قبلكم " أخرجه الترمذي بلفظ آخر، والمعنى واحد، وقال: هذا حديث حسن صحيح.
قال الإمام أبو بكر الطرطوشي، في كتابه المتقدم ذكره ١: فانظروا رحمكم الله، أينما وجدتم سدرة أو شجرة يقصدها الناس، ويعظمون من شأنها، ويرجون البرء والشفاء من قبلها، وينوطون بها المسامير والخرق، فهي ذات أنواط، فاقطعوها.
قلت: ولقد أعجبني ما فعله الشيخ أبو إسحاق، الجبيناني، رحمه الله تعالى، أحد الصالحين ببلاد إفريقية، حكى عنه صاحبه الصالح أبو عبد الله، محمد بن أبي العباس المؤدب: أنه كان إلى جانبه عين تسمى: عين العافية، كانت العامة قد افتتنوا بها، يأتونها من الآفاق، من تعذر عليها نكاح أو ولد، قالت: امضوا بي إلى العافية، فتعرف بها الفتنة، قال أبو عبد الله: فأنا في السحر ذات ليلة، إذ سمعت أذان أبي إسحاق نحوها، فخرجت، فوجدته قد هدمها، وأذن الصبح عليها، ثم قال: اللهم إني هدمتها لك، فلا ترفع لها رأسا، قال: فما رفع لها رأس إلى الآن.
قلت: وأدهى من ذلك وأمر، إقدامهم على قطع الطريق السابلة، يجيزون في أحد الأبواب الثلاثة القديمة العادية، التي هي من بناء الجن، في زمن نبي الله سليمان بن داود ﵇، أو من بناء ذي القرنين، وقيل فيها غير ذلك،
стр. 387
مما يؤذن بالتقدم، على ما نقلناه في: كتاب تاريخ مدينة دمشق، حرسها الله تعالى، وهو الباب الشمالي، ذكر لهم بعض من لا يوثق به، في شهور سنة ست وثلاثين وستمائة، أنه رأى مناما يقتضي أن ذلك المكان دفن فيه بعض أهل البيت.
وقد أخبرني عنه ثقة: أنه اعترف له أنه افتعل ذلك، فقطعوا طريقة المارة فيه، وجعلوا الباب بكماله أصل مسجد مغصوب، وقد كان الطريق يضيق بسالكيه، فتضاعف الضيق والحرج، على من دخل ومن خرج. ضاعف الله عذاب من تسبب في بنائه، وأجزل ثواب من أعان على هدمه وإزالة اعتدائه، اتباعا لسنة النبي ﷺ في هدم مسجد الضرار، المرصد لأعدائه من الكفار، فلم ينظر الشارع إلى كونه مسجدا، وهدمه لما قصد به من السوء والردى، وقال تعالى لنبيه ﷺ ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾ [سورة التوبة آية: ١٠٨] . نسأل الله الكريم معافاتنا من كل ما يخالف رضاه، وأن لا يجعلنا ممن أضله، فاتخذ إلهه هواه.
وهذا الشيخ أبو شامة، من كبار أئمة الشافعية، في أوائل القرن السابع.
وقال الإمام: أبو الوفاء، ابن عقيل الحنبلي ﵀: لما صعبت التكاليف على الجهلة والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم.
стр. 388
قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها، وإلزامها لما نهى عنه الشارع، من إيقاد السرج، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها: يا مولاي، افعل بي كذا وكذا، وأخذ بتربتها تبركا بها، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر، اقتداء بمن عبد اللات والعزى. والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكف، ولم يتمسح بآجرّة مسجد الملموسة يوم الأربعاء، ولم يقل الحمالون على جنازته: الصديق أبو بكر، أو محمد وعلي، أولم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه إلى الذيل، ولم يرق ماء الورد على القبر. انتهى.
فتأمل رحمك الله تعالى ما ذكره هذا الإمام، الذي هو أجل أئمة الحنابلة، بل من أجل أئمة الإسلام، وما كشف من الأمور التي يفعلها الخواص من الأنام، فضلا عن النساء والغوغاء والعوام، مع كونه في سادس القرون، والناس إذ ذاك لما ذكره يفعلون، وجهابذة العلماء والنقدة لذلك يشهدون، وحظهم من النهي مرتبة ثانية، فهم بها قائمون، يتضح لك فساد ما زخرفه المبطلون، وموه به المتعصبون والملحدون.
وقال الشيخ تقي الدين: وأما سؤال الميت والغائب، نبيا كان أو غيره، فهو من المحرمات المنكرة،
стр. 389
باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله تعالى به ولا رسوله، ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام، فإن أحدا منهم ما كان يقول إذا نزلت به ترة، أو عرضت له حاجة، لميت: يا سيدي، يا فلان، أنا في حسبك، أو اقض حاجتي، كما يقوله بعض هؤلاء المشركين، لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، لا عند قبورهم، ولا إذا بعدوا عنها، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها.
(ولما قحط الناس في زمن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه، وقال: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبيك إذا أجدبنا، فتسقينا، فإنا نتوسل إليك بعم نبينا، فاسقنا) ،
كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، و (كذلك معاوية ﵁ لما استسقى بأهل الشام، توسل بيزيد بن الأسود الجرشي) ، فهذا الذي ذكره عمر ﵁ توسلا منه بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته، ولهذا توسلوا بعده بدعاء العباس، وبدعاء يزيد بن الأسود، وهذا هو الذي ذكره الفقهاء في كتاب الاستسقاء، فقالوا: يستحب أن يستسقى بالصالحين، وإذا كانوا من أقارب رسول الله ﷺ فأفضل.
وقد كره العلماء كمالك، وغيره، أن يقوم الرجل عند
стр. 390
قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه، وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف. قال أصحاب مالك: إنه إذا دخل المسجد يدنو من القبر، فيسلم على النبي ﷺ ، ويدعو مستقبل القبلة، يوليه ظهره، وقيل لا يوليه ظهره، وإنما اختلفوا لما فيه من استدباره؛
فأما إذا جعل الحجرة عن يساره، فقد زال المحذور بلا خلاف. ولعل هذا الذي ذكره الأئمة أخذوه من كراهة الصلاة إلى القبر، فإذا كان قد ثبت النهي فيه عن النبي ﷺ فلما نهى أن يتخذ القبر مسجدا أو قبلة، أمروا بأن لا يتحرى الدعاء إليه، كما لا يصلى إليه، قال مالك في المبسوط: لا أرى أن يقف عند قبر النبي ﷺ يدعو، ولكن يسلم ويصلي. ولهذا - والله أعلم - حرفت الحجرة، وثلثت، لما بنيت; فلم يجعل حائطها الشمالي، على سمت القبلة، ولا جعل مسطحا. وذكر الإمام، وغيره أنه يستقبل القبلة، ويجعل الحجرة عن يساره، لئلا يستدبره; وذلك بعد تحيته، والصلاة والسلام عليه، ثم يدعو لنفسه. وذكروا أنه إذا حياه، وصلى، يستقبل وجهه - بأبي وأمي ﷺ فإذا أراد الدعاء: جعل الحجرة عن يساره، واستقبل القبلة، ودعا، وهذا مراعاة منهم أن يفعل الداعي أو الزائر ما نهي عنه من تحري الدعاء عند القبر.
