مهتدون؟!
الدليل السادس عشر: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج آية: ١١] ، فأخبر تعالى: أن من الناس من يعبد الله على حرف، أي: على طرف، فإن أصابه خير أي: نصر وعز وصحة، وسعة وأمن وعافية ونحو ذلك، اطمأن به، أي: ثبت، وقال: هذا دين حسن، ما رأينا فيه إلا خيراً، وإن أصابته فتنة، أي: خوف ومرض وفقر ونحو ذلك، انقلب على وجهه، أي: ارتد عن دينه، ورجع إلى أهل الشرك. فهذه الآية مطابقة لحال المنقلبين عن دينهم في هذه الفتنة، سواء بسواء؛ فإنهم قبل هذه الفتنة، يعبدون الله على حرف، أي: على طرف، ليسوا ممن يعبد الله على يقين وثبات، فلما أصابتهم هذه الفتنة انقلبوا عن دينهم، وأظهروا الموافقة للمشركين، وأعطوهم الطاعة، وخرجوا عن جماعة المسلمين إلى جماعة المشركين، فهم معهم في الآخرة كما هم معهم في الدنيا، فـ ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج آية: ١١] ، هذا مع أن كثيراً منهم في عافية، ما أتاهم من عدو، وإنما ساء ظنهم بالله، فظنوا أنه يديل الباطل وأهله على الحق وأهله، فأرداهم سوء ظنهم بالله، كما قال تعالى:
стр. 3362
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٢٣] .
وأنت، يا من منّ الله عليه بالثبات على الإسلام، احذر أن يدخل في قلبك شيء من الريب، أو تحسين هؤلاء المرتدين، وأن موافقتهم للمشركين وإظهار طاعتهم رأياً حسناً، حذراً على الأنفس والأموال والمحارم! فإن هذه الشبهة، هي التي أوقعت كثيراً من الأولين والآخرين في الشرك بالله، ولم يعذرهم الله بذلك، وإلا فكثير منهم يعرفون الحق، ويعتقدونه بقلوبهم، وإنما يدينون لله بالشرك، للأعذار الثمانية التي ذكرها الله في كتابه، أو لبعضها؛ فلم يعذر بها أحداً ولا ببعضها، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٤] .
الدليل السابع عشر: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾
стр. 3363
[سورة محمد آية: ٢٥-٢٨] . فذكر تعالى عن المرتدين على أدبارهم، أنهم من بعدما تبين لهم الهدى ارتدوا على علم، فلم ينفعهم علمهم بالحق مع الردة، وغرهم الشيطان بتسويله وتزيين ما ارتكبوه من الردة. وهكذا حال هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، غرهم الشيطان فأوهمهم أن الخوف عذر لهم في الردة، وأنهم بمعرفة الحق ومحبته والشهادة به لا يضرهم ما فعلوه، ونسوا أن من المشركين من يعرفون الحق ويحبونه ويشهدون به، ولكن يتركون متابعته والعمل به محبة للدنيا، وخوفاً على الأنفس والأموال، والمآكل والرياسات. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ [سورة محمد آية: ٢٦] ، فأخبر تعالى أن سبب ما جرى عليهم من الردة، وتسويل الشيطان والإملاء لهم، هو قولهم للذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فإذا كان من وعد المشركين، الكارهين لما أنزل الله، طاعتهم في بعض الأمر، كافراً، وإن لم يفعل ما وعدهم به، فكيف بمن وافق المشركين الكارهين لما أنزل الله من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، وترك عبادة ما سواه من الأنداد والطواغيت والأموات، وأظهر أنهم على هدى، وأن أهل التوحيد مخطئون في قتالهم، وأن الصواب في مسالمتهم والدخول في دينهم الباطل؟! فهؤلاء أولى بالردة من أولئك
стр. 3364
الذين وعدوا المشركين بطاعتهم في بعض الأمر. ثم أخبر تعالى عن حالهم الفظيع عند الموت، ثم قال: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر الفظيع عند الوفاة، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد آية: ٢٨] . ولا يستريب المسلم أن اتباع المشركين، والدخول في جملتهم، والشهادة أنهم على حق، ومعاونتهم على زوال التوحيد وأهله، ونصرة القباب والقحاب واللواط، من اتباع ما يسخط الله، وكراهة رضوانه، وإن ادعوا أن ذلك لأجل الخوف؛ فإن الله ما عذر أهل الردة بالخوف من المشركين، بل نهى عن خوفهم. فأين هذا ممن يقول: ما جرى منا شيء ونحن على ديننا؟!
الدليل الثامن عشر: قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [سورة الحشر آية: ١١] ، فعقد الله تعالى الأخوة بين المنافقين والكفار، وأخبر أنهم يقولون لهم في السر: لئن أخرجتم لنخرجن معكم، أي: لئن غلبكم محمد ﷺ وأخرجكم من بلادكم ﴿لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً﴾ أي: لا نسمع من أحد فيكم قولاً، ولا نعطى فيكم طاعة، ﴿وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ﴾ أي: إن قاتلكم محمد ﷺ لننصرنكم، ونكون معكم. ثم شهد الله: إنهم
стр. 3365
لكاذبون في هذا القول. فإذا كان وعد المشركين في السر بالدخول معهم، ونصرهم والخروج معهم إن جلوا، نفاقاً وكفراً، وإن كان كذباً، فكيف بمن أظهر ذلك صادقاً، وقدم عليهم ودخل في طاعتهم، ودعا إليها ونصرهم، وانقاد لهم وصار من جملتهم، وأعانهم بالمال والرأي؟! هذا مع أن المنافقين لم يفعلوا ذلك إلا خوفاً من الدوائر، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢] . هكذا حال كثير من هؤلاء المرتدين في هذه الفتنة، فإن عذر كثير منهم هذا هو العذر الذي ذكره الله عن الذين في قلوبهم مرض، ولم يعذرهم الله به، قال تعالى: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢-٥٣] . ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ، فأخبر تعالى أنه لا بد عند وجود المرتدين، من وجود المحبين المجاهدين; ووصفهم بالذلة والتواضع للمؤمنين، والعزة والغلظة والقسوة على الكافرين،
стр. 3366
بضد من كان تواضعه وذله ولينه، لعباد القباب، وأهل القحاب واللواط، وعزته وغلظته على أهل التوحيد والإخلاص؛ فكفى بهذا دليلاً على كفر من وافقهم، وإن ادعى أنه خائف، فقد قال تعالى: ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ؛ وهذا بضد من يترك الصدق والجهاد خوفاً من المشركين. ثم قال تعالى: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] أي: في توحيده، صابرين على ذلك ابتغاء وجه ربهم، لتكون كلمة الله هي العليا، ﴿وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ [سورة المائدة آية:٥٤] أي: لا يبالون بمن لامهم وآذاهم في دينهم، بل يمضون على دينهم مجاهدين فيه، غير ملتفتين للوم أحد من الخلق، ولا لسخطه ولا لرضاه، وإنما همتهم وغاية مطلوبهم رضى سيدهم ومعبودهم، والهرب من سخطه؛ وهذا بخلاف من كانت همته وغاية مطلوبه: رضى عباد القباب، وأهل القحاب واللواط، ورجاءهم والهرب مما يسخطهم، فإن هذا غاية الضلال والخذلان. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ، فأخبر الله تعالى: أن هذا الخير العظيم، والصفات الحميدة، لأهل الإيمان الثابتين على دينهم عند وقوع الفتن، ليس بحولهم ولا بقوتهم، وإنما هو فضل الله يؤتيه من يشاء، كما قال تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٥] . ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا
стр. 3367
الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٥] . فأخبر الله تعالى خبراً بمعنى الأمر، بولاية الله ورسوله والمؤمنين، وفي ضمنه النهي عن موالاة أعداء الله ورسوله والمؤمنين، ولا يخفى أي الحزبين أقرب إلى الله ورسوله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، أهل الأوثان والقباب، والقحاب واللواط، والخمور والمنكرات، أم أهل الإخلاص، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة؟ فالمتولي لضدهم واضع للولاية في غير محلها، مستبدل بولاية الله ورسوله والمؤمنين، المقيمين للصلاة المؤتين للزكاة، على ولاية أهل الشرك والأوثان والقباب. ثم أخبر تعالى: أن الغلبة لحزبه ومن تولاهم، فقال: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٦] .
