام سنة حسنة " ٢، الحديث صحيح، لكن ليس فيه حجة لأهل البدع.

стр. 3329

وسبب قول النبي ﷺ أنه لما حثهم على الصدقة ورغبهم فيها، جاء رجل من الأنصار بدراهم كادت كفه أن تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس خلفه في الصدقة، كل أحد بحسبه، فسر النبي ﷺ بذلك وقال: " من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ١. فالمراد بالحسنة: إذا كان باب من الخير متروكاً، فعمل به إنسان وفتحه، واقتدى به غيره، كان كمن سن سنة حسنة، كحال الأنصاري الذي بادر بصرة الدراهم، فتتابع الناس بعده بالصدقات، وكمن كان في بلد وعنده ناس لا يصومون يوم عاشوراء، ونحو ذلك، فصامه وتتابعوا على ذلك. والمستدل بالحديث لمن ابتدأ قولاً أو عملاً استحسنه، وقال: هذه بدعة حسنة، ولفظ الحديث: "من سن في الإسلام " ٢، لم يقل: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة، وقول النبي ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ٣ كلمة جامعة، وقوله: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ٤. وهذا أحد الأحاديث التي يدور عليها الإسلام، كما قال الإمام أحمد: الإسلام يدور على ثلاثة أحاديث: حديث عمر ﵁: " إنما الأعمال بالنيات " ٥، وحديث عائشة، ﵂: " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد " ٦،

стр. 3330

وحديث: "الحلال بيّن والحرام بيّن " ١ ... إلخ. وكان النبي ﷺ يقول في خطبه: " إياكم ومحدثات الأمور! فإن كل بدعة ضلالة " ٢، وهذا من جوامع الكلم التي أعطيها نبينا ﷺ . فمن ابتدع شيئاً استحسنه، وقال: هذه بدعة حسنة، فهو مشاق قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ٣، وما يطلق عليه اسم البدعة مما فعله الصحابة، والأئمة والتابعون، فهو بدعة لغوية، كقول عمر: "نعمت البدعة هذه"، يعني التراويح، وكزيادة عثمان والصحابة، الأذان الأول يوم الجمعة، فهو لا يدخل في قوله ﷺ : " كل بدعة ضلالة " ٤، لأن له أصلاً في الشرع. وأيضاً، فهو مما سنه الخلفاء الراشدون، ولهم سنة يجب اتباعها، لقوله ﷺ : " عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي " ٥. ومن ابتدع شيئاً استحسنه، وقال: هذه بدعة حسنة، فمقتضى دعواه أنه يقول: ليس كل بدعة ضلالة، فهذا مشاق لرسول الله ﷺ ، ومراغم له؛ وإنما الذي ينبغي أن يقال: إنما ثبت حسنه من الأعمال التي قد قيل إنها بدعة، إن هذا العمل المعين مثلاً، ليس ببدعة، فلا يندرج في الحديث. قال ابن رجب: وما وقع في علماء السلف، من استحسان بعض البدع، إنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية، وذكر من ذلك: جمع عمر على التراويح، وأذان

стр. 3331

الجمعة الأول، وجمع عثمان الناس على مصحف واحد، وقتال أبي بكر مانعي الزكاة، وغير ذلك. ومما يبين أن البدعة مذمومة، وهي ما لم يشرع الله ورسوله فعله: إنكار الصحابة على من أذن بصلاة العيدين، لأنه لم يفعله ﷺ ، وإن كان فاعله قد يحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] ، ونحو ذلك، كإنكارهم على من قدم خطبة العيد على الصلاة، وإنكارهم على من رفع يديه في الخطبة، وإن كان رفع اليدين في الدعاء وردت به الأحاديث، لكن إنما أنكر الرفع في هذا المحل، لأن النبي ﷺ لم يفعله في هذا الموضع; والآثار عنهم وعن التابعين والأئمة في ذلك كثيرة. وروى ابن وضاح: أن عبد الله بن مسعود حُدث: أن أناساً يسبحون بالحصى في المسجد، "وأتاهم وقد كوّم كل رجل منهم كومة من حصى بين يديه، فلم يزل يحصبهم، حتى أخرجهم من المسجد، ويقول: لقد أحدثتم بدعة ظلماء، أو قد فضلتم على أصحاب محمد ﷺ علماً". وبلغه: أن ناساً يجتمعون في المسجد، ويقول أحدهم: هللوا كذا، وسبحوا كذا، وكبروا كذا، فيفعلون; وقال ابن مسعود: "إنكم لأهدى من أصحاب رسول الله ﷺ أو أضل؟ بل هذه"، يعني: أضل. فانظر لإنكارهم لهذا الصنيع، مع

стр. 3332

أن فاعل ذلك ربما ظن دخوله تحت قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ الآية [سورة الأحزاب آية: ٤١] . وإنما أنكر ابن مسعود ﵁ الذكر على هذه الهيئة التي لم يكن الصحابة، ﵃، يفعلونها. وقال ابن مسعود: "اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كُفيتم. وكل بدعة ضلالة"، وقال حذيفة: "اتبعوا سبيلنا، فلئن اتبعتمونا لقد سبقتم سبقاً بعيداً، ولئن خالفتمونا لقد ضللتم ضلالاً بعيداً". والآثار عن الصحابة في ذلك كثيرة، وكذلك الآثار عمن من بعدهم، في النهي عن البدع والتحذير منها، ومن ذلك كراهة الإمام أحمد للقارئ، إذا أتى على سورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ ، أن يكررها ثلاثاً، لعدم وروده، مع ما ورد فيها من الفضل. وكذلك ما روي عن مالك وسفيان وغيرهما. وكره أحمد قراءة سورة الجمعة في عشاء ليلة الجمعة، لعدم وروده، وإن كانت المناسبة فيها ظاهرة؛ وكلامهم في ذلك كثير. وكذا: كراهتهم الدعاء إذا جلسوا بين التراويح، وكذا قول المؤذن قبل الأذان: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ١١١] ، وكقوله قبل الإقامة: اللهم صل على محمد، ونحو ذلك من المحدثات. ومثل ذلك: ما أحدثوه من أزمنة، من رفع الأصوات في المنابر ليلة الجمعة، بالصلاة على النبي ﷺ الذي