وقد: كره مالك - رحمه الله تعالى - وغيره، من أهل المدينة، كلما دخل أحدهم المسجد، أن يجيء فيسلم
стр. 391
على النبي ﷺ وصاحبيه، قال: وإنما يكون ذلك لأحدهم إذا قدم من سفر، أو أراد سفرا، ونحو ذلك. ورخص بعضهم في السلام عليه، إذا دخل للصلاة ونحوها، وأما قصده دائما للصلاة والسلام عليه، فما علمت أحدا رخص في ذلك، لأن ذلك نوع من اتخاذه عيدا.
وأيضا، فإن ذلك بدعة، والمهاجرون والأنصار في عهد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃، لم يكونوا يقصدون قبره كلما دخلوا المسجد للسلام عليه، لعلمهم بما كان النبي ﷺ يكرهه من ذلك، وما نهاهم عنه، ولا أنهم كانوا يسلمون عليه حين دخول المسجد، والخروج منه، كما كانوا يسلمون عليه في حياته.
والمأثور عن ابن عمر يدل على ذلك، قال أبو سعيد في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن يزيد، حدثني أبي، عن ابن عمر: " أنه كان إذا قدم من سفر أتى قبر النبي ﷺ فصلى، وسلم عليه; وقال: السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه "، وعبد الرحمن بن يزيد، وإن كان يضعف، لكن الحديث الصحيح عن نافع يدل على أن ابن عمر، ما كان يفعل ذلك دائما، ولا غالبا.
وما أحسن ما قال مالك ﵀:لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، ونقص إيمانهم، عوضوا عن ذلك، بما
стр. 392
أحدثوه من البدع والشرك وغيره; ولهذا كرهت الأئمة استلام القبر، وتقبيله، وبنوه بناء منعوا الناس أن يصلوا إليه.
ومما يبين حكمة الشريعة، وأنها كما قيل: سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق، أن الذين خرجوا عن المشروع زين لهم الشيطان أعمالهم، حتى خرجوا إلى الشرك، فطائفة من هؤلاء يصلون إلى الميت، ويدعو أحدهم، فيقول: اغفر لي، وارحمني، ونحو ذلك; ويسجد لقبره.
ومنهم: من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدبر الكعبة، ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة: قبلة العامة; وهذا، يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهدا، وهو شيخ متبوع; ولعله أمثل أتباع شيخه يقوله في شيخه. وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين، أصحاب الصدق. والاجتهاد في العبادة والزهد، يأمر المريد أول ما يتوب، أن يذهب إلى قبر الشيخ، ويعكف عليه، عكوف أهل التماثيل عليها. وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة، والخشوع، والذل، وحضور القلب، ما لا يجده أحدهم في مساجد الله التي: ﴿أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [سورة النور آية: ٣٦] ؛ وآخرون يحجون القبور.
وطائفة صنفوا كتبا، وسموها: مناسك حج المشاهد، كما صنف أبو عبد الله محمد بن النعمان، الملقب بالمفيد،
стр. 393
أحد شيوخ الإمامية، كتابا في ذلك، وذكر فيه من الحكايات المكذوبة على أهل البيت، ما لا يخفى كذبه على من له معرفة بالنقل. وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ، وإن لم يسموا ذلك نسكاوحجا، فالمعنى واحد. وكثير من هؤلاء معظم قصده من الحج، قصد قبر النبي ﷺ ، لا حج البيت. وبعض الشيوخ، المشهورين بالدين، والزهد والصلاح، صنف كتابا سماه: الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام؛ وقد ذكر في مناقب هذا الشيخ: أنه حج مرة، وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وجعل هذا من مناقبه، فإن كان مستحبا، فينبغي لمن يجب عليه حج البيت، إذا حج أن يجعل المدينة منتهى قصده، ولا يذهب إلى مكة، فإنه زيادة كلفة ومشقة، مع ترك الأفضل; وهذا لا يفعله عاقل.
وبسبب الخروج عن الشريعة، صار بعض أكابر الشيوخ عند الناس، ممن يقصده الملوك والقضاة، والعلماء، والعامة، على طريقة ابن سبعين، قيل عنه: إنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبيت الذي للمشركين في الهند، وهذا لأنه كان يعتقد أن دين اليهود حق، ودين النصارى حق. وجاءه بعض إخواننا العارفين، قبل أن يعرف حقيقته، فقال له: أريد أن أسلك على يديك؟ فقال: على دين اليهود، أو النصارى، أو المسلمين؟ فقال له: واليهود، والنصارى، ليسوا كفارا؟!
стр. 394
فقال الشيخ: لا تشدد عليهم، لكن الإسلام أفضل.
ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ، بمنْزلة عرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها، كما يعرف المسلمون بعرفات، كما يفعل هذا في المشرق والمغرب. ومنهم من يحكي عن الشيخ الميت، أنه قال: كل خطوة إلى قبري كحجة; ويوم القيامة لا أبيع بحجة؛ فأنكر بعض الناس ذلك، فتمثل له الشيطان بصورة الشيخ، وزجره عن إنكار ذلك.
وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله رب العالمين، فليسوا على ملة إمام الحنفاء، وليسوا من عمار مساجد الله، الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] .
وعمار مشاهد المقابر يخشون غير الله، ويرجون غير الله، حتى إن طائفة من أرباب الكبائر الذين لا يتحاشون فيما يفعلونه من القبائح إذا رأى أحدهم قبة الميت، أو الهلال الذي على رأس القبة؛ خشي من فعل الفواحش، ويقول أحدهم لصاحبه: ويحك؟! هذا هلال القبة فيخشون المدفون تحت الهلال، ولا يخشون الذي خلق السماوات والأرض،
وجعل أهلة السماء مواقيت للناس والحج! وهؤلاء إذا نوظروا، خوفوا مناظرهم، كما صنع
стр. 395
المشركون مع إبراهيم ﵇، قال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ( [سورة الأنعام آية: ٨٠-٨١-٨٢] .
