والموافقة والطاعة جائزة، واللازم باطل، فبطل الملزوم؛ فعكس الحكم الذي دل عليه القرآن العزيز، من أنها لا تصلح إمامة إلا بالجهاد.
والأصل الثاني فيما بلغنا عنه: أنه قال: لا حجة فيما قاله الصحابة، ﵃، في معنى القرآن العزيز؛ فإذا لم يكن قول الصحابة حجة، وهم الذين أخذوه عن نبيهم، وحضروا نزوله، وعرفوا أسبابه، وهم أعلم الأمة وأعدلها، الحجة في التفسير، فليت شعري هل عرف من هذا مذهبه من المبتدعة، إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى أن نطيل بذكره. والحاصل: أن المطلوب منك: أخذ ما كتبه وإرساله إلي لأنظر فيه، ليطالب في كل لفظة ببرهانها، وليظهر تناقضه؛ فإن المقام مقام لا يسع تركه، فلو كان قد صدر ممن لا يدعي المعرفة، لكان حقيقاً بالإعراض عنه، وأما من هو مثل هذا الذي يدعي أنه يدري، ولا يدري أنه لا يدري، فلا بد من بيان ما فيه، لئلا يغتر به جاهل؛ فإذا تبين ما فيه من الغلط والتناقض، دفع الشبهة عن ضعيف البصيرة، إن شاء الله تعالى. وهنا سؤال أسأله عنه، وأطلب جوابه منه، سله عن كلمة الإسلام التي هي أصل دين الله، عن معناها، وعن
стр. 3397
مضمونها، وعن مدلولها، ومقتضاها، وحقها وحقيقتها، ولوازمها؛ فإن عرف ذلك تبين أنه قد عرف وأنكر؛ فإن لم يعرف ذلك وهو يدعي المعرفة، بطلت دعواه أصلاً؛ فإن خبط فالتخبيط لا ينفع أحداً ولا يفيد، فألزمه الجواب فهو حجة عليه. والله الموفق لبيان الهدى، والاستقامة عليه، والسلام.
فلما وصل إليه اعتراضات ابن نبهان، أوضح الحق من البهتان، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على أشرف المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً.
أما بعد، فإنه ورد علينا رسالة من صاحبنا حمد بن عتيق، نور الله قلوبنا وقلبه بنور الإيمان، وثبتنا بالقول الثابت، عند تلاطم أمواج الامتحان، والله ناصر دينه وكتابه ورسوله في سائر الأزمان، لكن بمحنة حزبه من حربه، ذا حكمه مذ كانت الفئتان، فوجدت تلك الرسالة وافية بالمقصد الأعلى، والمنهج الأسنى، منهج أهل الحنيفية، والدعوة الإسلامية، من تحذير المغرورين والجاهلين، عن مداهنة الظالمين، وموالاة الكافرين ومظاهرة المسرفين، مستنداً في
стр. 3398
ذلك إلى أوضح البراهين، من أدلة الكتاب والسنة، وإبراز معناهما المأثور عن الأئمة المحققين.
هذا، وقد وقع من بعض من لا إلف له بهذا الشأن، ولا جواد تحته تصلح للجري في هذا الميدان، بعض معارضات، إنما هي ضلالات وجهالات، ما اقتضى حين وقفت عليها بيان سلوك منهج العلماء، أهل الاتباع، والتحذير من موارد أهل الابتداع، كي تحصل السلامة إن شاء الله من موجب وعيد أهل الكتمان، والقيام بالنصيحة بالقلم واللسان; والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وهذه مقدمة نافعة قبل الشروع في المقصود: قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [سورة فصلت آية: ٣٣] ، أخرج ابن جرير بسنده عن معمر، قال: تلا الحسن: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [سورة فصلت آية: ٣٣] ، قال: "هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذا خيرة الله، هذا أحب الخلق إلى الله. أجاب الله في دعوته، ودعا الناس إلى ما أجاب الله فيه من دعوته، وعمل صالحاً في إجابته، وقال: إنني من المسلمين؛ فهذا خليفة الله". وخرج بإسناده عن قتادة، قال: "هذا عبد صدق قوله عمله، ومولجه مخرجه، وسره علانيته، وشاهده مغيبه. وأن المنافق خالف قوله عمله، ومولجه مخرجه،
стр. 3399
وسره علانيته، وشاهده مغيبه".
وأخرج في معنى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [سورة فصلت آية: ٣٠] ، بسنده عن أنس بن مالك، رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ : "أنه قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: قد قالها الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها فهو ممن استقام". وأخرج بسنده عن الزهري، قال: تلا عمر ﵁ على المنبر ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ ، قال: "استقاموا والله على طاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب". وذكر في معنى قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [سورة الشورى آية: ١٣] أي: "اعملوا به على ما شرع لكم ورضي به، ولا تتفرقوا فيه". وأخرج بسنده عن قتادة: "تعلموا: أن الفرقة هلكة، وأن الجماعة ثقة"; وذكر في معنى قول الله: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة الشورى آية: ١٥] يقول: فلذلك الدين الذي شرع لكم، ووصى به نوحاً، وأوحاه إليك يا محمد، فادع عباد الله واستقم على العمل به، ولا تزغ فيه واثبت عليه، كما أمرك ربك بالاستقامة.
قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [سورة المائدة آية: ٤٨] ، يقول تعالى: ولا تتبع أهواء الذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم من الدين،
стр. 3400
وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ [سورة الشورى آية: ١٥] : مواثيق أخذها منهم، والكتاب كائناً ما كان ذلك الكتاب، توراة، أو إنجيلاً، أو زبوراً، أو صحف إبراهيم، لا أكذب بشيء من ذلك تكذيبكم ببعضه معشر الأحزاب، وتصديقكم ببعضه.
وقوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [سورة الشورى آية: ١٥] ، يقول تعالى: وقل لهم يا محمد: وأمرني ربي لأعدل بينكم معشر الأحزاب، فأسير فيكم جميعاً بالحق الذي أمرني به، وبعثني بالدعاء إليه. وساق بسنده عن قتادة، قال: "أمره الله أن يعدل حتى مات، والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ للمظلوم من الظالم، والضعيف من الشديد. وبالعدل يصدق الله الصادق ويكذب الكاذب، وبالعدل يرد المعتدي ويوبخه".
وقال البغوي في قوله: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [سورة هود آية: ١١٢] : أي: على دين ربك والعمل به، والدعاء إليه. ﴿وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا﴾ [سورة هود آية: ١١٢] أي: لا تجاوزوا الأوامر، ولا تعصوني. ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ، قال ابن عباس: "لا تميلوا"; والركون هو: الميل بالقلب والمحبة. وقال أبو العالية: "لا ترضوا بأعمالهم". وقال السدي: لا تداهنوا الظلمة; وعن عكرمة: لا تطيعوهم; وقيل: لا تسكنوا إلى الذين ظلموا، ﴿فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ أي: فتصيبكم، ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] .