стр. 3333

يسمونه التذكير؛ فلو كان خيراً يحبه الله، لسبقنا إليه أصحاب محمد ﷺ ، فإنهم كفوا من بعدهم، كما قالوا: اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم; فإنهم، ﵃، بالخير أعلم، وعليه أحرص. فمن ابتدع شيئاً يتقرب به إلى الله، ولم يجعله الله ورسوله قربة، فقد شرع في الدين ما لم يأذن به الله. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة الشورى آية: ٢١] ، واستدرك على أصحاب رسول الله ﷺ بأنهم لم يعلموا ما علمه، أو أنهم لم يعملوا بما علموا، فلزمه استجهال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، أو تقصيرهم في العمل. فهم، ﵃، قد كفوا من بعدهم، والخير في الاتباع، والشر في الابتداع; أرأيت لو أن رجلاً أذن، فكبر أول الأذان خمس مرات، أو ست مرات، أو كرر "لا إله إلا الله" في آخر الأذان ثلاث مرات، أو أربع، أليس ينكر عليه؟ فإن احتج بفضل الذكر، وبقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٤١] ، ونحو ذلك، وكذا لو زاد في الصلاة ركعة، وقال: هذا زيادة خير، فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحج آية: ٧٧] ، ونحو ذلك. والحمد لله الذي أكمل لنا الدين، وأتم نعمه، ورضي

стр. 3334

لنا الإسلام ديناً، نسأله برحمته، الوفاة على الإسلام والسنة، آمين. ذكر ما في قصة الهجرة من الفوائد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: ذكر ما في قصة الهجرة من الفوائد، فنبدأ بما يتعلق بها من التوحيد: الأولى: قوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] . ففي الآية: أن جميع ما ادعوا من الأسباب ليس بصحيح إلا هذه خاصة. الثانية: تسليطهم عليه بما لا يقدر على دفعه، حتى ألجؤوه في الغار. الثالثة: حاجته إلى هداية كافر. الرابعة: مصانعته في الطريق، كيف رحلا أولاً إلى جهة اليمن. الخامسة: قول سراقة - مع حاله -: أصابني بدعائكما، فادعوا الله لي؛ وأنت ترى ما في زماننا من ظنهم أن الطاغوت يضر أو ينفع لنفسه. السادسة: حاجته إلى موادعة اليهود. السابعة: حاجته إلى الصبر على ابن أبي وأمثاله. الثامنة: عمله في بناء المسجد بنفسه. التاسعة: قوله وقولهم: لا والله، لا نطلب ثمنه إلا من الله. العاشرة: كون مسجد قباء أسس على التقوى، يوضحه مسجد الضرار. وأما ما يتعلق بآيات النبوة: الأولى: بحفظ الله في تلك الأشهر، وفي الغار، وفي سفره إلى الهجرة، مع سراقة وغيره، وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية [سورة الأنفال آية: ٣٠] . الثانية: إخبار الله له بمكرهم تلك

стр. 3335

الليلة. الثالثة: إجابة دعائه على سراقة. الرابعة: إجابة دعائه في زوال حمى المدينة. الخامسة: إجابة دعائه في صيرورتها في الجحفة. السادسة: في لبن شاة أم معبد. السابعة: ما ذكر من حسن صورته. الثامنة: ما ذكره من حسن خلقه. التاسعة: مروءته في كونه يعطي ولا يأخذ، لقوله لأبي بكر بالثمن. العاشرة: تخصيصه أبا بكر بصحبته في ذلك السفر، ثم بان منه ما بان. الحادية عشر: أو ما فعلت. وأما ما فيها من فضائل الصحابة: فالأولى: فضل أبي بكر الذي لا يجارى. الثانية: فضل عمر وقوته. الثالثة: فضل عثمان وتقدمه، لكن يستفاد من الهجرة الأولى. الرابعة: فضل علي لكونه أقام بأمره. الخامسة: فضل مصعب بن عمير. السادسة: فضل ابن أبي سلمة. السابعة: فضل أسعد بن زرارة. الثامنة: فضل جابر بن عبد الله. التاسعة: فضل سعد بن عبادة. العاشرة: فضل أبي أيوب. الحادية عشرة: فضل أهل العقبة. الثانية عشرة: فضائل الأنصار. الثالثة عشرة: ذكر نسبهم. الرابعة عشرة: ذكر تأليف الله بينهم بنبيه. الخامسة عشرة: فضل سعد بن معاذ وأسيد بن حضير. السادسة عشرة: من في المدينة من القبائل. وأما ما فيها من مسائل الفقه: فالأولى: تفرد الله

стр. 3336

بالهداية والإضلال، وهو الأمر العظيم المذكور في قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٨٩] . الثانية: سبب الهداية. الثالثة: سبب الإضلال. الرابعة: مبدأ النفاق وأسبابه. الخامسة: معنى قوله: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠] ، يوضحه: " اللهم أمض لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم ". السادسة: ما كانوا فيه من الضيق، ففيه أن الرسل تبتلى، ثم تكون لها العاقبة. السابعة: أن الأذان لم يشرع. الثامنة: أن القتال لم يشرع. التاسعة: وهو من أجلّها، من ترك المبادرة إلى الهجرة افتتن. العاشرة: دعاء الله أن يسلم الأعمال الصالحة، مما يفسدها أو ينقصها. الحادية عشرة: الاستعانة بالله على الأمور المهمة. الثانية عشرة: الأمور العندية. الثالثة عشرة: الاستعانة بالكفار على الكفار. الرابعة عشرة: أن الإنسان ولو كمل في الفضل، لا يستغني عن المشاورة. الخامسة عشرة: الوثوق بخبر الصغير إذا عرف منه الصدق، لخبر عبد الله بن أبي بكر. السادسة عشرة: إخباره بالسر إذا وثق به. السابعة عشرة: أن مقامات الأنبياء لا يشرع قصدها إلا ما شرعه الله، وأنه ﷺ لم يشرع قصد الغار، ولا غار حراء الذي نزل فيه الوحي. الثامنة عشرة: التكبير عند الفرح. التاسعة عشرة: ملاقاة القادم. العشرون: فضيلة