وآخرون قد جعلوا الميت بمنْزلة الإله، والشيخ الحي، المتعلق به كالنبي؛ فمن الميت تطلب قضاء الحاجات، وكشف الكربات، وأما الحي فالحلال ما حلله، والحرام ما حرمه. وكأنهم في أنفسهم، قد عزلوا الله عن أن يتخذوه إلها، وعزلوا محمدا ﷺ أن يتخذوه رسولا.
وقد يجيء الحديث العهد بالإسلام، والتابع لهم المحسن الظن بهم، أو غيره، يطلب من الشيخ الميت، إما دفع ظلم ملك يريد أن يظلمه، أو غير ذلك، فيدخل ذلك السادن فيقول: قد قلت للشيخ، والشيخ يقول للنبي، والنبي يقول لله، والله قد بعث رسولا إلى السلطان فلان، فهل هذا إلا محض دين المشركين والنصارى؟! وفيه من الكذب والجهل، ما لا يستجيزه كل مشرك، أو نصراني، ولا يروج عليه.
ويأكلون من النذور؛ والمنذور: ما يؤتى به إلى
стр. 396
قبورهم، ما يدخلون به في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة التوبة آية: ٣٤] ، يعرضون بأنفسهم، ويمنعون غيرهم،
إذ التابع لهم، يعتقد أن هذا هو سبيل الله ودينه، فيمتنع بسبب ذلك، من الدخول في دين الحق، الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه.
والله سبحانه لم يذكر في كتابه المشاهد، بل ذكر المساجد، وأنها خالصة لوجهه، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [سورة الأعراف آية: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [سورة التوبة آية: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [سورة النور آية: ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ﴾ [سورة الحج آية: ٤٠] ، ولم يذكر بيوت الشرك، كبيوت النيران والأصنام، والمشاهد، لأن الصوامع، والبيع لأهل الكتاب، فالممدوح من ذلك: ما كان مبنيا قبل النسخ والتبديل، كما أثنى على اليهود، والنصارى، والصابئين، الذين كانوا قبل النسخ والتبديل: يؤمنون بالله واليوم الآخر، ويعملون الصالحات.
فبيوت الأوثان، وبيوت النيران، وبيوت الكواكب، وبيوت المقابر، لم يمدح الله شيئا منها، ولم يذكر ذلك إلا
стр. 397
في قصة من لعنهم النبي ﷺ قال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً﴾ [سورة الكهف آية: ٢١] ، فهؤلاء الذين اتخذوا مسجدا على أهل الكهف كانوا من النصارى، الذين لعنهم رسول الله ﷺ حيث قال: " لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ١ وفي رواية: وصالحيهم.
ودعاء المقبورين من أعظم الوسائل إلى ذلك، وقد قدم بعض شيوخ المشرق، فتكلم معي في هذا، فبينت له فساد هذا، فقال: أليس قد قال النبي ﷺ : " إذا أعيتكم الأمور، فعليكم بأصحاب القبور "؟ فقلت: هذا مكذوب باتفاق أهل العلم، لم يروه عن النبي ﷺ أحد من علماء الحديث.
وبسبب هذا، وأمثاله، ظهر مصداق قول النبي ﷺ : " لتتبعن سنن من كان قبلكم، حذو القذة، بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب، لدخلتموه، قالوا: يا رسول الله اليهود؟ والنصارى؟ قال: فمن " ٢ وهؤلاء الغلاة المشركون، إذا حصل لأحدهم مطلبه، ولو من كافر، لم يقبل على الرسول، بل يطلب حاجته من حيث إنها تقضى. فتارة يذهب إلى من يظنه قبر رجل صالح، ويكون فيه قبر كافر، أو منافق، وتارة: يعلم أنه كافر، أو منافق، فيذهب إليه، كما يذهب قوم إلى الكنيسة، أو إلى مواضع يقال إنها تقبل النذور، فهذا يقع فيه عامتهم؛ وأما الأول، فيقع فيه خاصتهم.
стр. 398
والمقصود: أن كثيرا من الناس، يعظم قبر من يكون في الباطن كافرا، أو منافقا، ويكون هذا عنده والرسول من جنس واحد، لاعتقاده أن الميت يقضي حاجته، إذا كان رجلا صالحا، وكلا هذين عنده من جنس من يستغيث به. وكم من مشهد يعظمه الناس، ويظنونه قبر رجل صالح، وهو كذب، بل يقال: إنه قبر كافر، كالمشهد الذي بسفح جبل لبنان، الذي يقال: إنه قبر نوح ; فإن أهل المعرفة، كانوا يقولون: إنه قبر بعض العمالقة.
وكذلك مشهد الحسين، الذي بالقاهرة؟ وقبر أبي الذي بدمشق، اتفق العلماء على أنها كذب، ومنهم من قال: هما، قبرا نصرانيين.
وكثير من المشاهد تنازع الناس فيها، وعندها شياطين، تضل بسببها من تضل. ومنهم من يرى في المنام شخصا يظن أنه المقبور، ويكون ذلك شيطانا تصور بصورته، كالشياطين الذين يكونون بالأصنام، وكالشياطين الذين يتمثلون لمن يستغيث بالأصنام والموتى والغائبين، وهذا كثير في زماننا وغيره، مثل أقوام يرصدون بعض التماثيل، التي بالبراري بديار مصر، بإخميم، وغيرها، يرصدون التمثال مدة، لا يتطهرون طهر المسلمين، ولا يصلون صلاة المسلمين، ولا يقرؤون حتى يتعلق الشيطان تلك الصورة، فيراها تتحرك، فيضع فيها شمعة، أو غيرها، فيرى
стр. 399
شيطانا قد خرج له، فيسجد لذلك الشيطان، حتى يقضي بعض حوائجه، وقد يمكنه من فعل الفاحشة به، حتى يقضي بعض حوائجه. ومثل هؤلاء كثير في شيوخ الترك الكفار، يسمونه: البوشت، وهو: المخنث، إذا طلبوا منه بعض هذه الأمور، أرسلوا إليه من ينكحه، ونصبوا له حركات عالية، في ليلة مظلمة، وقربوا له خبزا، وميتة، وغنوا غناء يناسبه، بشرط أن لا يكون عندهم من يذكر الله، ولا هناك شيء فيه شيء من ذكر الله.
ثم يصعد ذلك الشيخ المفعول به في الهواء، ويرون الدف يطير في الهواء، ويضرب من مد يديه إلى الخبز، ويضرب الشيطان بآلات اللهو، وهم يسمعون، ويغني لهم الأغاني، التي كانت تغنيها آباؤهم الكفار، ثم قد يغيب ذلك الطعام، فيرونه قد نقل إلى بيت البوشت، وقد لا يغيب، ويقربون له ميتة يحرقونها بالنار، فيقضي بعض حوائجهم، ومثل هذا كثير جدا للمشركين ; فالذي يجري عند المشاهد من جنس ما يجري عند الأصنام.