الدليل التاسع عشر: قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [سورة الحديد آية: ٢٢] ، فأخبر تعالى: أنك لا تجد من كان يؤمن بالله واليوم الآخر يواد من حاد الله ورسوله، ولو كان أقرب قريب، وأن هذا مناف للإيمان مضاد له، لا يجتمع هو والإيمان إلا كما يجتمع الماء والنار؛ وقد قال تعالى في موضع آخر: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبائكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على
стр. 3368
الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون﴾ [سورة التوبة آية: ٢٣] . ففي هاتين الآيتين: البيان الواضح أنه لا عذر لأحد في الموافقة على الكفر خوفاً على الأموال والآباء، والأبناء والإخوان، والأزواج والعشائر، ونحو ذلك مما يعتذر به كثير من الناس. إذا كان لم يرخص لأحد في موالاتهم، واتخاذهم أولياء بأنفسهم، خوفًا منهم وإيثاراً لمرضاتهم، فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحاباً، وأظهر لهم الموافقة على دينهم، خوفاً على بعض هذه الأمور، ومحبة لها؟! ومن العجب، استحسانهم لذلك، واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال الحرام.
الدليل العشرون: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] أي: أخطأ الصراط المستقيم، فأخبر تعالى: أن من تولى أعداء الله، وإن كانوا أقرباء وأصدقاء، فقد ضل سواء السبيل، أي: أخطأ الصراط المستقيم، وخرج عنه إلى الضلال؛ فأين هذا ممن يدعي أنه على الصراط المستقيم، لم يخرج عنه؟ فإن هذا تكذيب لله، ومن كذب الله فهو كافر، واستحلال لما حرم الله من ولاية الكفار، ومن استحل محرماً فهو كافر.
стр. 3369
ثم ذكر تعالى شبهة من اعتذر بالأرحام والأولاد، فقال: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الممتحنة آية: ٣] ، فلم يعذر الله تعالى من اعتذر بالأرحام والأولاد، والخوف عليهما، ومشقة مفارقتهما، بل أخبر أنها لا تنفع يوم القيامة، ولا تغني من عذاب الله شيئاً، كما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ١٠١] .
الدليل الحادي والعشرون: من السنة ما رواه أبو داود وغيره، عن سمرة ابن جندب ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "من جامع المشرك وسكن معه فهو مثله " ١، فجعل ﷺ في هذا الحديث من جامع المشركين، أي: اجتمع معهم وخالطهم وسكن معهم، فهو مثلهم؛ فكيف بمن أظهر لهم الموافقة على دينهم، وآواهم وأعانهم؟ فإن قالوا: خفنا، قيل لهم: كذبتم. وأيضاً، فليس الخوف بعذر كما قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٠] ؛ فلم يعذر الله ﵎ من يرجع عن دينه عند الأذى والخوف، فكيف بمن لم يصبه أذى ولا خوف، وإنما جاء إلى الباطل محبة له وخوفاً من الدوائر؟ والأدلة على هذا كثير، وفي هذا كفاية لمن
стр. 3370
أراد الله هدايته. وأما من أراد الله فتنته وضلالته، فكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [سورة يونس آية: ٩٦-٩٧] . فنسأل الله الكريم المنان: أن يحيينا مسلمين، وأن يتوفانا مسلمين، وأن يلحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين، برحمته وهو أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد.
وسئل، قدس الله روحه ونور ضريحه: ما قولكم، أدام الله النفع بعلومكم، في أهل بلد مرتدين، أو بادية، وهم بنو عم، ويجيء لهم ذكر عند الأمراء، فيتسبب بالدفع عنهم بعض أقاربهم - مما هو عند المسلمين حمية دنيوية - إما بطرح نكال، أو دفن نقائص المسلمين، أو يشير بكف المسلمين عنهم، هل يكون موالاة نفاق، أو يصير كفراً؟ فإن كان ما يقدر من نفسه أن يتلفظ بكفرهم، وسبهم، ما حكمه؟ وكذلك إذا عرفت هذا من إنسان، ماذا يجب عليك؟ أفتنا مأجوراً.