стр. 3337

المسجد القديم. والحادية والعشرون: البداءة ببيت الله قبل بيتك. والثانية والعشرون: كونه لم ينقل التراب ولم يطينه. الثالثة والعشرون: أن الاستحالة تطهر. الرابعة والعشرون: أن السنة عدم زخرفة المساجد. الخامسة والعشرون: التعاون في بناء المساجد. السادسة والعشرون: مخالفة هدي المشركين في البناء للمساجد. السابعة والعشرون: مواساة الصحابة بعضهم بعضاً. الثامنة والعشرون: أن الضيافة لا نقص فيها. التاسعة والعشرون: صلة الرحم بمثلها. الثلاثون: أخوال الجد من جملة القرابة. الحادية والثلاثون: بيع عقار اليتيم للمصلحة. الثانية والثلاثون: أن المقبرة إذا أزيلت وزال اسمها زال النهي. الثالثة والثلاثون: نبش قبور المشركين للمصلحة. الرابعة والثلاثون: جواز قطع النخيل للمصلحة. الخامسة والثلاثون: ١. السادسة والثلاثون: الصبر على أذى المنافقين والكفار، وقد نسخ منه ما نسخ. السابعة والثلاثون: وجوب الهجرة من أفضل البقاع. الثامنة والثلاثون: وجوبها إلى المدينة. التاسعة والثلاثون: خروج الإنسان من وطنه، قد يكون من أكبر الفضائل. الأربعون: فضيلة من أعان في

стр. 3338

الهجرة، لقصة أسماء. الحادية والأربعون: جواز لعن المعين من الكفار. الثانية والأربعون: التغني بالشعر. الثالثة والأربعون: الارتجاز به في الشغل. الرابعة والأربعون: جواز رفع الصوت به في بعض الأحيان. الخامسة والأربعون: جواز بعض التمني. السادسة والأربعون: أن كمال الإيمان ١ بل حب الأوطان. السابعة والأربعون: سؤال الله أن يعوضه عن المحبوب الفائت بمحبة غيره. الثامنة والأربعون: أن ترنم بلال وغيره نقص، لقوله يهذون من الحمى، ولم ينكر. التاسعة والأربعون: أن أعظم المكروهات قد يكون سبباً لأعظم المحبوبات. الخمسون: أن السبب الذي أراد به العدو إخماد الدين، صار هو السبب في ظهوره. الحادية والخمسون: أن السبب الذي أراد به ذل عدوه، صار سبب العز. الثانية والخمسون: عظم شأن الهجرة، لكون الصحابة جعلوا التاريخ منها. ستة مواضع من السيرة وقال أيضاً: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: تأمل رحمك الله ستة مواضع من السيرة، وافهمها فهماً جيداً حسناً، لعل الله أن يفهمك دين الأنبياء لتتبعه، ودين المشركين لتتركه؛ فإن أكثر من يدعي الدين، ويعد من

стр. 3339

الموحدين، لا يفهم معنى هذه السنة كما ينبغي. الموضع الأول: قصة نزول الوحي، وفيها: أن أول آية أرسله الله بها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ١-٢] إلى قوله: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر آية: ٧] . فإذا فهمت أنهم يفعلون أشياء كثيرة، يعرفون أنها من الظلم والعدوان، مثل الزنى وغيره، وعرفت أيضاً أنهم يفعلون أشياء كثيرة من العبادات، يتقربون بها إلى الله، مثل الحج والعمرة، والصدقة على المساكين، والإحسان إليهم، وغير ذلك؛ وأجلها عندهم: الشرك، فهو أجل ما يتقربون به إلى الله عندهم، كما ذكر الله عنهم أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ، وقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٠] ؛ فأول ما أمره به: الإنذار عنه، قبل الإنذار عن الزنى والسرقة وغيرهما. وعرفت: أن منهم من تعلق على الأصنام، ومنهم من تعلق على الملائكة، وعلى الأولياء من بني آدم، ويقولون: ما نريد منهم إلا شفاعتهم، ومع هذا بدأ بالإنذار عنه في أول آية أرسله الله بها، فإن أحكمت هذه المسألة، فيا بشراك!

стр. 3340

خصوصاً إذا عرفت أن ما بعدها أعظم من صلاة الخمس، ولم تفرض إلا في ليلة الإسراء، سنة عشر، بعد حصار الشعب وموت أبي طالب، وبعد هجرة الحبشة بسنتين. فإذا عرفت أن تلك الأمور الكثيرة، والعداوة البالغة، كل ذلك عند هذه المسألة، قبل فرض الصلاة، رجوت أن تعرف المسألة. الموضع الثاني: أنه ﷺ لما قام ينذرهم عن الشرك، ويأمرهم بضده، وهو التوحيد، لم يكرهوا ذلك واستحسنوه، وحدثوا أنفسهم بالدخول فيه، إلى أن صرح بسب دينهم، وتجهيل علمائهم، فحينئذ شمروا له ولأصحابه عن ساق العداوة، وقالوا: سفه أحلامنا، وعاب ديننا، وشتم آلهتنا; ومعلوم أنه ﷺ لم يشتم عيسى وأمه، ولا الملائكة، ولا الصالحين; لكن لما ذكر أنهم لا يُدعون، ولا ينفعون ولا يضرون، جعلوا ذلك شتماً. فإذا عرفت هذه المسألة، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له دين ولا إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] ؛ فإذا فهمت هذا فهماً حسناً جيداً، عرفت أن كثيرًا من الذين يدّعون الدين لا يعرفونها، وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على