وقد ثبت بطرق متعددة أن ما يشرك به من دون الله، من صنم، وقبر، وغير ذلك، يكون عنده شياطين، تضل من أشرك به، وأن تلك الشياطين لا يقضون إلا بعض أغراضهم، وإنما يقضون بعض أغراضهم، إذا حصل لهم من الشرك والمعاصي، ما يحبه الشيطان.
стр. 400
فمنهم من يأمر الداعي أن يسجد له، ومنهم من يأمره بالفواحش، وقد يفعلها الشيطان، وقد ينهاه عما أمره به من التوحيد، والإخلاص، والصلوات الخمس، وقراءة القرآن، ونحو ذلك.
والشياطين تغوي الإنسان، بحسب ما تطمع منه، فإن كان ضعيف الإيمان أمرته بالكفر البين، وإلا أمرته بما هو فسق، أو معصية. وإن كان قليل العلم أمرته بما لا يعرفه أنه مخالف للكتاب والسنة؛ وقد وقع في هذا النوع كثير من الشيوخ الذين لهم نصيب وافر من الدين والزهد والعبادة، لكن لعدم علمهم بحقيقة الدين الذي بعث الله به رسول الله ﷺ ، طمعت فيهم الشياطين، حتى أوقعوهم فيما يخالف الكتاب والسنة.
وقد جرى لغير واحد من أصحابنا المشايخ، يستغيث بأحدهم، بعض أصحابه، فيرى الشيخ في اليقظة، حتى قضي ذلك المطلوب؛ وإنما هي شياطين تتمثل للمشركين الذين يدعون غير الله، والجن بحسب الإنس، فالكافر للكافر، والفاجر للفاجر، والجاهل للجاهل.
وأما أهل العلم والإيمان، فأتباع الجن لهم كأتباع الإنس، يتبعونهم فيما أمر الله به ورسوله.
وآخر من جنسه، يباشر التدريس، وينتسب إلى الفتيا، كان يقول: النبي ﷺ يعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر الله عليه، وأن هذا
стр. 401
السر، انتقل بعده إلى الحسن، ثم انتقل في ذرية الحسن إلى الشيخ أبي الحسن الشاذلي. وقالوا: هذا مقام القطب الغوث، الفرد الجامع.
وكان شيخ آخر معظم عند أتباعه، يدعي هذه المنْزلة؟، ويقول: إنه المهدي الذي بشر به النبي ﷺ ، وإنه يزوج عيسى ابنته، وإن نواصي الملوك بيده، والأولياء بيده، يولي من يشاء، ويعزل من يشاء، وإن الرب يناجيه دائما، وإنه الذي يمد حملة العرش، وحيتان البحر؛ وقد عزرته تعزيرا بليغا، في يوم مشهود، في حضرة من أهل المسجد الجامع، يوم الجمعة بالقاهرة، فعرفه الناس، وانكسر بسببه أشباهه من الدجاجلة.
ومن هؤلاء من يقول: قول الله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [سورة الفتح آية: ٨-٩] ، إن الرسول، هو الذي يسبح بكرة وأصيلا.
ومنهم من يقول: الرسول يعلم مفاتيح الغيب الخمس، التي قال النبي ﷺ فيها: " خمس لا يعلمهن إلا الله ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ " ١، وقال: إنه علمها بعدما أخبر أنه لا يعلمها إلا الله.
стр. 402
ومنهم من يقول: أسقط الربوبية، وقل في الرسول ما شئت، ومنهم يقول: نحن نعبد الله ورسوله ومنهم من يأتي إلى قبر الميت، فيقول: اغفر لي، وارحمنى، ولا توقفني على زلة، إلى أمثال هذه الأمور، التي يتخذ فيها المخلوق إلها.
أقول: وهذه سنة مأثورة، وطريقة مسلوكة والله غير مهجورة، وضلالة واضحة مشهورة، وبدعة مشهودة غير منكورة، وأعلامها مرفوعة منشورة، وراياتها منصوبة غير مكسورة، وبراهينها غير محدودة ولا محصورة، ودلائلها في كثير من المصنفات والمناظيم مذكورة ; قال ذلك في البردة، وبين في ذلك قصده:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم
ولو نطيل بذكر هذه الأخبار، لحررنا منه أسفارا، فلنكف عنان قلم اليراع في هذا الميدان، فالحكم والله لا يخفى على ذي عيان، بل أجلى من ضياء الشمس في البيان. فلما استقر هذا في نفوس عامتهم، تجد أحدهم إذا سئل عمن ينهاهم: ما يقول هذا؟ فيقول: فلان عنده: ما ثم إلا الله، لما استقر في نفوسهم: أن يجعلوا مع الله إلها آخر، وهذا كله، وأمثاله، وقع ونحن بمصر.
وهؤلاء الضالون مستخفون بتوحيد الله، ويعظمون دعاء
стр. 403
غير الله، من الأموات، فإذا أمروا بالتوحيد، ونهوا عن الشرك، استخفوا بالله، كما أخبر الله تعالى عن المشركين، بقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً﴾ الآية [سورة الفرقان آية: ٤١] ، فاستهزؤوا بالرسول ﷺ لما نهاهم عن الشرك، وقال تعالى عن المشركين: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [سورة الصافات آية: ٣٦] .
وقال تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ [سورة ص آية: ٤] . وما زال المشركون: يسفهون الأنبياء، ويصفونهم بالجنون، والضلال، والسفاهة، كما قال قوم نوح لنوح، وعاد لهود، ﵉ ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [سورة الأعراف آية: ٧٠] ، فأعظم ما سفهوه لأجله، وأنكروه، هو التوحيد.