فمن هذه الآيات، وما ذكرناه قبلها، من ثواب أهل
стр. 3401
الاستقامة، وعقاب أهل الركون إلى الذين ظلموا، عرف ما بين أهل الاستقامة وأهل الركون من التفاوت العظيم، كما قال بعض العلماء: وإنما تفاوت الواجبات والمحرمات، بتفاوت المثوبات والعقوبات؛ فحال الفريقين متفاوتة أبعد تفاوت، لتفاوت ما بين ثواب هؤلاء وعقاب هؤلاء.
ويزداد هذا المقام إيضاحاً، بالتفكر في اثنتين عظيمتين: قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأحقاف آية: ١٣-١٤] ، نفى عنهم الخوف والحزن، وأخبر أنهم أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون، أي من توحيد الله وطاعته، وامتثال أمره وترك نهيه.
وقال تعالى فيمن سلك غير سبيلهم، بارتكاب ما نهى الله عنه: ﴿تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٨٠] ، فسجل تعالى على من تولى الكافرين، بالمذمة وحلول السخط عليهم، والخلود في العذاب، وأكد ذلك بنوعي التوكيد. ثم ذكر أن هذا الذي وصفهم به، ينافي الإيمان بالله والنبي ﷺ وما أنزل إليه; ولها نظائر كقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآيات [سورة النساء آية:
стр. 3402
١٣٨-١٣٩] .
فما أعظم ثواب أهل الاستقامة! وما أفظع عقاب متولي الكافرين! فكان الجزاء من جنس العمل، وكما تدين تدان؛ فلا إله إلا الله، ما أبين هذا القرآن العظيم، لمن استضاء بنور العلم والإيمان! أفيظن من له أدنى مسكة من عقل، أن هذا التفاوت بهذه الأعمال، وتفاوت ثوابها وعقابها، إنما هو في حق من سلف دون من تأخر وخلف؟ وقد قال تعالى في جنس من خلف: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾ الآية [سورة مريم آية: ٥٩] ، وقال: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ الآيتين [سورة القلم آية: ٣٥-٣٦] .
أفيظن مسلم أن وقوع ذلك من بعض من تقدم من هذه الأمة، جائز عليهم بكل حال، وأما من تأخر فمن الممتنع المحال؟ هيهات، لقد أحصيت الحسنات والسيئات على الآخر، كما أحصيت على الأول، ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية [سورة الجاثية آية: ٢١] .
وقد ذكر شيخ الإسلام أحمد بن تيمية، ﵀، في رسالة وقعة التتار، قال: فإن نصوص الكتاب والسنة، اللذين هما دعوة محمد ﷺ ، يتناولان عموم الخلق، بالعموم اللفظي والمعنوي، أو بالعموم المعنوي، وعهود الله تعالى في كتابه
стр. 3403
وسنة رسوله ﷺ تناول آخر هذه الأمة، كما تناولت أولها. وإنما قص الله علينا قصص الأمم قبلنا، لتكون عبرة لنا، فنشبه حالنا بحالهم، ونقيس أواخر هذه الأمة بأولها، فيكون للمؤمن من المستأخرين، شبه بما كان للمؤمنين من المستقدمين، ويكون للكافرين والمنافقين من المستأخرين، شبه بما كان للكافرين والمنافقين من المستقدمين، كما قال: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [سورة يوسف آية: ١١١] .
وقال لما ذكر قصة فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [سورة النازعات آية: ٢٥-٢٦] ، وقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٣] ، وقال في قصة محاجة بني النضير: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [سورة الحشر آية: ٢] ، فأمرنا أن نعتبر بأحوال المستقدمين من هذه الأمة، وما قبلها. انتهى.
وقد بعث الله محمداً ﷺ إلى جميع الثقلين الجن والإنس، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ١] ، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] ، وأنزل الله عليه الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما
стр. 3404
اختلفوا فيه من حين البعثة إلى أن تقوم الساعة؛ فهو خاتم النبيين، وعلى ملته وشريعته تقوم الساعة، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ".
وبهذا يعلم: أن خطاب الله، وأحكام الكتاب والسنة، تتعلق بجميع المكلفين من هذه الأمة، لا يختص به أول عن آخر، وهذا مع ظهور ما في الكتاب والسنة، فهو إجماع في الأمة سلفاً وخلفاً، ولا يرتاب في هذا أحد ممن ينتسب إلى الإسلام.
ولهذا صنف العلماء، ﵏، في كل عصر ومصر، في التفسير، والحديث، والفقه، والأصول وغيرها، حفظاً للدين والشريعة، ليكون آخر الأمة كأولها في العلم والعمل، والتزام أحكام الشريعة، وإلزام الناس بها، لأن ضرورتهم إلى ذلك فوق كل ضرورة. ولما عظمت الفتنة، وظهر الجهل والظلم، عاد الإسلام غريباً، وصار الأمر كما ترى، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وذكر أبو سليمان الخطابي، في معالم السنن: أن خطاب الله على ثلاثة أوجه: خطاب عام، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٦] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
стр. 3405
كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨٣] ، ونحو ذلك من أوامر الشريعة.
وخطاب خاص للنبي ﷺ ، لا يشركه فيه غيره، وهو ما أبين عن غيره بسمة التخصيص، وقطع الشريك، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٩] ، وكقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأحزاب آية: ٥٠] ، وخطاب مواجهة للنبي ﷺ ، وهو وجميع الأمة في المراد سواء، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ [سورة الإسراء آية: ٧٨] ، وقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [سورة النحل آية: ٩٨] ، وقوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [سورة النساء آية: ١٠٢] ، ونحو ذلك من خطاب المواجهة؛ فكلما دلكت الشمس، كان عليه إقامة الصلاة واجبة، وكل من أراد قراءة القرآن، كانت الاستعاذة معتصماً له، وكل من حضره العدو وخاف فوات الصلاة، أقامها على الوجه الذي فعلها رسول الله ﷺ وسنها لأمته.
ومن هذا النوع، قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٣] ، فعلى القائم بعده بأمر الأمة أن يحتذي حذوه في أخذها منهم. وإنما الفائدة في مواجهة النبي ﷺ بالخطاب، لأنه هو الداعي إلى الله، المبين عنه مراده، فقدم اسمه في الخطاب، ليكون سلوك الأمة في شرائع الدين على حسب ما ينهجه، ويبينه لهم. انتهى.