стр. 3341

ذلك العذاب، والأسر والضرب، والهجرة إلى الحبشة، مع أنه ﷺ أرحم الناس، ولم يجد لهم رخصة، ولو وجد لهم رخصة لأرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة العنكبوت آية: ١٠] ؛ فإذا كانت هذه الآية فيمن وافقهم بلسانه، فكيف بغير ذلك؟ الموضع الثالث: قصة قراءته ﷺ سورة النجم بحضرتهم، فلما بلغ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [سورة النجم آية: ١٩] ، ألقى الشيطان في تلاوته: "تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتها لترتجى"، فظنوا أن رسول الله ﷺ قالها، ففرحوا بذلك فرحاً شديداً، وقالوا كلاماً معناه: هذا الذي نريد، ونحن نعرف أن الله هو النافع الضار وحده لا شريك له، ولكن هؤلاء يشفعون لنا عنده، فلما بلغ السجدة سجد وسجدوا معه، فشاع الخبر أنهم صافوه، وسمع بذلك من بالحبشة فرجعوا، فلما أنكر ذلك رسول الله ﷺ ، عادوا إلى شر ما كانوا عليه. ولما قالوا له: إنك قلت ذلك، خاف من الله خوفاً عظيماً، حتى أنزل الله عليه: ﴿ (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ الآية [سورة الحج آية: ٥٢] . فمن فهم هذه القصة ثم شك بعدها في دين النبي ﷺ ولم يفرق بينه وبين دين المشركين، فأبعده الله، خصوصاً إن

стр. 3342

عرف أن قولهم: تلك الغرانيق الملائكة. الموضع الرابع: قصة أبي طالب، فمن فهمها فهماً حسناً، وتأمل إقراره بالتوحيد، وحث الناس عليه، وتسفيه عقول المشركين، ومحبته لمن أسلم وخلع الشرك، ثم بذل عمره وماله وأولاده وعشيرته، في نصرة رسول الله ﷺ إلى أن مات، ثم صبر على المشقة العظيمة، والعداوة البالغة، لكن لم يدخل فيه، ولم يتبرأ من دينه الأول، لم يصر مسلماً، مع أنه يعتذر عن ذلك بأن فيه مسبة لأبيه عبد المطلب، ولهاشم وغيرهما من مشائخهم; ثم مع قرابته ونصرته، استغفر له رسول الله ﷺ ، فأنزل الله عليه: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [سورة التوبة آية: ١١٣] . والذي يبين هذا: أنه إذا عرف رجل من أهل البصرة أو الأحساء، يحب الدين ويحب المسلمين، ظن أكثر الناس أنه مع المسلمين، مع أنه لم ينصر الدين بيد ولا مال، ولا له من الأعذار مثل ما لأبي طالب; فمن فهم قصة أبي طالب، وفهم الواقع من أكثر من يدعي الدين، تبين له الهدى من الضلال، وعرف سوء الأفهام، والله المستعان. الموضع الخامس: قصة الهجرة، وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها، ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها، وهي: أن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يهاجر

стр. 3343

من غير شك في الدين، وفي تزيين دين المشركين، ولكن محبة الأهل والمال والوطن، فلما خرجوا إلى بدر، خرجوا مع المشركين كارهين، فقتل بعضهم بالرمي، والرامي لا يعرفه; فلما سمع الصحابة من القتلى فلان وفلان شق عليهم، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء آية:٩٧-٩٩] . فمن تأمل قصتهم، وتأمل قول الصحابة: قتلنا إخواننا، لأنه لم يبلغهم عنهم كلام في الدين، أو كلام في تزيين دين المشركين، ولو بلغهم شيء من ذلك لم يقولوا: قتلنا إخواننا; فإن الله قد بين لهم وهم بمكة قبل الهجرة، أن ذلك كفر بعد الإيمان، بقوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] . وأبلغ من هذا: ما تقدم من كلام الله فيهم، فإن الملائكة تقول: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ﴾ ، ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ ﴿قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، ولم يقولوا: كذبتم، مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول: جاهدت في سبيلك حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل قاتلتَ ليقال جريء; وكذلك يقولون للعالم والمتصدق: كذبت، بل تعلمت ليقال عالم، وتصدقت ليقال جواد.

стр. 3344

وأما هؤلاء، فلم يكذبوهم، بل أجابوهم بقولهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] . ويزيد ذلك إيضاحاً للعارف والجاهل: الآية التي بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء آية: ٩٨] ، فهذا أوضح واضح جداً، أن هؤلاء خرجوا من الوعيد، فلم يبق شبهة، لكن لمن طلب العلم، بخلاف من لم يطلبه، بل قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨] . ومن فهم هذا الموضع والذي قبله، فهم كلام الحسن البصري، قال: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال، وذلك أن الله يقول: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [سورة فاطر آية: ١٠] ". الموضع السادس: قصة الردة بعد موته ﷺ ، فمن سمعها ثم بقي في قلبه مثقال ذرة من شبهة الشياطين - الذين يسمون العلماء - وهي قولهم: هذا هو الشرك، لكن يقولون: لا إله إلا الله، ومن قالها لا يكفر بشيء. وأعظم من ذلك وأكبر: تصريحهم بأن البوادي ليس معهم من الإسلام شعرة، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهم بهذه اللفظة إسلام، وحرم الإسلام مالهم ودمهم، مع إقرارهم أنهم تركوا الإسلام كله، ومع علمهم بإنكارهم

стр. 3345

البعث، واستهزائهم بمن أقر به، واستهزائهم بالشرائع، وتفضيلهم دين آبائهم مخالفاً لدين النبي ﷺ . ومع هذا كله، يصرح هؤلاء الشياطين، المردة الجهلة، أن البدو إسلام، ولو جرى منهم ذلك كله، لأنهم يقولون: لا إله إلا الله أيضاً؛ ولازم قولهم: أن اليهود إسلام، لأنهم يقولونها. وأيضاً، كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود بأضعاف مضاعفة، أعني البوادي المتصفين بما ذكرنا. والذي يبين ذلك من قصة الردة، أن المرتدين افترقوا في ردتهم: فمنهم من كذب النبي ﷺ ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وقالوا: لو كان نبياً ما مات; ومنهم من ثبت على الشهادتين، ولكن أقر بنبوة مسيلمة، ظناً أن النبي ﷺ أشركه في النبوة، لأن مسيلمة أقام شهود زور شهدوا له بذلك، فصدقهم كثير من الناس; ومع هذا، أجمع العلماء أنهم مرتدون ولو جهلوا ذلك، ومن شك في ردتهم فهو كافر. فإذا عرفت أن العلماء أجمعوا: أن الذين كذبوا النبي ﷺ ورجعوا إلى عبادة الأوثان، وشتموا رسول الله ﷺ ، ومنهم من أقر بنبوة مسيلمة في حال واحد، ولو ثبت على الإسلام كله. ومنهم من أقر بالشهادتين، وصدق طليحة في دعواه النبوة. ومنهم من صدق العنسي صاحب صنعاء؛ وكل هؤلاء أجمع العلماء أنهم مرتدون. ومنهم أنواع أخر، منهم الفجاءة السلمي لما وفد على