وهكذا تجد من فيه شبه من هؤلاء من بعض الوجوه، إذا رأى من يدعو إلى توحيد الله وإخلاص الدين له، وأن لا يعبد الإنسان إلا الله، ولا يتوكل إلا عليه، استهزأ بذلك، لما عنده من الشرك. وكثير من هؤلاء يخربون المساجد، ويعمرون المشاهد، فتجد المسجد الذي يبنى للصلوات الخمس معطلا، مخربا، ليس له كسوة إلا من الناس، وكأنه خان من الخانات، والمشهد الذي يبنى على
стр. 404
الميت فعليه الستور، وزينة الذهب والفضة والرخام والنذور تغدو إليه وتروح. فهل هذا إلا من استخفافهم بالله وآياته، ورسوله؟! وتعظيمهم للشرك؟! فإنهم يعتقدون أن دعاءهم للميت الذي بني له المشهد، والاستغاثة به أنفع لهم من دعاء الله والاستغاثة به في البيت الذي بني لله ! ففضلوا البيت الذي بني لدعاء المخلوق، على البيت الذي بني لدعاء الخالق؛ وإذا كان لهذا وقف، ولهذا وقف، كان وقف الشرك أعظم عندهم، مضاهاة لمشركي العرب الذين ذكر الله حالهم في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً﴾ الآية [سورة الأنعام آية: ١٣٦] ، كانوا يجعلون له زرعا وماشية، ولآلهتهم زرعا وماشية، فإذا أصيب نصيب آلهتهم، أخذوا من نصيب الله فوضعوه فيه، وقالوا: الله غني وآلهتنا فقيرة، فيفضلون ما يجعل لغير الله على ما يجعل لله. وهكذا حال أهل الوقوف، والنذور، التي تبذل عندهم للمشاهد أعظم مما يبذل عندهم للمساجد، ولعمار المساجد والجهاد في سبيل الله.
وهؤلاء إذا قصد أحدهم القبر الذي يعظمه، بكى عنده وخضع، ويدعو ويتضرع، ويحصل له من الرقة، والتواضع، والعبودية، وحضور القلب، ما لا يحصل له مثله في الصلوات الخمس، والجمعة، وقيام الليل، وقراءة القرآن. فهل هذا الأمر إلا حال المشركين المبتدعين؟ لا الموحدين المخلصين، المتبعين لكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ .
стр. 405
ومثل هذا أنه إذا سمع أحدهم الأبيات، يحصل له من الخضوع والخشوع والبكاء، ما لا يحصل له مثله عند سماع آيات الله، فيخشع عند سماع المبتدعين المشركين، ولا يخشع عند سماع المتقين المخلصين؛ بل إذا سمعوا آيات الله استثقلوها، وكرهوها، واستهزؤوا بها، فيحصل لهم أعظم نصيب من قوله: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة التوبة آية: ٦٥] . إذا سمعوا القرآن: سمعوه بقلوب لاهية، وألسن لاغية، كأنهم صم عمي، وإذا سمعوا الأبيات، حضرت قلوبهم، وسكتت ألسنتهم، وسكنت حركاتهم، حتى لا يشرب العطشان منهم ماء.
ومن هؤلاء من إذا كانوا في سماعهم، فأذن المؤذن، قالوا: نحن في شيء أفضل مما دعانا إليه. ومنهم من يقول: كنا في الحضرة، فإذا قمنا إلى الصلاة صرنا إلى الباب.
وقد سألني بعضهم، عمن قال ذلك من هؤلاء الشيوخ الضلال؟ فقلت: صدق، كان في حضرة الشيطان، فصار على باب الله، فإن البدع والضلال، فيها من حضور الشيطان، ما قد فصل في غير هذا الموضع.
والذين جعلوا دعاء الموتى، من الأنبياء، والأئمة، والشيوخ، أفضل من دعاء الله، أنواع متعددة منهم من تقدم، ومنهم من يحكي أنواعا من الحكايات، كحكاية:
стр. 406
أن رجلا محبوسا في بلاد العدو دعا الله، فلم يخرجه، ودعا بعض المشايخ الموتى، فجاءه، فأخرجه إلى بلاد الإسلام ; وحكاية: أن بعض الشيوخ، قال لمريده: إذا كانت لك حاجة، فتعال إلى قبري، وآخر قال: فتوسل بي، وآخر قال: قبر فلان، هو الترياق المجرب.
فهؤلاء وأشباههم يرجحون هذه الأدعية الشركية على أدعية المخلصين لله، مضاهاة للمشركين. وهؤلاء تتمثل لكثير منهم صورة شيخه الذي يدعوه، فيظنه إياه، أو ملكا على صورته، وإنما هو شيطان أغواه.
ومن هؤلاء من إذا نزل به شدة، لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلا اسمه، قد يلهج به، كما يلهج الصبي بذكر أمه، فيتعسر أحدهم، فيقول: يا فلان.
وقد قال الله للموحدين: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً﴾ [سورة البقرة آية: ٢٠٠] .
ومن هؤلاء من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بشيخه وإمامه فيصدق، فيكون شيخه عنده أعظم في صدره من الله. فإذا كان دعاء الموتى، مثل الأنبياء، والصالحين، يتضمن هذا الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء بآيات الله، ورسوله؟ من كان يأمر بدعاء الموتى، والاستغاثة بهم، مع ما يترتب على ذلك من الاستهزاء بالله، وآياته، ورسوله؟ أو من كان يأمر بدعاء الله
стр. 407
وحده، لا شريك له، كما أمرت رسله، ويوجب طاعة الرسول، ومتابعته، في كل ما جاء به؟ وأيضا فإن هؤلاء الموحدين، من أعظم الناس إيجابا لرعاية جانب الرسول ﷺ تصديقا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، والتمييز بين ما روي عنه، من الصحيح والضعيف، والصدق والكذب، واتباع ذلك، دون ما خالفه، عملا بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف آية: ٣] . وأما هؤلاء: الضلال، أشباه المشركين والنصارى، فعمدتهم: إما أحاديث ضعيفة، أو موضوعة، أو منقولات عمن لا يحتج بقولهم، إما أن تكون كذبا عليه، وإما أن تكون غلطا منه، إذ هي نقل غير مصدق، عن قائل غير معصوم، وإن اعتصموا بشيء مما ثبت عن الرسول، حرفوا الكلم عن مواضعه، وتمسكوا بمتشابهه، وتركوا محكمه، كما فعل النصارى.
وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس، مثل الشيخ يحيى الصرصري ; ففي شعره قطعة منه، والشيخ محمد بن النعمان، كان له كتاب المستغيثين بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام وهؤلاء: لهم صلاح ودين، لكن ليسوا من أهل العلم، العالمين بمدارك
стр. 408
الأحكام، الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام، ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها، كما جرت عادة كثير من الناس، بأنه يستغيث بشيخه في الشدائد، ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم، ولهم صلاح وزهد، إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات معدودة، واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس; ولهذا لما نبه من نبه، من فضلائهم، تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه، ليس من دين الإسلام في شيء، بل هو مشابهة لعباد الأصنام.
ونحن نعلم بالاضطرار من دين الإسلام، أن النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدا من الأموات، لا الأنبياء، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها، كما أنه لم يشرع السجود لميت، ولا إلى ميت، ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله ورسوله، لكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة، في كثير من المتأخرين، لم يمكن تكفيرهم بذلك، حتى يبين لهم ما جاء به الرسول ﷺ مما يخالفه.