стр. 3406
قلت: ومن هذا النوع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٧٣] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ الآية [سورة الأحزاب آية: ١] . ومن الأول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات [سورة المائدة آية: ٥١] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥٧] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآيات [سورة الممتحنة آية: ١] ، وهذه وإن كان سبب نزولها في حاطب بن أبي بلتعة، حين كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ ، فإنه خاطب المؤمنين بهذا الحكم عموماً، وقال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] معشر المخاطبين، كائناً من كان، ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٠٨] . وهذا شامل لكل فرد من أفراد الأمة، من المستقدمين والمستأخرين، لا يرتاب في هذا مسلم قط. وفي ذكر سبب النزول بيان جنس التولي الذي نهى الله عنه؛ وهذا ظاهر جداً لمن استنار قلبه بنور العلم والإيمان.
وأما من طفى نوره بظلمات الفتنتين، فتنة الشبهات والشهوات، فلا يدرك الحقائق على ما هي عليه، لفساد تصوره، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ
стр. 3407
تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج آية: ٤٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ الآية [سورة الزخرف آية: ٣٦] ، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْراً﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ٢٥] ، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور آية: ٤٠] .
فاقتضت حكمة الرب تعالى: أن ابتلى أهل البلاد النجدية، بصولة هذه الدولة المصرية، كما قد ابتلى من قبلهم من هذه الأمة وغيرها، بما ابتلاهم به تمييزاً واختباراً، كما قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً﴾ الآية [سورة التوبة آية: ١٦] ، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآيات [سورة الحج آية: ١١] . وقال تعالى: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ الآيات [سورة العنكبوت آية: ١-٢] ، فجرى بسبب هذه المحنة من نفاق الناس، واضطراب القلوب، واختلاف الدين، ما لا متسع لذكره في هذه الأوراق؛ ولكن لما كان يشبه لما ذكره شيخ الإسلام، في واقعة التتر، اقتضى أن نذكر كلامه هنا، لقوة المشابهة بين الحادثتين وما جرى فيهما، لما فيها من الفوائد والعبر:
стр. 3408
قال، ﵀: فينبغي للعقلاء، أن يعتبروا بسنة الله وآياته في عباده، ودأب الأمم وعادتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة، التي طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار المسلمين شررها، وأطلع النفاق ناصية رأسه، وكشف الكفر فيها عن أنيابه وأضراسه، وكاد منها عمود الكتاب أن يجتث ويخترم، وحبل الإيمان أن يقطع ويصطلم، وعقر دار المسلمين أن يحل بها البوار، ويزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار، وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض، أن ما وعدهم الله ورسوله إلا غروراً، وأن لن ينقلب الرسول والمؤمنين إلى أهليهم أبداً، وظنوا ظن السوء وكانوا قوما بوراً.
وقد نزلت فتنة، تركت الحليم فيها كالحيران، وأنزلت الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يغيث اللهفان، وميز الله فيها أهل البصائر والإيقان، من الذين في قلوبهم مرض أو نفاق أو ضعف إيمان، ورفع بها أقواماً إلى الدرجات العالية، كما وضع بها أقواماً إلى المنازل الهاوية، وكفر عن آخرين أعمالهم الخاطئة.
وحدث فيها من أنواع البلوى ما جعلها مختصرة من القيامة الكبرى، فإن الناس تفرقوا فيها ما بين شقي وسعيد،
стр. 3409
كما يتفرقون في ذلك اليوم الموعود، وفر الرجل فيها عن أمه وأخيه، وكان لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه. وكان من الناس من كان أقصى همته النجاة بنفسه، لا يلوي على ماله، ولا ولده ولا عرسه، وكان منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، والآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال، وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع؛ وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع، ولم ينفع المنفعة الخالصة من الشكوى، إلا الإيمان والعمل الصالح، والبر والتقوى. وبليت فيها السرائر، وظهرت فيها الخبايا التي كانت تكنها الضمائر، وتبين أن البهرج من الأقوال يخون صاحبه أحوج ما كان إليه في المآل، وذم سادته وكبراءه من أطاعهم، فأضلوه السبيل، كما حمد ربه من صدق في إيمانه، واتخذ مع الرسول سبيلاً.
وبان صدق ما جاءت به الآثار النبوية، من الأخبار بما يكون، وواطأها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون، كما تواطأت عليه المبشرات التي أريها المؤمنون، وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة، حتى تحزب الناس ثلاثة أحزاب: مجتهد في نصرة هذا الدين، وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام. وانقسم الناس بين مأجور ومعذور، وآخر غره بالله
стр. 3410
الغرور؛ وكان هذا الامتحان تمييزاً من الله وتقسيماً، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب آية: ٢٤] ، أي: يتوب عليهم إذا تابوا. انتهى.
وهذا حين الشروع في الجواب عما اعترض به، قال: وبعد، جاءنا من عندكم أوراق، فلما أشرفت عليها، إلى أنها آيات من كتاب الله، وكتاب الله هو الحجة القاطعة. فأقول: هذا كلام ينبئ عن حال قائله، بأنه لا خبرة له بشيء من أنواع البحث والمناظرة أصلاً؛ فإنه أسس فيه ما ينقض عليه، وهو قوله: كتاب الله هو الحجة القاطعة. وهذا الكلام يوجب أن يقابل بالقبول والتسليم، ويقتضي من قائله الإقبال على فهم المراد منه والعمل به، وأن لا ينصب نفسه خصماً له.
واعلم: أن أصول أدلة الشريعة: الكتاب والسنة والإجماع، والقياس والاستصحاب، وفيهما تفصيل ومسالك لأهل العلم؛ وأما الثلاثة الأول، فلا اختلاف فيها عند جميع الطوائف المنتسبين إلى الإسلام. فكل قول يقوله هذا المعترض وغيره، فهو مطالب بالدليل، إما من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فإن قام الدليل وإلا فقوله رد عليه. فتنبه لهذا الأصل واستصحبه، يرحمك الله به من هذه الأغاليط.
ثم قال: وأتبعتها بنقول عن الشيخين، يعني شيخ
стр. 3411
الإسلام أحمد بن تيمية، وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، وعلى كلامهم المعمول ... إلخ. أقول: هذا قول من يجهله حال نفسه، مع ما هو مشتمل عليه من اللحن؛ وهكذا حال من لا يعرف عربية ولا إعراباً. ثم إنه لا يخفى حال الشيخين المذكورين، فإنهما قاما لله بالدين القويم، والدعوة إلى صراط الله المستقيم، فيلزم من عرف أنهما القدوة، أن لا يعدل عن طريقتهما علماً وعملاً، وهذا تأسيس لنقض اعتراضك، وتحقيق ذلك يعلم بمطالعة ما تقدم من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في واقعة التتر، ومطالعة عشر الدرجات، لشيخنا إمام الدعوة الإسلامية، في معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً﴾ [سورة الجن آية: ١٨] ، وفي ثمان الحالات في معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي﴾ الآيات [سورة يونس آية: ١٠٤] . فإذا كان هما القدوة، وكلامهما المعمول، فيلزمك أن تعول على ما سترى من كلامهما، حتى يكون لقولك حقيقة، ولا أخالك تفعل. شعراً:
إذا لم توافق قولة منك فعلة ... ففي كل جزء من حديثك تُفضحُ
وقولك: لكنك أخليت حين استدللت بالآيات، عن
стр. 3412
بيان سبب نزولها، عن حكمها، وفيمن نزلت ... إلخ.