فأجاب: اعلم أولاً - أيدك الله بتوفيقه - أن أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله، وأن الله افترض على المؤمنين عداوة المشركين، من الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب، الذين يعرفون بالنفاق، ولا يؤمنون بالله ورسوله ﷺ وأن الله أمرهم بجهادهم، والإغلاظ عليهم بالقول
стр. 3371
والفعل، وتوعدهم الله باللعن والقتل بقوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٦١] ، وقطع الموالاة بين المؤمنين وبينهم، وأخبر أن من تولاهم فهو منهم. وكيف يدعي رجل محبة الله، وهو يحب أعداءه الذين ظاهروا الشياطين على عدوانهم، واتخذوهم أولياء من دون الله؟ كما قيل:
تحب عدوّي ثم تزعم أنني ... صديقك إن الود عنك لعازبُ
وبالجملة: فالحب في الله، والبغض في الله، أصل عظيم من أصول الإيمان، يجب على العبد مراعاته; ولهذا جاء في الحديث: " أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله " ١، ولذلك أكثر الله من ذكره في القرآن، قال تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] . قال بعض المفسرين: فهو: أن يوالوا الكافرين، لقرابة بينهم، أو صداقة قبل الإسلام، أو غير ذلك من الأسباب التي يتصادق بها ويتعاشر، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يعني: أن لكم في موالاة المؤمنين مندوحة عن موالاة الكفار، فلا تؤثروهم عليهم. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] أي: ومن يتول الكفرة، فليس من ولاية الله في شيء يقع عليه اسم الولاية، يعني: أنه منسلخ من ولاية الله
стр. 3372
رأساً. وهذا أمر معقول، فإن موالاة الولي، وموالاة عدوه متنافيان. ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، فرخص في موالاتهم إذا خافوهم، فلم يحسنوا معاشرتهم إلا بذلك، وكانوا مقهورين لا يستطيعون إظهار العداوة لهم، فحينئذ تجوز المعاشرة ظاهرة، والقلب مطمئن بالعداوة والبغضاء، ينتظر زوال المانع، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ [سورة النحل آية: ١٠٦] ، قال ابن عباس: "ليس التقية بالعمل، إنما التقية باللسان".
وقال أيضاً: نهى الله المؤمنين أن يلاطفوا الكفار، ويتخذوهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار ظاهرين، فيظهرون لهم اللطف، ويخالفونهم في الدين، وذلك قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [سورة آل عمران آية: ٢٨] ، ذكره ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية [سورة آل عمران آية: ١١٨] ، قال القرطبي: لا تجعلوا خاصتكم وبطانتكم منهم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] إلى قوله: ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٦] ، قال حذيفة: "ليتق أحدكم أن يكون يهودياً أو نصرانياً وهو لا يشعر، لهذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ
стр. 3373
مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] ".
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٢] ، قال: المنافقون في مصانعة اليهود، ومداخلتهم واسترضاعهم أولادهم إياهم، وقال علي ﵁ في قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ، قال: "أهل رقة على أهل دينهم"، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٤] ، قال: "أهل غلظة على من خالفهم في دينهم"; وكذا نقل معناه عن غير واحد من السلف.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [سورة المائدة آية: ٥٧] ، وقال تعالى: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ [سورة المائدة آية: ٨٠] ، والآية بعدها.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣] . فقد أمر الله بجهاد الكفار والمنافقين مع دعواهم الإسلام، وأمر بالإغلاظ عليهم قولاً وفعلاً. وقال ابن عباس، ﵄، في الآية: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ : "بالسيف"، ﴿وَالْمُنَافِقِينَ﴾ : "باللسان"، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣] قال: "أذهب الرفق عنهم".
وقال ابن مسعود ﵁: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ
стр. 3374
وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣] . قال: "بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وليلقه بوجه مكفهر"، أي: عابس متغير من الغيظ والبغض، ذكره ابن أبي حاتم، وجاء معناه في حديث مرفوعاً رواه البيهقي في الشعب. وقال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] ، نفى الإيمان عمن هذا شأنه، ولو كانت مودته ومحبته ومناصحته لأبيه وأخيه وابنه ونحوهم، فضلاً عن غيرهم.
وقال تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ، قال ابن عباس: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ قال: "لا تميلوا"; وقال عكرمة: "أن تطيعوهم، أو تودوهم، أو تصطنعوهم"، ومعنى تصطنعوهم أي: تولوهم الأعمال، كمن يولي الفساق والفجار. وقال الثوري: ومن لاق لهم دواة، أو برى لهم قلماً، أو ناولهم قرطاساً، دخل في هذا. قال بعض المفسرين في الآية: فالنهي متناول للانحطاط في هواهم، والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم، ومجالستهم، وزيارتهم، ومداهنتهم، والرضاء بأعمالهم، والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكره بما فيه تعظيم لهم، وتأمل قوله: ﴿وَلا تَرْكَنُوا﴾ ، والركون هو الميل اليسير.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿فأولئك هم
стр. 3375
الظالمون﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] . وصح: أن صدر هذه السورة نزلت في حاطب بن أبي بلتعة، لما كتب إلى المشركين يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم، وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] ، أنها "في أبي عبيدة بن الجراح، لما قتل أباه يوم بدر"، كما رواه الطبراني وابن أبي حاتم، والحاكم وغيرهم.
وعن ابن جريج قال حدثت: "أن أبا قحافة سب النبي ﷺ ، فصكه أبو بكر صكة سقط منها، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: أفعلت يا أبا بكر؟ فقال: والله لو كان السيف قريباً مني لضربته"، فنزلت: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] ، رواه ابن المنذر، وهذا - والله أعلم - في أول الإسلام، فإن أبا قحافة أسلم عام الفتح، فلم يكن ليسب النبي ﷺ بعد الإسلام، وأبو بكر خرج مهاجراً من مكة، ولم يعد إليها إلا بعد الإسلام، في عمرة مع النبي ﷺ .
وقال ابن عباس، ﵄: "من أحب في الله، وأبغض في الله، وعادى في الله، ووالى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك"، رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم.
وفي حديث رواه أبو نعيم وغيره، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : " أوحى الله إلى نبي من الأنبياء أن قل لفلان العابد: أما زهدك في الدنيا فتعجلت راحة نفسك، وأما
стр. 3376
انقطاعك إلي فتعززت به، فما عملت فيما لي عليك. قال: يا رب، وما لك علي؟ قال: هل واليت لي ولياً، أو عاديت لي عدواً ".
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة الأنفال آية: ٧٣] ، فعقد تعالى الموالاة بين المؤمنين، وقطعهم من ولاية الكافرين، وأخبر أن الكفار بعضهم أولياء بعض، وإن لم يفعلوا ذلك وقع من الفتنة والفساد الكبير شيء عظيم، وكذلك يقع؛ فهل يتم الدين أو يقام علم الجهاد، وعلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا بالحب في الله والبغض في الله، والمعاداة في الله والموالاة في الله؟ ولو كان الناس متفقين على طريقة واحدة، ومحبة من غير عداوة ولا بغضاء، لم يكن فرق بين الحق والباطل، ولا بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان؛ والآيات في هذا كثيرة.