стр. 3346

أبي بكر، وذكر له أنه يريد قتال المرتدين، ويطلب من أبي بكر أن يمده، فأعطاه سلاحاً ورواحل، فاستعرض السلمي المسلم والكافر يأخذ أموالهم، فجهز أبو بكر جيشاً لقتاله. فلما أحس بالجيش، قال لأميرهم: أنت أمير أبي بكر، وأنا أميره، ولم أكفر، فقال: إن كنت صادقاً فألق السلاح، فألقاه، فبعث به إلى أبي بكر، فأمر بتحريقه بالنار وهو حي. فإذا كان هذا حكم الصحابة في هذا الرجل، مع إقراره بأركان الإسلام الخمسة، فما ظنك بمن لم يقر من الإسلام بكلمة واحدة، إلا أنه يقول: "لا إله إلا الله" بلسانه، مع تصريحه بتكذيب معناها، وتصريحه بالبراءة من دين محمد ﷺ ومن كتاب الله؟ ويقولون: هذا دين الحضر، وديننا دين آبائنا. ثم يفتي هؤلاء المردة الجهال أن هؤلاء مسلمون، ولو صرحوا بذلك كله، إذا قالوا: لا إله إلا الله. سبحانك هذا بهتان عظيم! وما أحسن ما قاله واحد من البوادي، لما قدم علينا وسمع شيئاً من الإسلام، قال: أشهد أننا كفار - يعني هو وجميع البوادي -، وأشهد أن المطوع الذي يسمينا إسلاماً أنه كافر. وصلى الله على سيدنا محمد. الهجرة على من عجز عن إظهار دينه وقال أيضاً: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: الذين أقروا بالتوحيد، والبراءة من الشرك، هل ترك هذه المسألة يوجب العداوة والمقاطعة، كالزنى والسرقة،

стр. 3347

ونهب أموال المسلمين، أم لا؟ فحكم الكتاب بينهم بقوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . وقال أبناء الشيخ محمد، وحمد بن ناصر، رحمهم الله تعالى: وقولكم: من أجاب الدعوة، وحقق التوحيد، وتبرأ من الشرك، هل تلزمه الهجرة وإن لم يكن له قدرة؟ فنقول: الهجرة تجب على كل مسلم، لا يقدر على إظهار دينه ببلده، إن كان قادراً على الهجرة، كما دل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] . وأما من لم يقدر على الهجرة، فقد استثناهم الله بقوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ﴾ الآيتين [سورة النساء آية: ٩٨-٩٩] . ولهم أيضاً، رحمهم الله تعالى: وقولك: إنا نقول: إن الإنسان إذا لم يحصل له الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أنه يهاجر، فنقول في هذه المسألة، كما قال العلماء، رحمهم الله تعالى: تجب الهجرة على من عجز عن إظهار دينه بدار الحرب، فإن قدر على إظهار دينه، فهجرته مستحبة لا واجبة.

стр. 3348

وقال بعضهم بوجوبها، لما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: " أنا بريء من مسلم بين ظهراني المشركين " ١؛ فإن تكن البلد بلد حرب، ولم يظهر الكفر فيها لم نوجب الهجرة، إذا لم يكن فيها إلا المعاصي، وعلى هذا نحمل الحديث الوارد عن النبي ﷺ أنه قال: " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده " الحديث. [أدلة تحريم موالاة المشركين] وقال الشيخ سليمان بن الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ اعلم، رحمك الله: أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفاً منهم ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين؛ هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم، ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها، بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؟ فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر، من أشد الناس عداوة لله ولرسوله ﷺ . ولا يستثنى من ذلك إلا المكره،

стр. 3349

وهو الذي يستولي عليه المشركون، فيقولون له: اكفر، أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً: أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا. وأنا أذكر بعض الأدلة على ذلك بعون الله وتأييده: الدليل الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٠] ، فأخبر تعالى أن اليهود والنصارى، وكذلك المشركون، لا يرضون عن النبي ﷺ حتى يتبع ملتهم ويشهد أنهم على حق. ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ [سورة البقرة آية: ١٢٠] ، وفي الآية الأخرى: ﴿إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٥] . فإذا كان النبي ﷺ لو يوافقهم على دينهم ظاهراً من غير عقيدة القلب، لكن خوفاً من شرهم ومداهنة، كان من الظالمين، فكيف بمن أظهر لعباد القبور والقباب، أنهم على حق وهدى مستقيم؟ فإنهم لا يرضون إلا بذلك. الدليل الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ

стр. 3350

وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١٧] . فأخبر تعالى أن الكفار لا يزالون يقاتلون المسلمين حتى يردوهم عن دينهم إن استطاعوا، ولم يرخص في موافقتهم خوفاً على النفس والمال والحرمة؛ بل أخبر عمن وافقهم بعد أن قاتلوه ليدفع شرهم، أنه مرتد، فإن مات على ردته بعد أن قاتله المشركون، فإنه من أهل النار الخالدين فيها. فكيف بمن وافقهم من غير قتال؟ فإذا كان من وافقهم بعد أن قاتلوه لا عذر له، عرفت أن الذين يأتون إليهم ويسارعون في الموافقة لهم من غير خوف ولا قتال، أنهم أولى بعدم العذر، وأنهم كفار مرتدون. الدليل الثالث: قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحاباً من دون المؤمنين، وإن كانوا خائفين منهم، وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء، أي: لا يكون من أولياء الله الموعودين بالنجاة في الآخرة، ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، وهو: أن يكون الإنسان مقهوراً معهم، لا يقدر على عداوتهم، فيظهر لهم المعاشرة وقلبه مطمئن بالبغضاء والعداوة، وانتظار زوال المانع، فإذا زال رجع إلى العداوة والبغضاء. فكيف بمن اتخذهم أولياء من دون المؤمنين من