فأقول، وبالله التوفيق: قد أمكنت الرامي من سواء الثغرة، هذا كلام في غاية الركاكة لفظاً ومعنى، ويشعر بأن قائله لا معرفة له في شيء أصل؛ ً، ولو ذهبنا نذكر ما فيه من سوء التعبير، لطال الجواب عن بيان خصال لا تخفى على من له معرفة بالكلام، صحيحه وسقيمه.
ثم لا يخفى: أن هذا الكلام على ما فيه، شروع منك في نقض ما أسسته من قولك: أن كلام الله هو الحجة القاطعة، فحاولت في هذه العبارة، أن لا يحتج به على أهل وقت أنت فيهم. فإذا كان أحكام القرآن مقصورة عندك، على من نزل بسببهم، فكيف يكون حجة قاطعة على غيرهم؟ هذا تناقض منك بيِّن؛ أسست ثم هدمت.
ثم يقال لك: فمن أخذت عنه هذا؟ ومن قال من الأمة: إن خطاب الله في كتابه، وخطاب رسوله في سنته، إنما يتعلق بمن نزل بسببهم دون غيرهم؟ هذا لا يقوله أبلد الناس، وأجهلهم بالشريعة وأحكامها، بل ولا يتجاسر أن يقوله أحد، ممن يجادل بالباطل، صوناً لنفسه عن التجهيل والتضليل، لأن هذه على الجهالة والضلالة من أبين دليل، ولما يلزم قائله من تعطيل الشريعة، والطعن على أصحاب رسول الله ﷺ أي: قتال من ارتد عن الإسلام، بعد وفاة
стр. 3413
نبيهم ﷺ لكونهم يشهدون أن لا إله إلا الله، كما في قصة الصديق مع عمر بن الخطاب ﵁ حتى قال: "فما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعلمت أنه الحق". فيلزمك على هذا القول أنه ليس بحق، واللازم باطل، فبطل الملزوم. ويلزم أيضاً على هذا القول المختلق: أن الصحابة، ﵃، أخطؤوا في قتال الخوارج، لأنهم يشهدون أن لا إله إلا الله، ولهم عبادات وقراءة وعلم، وأن قول النبي ﷺ : " أينما لقيتموهم فاقتلوهم. لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " ١ خطأ. ومن المعلوم: أن أولئك الخوارج، قتلهم علي ﵁ بالنهروان، لم يكن خروجهم حين نزول القرآن، ولا وجود لهم في خلافة أبي بكر، وإنما خرجوا في الفتنة، بعد قتال علي ومعاوية، ﵄، بصفين. والنبي ﷺ قد أخبر أنهم سيخرجون، وقال فيهم: " يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وقراءته عند قراءتهم. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية؛ أينما لقيتموهم فاقتلوهم " ٢ الحديث. ولازم هذا القول الفاسد أيضا: أنه لا يستدل أحد بآية من كتاب الله، ولا بحديث من سنة رسول الله ﷺ ، إلا رد عليه كلامه، أو صاحب هوى، فالحكم مقصور على من نزل بسببهم، وتعطلت الشرائع والأحكام والحدود؛ واللازم
стр. 3414
باطل، فبطل الملزوم. ولو أرخيت عنان القلم، لذكرت من لوازمه أموراً عظيمة، لا يقولها من يؤمن بالله ورسوله؛ وإنما غرضنا التنبيه على طريق الحق، وإبطال الباطل، وبيان أن الحق مع من يرد عند التنازع إلى كتاب الله وسنة نبيه، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٥٩] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية [سورة الشورى آية: ١٠] . وهذا الخطاب من الله يتعلق بجميع من بعث إليه رسول الله ﷺ من الثقلين، من لدن بعثته إلى قيام الساعة ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٩] .
وتأمل قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة الممتحنة آية: ١] ، فواجه سبحانه المؤمنين بهذا الخطاب، إنذاراً وتعذيراً؛ ولا ريب أنه يتعلق بكل مؤمن بالله وكتابه ورسوله، من الذين نزل فيهم القرآن، ومن حضر نزوله، ومن بعدهم إلى قيام الساعة.
وليس من الجائز في عقل من له أدنى مسكة من عقل، أن يقول: هذه الآيات نزلت في شأن حاطب، لما كتب إلى قريش يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ ، فيقصر حكم هذا الخطاب العام، على من نزل هذا الحكم بسببه. فإذا كان لا يمكن
стр. 3415
أحد أن يقول ذلك، فهذا أيضاً لا يختص بأوائل هذه الأمة دون أواخرها، لأن خطاب القرآن والسنة يتعلق بكل فرد من الأولين والآخرين، بلا نزاع بين الأمة؛ إلا أن الرافضة نازعوا في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٣] ، أن هذا الحكم خاص به، وهو باطل عند أهل السنة والجماعة؛ وهذا وإن خرج مخرج الخصوص، فهو عام، وأدلته أكثر من أن يحتملها هذا المحل.
وكل خطاب في القرآن والسنة، بأمر أو نهي، فهو كذلك، لأن الله ختم الأنبياء بمحمد ﷺ ، وأنزل عليه الكتاب تبياناً لكل شيء، وعلى شريعته وأمته تقوم الساعة، كما في الحديث الصحيح: " لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك ". وهذه الطائفة، وكل طائفة من الثنتين والسبعين، تنتسب إلى أنها من أمة محمد ﷺ ، ولا ترى في نفسها إلا أنها هي التي على الحق دون غيرها.
وقد تقدم كلام شيخ الإسلام ابن تيمة، رحمه الله تعالى، فإن نصوص الكتاب والسنة، اللذين هما دعوة محمد ﷺ إلى يوم القيامة، تناول عموم الخلق، بالعموم اللفظي والمعنوي، أو بالعموم المعنوي، وعهود الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ تناول آخر هذه الأمة، كما تناولت أولها ... إلى آخر كلامه; فأعد النظر فيه.
стр. 3416
ومثل هذه الآية، التي تقدم ذكرها، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥٧] ، وقال تعالى في الآيات قبلها: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥١] . وهذه الآية وأمثالها، تعرف بعظم هذا الذنب: في هذه الآية، قد جعلها تعالى من موانع الهداية، ووصف الفاعل بالظلم، فسماهم الظالمين، وفي هذه السورة وغيرها قبلها وبعدها في السور، ما يدل على أن هذا ردة عن الإسلام، يظهر فيها لمن تدبر.