ولهذا ما بينت المسألة قط لمن يعرف دين الإسلام، إلا تفطن لهذا، وقال: هذا هو أصل دين الإسلام. وكان بعض أكابر الشيوخ، العارفين من أصحابنا، يقول: هذا
стр. 409
أعظم ما بينته لنا، لعلمه بأن هذا أصل الدين، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى، يدعون الأموات ويسألونهم، ويستجيرون بهم، ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه بالأموات أعظم؛ لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم، يدعونه دعاء المضطر، راجين قضاء حاجاتهم بدعائه، والدعاء به، أو الدعاء عند قبره، بخلاف عبادتهم لله، ودعاهم إياه، فإنهم يفعلونه في كثير من الأوقات، على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام، لما قدم دمشق، خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف ضرهم، قال بعض الشعراء:
يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر
أو قال:
عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكمو من الضرر
فقلت لهؤلاء الذين يستغيثون بهم: لو كانوا معكم في القتال لانهزموا، كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، فإنه كان قد قضي أن العسكر ينكسر، لأسباب اقتضت ذلك، ولحكمة كانت لله في ذلك. ولهذا كان أهل المعرفة بالدين والمكاشفة، لم يقاتلوا في تلك المرة، لعدم القتال الشرعي، الذي أمر الله به
стр. 410
ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر بإخلاص الدين لله، والاستغاثة به، وأنهم لا يستغيثون إلا إياه، لا يستغيثون بملك مقرب، ولا نبي مرسل. فلما أصلح الناس أمورهم، وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم الله على عدوهم نصرا عزيزا، ولم يهزم التتار مثل هذه الهزيمة أصلا، لما صح من تحقيق توحيد الله، وطاعة رسوله، ما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، كما قال تعالى في يوم بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ [سورة الأنفال آية: ٩] . وروي أن النبي ﷺ كان يقول كل يوم: " يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث " ١. وفي لفظ: " أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا إلى أحد من خلقك " ٢.
وهؤلاء يدعون الميت والغائب، فيقول أحدهم: بك أستغيث، بك أستجير، أغثنا، أجرنا، ويقول: أنت تعلم ذنوبي. ومنهم من يقول للميت: اغفر لي وارحمني، وتب علي، ونحو ذلك. ومن لم يقل هذا من عقلائهم، فإنه يقول: أشكو إليك ذنوبي، وأشكو إليك عدوي، وأشكو إليك جور الولاة، وظهور البدع، وجدب الزمان، وغير ذلك، فيشكو إليه ما حصل من ضرر في الدين والدنيا.
ومقصوده في الشكوى: أن يشكيه، فيزيل ذلك
стр. 411
الضرر، وقد يقول مع ذلك: أنت تعلم ما نزل بنا من الضرر، وأنت تعلم ما فعلته من الذنوب، فيجعل الميت والحي والغائب، عالما بذنوب العباد، ومجرياتهم، التي يمتنع أن يعلمها بشر حي أو ميت. وعقلاؤهم يقولون: مقصودنا: أن يسأل الله لنا، ويشفع لنا، ويظنون أنهم إذا سألوه بعد موته أنه يسأل الله لهم، فإنه يسأل ويشفع، كما كان يسأل ويشفع، لما سأله الصحابة الاستسقاء وغيره، وكما يشفع يوم القيامة إذا سئل الشفاعة.
ولا يعلمون أن سؤال الميت والغائب، غير مشروع البتة، ولم يفعله أحد من الصحابة، بل عدلوا عن سؤاله وطلب الدعاء منه، إلى سؤال غيره، وطلب الدعاء منه ; وأن الرسول ﷺ وسائر الأنبياء والصالحين وغيرهم، لا يطلب من أحدهم بعد موته من الأمور ما كان يطلب منه في حياته، انتهى كلام الشيخ ﵀ ملخصا.
فانظر رحمك الله إلى ما ذكره هذا الإمام من أنواع الشرك الأكبر، الذي قد وقع في زمانه، ممن يدعي العلم والمعرفة، وينتصب للفتيا والقضاء، لكن لما نبههم الشيخ ﵀ على ذلك، وبين لهم أن هذا من الشرك الأكبر الذي حرمه الله ورسوله، تنبه من تنبه منهم، وتاب إلى الله، وعرف أن ما كان عليه شرك وضلال، وانقاد للحق.
стр. 412
وهذا مما يبين لك غربة الإسلام في ذلك الوقت عند كثير من الأنام، وأن هذا مصداق ما تواترت به الأحاديث عن رسول الله ﷺ أنه قال: " لتتبعن سنن من كان قبلكم " ١ الحديث، وقوله: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ٢.
وبهذا ينكشف لك، ويتضح عندك بطلان ما عليه كثير من أهل الزمان، من أنواع الشرك، والبدع، والحدثان ; فلا تغتر بما هم عليه.
وهذه هي البلية العظيمة، والخصلة القبيحة الذميمة، وهي الاغترار بالآباء والأجداد، وما استمر عليه عمل كثير من أهل البلاد، وتلك الحجة التي انتحلها أهل الشرك والكفر والعناد،
كما حكى الله تعالى ذلك عنهم في محكم التنْزيل، من غير شك ولا تأويل، حيث قال الله تعالى، وهو أصدق القائلين، حكاية عن فرعون اللعين، أنه قال لموسى وأخيه هارون الكريمين: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الأُولَى﴾ [سورة طه آية: ٥١] ، فأجابه ﵇ بقوله: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ [سورة طه آية: ٥٢] . فمن امتطى كاهل الصدق والوفاء، وسلم من التعصب والعناد والجفاء، وتوسط في المحجة، وقنع في قبول الحق بالحجة، كان ذلك طريقه ونهجه، وأشرق في صدره مصباح القبول، وأوقد فيه بزيت المعرفة والوصول، وكان من ضوء التوحيد على حصول.
стр. 413
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الإغاثة: قال ﷺ : " لا تتخذوا قبري عيدا " ١، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد. اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " ٢. وفي اتخاذها عيدا من المفاسد، ما يغضب لأجله من في قلبه وقار لله، وغيرة على التوحيد، ولكن ما لجرح بميت إيلام.