وأما الأحاديث: فروى أحمد عن البراء بن عازب: " أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله " ١، وفي حديث مرفوع: "اللهم لا تجعل للفاجر عندي يداً ولا نعمة، فيوده قلبي؛ فإني وجدت فيما أوحي إلي: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [سورة المجادلة آية: ٢٢] ?"، رواه ابن مردويه وغيره. وعن أبي ذر مرفوعاً: " أفضل الأعمال:
стр. 3377
الحب في الله والبغض في الله " ١، رواه أبو داود، ورواه أحمد مطولاً. وفي الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعاً: " المرء مع من أحب " ٢، وعن ابن مسعود مرفوعاً: " لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقي " ٣، رواه ابن حبان في صحيحه. وعن علي مرفوعاً: " لا يحب رجل قوماً إلا حشر معهم " ٤، رواه الطبراني بإسناد جيد، قاله ابن المنذر; وقد روى أحمد معناه عن عائشة بإسناد جيد أيضاً، عنها مرفوعاً: "الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور، أو تبغض على شيء من العدل. وهل الدين إلا الحب في الله والبغض في الله، قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [سورة آل عمران آية: ٣١] الآية"، رواه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
فقد جعل النبي ﷺ ، في هذا الحديث، الحب على شيء من الجور وإن قل، والبغض على شيء من العدل وإن قل، من الشرك؛ فليحذر أشد الحذر من موادة أعداء الله من الكفار والمنافقين. وعن بريدة مرفوعاً: " لا تقولوا للمنافق سيداً، فإنه إن يكن سيداً فقد أسخطتم ربكم " ٥، رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح، ورواه الحاكم ولفظه: " إذا قال الرجل للمنافق: يا سيدي، فقد أغضب ربه " ٦، وقال: صحيح الإسناد.
стр. 3378
وعن ابن مسعود مرفوعاً: " مثل الذي يعين قومه على غير الحق، كمثل بعير تردى في بئر، فهو ينزع بذنبه " ١، ورواه أبو داود وابن حبان؛ قال ابن المنذر: ومعنى الحديث: أنه وقع في الإثم، وهلك البعير إذا تردى في بئر، فصار ينزع بذنبه، فلا يقدر على الخلاص. والأحاديث في ذلك كثيرة.
стр. 3379
فصل: في ذكر الآثار عن السلف [في تحريم موالاة المشركين]
وهي كثيرة، فنذكر منها بعضها: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٩] والآية بعدها. قال ابن عباس: "في الآية رجال من المسلمين يواصلون رجالاً من اليهود، لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية، فأنزل الله فيهم ينهاهم عن بطانتهم لخوف الفتنة عليهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] "، قال: "هم المنافقون"، رواه ابن أبي حاتم.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قيل له: إن هنا غلاماً من أهل الحيرة، حافظاً كاتباً، فلو اتخذته كاتباً، قال: "قد اتخذتُ إذاً بطانة من دون المؤمنين"، رواه ابن أبي شيبة. وعن الربيع، ﴿لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ ، قال: لا تستدخلوا المنافقين تتولونهم دون المؤمنين.
стр. 3380
وفي تفسير القرطبي في الكلام على هذه الآية: نهى الله المؤمنين بهذه الآية أن يتخذوا من الكافرين واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولائج، يفاوضونهم في الآراء، ويسندون إليهم أمورهم، ويقال: كل من كان على خلاف دينك ومذهبك لا ينبغي أن تخادنه، قال القائل شعراً:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
وفي سنن أبي داود: عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: " المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ".
وروي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: "اعتبروا الناس بأخدانهم". ثم بين المعنى الذي لأجله ورد النهي عن المواصلة، قال: ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ [سورة آل عمران آية: ١١٨] يعني: فساداً يعني: لا يتركون فسادكم.
قال: "وقد مر أبو موسى الأشعري على عمر ﵁ بحساب، فدفعه إلى عمر فأعجبه، فقال لأبي موسى: أين كاتبك يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال: إنه لا يدخل المسجد; فقال: لِم، أجنب هو؟ قال: إنه نصراني; قال: فانتهره، وقال: لا تُدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، لا تأمنهم وقد خونهم الله".
ومن كتاب الإمام محمد بن وضاح، قال: جاء في الأثر: "من جالس صاحب بدعة، فقد مشى في هدم
стр. 3381
الإسلام"، وقال الأوزاعي: "كانت أسلافكم تشهد عليهم - أي: على أهل البدع - ألسنتهم، وتشمئز منهم قلوبهم، ويحذرون الناس بدعتهم"، وقال الحسن: "لا تجالس صاحب بدعة، فإنه يمرض قلبك"، وقال إبراهيم: "لا تجالسوا أهل البدع، ولا تكلموهم، فإني أخاف أن ترتد قلوبكم"، وروى هذه الآثار ابن وضاح.
قال شيخ الإسلام: محمد بن عبد الوهاب، ﵀: اعلم، رحمك الله: أن كلام السلف في معاداة أهل البدع والضلالة ١، فإذا كان هذا كلام السلف، وتشديدهم في معاداة أهل الضلالات، ونهيهم عن مجالستهم، فما ظنك بمجالسة الكفار والمنافقين، وجفاة الأعراب، الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، والسعي في مصالحهم، والذب عنهم، وتحسين حالهم؟ مع كونهم بين اثنتين، إما كافر أو منافق، ومن يهتم بمعرفة الإسلام منهم قليل، فهذا من رؤوسهم وأصحابهم، وهو معهم، يحشر يوم القيامة، قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية [سورة الصافات آية: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [سورة التكوير آية: ٧] ، وقد تقدم الحديث: " لا يحب رجل قوماً إلا حشر معهم " ٢.
стр. 3382
فصل: في التنبيه على حاصل ما تقدم [في حكم موالاة المشركين]
قد نهى الله سبحانه عن موالاة الكفار، وشدد في ذلك، وأخبر أن من تولاهم فهو منهم، وكذلك جاءت الأحاديث عن النبي ﷺ ، وأخبر النبي ﷺ أن من أحب قوماً حُشر معهم؛ ويُفهم مما ذكرنا من الكتاب والسنة، والآثار عن السلف، أمور، مَن فعلها دخل في تلك الآيات، وتعرض للوعيد بمسيس النار، نعوذ بالله من موجبات غضبه، وأليم عقابه.
أحدها: التولي العام.
الثاني: المودة والمحبة الخاصة.