وصرح شيخنا، ﵀، في رده على ابن سحيم وغيره، وسبقه إلى ذلك العلماء، كأبي جعفر ابن جرير في تفسيره، وبرهانه ظاهر في القرآن - ولله الحمد والمنة - والناس إنما يعرفون بأعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ١٠٥] . فإذا عمل العبد بأعمال أهل الإيمان، ولم يأت بما ينافي ذلك، صار مؤمناً مع المؤمنين للآية، وإن عمل بأعمال أهل النفاق، من الكفرة والمرتدين، صار منهم ولا بد، وإن كان من أرفع الناس نسباً وأكثرهم مالاً وحسباً، شاء أم أبى. فلا يرجونّ عبد إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، وما أحسن ما قال الحسن البصري، ﵀: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال".
стр. 3417
فإذا كنت إنما تعرف الناس بالأشخاص لا بالأعمال، فكيف تدعي معرفة التوحيد، وأنت لا تميز أهله من ضدهم، ولا تعرف ما يناقضه؟ وقد عد العلماء، ﵏، - كصاحب الإقناع - من نواقض الإسلام أكثر من أربعمائة ناقض، وقد وقع أكثر الناس فيها اليوم، بسبب هذه الفتنة؛ وهذا لا يخفى على من له بصيرة ومعرفة بالتوحيد. ولو ذهبنا نعد ما وقع من ذلك لطال الكتاب، وذو البصيرة يرى ويبصر.
وقد ذكر شيخنا: الإمام محمد بن عبد الوهاب، ﵀، أن الناس في زمانه تنوعت أحوالهم في الدعوة الإسلامية، أربعة عشر نوعاً، ليس منهم يهودي ولا نصراني، ولا رافضي ولا جهمي، ولا معتزلي، وكل هذه الأنواع قد خالفوا ما جاءت به الرسل من دين الله تعالى؛ فرحمه الله وأحسن له المآب. ولعلك أن تكون من أولئك الأنواع وأنت لا تشعر.
وأما قولك: وكلام الشيخين، تعني شيخ الإسلام ابن تيمية، وشيخنا محمد بن عبد الوهاب، استدللت به، وأطلقته على أناس متصفين بالإسلام ... إلخ.
فالجواب أن يقال: لا ريب أن هذا الكلام لا يقوله من يعرف الإسلام ; فإن قلت: أنا أعرفه، فعرّفه لنا. وقد كنت سألتك عن تعريفه، وحقيقته ومقتضاه، ومدلوله، ولازمه وحقه، فلم تجب إلا بأن سردت هذه الجمل سرداً، كما
стр. 3418
سردتها لك في السؤال، فما أجبت عن واحدة منها.
فإذا كنت لا تعرف من الإسلام إلا ما يعرفه جهلة العوام، فدع عنك التعرض لأهل الإسلام، بالسفسطة في الكلام تصنعاً، عند من لم يعرف الشحم من الأورام. فليتك أمي تدري أنك لا تدري، ولم تكن من قبيل من لا يدري أنه لا يدري. أما سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [سورة هود آية: ١١٣] ؟ أما علمت أن النار خلقها الله للأولين والآخرين، ممن عصى الله وترك الدين الذي بعث الله به المرسلين؟
وما يدريك أن هذه الآية قد أصيب بها أهل القصيم، في حادثتهم القريبة، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة؟ فإنهم فعلوا كفعل أناس فيكم، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢٧] . وقد فرض الله تعالى البراءة من الشرك والمشركين، والكفر بهم وعداوتهم، وبغضهم وجهادهم، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [سورة البقرة آية: ٥٩] ، فوالوهم وأعانوهم، وظاهروهم واستنصروا بهم على المؤمنين، وأبغضوهم وسبوهم من أجل ذلك.
وكل هذه الأمور تناقض الإسلام، كما دل عليه الكتاب والسنة في مواضع، وذكره العلماء، ﵏، في
стр. 3419
كتب التفسير والفقه وغيرها. وعند هؤلاء وأمثالهم أنهم على الدين الذي كانوا عليه لم يفارقوه، وهذا ليس بعجب، فقد بين القرآن العزيز، أن هذه الحال هي طريقة أمثالهم، كما في قوله تعالى: ﴿فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية [سورة الأعراف آية: ٣٠] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً﴾ الآيات [سورة الزخرف آية: ٣٦] . فإذا أردت معرفة ما فرضه الله على عباده مما تقدم ذكره، فاذكر قول الله تعالى عن أهل الكهف: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً﴾ الآية [سورة الكهف آية: ١٤] ، علموا أنه لا يصلح لهم دين إلا باعتزالهم، واعتزال معبوداتهم، ولو لم يجدوا إلا غاراً في الجبل في البرية، وهل قالوا: وأين نهاجر؟ ولا ثمَّ بلد إسلام، ولا إمام لنا ولا أعوان، كما قال هؤلاء الجهلة، الذين آثروا الدنيا على الدين. وتأمل ما قال الله في السورة بعدها عن خليله إبراهيم، إمام الحنفاء: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾ [سورة مريم آية: ٤٣-٤٤] ؛ فمن كان عصياً للرحمن، فطاعته معصية لله. ثم قال: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيتين [سورة مريم آية: ٤٨] ، وقال: ﴿قَدْ كَانَتْ
стр. 3420
لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً﴾ الآية [سورة الممتحنة آية: ٤] . فمن تدبر هذه الآيات، عرف التوحيد الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، وعرف حال المخالفين لما عليه الرسل وأتباعهم، من الجهلة المغرورين الأخسرين.
قال شيخنا الإمام، ﵀، في سياق دعوة النبي ﷺ قريشاً إلى التوحيد، وما جرى منهم عند ذكر آلهتهم، بأنهم لا ينفعون ولا يضرون، أنهم جعلوا ذلك شتماً. فإذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام، ولو وحد الله وترك الشرك، إلا بعداوة المشركين، والتصريح لهم بالعداوة والبغضاء، كما قال تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية [سورة المجادلة آية: ٢٢] . فإذا فهمت هذا فهماً جيداً، عرفت أن كثيراً ممن يدعي الدين لا يعرفها. وإلا فما الذي حمل المسلمين على الصبر على ذلك العذاب، والضرب والأسر، والهجرة إلى الحبشة؟ مع أنه ﷺ أرحم الناس، ولو وجد لهم رخصة أرخص لهم، كيف وقد أنزل الله عليه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ١٠] . فإذا كانت هذه الآية فيمن وافق بلسانه إذا أوذي،
стр. 3421
فكيف بغير ذلك؟ يعني من وافقهم بالقول والفعل بلا أذى، فظاهرهم، وأعانهم، وذب عنهم وعمن وافقهم، وأنكر على من خالفهم، كما هو الواقع. وتأمل قول شيخنا، ﵀: إذا عرفت هذا، عرفت أن الإنسان لا يستقيم له إسلام ... إلى آخر كلامه; وقد تقدم ما يدل على هذا، وبالله التوفيق.