стр. 3351

غير عذر، إلا استحباب الدنيا على الآخرة، والخوف من المشركين، وعدم الخوف من الله؟ فما جعل الله الخوف منهم عذراً، بل قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٧٥] . الدليل الرابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٤٩] ، فأخبر تعالى أن المؤمنين إن أطاعوا الكفار فلا بد أن يردوهم على أعقابهم عن الإسلام، فإنهم لا يقنعون منهم بدون الكفر، وأخبر أنهم إن فعلوا ذلك صاروا من الخاسرين في الدنيا والآخرة؛ ولم يرخص في موافقتهم وطاعتهم خوفاً منهم. وهذا هو الواقع، فإنهم لا يقنعون ممن وافقهم إلا بالشهادة أنهم على حق، وإظهار العداوة والبغضاء للمسلمين، وقطع اليد منهم. ثم قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٥٠] ، فأخبر تعالى أنه ولي المؤمنين وناصرهم، وهو خير الناصرين؛ ففي ولايته وطاعته كفاية، وغنية عن طاعة الكفار. فيا حسرة على العباد الذين عرفوا التوحيد ونشؤوا فيه، ودانوا به زماناً، كيف خرجوا عن ولاية رب العالمين وخير الناصرين، إلى ولاية القباب وأهلها، ورضوا بها بدلاً من ولاية من بيده ملكوت كل شيء؟! ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾ .

стр. 3352

الدليل الخامس: قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٢] ، فأخبر تعالى أنه لا يستوي من اتبع رضوان الله، ومن اتبع ما يسخطه ومأواه جهنم يوم القيامة؛ ولا ريب أن عبادة الرحمن وحده ونصرها، وكون الإنسان من أهلها من رضوان الله، وأن عبادة القباب والأموات، ونصرها والكون من أهلها، مما يسخط الله؛ فلا يستوي عند الله من نصر توحيده ودعوته بالإخلاص، وكان مع المؤمنين، ومن نصر الشرك ودعوة الأموات، وكان مع المشركين. فإن قالوا: خفنا، قيل لهم: كذبتم. وأيضاً، فما جعل الله الخوف عذراً في اتباع ما يسخطه، واجتناب ما يرضيه، وكثير من أهل الباطل إنما يتركون الحق خوفاً من زوال دنياهم، وإلا فيعرفون الحق ويعتقدونه، ولم يكونوا بذلك مسلمين. الدليل السادس: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] ، أي: في أي فريق كنتم؟ أفي فريق المسلمين، أم في فريق المشركين؟ فاعتذروا عن كونهم لم يكونوا في فريق المسلمين بالاستضعاف، فلم تعذرهم الملائكة: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾

стр. 3353

[سورة النساء آية: ٩٧] . ولا يشك عاقل أن أهل البلدان الذين خرجوا عن المسلمين، وصاروا مع المشركين، وفي فريقهم وجماعتهم، أعظم ممن ترك الهجرة مشحة بوطنه وأهله وماله؛ هذا مع أن الآية نزلت في أناس من أهل مكة، أسلموا واحتبسوا عن الهجرة، فلما خرج المشركون إلى بدر، أكرهوهم على الخروج معهم، فخرجوا خائفين، فقتلهم المسلمون يوم بدر، فلما علموا بقتلهم تأسفوا، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله فيهم هذه الآية. فكيف بأهل البلدان، الذين كانوا على الإسلام، فخلعوا ربقته من أعناقهم، وأظهروا لأهل الشرك الموافقة على دينهم، ودخلوا في طاعتهم وآووهم ونصروهم، وخذلوا أهل التوحيد، وابتغوا غير سبيلهم وخطؤوهم، وظهر فيهم سبهم وشتمهم وعيبهم والاستهزاء بهم، وتسفيه رأيهم في ثباتهم على التوحيد، والصبر عليه وعلى الجهاد فيه، وعاونوهم على أهل التوحيد طوعاً لا كرهاً، واختياراً لا اضطراراً؟! فهؤلاء أولى بالكفر والنار، من الذين تركوا الهجرة شحاً بالوطن، وخوفاً من الكفار، وخرجوا في جيشهم مكرهين خائفين. فإن قال قائل: هلا كان الإكراه على الخروج عذراً للذين قتلوا يوم بدر؟ قيل: لا يكون عذراً، لأنهم في أول الأمر لم يكونوا معذورين، إذ أقاموا مع الكفار، فلا يعذرون

стр. 3354

بعد ذلك الإكراه، لأنهم السبب في ذلك، حيث أقاموا معهم وتركوا الهجرة. الدليل السابع: قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] ، فذكر تعالى أنه نزل على المؤمنين في الكتاب، أنهم إذا سمعوا آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها، فلا يقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وأن من جلس مع الكافرين بآيات الله، المستهزئين بها في حال كفرهم واستهزائهم، فهو مثلهم؛ ولم يفرق بين الخائف وغيره إلا المكره؛ وهذا وهم في بلد واحد في أول الإسلام، فكيف بمن كان في سعة الإسلام وعزه وبلاده، فدعا الكافرين بآيات الله المستهزئين بها إلى بلاده، واتخذهم أولياء وأصحاباً وجلساء، وسمع كفرهم واستهزاءهم وأقرهم، وطرد أهل التوحيد وأبعدهم؟! الدليل الثامن: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] ، فنهى سبحانه المؤمنين عن اتخاذ اليهود والنصارى أولياء، وأخبر أن من تولاهم من المؤمنين فهو منهم؛ وهكذا حكم من تولى الكفار من المجوس وعباد