الثالث: الركون القليل، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً إِذاً لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٤-٧٥] . فإذا كان هذا الخطاب لأشرف مخلوق صلوات الله وسلامه عليه، فكيف بغيره؟
الرابع: مداهنتهم ومداراتهم، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [سورة القلم آية: ٩] .
الخامس: طاعتهم فيما يقولون وفيما يشيرون، كما قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾ [سورة الكهف آية: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآيات [سورة القلم آية: ١٠] .
السادس: تقريبهم في الجلوس، والدخول على أمراء الإسلام.
стр. 3383
السابع: مشاورتهم في الأمور.
الثامن: استعمالهم في أمر من أمور المسلمين، أي أمر كان، إمارة أو عمالة، أو كتابة، أو غير ذلك.
التاسع: اتخاذهم بطانة من دون المؤمنين.
العاشر: مجالستهم ومزاورتهم، والدخول عليهم.
الحادي عشر: البشاشة لهم والطلاقة.
الثاني عشر: الإكرام العام.
الثالث عشر: استئمانهم وقد خوّنهم الله.
الرابع عشر: معاونتهم في أمورهم ولو بشيء قليل، كبرْي القلم، وتقريب الدواة ليكتبوا ظلمهم.
الخامس عشر: مناصحتهم.
السادس عشر: اتباع أهوائهم.
السابع عشر: مصاحبتهم ومعاشرتهم.
الثامن عشر: الرضاء بأعمالهم، والتشبه بهم والتزيي بزيهم.
التاسع عشر: ذكر ما فيه تعظيم لهم، كتسميتهم سادات وحكماء، كما يقال للطواغيت: السيد فلان، أو يقال لمن يدعي علم الطب: الحكيم، ونحو ذلك.
العشرون: السكنى معهم في ديارهم، كما قال ﷺ : "من جامع المشركين وسكن معهم، فإنه مثلهم"، رواه أبو داود.
إذا تبين هذا، فلا فرق في هذه الأمور، بين أن يفعلها مع أقربائه منهم، أو مع غيرهم، كما في آية المجادلة؛ وحينئذ، فالذي يتسبب بالدفع عنهم حمية، إما بطرح نكال، أو دفن نقائص المسلمين، أو يشير بكف المسلمين عنهم، من أعظم الموالين المحبين للكفار، من المرتدين والمنافقين وغيرهم، خصوصاً المرتدين، ينبغي أن تكون الغلظة عليهم
стр. 3384
أشد من الكافر الأصلي، لأن هذا عادى الله على بصيرة، وعادى رسوله ﷺ بعد ما عرف الحق، ثم أنكره وعاداه والعياذ بالله.
فإذا كان من أعان ظالماً فقد شاركه في ظلمه، فكيف بمن يعين الكفار، والمنافقين على كفرهم ونفاقهم؟ وإذا كان من أعان ظالماً مسلماً في خصومة ظلم عند حاكم، شريكاً للظالم، فكيف بمن يعين الكفار، ويذب عنهم عند الأمراء؟ وإذا كان الحرامية الذين يأخذون أموال الناس، إذا بذلوا للأمير مالاً على أن يكف عنهم، فهو رئيسهم، فما ظنك بمن يسرّ إلى الكفار بالمودة، ويعلمهم أنه يحبهم، ليواصلوه ويكرموه؟ كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، قدس الله روحه، وغيره ...
ولكن طرح النكال، إن كان عن مسلم مظلوم، فالشفاعة فيه، والسعي في إسقاطه بالرأي ونحوه، حسن، وإن كان عن مرتد، فلا نعما لعثرته ولا كرامة؛ ويكفي في ذلك ما رواه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: " لما كان يوم بدر جيء بالأسرى، وفيهم العباس، فقال رسول الله ﷺ : ما تأمرون في هؤلاء الأسرى؟ فقال أبو بكر: قومك يا رسول الله وأهلك، فاستبقهم لعل الله يتوب عليهم "، وفي حديث أنس، عن أحمد: " نرى أن تعفو عنهم،
стр. 3385
وتقبل منهم الفداء"; وفي حديث ابن مسعود: فقال عمر: "يا رسول الله، كذبوك وأخرجوك وقاتلوك، قدمهم فاضرب أعناقهم" فدخل النبي ﷺ ولم يرد عليهم شيئاً. فخرج رسول الله ﷺ وقال: "يا أبا بكر: مثلك مثل إبراهيم ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٦] . ومثلك يا عمر كمثل نوح، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً﴾ [سورة نوح آية: ٢٦] . أنتم عالة؛ فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء، أو ضرب عنق"; فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآيتين [سورة الأنفال آية: ٦٧] . مختصراً.
وفي حديث أنس: فأنزل الله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية [سورة الأنفال آية: ٦٨] ; وفي حديث ابن عمر، عند أبي نعيم: فلقي رسول الله ﷺ عمر، فقال: " كاد أن يصيبنا في خلافك شر "، وفي رواية عنه - عند ابن المنذر وابن مردويه - فقال رسول الله ﷺ : " إن كاد ليمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم، ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر ".
فإذا كان هذا في رأي الصديق ﵁ الذي اجتهد فيه، ونصح لله ورسوله ﷺ ، فما ظنك بمن يفعل ذلك، مع حمية دنيوية، لا لغرض دين، ولا يقصد وجه الله بذلك، بل لا يقصد إلا الدنيا؟
стр. 3386
فإن قيل: فالنبي ﷺ لم يذم أبا بكر على التشبيه، بل شبهه بإبراهيم وعيسى وميكائيل، ﵈، وشبه عمر بجبريل ونوح وموسى ﵈. قيل: المراد في الموافقة في أهل اللين والرحمة، لا في خصوص هذه المسألة، فإن الصواب فيها مع عمر قطعاً بكتاب الله، ومع ذلك توعد الله في أخذ الفداء بالعذاب، لولا ما سبق من كتاب الله أنه رأي للصديق ﵁ الذي اجتهد فيه، فكيف بمن ينصح لهم، ويرفق بهم، ويرى الكف عن القتال، ويشير بإسقاط النكال عنهم من غير مسوغ شرعي، بل لمجرد المحبة الدنيوية؟
وأما من يشير بكف المسلمين عنهم، فإن كان مراده بذلك تأليفهم، على الدخول في الإسلام، أو دخلوا فيه، أو واعدوه بالدخول فيه عن قريب، وكانت المصلحة في تركهم قليلة ونحوه، يجوز ذلك; وإن كان المراد به: أن لا يتعرض المسلمون لهم بشيء، لا بقتال ولا نكال، وإغلاظ ونحو ذلك، فهو من أعظم أعوانهم، وقد حصلت له موالاتهم مع بعد الديار، وتباعد الأقطار، كما قيل:
سهم أصاب وراميه بذي سلم ... من بالعراق لقد أبعدت مرماك
وأما من يشير بترك نقائص المسلمين لهم إن كانوا مرتدين، فهذا عند الفقهاء مخطئ آثم، لأنه يجب على
стр. 3387
المرتد ضمان ما أتلفه للمسلمين في حال الردة، خصوصاً من تكررت منه الردة مراراً، فإنه لا يقصد بذلك في هذا الزمان، إلا الإغارة والنهب لا غير، فترك ذلك له من أعظم المعاونة على الإثم والعدوان؛ ولهذا لما صار هذا أمراً سائغاً عند بعض الناس، انفتحت للبدوان أبواب الردة، وأتوها مهطعين من كل وجه؛ ولو كان هذا مصلحة في بعض الأوقات رآها بعض الأمراء، فلا يجب طرد ذلك لكل أحد في كل زمان، فاعلم ذلك.