لقد أحسن من قال من السلف: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا". فإذا كان الأمر هكذا، فلا تأمن على نفسك الارتداد عن الدين، في مثل هذه الفتنة العظيمة، خصوصاً إذا عرفت أن العلماء، ﵏، ذكروا الردة من نواقض الوضوء؛ وذلك أن الرجل قد يتوضأ مريداً الصلاة، فيتكلم، أو يعمل عملاً، أو يعتقد اعتقاداً يفسد إسلامه، فينتقض وضوؤه، عياذاً بالله من مفسدات الدين، ومحبطات الأعمال.
وأما اعتراضكم على من أنكر هذه الأمور التي حدثت في الدين، حين استدللت بآية النساء، فهو اعتراض من لا يعرف معناها، ولا ألم بقلبه، ولا أصغى إلى ما ينفعه. وقد ذكر شيخنا الإمام، ﵀، حاصل ما ذكره المفسرون في معنى هذه الآية، فإنه قال في قصة الهجرة: وفيها من الفوائد والعبر ما لا يعرفه أكثر من قرأها، ولكن مرادنا الآن مسألة من مسائلها،
стр. 3422
وهي: أن من أصحاب رسول الله ﷺ من لم يهاجر من غير شك في الدين، ولكن محبة الأهل والمال والوطن، فلما خرجوا إلى بدر، خرجوا معهم كارهين، فقُتل بعضهم بالرمي، والرامي لا يعرفه، فلما سمع الصحابة، ﵃ أن من القتلى فلاناً وفلاناً، شق عليهم، وقالوا: قتلنا إخواننا، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآيات [سورة النساء آية: ٩٧] ؛ فمن تأمل قصتهم، وتأمل قول الصحابة: قتلنا إخواننا، فإن الله قد بين لهم وهم بمكة قبل الهجرة، أن ذلك كفر بعد الإيمان، بقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ الآيات [سورة النحل آية: ١٠٦] .
وأبلغ من هذا: كلام الله فيهم، فإن الملائكة تقول لهم: فيم كنتم؟ ولم يقولوا: كيف تصديقكم؟ ولما قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، لم يقولوا: كذبتم، مثل ما يقول الله والملائكة للمجاهد الذي يقول: قاتلت فيك حتى قتلت، فيقول الله: كذبت، بل قاتلت ليقال جريء; وأما هؤلاء فلم يكذبوهم، بل أجابوهم: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ [سورة النساء آية: ٩٧] .
ويزيد ذلك إيضاحاً للعارف والجاهل: الآية التي بعدها، وهي قوله: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الآية [سورة النساء آية: ٩٨] ، وهذا واضح جداً: أن هؤلاء هم الذين
стр. 3423
خرجوا من الوعيد، فلم يبق شبهة، لكن لمن طلب العلم، بخلاف من لم يطلبه؛ بل قال الله فيهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٨] . ومن فهم هذه المواضع، فهم كلام الحسن، يعني: الذي قدمت ذكره.
فتأمل كلام شيخنا، ﵀، وانظر ما وقع في هذه الفتنة من الاستهزاء بالدين والمسلمين، وغير ذلك مما لا يخفى على كل عاقل، أنه عداوة لله ودينه، وعداوة لمن ثبت على الدين وعادى المشركين، وانظر ما الذي أوجب تلك المسبة والبغضاء لأهل الإسلام المتمسكين بالتوحيد، وقد كانوا قبل ذلك مجتمعين على الإسلام، متناصرين بالانتساب.
وأما قول المعترض: واستدللت أيضاً بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآيات [سورة التوبة آية: ٢٤] ، هذه نزلت في أناس تخلفوا عن الجهاد مع رسول الله ﷺ ... إلخ.
فيقال: من أين لك هذه الدعوى؟ وفي أي كتاب وجدتها؟ وحقيقة قولك هذا: الكذب، والقول على الله بلا علم، وهو من أعظم المحرمات، وهو أصل كل باطل. أما تدبر أول الآيات وسياقها، ولو كنت تعرف التدبر لعقلت عن الله خطابه، وهديت إلى فهم مراده، لكنك أخذت الأمر بتعسف من لا يبالي، ولا عنده معرفة شيء سوى تغطية الحق بالجحود والتكذيب.
стр. 3424
أما علمت أن الكفر بآيات الله، إنما هو جحودها، والإلحاد في معناها، وقد كفّر الله من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض. فإذا أردت الاطلاع على ما قد جحدت من معنى هذه الآيات، فخذ كلام أئمة التفسير المشهور، عند كل من هو به خبير، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْأِيمَانِ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٢٣] ، قال مجاهد بن جبر - صاحب ابن عباس ﵁: نزلت في قصة العباس وطلحة، وامتناعهما من الهجرة. قال الكلبي عن ابن عباس، قال: "لما أمر الله نبيه ﷺ بالهجرة إلى المدينة، فمنهم من يتعلق به أهله وولده ويقولون: ننشدك بالله أن لا تضيعنا؛ فيرق عليهم ويدع الهجرة. فأنزل الله هذه الآية". وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٣] ، فيطلعهم على غرة المسلمين، ويؤثر المقام معهم على الهجرة والجهاد، كما هو حال الكثير في هذه الفتنة، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٢٣] . ثم قال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء المتخلفين عن الهجرة: ﴿إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ الآيات [سورة التوبة آية: ٢٤] ، وذلك أنه لما نزلت الآية الأولى، قال الذين أسلموا ولم يهاجروا: إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا، وذهبت تجارتنا، وخربت دارنا، وقطعنا أرحامنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية.
стр. 3425
فإذا كانت هذه الآيات، نزلت فيمن لم يهاجر ويجاهد، فقد أصابكم حكمهم، بترككم الهجرة والجهاد، وقد قال ﷺ فيمن توقف عن مبايعته على الهجرة والجهاد: " فإذا كان لا هجرة ولا جهاد، فبم ندخل الجنة "؛ فحصل لكم بترك الفرضين ما حصل من المتابعة والموافقة، حتى عكستم الحكم، فعاديتم من عادى المشركين، ورمتم هدم الإسلام وحقوقه وواجباته، فلم يبق بأيديكم إلا استحسان هذه الحالة، ورد الحق، وغمط الناس ممن أقام على الدين، وعادى المشركين، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٢٢٧] .
وما ذكرت من قول رسول الله ﷺ : " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " ١، فهو حديث صحيح، وهو حجة عليك لا لك. فانظر من الذي يسب المسلمين، ويتولى المشركين، ويعادي من سبهم؛ فإن كنا قد سببنا مسلماً يؤمن بالله واليوم الآخر، ويوالي أولياءه، ويعادي أعداءه، وأنتم تذبون عن كل مسلم هذا وصفه، وتسبون من سبه، فأنتم أسعد منا بالدليل; وإن كان هذا وصفكم، فما احتججتم به فهو حجة خصمكم، وهذا لا يشك فيه عاقل أصلاً، أنا لا نسب من ثبت على الإسلام، وأما أنتم فأكثرتم سبابه وتضليله، والله المستعان.