стр. 3355

الأوثان، فهو منهم. فإن جادل مجادل في أن عبادة القباب، ودعاء الأموات مع الله، ليس بشرك، وأن أهلها ليسوا بمشركين، بان أمره، واتضح عناده وكفره. ولم يفرق تعالى بين الخائف وغيره، بل أخبر الله تعالى: أن الذين في قلوبهم مرض يفعلون ذلك خوفاً من الدوائر؛ وهكذا حال هؤلاء المرتدين، خافوا من الدوائر، فزال ما في قلوبهم من الإيمان بوعد الله الصادق، بالنصر لأهل التوحيد، فبادروا وسارعوا إلى الشرك، خوفاً أن تصيبهم دائرة، قال الله تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢] . الدليل التاسع: قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠] ، فذكر تعالى أن موالاة الكفار موجبة لسخط الله، والخلود في النار، بمجردها، وإن كان الإنسان خائفاً، إلا المكره بشرطه؛ فكيف إذا اجتمع ذلك مع الكفر الصريح، وهو معاداة التوحيد وأهله، والمعاونة على زوال دعوة الله بالإخلاص، وعلى تثبيت دعوة غيره؟! الدليل العاشر: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ

стр. 3356

فَاسِقُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨١] ، فذكر تعالى أن موالاة الكفار منافية للإيمان بالله والنبي، وما أنزل إليه، ثم أخبر: أن سبب ذلك كون كثير منهم فاسقين، ولم يفرق بين من خاف الدائرة ومن لم يخف؛ وهكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين قبل ردتهم، كثير منهم فاسقون، فجر ذلك إلى موالاة الكفار، والردة عن الإسلام، نعوذ بالله من ذلك. الدليل الحادي عشر: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٢١] ، وهذه الآية نزلت لما قال المشركون: تأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله، فأنزل الله هذه الآية. فإذا كان من أطاع المشركين في تحليل الميتة مشركاً، من غير فرق بين الخائف وغيره، إلا المكره، فكيف بمن أطاعهم في تحليل موالاتهم، والكون معهم، ونصرهم، والشهادة أنهم على حق، واستحلال دماء المسلمين وأموالهم، والخروج عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين؟! فهؤلاء أولى بالكفر والشرك، ممن وافقهم على أن الميتة حلال. الدليل الثاني عشر: قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٥] ، وهذه الآية نزلت في رجل عالم عابد، في زمان بني إسرائيل، يقال له: "بلعام" وكان يعلم الاسم

стр. 3357

الأعظم; قال ابن أبي طلحة عن ابن عباس: "لما نزل بهم موسى ﵇ يعني بالجبارين - أتوه بنو عمه وقومه، فقالوا: إن موسى رجل حديد، ومعه جنود كثيرة، وإنه إن يظهر علينا يهلكنا، فادع الله أن يرد موسى ومن معه. قال: إني إن دعوت الله، ذهبت دنياي وآخرتي. فلم يزالوا به حتى دعا عليهم، فسلخه الله مما كان عليه، فذلك قوله تعالى: ﴿فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [سورة الأعراف آية: ١٧٥] ". وقال ابن زيد: كان هواه مع القوم، يعني الذين حاربوا موسى وقومه. فذكر تعالى أمر هذا المنسلخ من آيات الله، بعد أن أعطاه الله إياها، وعرفها وصار من أهلها، ثم انسلخ منها، أي: ترك العمل بها، وذكر في انسلاخه منها، ما معناه، أنه مظاهرة المشركين ومعاونتهم برأيه، والدعاء على موسى، ﵇، ومن معه، أن يردهم الله عن قومه، خوفاً على قومه، وشفقة عليهم، مع كونه يعرف الحق ويقطع به، ويتكلم به ويشهد به، ويتعبد، ولكن صده عن العمل به متابعة قومه، وعشيرته، وهواه، وإخلاده إلى الأرض؛ فكان هذا انسلاخاً من آيات الله. وهذا هو الواقع من هؤلاء المرتدين، وأعظم؛ فإن الله تعالى أعطاهم آياته التي فيها الأمر بتوحيده ودعوته وحده لا شريك له، والنهي عن الشرك به، ودعوة غيره، والأمر بموالاة المؤمنين، ومحبتهم ونصرتهم، والاعتصام بحبل الله

стр. 3358

جميعاً، والكون مع المؤمنين، والأمر بمعاداة المشركين وبغضهم، وجهادهم وفراقهم، والأمر بهدم الأوثان، وإزالة القحاب واللواط، والمنكرات، وعرفوها وأقروا بها، ثم انسلخوا من ذلك كله، فهم أولى بالانسلاخ من آيات الله، والكفر والردة، من بلعام، أو هم مثله. الدليل الثالث عشر: قوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ، فذكر تعالى أن الركون إلى الظلمة والكفار والظالمين، موجب لمسيس النار، ولم يفرق بين من خاف منهم وغيره، إلا المكره؛ فكيف بمن اتخذ الركون إليهم ديناً ورأياً حسناً، وأعانهم بما قدر عليه من مال ورأي، وأحب زوال التوحيد وأهله، واستيلاء أهل الشرك عليهم؟! فإن هذا من أعظم الكفر والركون. الدليل الرابع عشر: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦-١٠٧] ، فحكم تعالى حكماً لا يبدل: أن من رجع عن دينه إلى الكفر فهو كافر، سواء كان له عذر خوفاً على نفس أو مال أو أهل أم لا، وسواء كفر بباطنه وظاهره أم بباطنه دون ظاهره، وسواء كفر بفعاله أو

стр. 3359

مقاله، أو بأحدهما دون الآخر، وسواء كان طامعاً في دنيا ينالها من المشركين أم لا، فهو كافر على كل حال، إلا المكره، وهو في لغتنا: المغصوب. فإذا أكره إنسان على الكفر، أو قيل له: اكفر وإلا قتلناك، أو ضربناك، أو أخذه المشركون فضربوه، ولم يمكنه التخلص إلا بموافقتهم، جاز له موافقتهم في الظاهر، بشرط أن يكون قلبه مطمئناً بالإيمان، أي: ثابتاً عليه معتقداً له، فأما إن وافقهم بقلبه، فهو كافر ولو كان مكرهاً. وظاهر كلام أحمد: أنه في الصورة الأولى، لا يكون مكرهاً حتى يعذبه المشركون، فإنه لما دخل عليه يحيى بن معين وهو مريض، فسلم عليه فلم يرد ﵇، فما زال يعتذر ويقول حديث عمار، وقال الله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] ، فقلب أحمد وجهه إلى الجانب الآخر، فقال يحيى: لا يقبل عذراً. فلما خرج يحيى، قال أحمد: يحتج بحديث عمار، وحديث عمار: "مررت بهم وهم يسبونك، فنهيتهم فضربوني"، وأنتم، قيل لكم: نريد أن نضربكم. فقال يحيى: والله ما رأيت تحت أديم السماء أفقه في دين الله منك. ثم أخبر تعالى: أن هؤلاء المرتدين الشارحين صدورهم بالكفر، وإن كانوا يقطعون على الحق، ويقولون: ما فعلنا هذا إلا خوفاً، فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم.