وأما قول السائل: هل يكون هذا موالاة نفاق؟ أم يكون كفراً؟
فالجواب: إن كانت الموالاة مع مساكنتهم في ديارهم، والخروج معهم في قتالهم، ونحو ذلك، فإنه يحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٥١] ، قال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] ، وقال النبي ﷺ : "من جامع المشركين وسكن معهم، فإنه مثلهم"، وقال: " أنا بريء من مسلم بين أظهر المشركين " ١، رواهما أبو داود.
وإن كانت الموالاة لهم في ديار الإسلام إذا قدموا إليهم، ونحو ذلك، فهذا عاص آثم متعرض للوعيد. وإن كان
стр. 3388
موالاتهم لأجل دنياهم، يجب عليه من التعزير بالهجر والأدب ونحوه ما يزجر أمثاله. وإن كانت الموالاة لأجل دينهم، فهو مثلهم، ومن أحب قوماً حشر معهم.
ولكن ليتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية، يمكن هذا لإبلاغ المحبة في قلوبهم، وإلا فلو كان يبغضهم في الله ويعاديهم، لكان أقر شيء لعينه ما يسخطهم، ولكن كما قال ابن القيم:
أتحب أعداء الحبيب وتدعي ... حباً له ما ذاك في إمكانِ
وأما قول السائل: فإن كان ما يقدر من نفسه أن يتلفظ بكفرهم وسبهم، ما حكمه؟
فالجواب: لا يخلو ذلك عن أن يكون شاكاً في كفرهم أو جاهلاً به، أو يقر بأنهم كفرة هم وأشباههم، ولكن لا يقدر على مواجهتهم وتكفيرهم، أو يقول: غيرهم كفار، لا أقول إنهم كفار; فإن كان شاكاً في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم، بينت له الأدلة من كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ على كفرهم، فإن شك بعد ذلك أو تردد، فإنه كافر بإجماع العلماء: على أن من شك في كفر الكافر، فهو كافر.
وإن كان يقرّ بكفرهم، ولا يقدر على مواجهتهم بتكفيرهم، فهو مداهن لهم، ويدخل في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [سورة القلم آية: ٩] ، وله حكم أمثاله من أهل
стр. 3389
الذنوب. وإن كان يقول: أقول غيرهم كفار، ولا أقول هم كفار، فهذا حكم منه بإسلامهم، إذ لا واسطة بين الكفر والإسلام، فإن لم يكونوا كفاراً فهم مسلمون; وحينئذ فمن سمى الكفر إسلاماً، أو سمى الكفار مسلمين، فهو كافر، فيكون هذا كافراً.
وأما قوله: إذا عرفت هذا من إنسان ماذا يجب عليك؟
فالجواب: يجب عليك أن تنصحه، وتدعوه إلى الله ، وتعرفه قبيح ما ارتكبه؛ فإن تاب فهذا هو المطلوب، وإن أصر وعاند فله حكم ما ارتكبه: إن كان كفراً فكافر، وإن كان معصية أو إثماً فعاص آثم، يجب الإنكار عليه وتأديبه، وهجره وإبعاده حتى يتوب. وقد هجر النبي ﷺ من تخلف عن غزوة واحدة، ونهى عن كلامهم والسلام عليهم، فكيف بمن يوالي الكفار ويظهر لهم المودة؟
وسئل: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية، لأجل التجارة، أم لا؟
الجواب: الحمد لله، إن كان يقدر على إظهار دينه، ولا يوالي المشركين، جاز له ذلك؛ فقد سافر بعض الصحابة، ﵃، كأبي بكر ﵁ وغيره من الصحابة، إلى بلدان المشركين، لأجل التجارة، ولم ينكر ذلك النبي ﷺ ، كما رواه أحمد في مسنده وغيره.
стр. 3390
وإن كان لا يقدر على إظهار دينه، ولا على عدم موالاتهم، لم يجز له السفر إلى ديارهم، كما نص على ذلك العلماء، وعليه تحمل الأحاديث، التي تدل على النهي عن ذلك، ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد، وفرض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعة وسبباً إلى إسقاط ذلك لم يجز.
وأيضاً، فقد يجره ذلك إلى موافقتهم، وإرضائهم كما هو الواقع كثيراً ممن يسافر إلى بلدان المشركين، من فساق المسلمين، نعوذ بالله من ذلك.
المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يجلس في بلد الكفار، وشعائر الكفر ظاهرة لأجل التجارة؟
الجواب عن هذه المسألة هو الجواب عن التي قبلها سواء، ولا فرق في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها، لا يجوز له السفر إليها.
المسألة الثالثة: هل يفرق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرين، والمدة البعيدة؟
الجواب: أنه لا فرق بين المدة القريبة والبعيدة، فكل بلد لا يقدر على إظهار دينه فيها، ولا على عدم موالاة المشركين، لا يجوز له المقام فيها ولا يوماً واحداً، إذا كان
стр. 3391
يقدر على الخروج منها.
المسألة الرابعة: في معنى قوله ﵎: ﴿إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ﴾ [سورة النساء آية: ١٤٠] ، وقوله ﷺ في الحديث: " من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله" ١.