стр. 3426
وأما ما ذكرت من سياقة قول ابن كثير: أن الهجرة لا تجب إلا على من لا يقدر على إظهار دينه ... إلخ، فهذا معنى ما ذكره العلماء في كتبهم، وهذا لا نزاع فيه عند أكثر العلماء؛ ولكن عرفنا من لم تجب عليه الهجرة بإظهار دينه وهو آمن بذلك، معروف فيكم لم يستهزئ بأهل الإسلام، أو لم يركن إلى من استهزأ بهم، ويعين أهل الباطل بلسانه; فيا ليت شعري من هو الذي فيكم يظهر دينه؟
وقد كنت أسأل عمن كنت أرى لهم معرفة، فما أخبرني أحد عنهم بما يسرني في ذلك، وهذه فتنة عمت فأعمت وأصمت؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. فإن كنت ترى أن اعتراضك على من استدل بالآيات والأحاديث على تحريم موالاة المشركين، إظهار للدين، فالمصيبة أعظم، ولا أخالك تسلم من ذلك لقوله: ﴿وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ٩] ؛ وأنى لك بالسلامة وقد زلت بك القدم.
ثم، إن ما ذكرته عن ابن كثير، يناقض ما كنت تدعيه من أنكم على الإسلام والتوحيد؛ فإذا كنتم على الإسلام والتوحيد حقيقة، فلأي شيء يقال: تجب الهجرة أو لا تجب؟ فلا محل لقول ابن كثير وغيره، هذا إنما يذكر في حال أهل بلد ليسوا على الإسلام، وفيهم من يظهر دينه باعتزالهم في مجالسهم وأسواقهم ومجامعهم، ويظهر البراءة منهم ومن أعمالهم، ويصبر على أذاهم.
стр. 3427
وأما قولك: ولا وجه لاستدلالك علينا بهذه الآية، فإن هذه الآية جهادية مع إمام متبع، وهو رسول الله ﷺ ؛ فإذا كان هناك إمام متبع، فعرّفنا لعلنا نتبع.
فأقول: قد بينا خطابك في قولك: أن الآية جهادية، وأنه قول على الله وفي كتابه بلا علم، وقد قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣٣] . ويقال: بأي كتاب، أم بآية حجة أن الجهاد لا يجب إلا مع إمام متبع؟! هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين؛ والأدلة على إبطال هذا القول أشهر من أن تذكر، من ذلك عموم الأمر بالجهاد، والترغيب فيه، والوعيد في تركه، قال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥١] ، وقال في سورة الحج: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ﴾ الآية [سورة الحج آية: ٤٠] .
وكل من قام بالجهاد في سبيل الله، فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إماماً إلا بالجهاد، لأنه لا يكون جهاد إلا بإمام، والحق عكس ما قلته يا رجل، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى﴾ الآية [سورة سبأ آية: ٤٦] ، وقال: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ
стр. 3428
لِنَفْسِهِ﴾ [سورة العنكبوت آية: ٦] .
وفي الحديث: "لا تزال طائفة" الحديث، والطائفة، بحمد الله، موجودة مجتمعة على الحق، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الآيات [سورة المائدة آية: ٥٤] ، أي: واسع الفضل والعطاء، عليم بمن يصلح للجهاد.
والعبر والأدلة على بطلان ما ألفته، كثير في الكتاب، والسنة، والسير، والأخبار، وأقوال أهل العلم بالأدلة والآثار، لا تكاد تخفى على البليد إذا علم بقصة أبي بصير: " لما جاء مهاجراً فطلبت قريش من رسول الله ﷺ أن يرده إليهم، بالشرط الذي كان بينهم في صلح الحديبية، فانفلت منهم حين قتل المشركيْن، اللذين أتيا في طلبه. فرجع إلى الساحل لما سمع رسول الله ﷺ يقول: ويل أمه مسعر حرب، لو كان معه غيره " ١، فتعرض لعير قريش - إذا أقبلت من الشام - يأخذ ويقتل، فاستقل بحربهم دون رسول الله ﷺ ، لأنهم كانوا معه في صلح - القصة بطولها -. فهل قال رسول الله ﷺ : أخطأتم في قتال قريش،
стр. 3429
لأنكم لستم مع إمام؟ سبحان الله ما أعظم مضرة الجهل على أهله؟ عياذاً بالله من معارضة الحق بالجهل والباطل، قال الله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ الآية [سورة الشورى آية: ١٣] .
ومعلوم: أن الدين لا يقوم إلا بالجهاد، ولهذا أمر النبي ﷺ بالجهاد مع كل بر وفاجر، تفويتاً لأدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، وارتكاباً لأخف الضررين لدفع أعلاهما؛ فإن ما يدفع بالجهاد من فساد الدين، أعظم من فجور الفاجر، لأن بالجهاد يظهر الدين ويقوى العمل به وبأحكامه، ويندفع الشرك وأهله حتى تكون الغلبة للمسلمين، والظهور لهم على الكافرين، وتندفع لسورة أهل الباطل، فإنهم لو ظهروا لأفسدوا في الأرض بالشرك والظلم والفساد، وتعطيل الشرائع والبغي في الأرض. ويحصل بالجهاد مع الفاجر، من مصالح الدين ما لا يحصى، كما قال ﷺ : " إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم "؛ ولو ترك الجهاد معه لفجوره لضعف الجهاد، وحصلت الفرقة والتخاذل، فيقوى بذلك أهل الشرك والباطل، الذين غرضهم الفساد وذهاب الدين. فإذا ابتلي الناس بمن لا بصيرة له ولا علم ولا حلم، ونزل المشركين وأهل الفساد من قلبه منزلة أهل الإسلام، لطمع يرجوه منهم أو من أعوانهم، وأعانهم على ظلمهم،
стр. 3430
وصدقهم في كذبهم، فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئاً.
ويقال أيضا: كل من أقام بإزاء العدو وعاداه، واجتهد في دفعه، فقد جاهد ولا بد، وكل طائفة تصادم عدو الله، فلا بد أن يكون لها أئمة ترجع إلى أقوالهم وتدبيرهم؛ وأحق الناس بالإمامة من أقام الدين الأمثل فالأمثل، كما هو الواقع، فإن تابعه الناس أدوا الواجب، وحصل التعاون على البر والتقوى، وقوي أمر الجهاد، وإن لم يتابعوه أثموا إثماً كبيراً بخذلانهم الإسلام.