стр. 3360

ثم أخبر تعالى: أن سبب هذا الكفر والعذاب، ليس بسبب الاعتقاد للشرك، أو الجهل بالتوحيد، أو البغض للدين، أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظاً من حظوظ الدنيا فآثره على الآخرة، وعلى رضى رب العالمين فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٧] ، فكفّرهم تعالى، وأخبر أنه لا يهديهم مع كونهم يعتذرون بمحبة الدنيا. ثم أخبر تعالى: أن هؤلاء المرتدين لأجل استحباب الدنيا على الآخرة، هم الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، وأنهم الغافلون. ثم أخبر خبراً مؤكداً محققاً: أنهم في الآخرة هم الخاسرون. الدليل الخامس عشر: قوله تعالى عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٠] ، فذكر تعالى عن أهل الكهف أنهم ذكروا عن المشركين أنهم إن قهروكم وغلبوكم، فهم بين أمرين: إما أن يرجموكم أي: يقتلوكم شر قتلة برجم، وإما أن يعيدوكم في ملتهم ودينهم، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً﴾ أي: وإن وافقتموهم على دينهم، بعد أن غلبوكم وقهروكم، فلن تفلحوا إذا أبداً؛ فهذا حال من وافقهم بعد أن غلبوه، فكيف بمن وافقهم وراسلهم من بعيد، وأجابهم إلى ما طلبوا من غير غلبة ولا إكراه، ومع ذلك يحسبون أنهم

стр. 3361

مهتدون؟! الدليل السادس عشر: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج آية: ١١] ، فأخبر تعالى: أن من الناس من يعبد الله على حرف، أي: على طرف، فإن أصابه خير أي: نصر وعز وصحة، وسعة وأمن وعافية ونحو ذلك، اطمأن به، أي: ثبت، وقال: هذا دين حسن، ما رأينا فيه إلا خيراً، وإن أصابته فتنة، أي: خوف ومرض وفقر ونحو ذلك، انقلب على وجهه، أي: ارتد عن دينه، ورجع إلى أهل الشرك. فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة، سواء بسواء؛ فإنهم قبل هذه الفتنة، يعبدون الله على حرف، أي: على طرف، ليسوا ممن يعبد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم، وأظهروا الموافقة للمشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين، فهم معهم في الآخرة كما هم معهم في الدنيا، فـ ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج آية: ١١] ، هذا مع أن كثيراً منهم في عافية، ما أتاهم من عدو، وإنما ساء ظنهم بالله، فظنوا أنه يديل الباطل وأهله على الحق وأهله، فأرداهم سوء ظنهم بالله، كما قال تعالى:

стр. 3362

﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٣] . وأنت، يا من منّ الله عليه بالثبات على الإسلام، احذر أن يدخل في قلبك شيء من الريب، أو تحسين هؤلاء المرتدين، وأن موافقتهم للمشركين وإظهار طاعتهم رأياً حسناً، حذراً على الأنفس والأموال والمحارم! فإن هذه الشبهة، هي التي أوقعت كثيراً من الأولين والآخرين في الشرك بالله، ولم يعذرهم الله بذلك، وإلا فكثير منهم يعرفون الحق، ويعتقدونه بقلوبهم، وإنما يدينون لله بالشرك، للأعذار الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، أو لبعضها؛ فلم يعذر بها أحداً ولا ببعضها، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] . الدليل السابع عشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾

стр. 3363

[سورة محمد آية: ٢٥-٢٨] . فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم، أنهم من بعدما تبين لهم الهدى ارتدوا على علم، فلم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة. وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، غرهم الشيطان فأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن من المشركين من يعرفون الحق ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال، والمآكل والرياسات. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [سورة محمد آية: ٢٦] ، فأخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة، وتسويل الشيطان والإملاء لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فإذا كان من وعد المشركين، الكارهين لما أنزل الله، طاعتهم في بعض الأمر، كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك

стр. 3364

الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر. ثم أخبر تعالى عن حالهم الفظيع عند الموت، ثم قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر الفظيع عند الوفاة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٨] . ولا يستريب المسلم أن اتباع المشركين، والدخول في جملتهم، والشهادة أنهم على حق، ومعاونتهم على زوال التوحيد وأهله، ونصرة القباب والقحاب واللواط، من اتباع ما يسخط الله، وكراهة رضوانه، وإن ادعوا أن ذلك لأجل الخوف؛ فإن الله ما عذر أهل الردة بالخوف من المشركين، بل نهى عن خوفهم. فأين هذا ممن يقول: ما جرى منا شيء ونحن على ديننا؟! الدليل الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١١] ، فعقد الله تعالى الأخوة بين المنافقين والكفار، وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، أي: لئن غلبكم محمد ﷺ وأخرجكم من بلادكم ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ أي: لا نسمع من أحد فيكم قولاً، ولا نعطى فيكم طاعة، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أي: إن قاتلكم محمد ﷺ لننصرنكم، ونكون معكم. ثم شهد الله: إنهم

стр. 3365

لكاذبون في هذا القول. فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم، ونصرهم والخروج معهم إن جلوا، نفاقاً وكفراً، وإن كان كذباً، فكيف بمن أظهر ذلك صادقاً، وقدم عليهم ودخل في طاعتهم، ودعا إليها ونصرهم، وانقاد لهم وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي؟! هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢] . هكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، فإن عذر كثير منهم هذا هو العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض، ولم يعذرهم الله به، قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢-٥٣] . ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ، فأخبر تعالى أنه لا بد عند وجود المرتدين، من وجود المحبين المجاهدين; ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والقسوة على الكافرين،
следующие страницы →