الجواب: أن معنى الآية على ظاهرها، وهو أن الرجل إذا سمع آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها، فجلس عند الكافرين المستهزئين، من غير إكراه ولا إنكار، ولا قيام عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، فهو كافر مثلهم، وإن لم يفعل فعلهم، لأن ذلك يتضمن الرضاء بالكفر، والرضاء بالكفر كفر. وبهذه الآية ونحوها، استدل العلماء على أن الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادعى أنه يكره ذلك بقلبه لم يقبل منه لأن الحكم على الظاهر، وهو قد أظهر الكفر، فيكون كافراً. ولهذا لما وقعت الردة بعد موت النبي ﷺ وادعى أناس أنهم كرهوا ذلك، لم يقبل منهم الصحابة ذلك، بل جعلوهم كلهم مرتدين، إلا من أنكر بلسانه وقلبه. وكذلك قوله في الحديث: " من جامع المشرك وسكن معه، فإنه مثله " ٢ على ظاهره، وهو أن الذي يدعي الإسلام، ويكون مع المشركين في الاجتماع، والنصرة، والمنزل معهم، بحيث يعده المشركون منهم، فهو كافر مثلهم، وإن ادعى الإسلام، إلا إن كان يظهر دينه، ولا يوالي المشركين.
стр. 3392
ولهذا لما ادعى بعض الناس الذين أقاموا بمكة بعد ما هاجر النبي ﷺ ، فادعوا الإسلام إلا أنهم أقاموا في مكة، يعدهم المشركون منهم، وخرجوا معهم يوم بدر كارهين للخروج، فقُتلوا، وظن بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٧] ، قال السدي وغيره من المفسرين: إنهم كانوا كفاراً، ولم يعذر الله منهم إلا المستضعفين.
المسألة الخامسة: هل يقال لمن أظهر علامات النفاق ممن يدعي الإسلام أنه منافق، أم لا؟
الجواب: أنه من ظهرت منه علامات النفاق الدالة عليه، كارتداده عند التحزيب على المؤمنين، وخذلانهم عند اجتماع العدو، كالذين قالوا: لو نعلم قتالاً لاتبعناكم، وكونه إذا غلب المشركون التجأ معهم، وإن غلب المسلمون التجأ إليهم، ومدحه للمشركين بعض الأحيان، وموالاتهم من دون المؤمنين، وأشباه هذه العلامات التي ذكر الله أنها علامات للنفاق، وصفات للمنافقين، فإنه يجوز إطلاق النفاق عليه، وتسميته منافقاً. وقد كان الصحابة، ﵃، يفعلون ذلك كثيراً، كما قال حذيفة، رضي الله تعالى عنه: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة في عهد رسول الله ﷺ فيكون بها منافقاً"، وكما قال عوف بن
стр. 3393
مالك لذلك المتكلم بذلك الكلام القبيح: "كذبت، ولكنك منافق"; وكذلك قال عمر في قصة حاطب: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"; وفي رواية: "دعني أضرب عنقه فإنه منافق"، وأشباه ذلك كثير. وكذلك قال أسيد بن حضير لسعد بن عبادة، لما قال ذلك الكلام: "كذبت ولكنك منافق، تجادل عن المنافقين". ولكن ينبغي أن يعرف: أنه لا تلازم بين إطلاق النفاق عليه ظاهراً، وبين كونه منافقاً باطناً; فإذا فعل علامات النفاق، جاز تسميته منافقاً لمن أراد أن يسميه بذلك، وإن لم يكن منافقاً في نفس الأمر، لأن بعض هذه الأمور قد يفعلها الإنسان مخطئاً لا علم عنده، أو لقصد يخرج به عن كونه منافقاً، فمن أطلق عليه النفاق لم ينكر عليه، كما لم ينكر النبي ﷺ على أسيد بن حضير تسميته سعداً منافقاً، مع أنه ليس بمنافق، ومن سكت لم ينكر عليه، بخلاف المذبذب الذي ليس مع المسلمين، ولا مع المشركين، فإنه لا يكون إلا منافقاً.
واعلم: أنه لا يجوز إطلاق النفاق على المسلم بالهوى والعصبية، أو لكونه يشاحن رجلاً في أمر دنيا، أو يبغضه لذلك، أو لكونه يخالف في بعض الأمور، التي لا يزال الناس فيها مختلفين؛ فليحذر الإنسان أشد الحذر، فإنه قد صح في ذلك الحديث عن النبي ﷺ فيمن رمى مؤمناً بكفر فهو
стр. 3394
كقتله؛ وإنما يجوز من ذلك ما كانت العلامات مطردة في النفاق، كالعلامات التي ذكرنا وأشباهها، بخلاف مثل الكذبة والفجرة ونحو ذلك، وكان قصد الإنسان ونيته إعلاء كلمة الله، ونصر دينه.
المسألة السادسة: في الموالاة والمعاداة، هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟
الجواب: أن يقال: الله أعلم، لكن بحسب المسلم أن يعلم: أن الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، وأخبر أن ذلك من شروط الإيمان، ونفى الإيمان عمن يواد من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم، أو إخوانهم أو عشيرتهم. وأما كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، إنما كلفنا بمعرفة أن الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه، ومن عرف أن ذلك من معناها، أو من لازمها فهو حسن، وزيادة خير، ومن لم يعرفه فلم يكلف بمعرفته، لا سيما إذا كان الجدال والمنازعة فيه، مما يفضي إلى شر واختلاف، ووقوع فرقة بين المؤمنين، الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله، وعادوا المشركين، ووالوا المسلمين، فالسكوت عن ذلك متعين، وهذا ما ظهر
стр. 3395
لي، على أن الاختلاف قريب من جهة المعنى، والله أعلم.
[رد قول ابن نبهان أنه لا جهاد إلا مع إمام، وبيان حكم الجهاد والهجرة وموالاة المشركين]
قال الشيخ عبد الرحمن، رحمة الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد الرحمن بن حسن: إلى الابن صالح، سلمه الله تعالى آمين؛ سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، بلغنا: أن الباز أرسلوا لابن نبهان رسالة، كتبها حمد بن عتيق، متضمنة للاستدلال بالآيات المحكمات، في تحريم طاعتهم والركون إليهم، والإشارة إلى بعض معاني الآيات الواردة في ذلك، وهو أصل من أصول الدين لا بد من معرفته والبحث عنه، وبيانه للجاهل، لا سيما الواقع فيه، تذكيراً وتحذيراً، وهذا شرع محكم، لو اجتمع على دفعه من بأقطارها من عالم وجاهل، لما قدروا على رده بحجة أصلاً.