منها: الصلاة إليها، والطواف بها، واستلامها، وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، وسؤالهم النصر، والرزق، والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، التي كان عباد الأوثان يسألونها أوثانهم; وكل من شم أدنى رائحة من العلم يعلم أن من أهم الأمور سد الذريعة إلى ذلك، وأنه ﷺ أعلم بعاقبة ما نهى عنه، وأنه يؤول إليه، وإذا لعن من اتخذ القبور مساجد يعبد الله فيها، فكيف بملازمتها، واعتياد قصدها، وعبادتها؟
ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور وما أمر به، وما نهى عنه، وما عليه أصحابه، وبين ما عليه أكثر الناس اليوم، رأى أحدهما مضادا للآخر: فنهى عن اتخاذها مساجد، وهؤلاء يبنون عليها المساجد، ونهى عن تسريجها، وهؤلاء يوقفون عليها الوقوف، على إيقاد القناديل عليها.
ونهى عن أن تتخذ عيدا، وهؤلاء يتخذونها أعيادا ; ونهى عن تشريفها، وأمر بتسويتها كما في صحيح مسلم عن علي
стр. 414
رضي الله عنه، وهؤلاء يرفعونها، ويجعلون عليها القباب ; ونهى عن تجصيص القبر، والبناء عليه، كما في صحيح مسلم عن جابر، ونهى عن الكتابة عليها، كما رواه الترمذي في صحيحه عن جابر، ونهى أن يزاد عليها غير ترابها، كما رواه أبو داود عن جابر، وهؤلاء يتخذون عليها الألواح، ويكتبون عليها القرآن، ويزيدون على ترابها بالجص، والآجر، والأحجار.
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجا، ووضعوا لها مناسك، حتى صنف بعضهم في ذلك كتابا، وسماه: مناسك حج المشاهد، ولا شك أن هذا مفارقة لدين الإسلام، ودخول في دين عبادة الأصنام.
فانظر إلى التباين العظيم، بين ما شرعه الرسول ﷺ لأمته، وبين ما شرعه هؤلاء. والنبي ﷺ أمر بزيارة القبور، لأنها تذكر الآخرة، وأمر الزائر أن يدعو لأهل القبور، ونهاه أن يقول هجرا، فهذه الزيارة التي أذن رسول الله ﷺ فيها لأمته، وعلمهم إياها، هل تجد فيها شيئا مما يعتمد عليه أهل الشرك والبدع؟ أم تجدها مضادة لما هم عليه من كل وجه؟
وما أحسن ما قال الإمام مالك ﵀: لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولكن كلما ضعف تمسك الأمم بعهود أنبيائهم، عوضوا عن ذلك بما أحدثوا من البدع والشرك.
стр. 415
ولقد جرد السلف الصالح التوحيد، وحموا جانبه، حتى كان أحدهم إذا سلم على النبي ﷺ ثم أراد الدعاء، جعل ظهره إلى جدار القبر، ثم دعا، وقد نص على ذلك الأئمة الأربعة أنه يستقبل القبلة للدعاء، حتى لا يدعو عند القبر، فإن الدعاء عبادة.
وبالجملة: فإن الميت قد انقطع عمله، فهو محتاج إلى من يدعو له، ولهذا شرع في الصلاة عليه من الدعاء، ما لم يشرع مثله للحي ; ومقصود الصلاة على الميت: الاستغفار، والدعاء له، وكذلك الزيارة، مقصودها: الدعاء للميت، والإحسان إليه، وتذكير الآخرة، فبدل أهل البدع، والشرك قولا غير الذي قيل لهم. فبدلوا الدعاء له بدعائه نفسه، والشفاعة له بالاستشفاع به، والزيارة التي شرعت إحسانا إلى الميت وإلى الزائر، بسؤال الميت، والإقسام به على الله، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء، الذي هو محض العبادة، وحضور القلب، عندها، وخشوعه، أعظم منه في المساجد!
ثم ذكر حديث ذات أنواط، ثم قال: فإذا كان اتخاذ الشجرة لتعليق الأسلحة والعكوف لها: اتخاذ إله مع الله، وهم لا يعبدونها، ولا يسألونها، فما الظن بالعكوف حول القبر؟ ودعائه؟ والدعاء عنده؟ والدعاء به؟ وأي نسبة للفتنة بشجرة، إلى الفتنة بالقبر لو كان أهل الشرك والبدع يعلمون؟
стр. 416
ومن له خبرة بما بعث الله به رسوله ﷺ وبما عليه أهل الشرك والبدع اليوم في هذا الباب وغيره، علم أن ما بين السلف وبينهم أبعد مما بين المشرق والمغرب ; والأمر والله أعظم مما ذكرنا.
(وعمّى الصحابة قبر دانيال، بأمر عمر ﵁، ولما بلغه أن الناس ينتابون الشجرة التي بويع رسول الله ﷺ تحتها، أرسل إليها، وقطعها) . قال عيسى بن يونس: هو عندنا من حديث ابن عوف، عن نافع، فإذا كان هذا فعله في الشجرة التي ذكر الله في القرآن، وبايع تحتها الصحابة ﵃ رسول الله ﷺ فما حكمه فيما عداها؟ وأبلغ من ذلك: " أن رسول الله ﷺ هدم مسجد الضرار "، ففيه دليل على هدم المساجد التي أعظم فسادا منه، كالمبنية على القبور، وكذلك قبابها ; فتجب المبادرة إلى هدم ما لعن رسول الله ﷺ فاعله، والله يقيم لدينه من ينصره، ويذب عنه.
وكان بدمشق كثير من هذه الأنصاب، فيسر الله سبحانه كسرها، على يد شيخ الإسلام وحزب الله الموحدين؛ وكان العامة يقولون للشيء منها: إنه يقبل النذر، أي: يقبل العبادة من دون الله، فإن النذر عبادة، يتقرب بها الناذر، إلى المنذور له.
ولقد أنكر السلف التمسح بحجر المقام، الذي أمر الله أن يتخذ منه مصلى، قال قتادة في الآية: إنما أمروا أن يصلوا عنده، ولم يؤمروا بمسحه، ولقد تكلفت هذه الأمة
стр. 417
شيئا ما تكلفته الأمم قبلها، ذكر لنا من رأى أثر أصابعه، فما زالت هذه الأمة تمسحه، حتى اخلولق. وأعظم من الفتنة بهذه الأنصاب، فتنة أصحاب القبور، وهي: أصل فتنة عبادة الأصنام، كما ذكر الله في سورة نوح، في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً﴾ الآية [سورة نوح آية: ٢٣] ، ذكر السلف في تفسيرها: أن هؤلاء أسماء رجال صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم. وتعظيم الصالحين إنما هو باتباع ما دعوا إليه، دون اتخاذ قبورهم أعيادا وأوثانا، فأعرضوا عن المشروع، واشتغلوا بالبدع.