وأما القائم به، فكلما قلت أعوانه وأنصاره، صار أعظم لأجره، كما دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، كما قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [سورة الحج آية: ٧٨] ، وقال: ﴿لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ الآية [ٍ سورة العنكبوت آية: ٦٩] ، وقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ﴾ الآية [سورة الحج آية: ٣٩] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥٤] ، وقال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٥] ، وقال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢٤٩] ، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية [سورة الأنفال آية: ٦٥] ، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ الآية [سورة البقرة آية: ٢١٦] .
ولا ريب أن فرض الجهاد باق إلى يوم القيامة، والمخاطب به المؤمنون; فإذا كان هناك طائفة مجتمعة لها
стр. 3431
منعة، وجب عليها أن تجاهد في سبيل الله بما تقدر عليه، لا يسقط عنها فرضه بحال، ولا عن جميع الطوائف، لما ذكرت من الآيات. وقد تقدم الحديث: " لا تزال طائفة " الحديث.
فليس في الكتاب والسنة ما يدل على أن الجهاد يسقط في حال دون حال، ولا يجب على أحد دون أحد، إلا ما استثنى في سورة براءة. وتأمل قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] ، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [سورة المائدة آية: ٥٦] ؛ وكل يفيد العموم بلا تخصيص. فأين تذهب عقولكم عن هذا القرآن؟
وقد عرفت مما تقدم: أن خطاب الله تعالى يتعلق بكل مكلف، من الأولين والآخرين، وأن في القرآن خطاباً ببعض الشرائع، خرج مخرج الخصوص وأريد به العموم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية [سورة التوبة آية: ٧٣] ، وقد تقدم ما يشير إلى هذا بحمد الله، وذلك معلوم عند العلماء، بل عند كل من له ممارسة في العلم والأحكام، فلهذا اقتصرنا على هذا القول، وبالله التوفيق.
ثم بعد الفراغ، أظهر الله إماماً يجاهد في سبيل الله، ويدعوهم إلى الإسلام والاجتماع عليه، فتمت النعمة علينا، وعلى أهل نواحينا، بما أعطانا من النصر، وذهاب الشرك والمشركين، والفساد والمفسدين. نسأل الله أن يوزعنا شكر ما أنعم به علينا، من نعمة الإسلام، والله ولي حميد، وهو
стр. 3432
حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
[الرد على بعض الناكبين المعرضين عن توحيد رب العالمين]
وله أيضاً، قدس الله روحه ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، وبه العون على إبطال زخرف الملحدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا معين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، الصادق الأمين، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، الذين يحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، وعلى أتباعهم الذين شهدوا لله بالوحدانية، ولرسوله بالبلاغ المبين، وسلم تسليماً.
أما بعد، فاعلم أيها الطالب للهدى، المتباعد عن أسباب الضلال والردى، أني رأيت ورقة لبعض الناكبين عن الحق المبين، المعرضين عن توحيد رب العالمين، فإذا هي مفصحة عن ضلال مفتريها، معلنة بفساد طوية منشيها ومتلقيها، مع تناقضها وبشاعة ما فيها؛ فتارة تراه سائلاً مسترشداً، وتارة مفتياً مضللاً مفنداً، لا يدري ولا يدري أنه لا يدري. فعزمت على أن أعرض ورقته على بعض أصحابنا الذين لهم ملكة في معرفة العلوم، ولهم بصر ناقد، وفهم
стр. 3433
مستقيم، في تمييز الصحيح من السقيم، لأكتفى بهم في رد ذلك الزيغ والضلال، والكذب المحال، على طريق التفصيل تارة والإجمال. وهذا الرجل وإن كان من أجهل العوام، فإنه يحاول بسجعه نقض عرى الإسلام.
ثم إني عزمت على نقض ما بناه من ذلك الباطل، على استفراغ وسع واستمهال، وذلك أولى من الترك والإهمال، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٤٣] . فأخذت في رد قوله مستعيناً بربنا العظيم، مستعيذاً بالله من شر متبعي خطوات الشيطان الرجيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل على من صد الناس عن سواء السبيل.
قال محمد بن نصر: حدثنا إسحاق، أنبأنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن زيد، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: " خط لنا رسول الله ﷺ خطاً، ثم قال: هذا سبيل الله. ثم خط خطوطاً عن يمينه وشماله، وقال: هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان يدعو إليه. وقرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ ١") الآية.
قلت: وهنا بلية ينبغي التنبيه عليها، قبل الشروع في المقصود، وهي: أن الكثير من أهل هذه الأزمنة وقبلها، قد غرهم من أنفسهم أمران:
стр. 3434
أحدهما: أنهم إن أحسنوا القول رأوه كافياً، ولو ضيعوا العمل وارتكبوا النقيض، وما عرفوا أقوال الصادق المصدوق ﷺ في الخوارج: " يقولون من قول خير البرية، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ١، وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم ويمقت من يقول ولا يفعل، ومن يخالف قوله فعله، كقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [سورة الصف آية: ٣] ، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤] . وقد ورد: "ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب، وصدقته الأعمال".
الأمر الثاني: أن الأكثر ظنوا أن انتسابهم إلى الإسلام، ونطقهم بالشهادتين، عاصم للدم والمال، وإن لم يعملوا بمدلول لا إله إلا الله، من نفي الشرك، وتركه، وإخلاص العبادة بجميع أنواعها لله تعالى، كالدعاء، والرجاء، والتوكل، وغير ذلك; ولم يعرفوا معنى قول الله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٣-٤] ، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] ، وقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [سورة التوبة آية: ٥] .
стр. 3435
فإن قوله: ﴿مُخْلِصاً﴾ : حال من ضمير الفاعل المستتر، في قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾ ، أي: حالة كونك مخلصاً له الأعمال الباطنة والظاهرة، وكذلك في قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾ : حالة من الضمير البارز في قوله: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُوا﴾ ، أي: حالة كونهم مخلصين له إرادتهم وأعمالهم، دون كل ما سواه؛ ولهذا قال: ﴿حُنَفَاءَ﴾ ، والحنيف هو: الموحد المقبل على الله، المعرض عن كل ما سواه؛ وهذا هو التوحيد الذي خلقوا له، وبعث الله به رسله وأنزل به كتبه. يقرر ذلك: ما أخبر به عن قوم هود، لما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٦٥] ، فأجابوا ذلك بقولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] . وفي قصة صالح، لما قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] ، ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوّاً قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [سورة هود آية: ٦٢] ، وكما قال قوم شعيب: ﴿يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية [سورة هود آية: ٨٧] .
فلا إله إلا الله، ما أشبه حال الأكثرين من هذه الأمة بحال تلك الأمم، لما دعوا إلى هذا التوحيد، الذي هو أصل دين الإسلام، وهو دين الله الذي لا يقبل من أحد ديناً سواه، وبه أرسل جميع الرسل، وأنزل به جميع الكتب، قال