وبلغنا: أن ابن نبهان، لما أشرف على النسخة، كتب اعتراضات وأصل فيها أصولاً، لا يدري هل سبقه إليها مبتدع أم لا؟ فلو قيل لهم: من هذا مذهبه؟ ومن قال به؟ لم يجب عن ذلك بما يصلح أن يعد جواباً. فمن ذلك فيما بلغنا عنه: أنه لا جهاد إلا مع إمام، فإذا لم يوجد إمام فلا جهاد، فيلزم على هذا أن ما يلزم بترك الجهاد من مخالفة دين الله وطاعته جائز، بجواز ترك الجهاد، فتكون الموالاة للمشركين،
стр. 3396
والموافقة والطاعة جائزة، واللازم باطل، فبطل الملزوم؛ فعكس الحكم الذي دل عليه القرآن العزيز، من أنها لا تصلح إمامة إلا بالجهاد.
والأصل الثاني فيما بلغنا عنه: أنه قال: لا حجة فيما قاله الصحابة، ﵃، في معنى القرآن العزيز؛ فإذا لم يكن قول الصحابة حجة، وهم الذين أخذوه عن نبيهم، وحضروا نزوله، وعرفوا أسبابه، وهم أعلم الأمة وأعدلها، الحجة في التفسير، فليت شعري هل عرف من هذا مذهبه من المبتدعة، إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى أن نطيل بذكره. والحاصل: أن المطلوب منك: أخذ ما كتبه وإرساله إلي لأنظر فيه، ليطالب في كل لفظة ببرهانها، وليظهر تناقضه؛ فإن المقام مقام لا يسع تركه، فلو كان قد صدر ممن لا يدعي المعرفة، لكان حقيقاً بالإعراض عنه، وأما من هو مثل هذا الذي يدعي أنه يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فلا بد من بيان ما فيه، لئلا يغتر به جاهل؛ فإذا تبين ما فيه من الغلط والتناقض، دفع الشبهة عن ضعيف البصيرة، إن شاء الله تعالى. وهنا سؤال أسأله عنه، وأطلب جوابه منه، سله عن كلمة الإسلام التي هي أصل دين الله، عن معناها، وعن
стр. 3397
مضمونها، وعن مدلولها، ومقتضاها، وحقها وحقيقتها، ولوازمها؛ فإن عرف ذلك تبين أنه قد عرف وأنكر؛ فإن لم يعرف ذلك وهو يدعي المعرفة، بطلت دعواه أصلاً؛ فإن خبط فالتخبيط لا ينفع أحداً ولا يفيد، فألزمه الجواب فهو حجة عليه. والله الموفق لبيان الهدى، والاستقامة عليه، والسلام.
فلما وصل إليه اعتراضات ابن نبهان، أوضح الحق من البهتان، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً.
أما بعد، فإنه ورد علينا رسالة من صاحبنا حمد بن عتيق، نور الله قلوبنا وقلبه بنور الإيمان، وثبتنا بالقول الثابت، عند تلاطم أمواج الامتحان، والله ناصر دينه وكتابه ورسوله في سائر الأزمان، لكن بمحنة حزبه من حربه، ذا حكمه مذ كانت الفئتان، فوجدت تلك الرسالة وافية بالمقصد الأعلى، والمنهج الأسنى، منهج أهل الحنيفية، والدعوة الإسلامية، من تحذير المغرورين والجاهلين، عن مداهنة الظالمين، وموالاة الكافرين ومظاهرة المسرفين، مستنداً في
стр. 3398
ذلك إلى أوضح البراهين، من أدلة الكتاب والسنة، وإبراز معناهما المأثور عن الأئمة المحققين.
هذا، وقد وقع من بعض من لا إلف له بهذا الشأن، ولا جواد تحته تصلح للجري في هذا الميدان، بعض معارضات، إنما هي ضلالات وجهالات، ما اقتضى حين وقفت عليها بيان سلوك منهج العلماء، أهل الاتباع، والتحذير من موارد أهل الابتداع، كي تحصل السلامة إن شاء الله من موجب وعيد أهل الكتمان، والقيام بالنصيحة بالقلم واللسان; والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذه مقدمة نافعة قبل الشروع في المقصود: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] ، أخرج ابن جرير بسنده عن معمر، قال: تلا الحسن: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [سورة فصلت آية: ٣٣] ، قال: "هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله. أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: إنني من المسلمين؛ فهذا خليفة الله". وخرج بإسناده عن قتادة، قال: "هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجه مخرجه، وسره علانيته، وشاهده مغيبه. وأن المنافق خالف قوله عمله، ومولجه مخرجه،
стр. 3399
وسره علانيته، وشاهده مغيبه".
وأخرج في معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠] ، بسنده عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ : "أنه قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام". وأخرج بسنده عن الزهري، قال: تلا عمر ﵁ على المنبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ، قال: "استقاموا والله على طاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب". وذكر في معنى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] أي: "اعملوا به على ما شرع لكم ورضي به، ولا تتفرقوا فيه". وأخرج بسنده عن قتادة: "تعلموا: أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة"; وذكر في معنى قول الله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة الشورى آية: ١٥] يقول: فلذلك الدين الذي شرع لكم، ووصى به نوحاً، وأوحاه إليك يا محمد، فادع عباد الله واستقم على العمل به، ولا تزغ فيه واثبت عليه، كما أمرك ربك بالاستقامة.
قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٨] ، يقول تعالى: ولا تتبع أهواء الذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم من الدين،
стр. 3400
وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [سورة الشورى آية: ١٥] : مواثيق أخذها منهم، والكتاب كائناً ما كان ذلك الكتاب، توراة، أو إنجيلاً، أو زبوراً، أو صحف إبراهيم، لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب، وتصديقكم ببعضه.
وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [سورة الشورى آية: ١٥] ، يقول تعالى: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي لأعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعاً بالحق الذي أمرني به، وبعثني بالدعاء إليه. وساق بسنده عن قتادة، قال: "أمره الله أن يعدل حتى مات، والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، والضعيف من الشديد. وبالعدل يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه".
وقال البغوي في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود آية: ١١٢] : أي: على دين ربك والعمل به، والدعاء إليه. ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [سورة هود آية: ١١٢] أي: لا تجاوزوا الأوامر، ولا تعصوني. ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ، قال ابن عباس: "لا تميلوا"; والركون هو: الميل بالقلب والمحبة. وقال أبو العالية: "لا ترضوا بأعمالهم". وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة; وعن عكرمة: لا تطيعوهم; وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي: فتصيبكم، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] .
فمن هذه الآيات، وما ذكرناه قبلها، من ثواب أهل