ومن أصغى إلى كلامه، وتفهمه أغناه عن البدع، والآراء؛ ومن بعد عنه، فلا بد أن يتعوض بما لا ينفعه، كما أن من عمر قلبه بمحبة الله وخشيته، والتوكل عليه، أغناه عن محبة غيره، وخشيته، والتوكل عليه. فالمعرض عن التوحيد: مشرك، شاء أم أبى؛ والمعرض عن السنة مبتدع، شاء أم أبى؛ والمعرض عن محبة الله، عابد الصور، شاء أم أبى.
وهذه الأمور المبتدعة عند القبور، أنواع:
أبعدها عن الشرع: أن يسأل الميت حاجته، كما يفعله كثير، وهؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت، كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر،
стр. 418
وتقبيله، والتمسح به.
النوع الثاني: أن يسأل الله به، وهذا يفعله كثير من المتأخرين، وهو: بدعة إجماعا.
النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب، وأنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد القبر لذلك، فهذا أيضا من المنكرات إجماعا، وما علمت فيه نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعله.
وبالجملة: فأكثر أهل الأرض، مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص منهم، إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم. وعبادتها في الأرض، من قبل نوح، وهياكلها، ووقوفها، وسدنتها، وحجابها، والكتب المصنفة في عبادتها، طبق الأرض، قال إمام الحنفاء ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥] ، وكفى في معرفة أنهم أكفر أهل الأرض ما صح عن النبي ﷺ : " أن بعث النار من كل ألف: تسعمائة وتسعة وتسعون " ١، وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً﴾ [سورة الإسراء آية: ٨٩] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] . ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة، لما أقدم عبادها ببذل نفوسهم وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع إخوانهم وما حل بهم، ولا يزيدهم ذلك إلا حبا وتعظيما، ويوصي بعضهم بعضا بالصبر عليها، انتهى كلام الشيخ، ﵀، ملخصا.
стр. 419
وقال الشيخ تقي الدين في: الرسالة السنية، لما ذكر حديث الخوارج، ومروقهم من الدين، وأمره ﷺ بقتالهم، قال: فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام والسنة، وقد مرق منه، مع عبادته العظيمة، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق أيضا من الإسلام، وذلك بأسباب، منها: الغلو الذي ذمه الله في كتابه، حيث قال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ الآية [سورة النساء آية: ١٧١] ; (وعلي بن أبي طالب، ﵁ حرق الغالين من الرافضة، وأمر بأخاديد خدت لهم، عند باب كندة، فقذفهم فيها، واتفق الصحابة على قتلهم، لكن ابن عباس ﵄، مذهبه: أن يقتلوا بالسيف، بلا تحريق) ، وهو قول أكثر العلماء، وقصصهم معروفة عند العلماء، وكذلك الغلو في بعض المشايخ، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح، ونحوه.
فكل من غلا في نبي، أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان، انصرني، أو أغثني، أو ارزقني، أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال، فكل هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل ; فإن الله إنما أرسل الرسل، وأنزل الكتب، ليعبد وحده، لا يجعل معه إلها آخر، والذين يدعون مع الله آلهة أخرى، مثل المسيح، والملائكة، والأصنام، لم
стр. 420
يكونوا يعتقدون أنها تخلق الخلائق، أو تنَزل المطر، أو تنبت النبات، وإنما كانوا يعبدونهم، أو يعبدون قبورهم، أو صورهم، يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] ؛ فبعث الله رسوله ينهى أن يدعى أحد من دونه، لا دعاء عبادة، ولا دعاء استغاثة.
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية [سورة الإسراء آية: ٥٦] .
قال طائفة من السلف: كان أقوام يدعون المسيح، وعزيرا ... إلى أن قال: وعبادة الله هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [سورة النحل آية: ٣٦] . وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] . وكان النبي ﷺ يحقق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى إنه لما " قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: أجعلتني لله ندا؟! قل: ما شاء الله وحده " ١، ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: " من حلف بغير الله فقد أشرك " ٢، وقال في مرض موته:
стр. 421
" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا " ١، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٢. ولهذا اتفق أئمة الإسلام، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك؛ لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء: على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأن التقبيل والاستلام، إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . ولهذا كانت كلمة التوحيد، أفضل الكلام ; وأعظم آية في القرآن: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال ﷺ : " من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٣. والإله، هو: الذي تألهه القلوب، عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية، وإجلالا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل أول كلامه، وآخره؟ وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا، مثل أن يقول: يا سيدي أغثني، ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، تجده صريحا في تكفير أهل الشرك، وقتلهم بعد الاستتابة، وإقامة الحجة عليهم، وأن من
стр. 422
غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو: المألوه، الذي يألهه القلب، أي: يقصده بالعبادة، والدعوة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة، والتقرب عند الله، لأنه بين أن هذا هو مطلوب المشركين الأولين، فاستدل على ذلك، بالآيات الصريحات، القاطعات ; والله أعلم.
وقال رحمه الله تعالى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٣] : ظاهره: أن ما ذبح لغير الله، سواء لفظ به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله تعالى، كان أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستغاثة بغير الله، فلو ذبح لغير الله، متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة، وغيرها، من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ ﵀.
فتأمل- رحمك الله- هذا الكلام، وتصريحه فيه: بأن من ذبح لغير الله، من هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح
стр. 423
ذبيحته، لأنه يجتمع فيه مانعان
الأول: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع.
الثاني: أنها مما أهل لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٥] ، وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها، من الذبح للجن، والله أعلم.
فصل: (أنواع الشرك)
وقال ابن القيم- ﵀ في: شرح المنازل، في: باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر، وأصغر. فالأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو: أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم، أعظم من محبة الله، ويغضبون لها، ولا يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين؛ وقد شاهدنا هذا، نحن وغيرنا منهم جهرة. وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله، على لسانه، إن قام، وإن قعد، وإن عثر، وإن مرض، وإن استوحش؛ وهو: لا يذكر إلا ذاك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده وهكذا كان عباد الأصنام، سواء.
وهذا القدر، هو: الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون، بحسب آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر، قال تعالى حاكيا عن
стр. 424
أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٣] . فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين، وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك.
وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] . والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثا، وهذا الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية "، وهذا لأن من لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر
стр. 425
الرجل بمحض الإيمان، وتجريده التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول، ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة، وقلب حي، يرى ذلك عيانا، والله المستعان.
ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، لأن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى: لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك، بسبب يمنع الإذن.
والميت محتاج إلى من يدعو له، كما " أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين: أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية، والمغفرة " فعكس هذا المشركون، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقيص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق وأولياءه الموحدين، بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به.
وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم، حيث قال: