" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا " ١، وقال: " اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد " ٢. ولهذا اتفق أئمة الإسلام، على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا الصلاة عندها، وذلك؛ لأن من أكبر أسباب عبادة الأوثان، كان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء: على أن من سلم على النبي ﷺ عند قبره، أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها، لأن التقبيل والاستلام، إنما يكون لأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق.
كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملا إلا به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . وقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] . ولهذا كانت كلمة التوحيد، أفضل الكلام ; وأعظم آية في القرآن: آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٥٥] . وقال ﷺ : " من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، دخل الجنة " ٣. والإله، هو: الذي تألهه القلوب، عبادة له، واستعانة به، ورجاء له، وخشية، وإجلالا. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل أول كلامه، وآخره؟ وتأمل كلامه فيمن دعا نبيا أو وليا، مثل أن يقول: يا سيدي أغثني، ونحوه، أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، تجده صريحا في تكفير أهل الشرك، وقتلهم بعد الاستتابة، وإقامة الحجة عليهم، وأن من
стр. 422
غلا في نبي أو رجل صالح، وجعل فيه نوعا من الإلهية، فقد اتخذه إلها مع الله، لأن الإله هو: المألوه، الذي يألهه القلب، أي: يقصده بالعبادة، والدعوة، والخشية، والإجلال، والتعظيم، وإن زعم أنه لا يريد إلا الشفاعة، والتقرب عند الله، لأنه بين أن هذا هو مطلوب المشركين الأولين، فاستدل على ذلك، بالآيات الصريحات، القاطعات ; والله أعلم.
وقال رحمه الله تعالى، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة آية: ١٧٣] : ظاهره: أن ما ذبح لغير الله، سواء لفظ به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبحه للحم، وقال فيه: باسم المسيح، ونحوه، كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله تعالى، كان أزكى مما ذبحناه للحم، وقلنا عليه: بسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة، والنسك له، أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفرا من الاستغاثة بغير الله، فلو ذبح لغير الله، متقربا إليه لحرم، وإن قال فيه: بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء لا تباح ذبائحهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة، وغيرها، من الذبح للجن. انتهى كلام الشيخ ﵀.
فتأمل- رحمك الله- هذا الكلام، وتصريحه فيه: بأن من ذبح لغير الله، من هذه الأمة، فهو كافر مرتد، لا تباح
стр. 423
ذبيحته، لأنه يجتمع فيه مانعان
الأول: أنها ذبيحة مرتد، وذبيحة المرتد لا تباح بالإجماع.
الثاني: أنها مما أهل لغير الله، وقد حرم الله ذلك في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [سورة الأنعام آية: ١٤٥] ، وتأمل قوله: ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها، من الذبح للجن، والله أعلم.
فصل: (أنواع الشرك)
وقال ابن القيم- ﵀ في: شرح المنازل، في: باب التوبة: وأما الشرك فهو نوعان: أكبر، وأصغر. فالأكبر: لا يغفره الله إلا بالتوبة، وهو: أن يتخذ من دون الله ندا، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم، أعظم من محبة الله، ويغضبون لها، ولا يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين؛ وقد شاهدنا هذا، نحن وغيرنا منهم جهرة. وترى أحدهم قد اتخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله، على لسانه، إن قام، وإن قعد، وإن عثر، وإن مرض، وإن استوحش؛ وهو: لا يذكر إلا ذاك، ويزعم أنه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده وهكذا كان عباد الأصنام، سواء.
وهذا القدر، هو: الذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون، بحسب آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتخذها من البشر، قال تعالى حاكيا عن
стр. 424
أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية [سورة الزمر آية: ٣] . فهذه حال من اتخذ من دون الله وليا يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من تخلص من هذا، بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين، وسلفهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك.
وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها لله، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سورة سبأ آية: ٢٢] . والقرآن مملوء من أمثال هذه الآية، ولكن أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثا، وهذا الذي يحول بين المرء وبين فهم القرآن، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: " إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية "، وهذا لأن من لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وذمه، وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر
стр. 425
الرجل بمحض الإيمان، وتجريده التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول، ومفارقة الأهواء والبدع. ومن له بصيرة، وقلب حي، يرى ذلك عيانا، والله المستعان.
ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم، لأن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فضلا لمن استغاث به وسأله أن يشفع له إلى الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عنده، فإن الله تعالى: لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، والله لم يجعل سؤال غيره سببا لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد، فجاء هذا المشرك، بسبب يمنع الإذن.
والميت محتاج إلى من يدعو له، كما " أوصانا النبي ﷺ إذا زرنا قبور المسلمين: أن نترحم عليهم، ونسأل لهم العافية، والمغفرة " فعكس هذا المشركون، وزاروهم زيارة العبادة، وجعلوا قبورهم أوثانا تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود، وتغيير دينه، ومعاداة أهل التوحيد، ونسبتهم إلى تنقيص الأموات، وهم قد تنقصوا الخالق وأولياءه الموحدين، بذمهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص، إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به.
وهؤلاء أعداء الرسل في كل زمان ومكان، وما أكثر المستجيبين لهم، ولله در خليله إبراهيم، حيث قال:
стр. 426
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [سورة إبراهيم آية: ٣٥-٣٦] . وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من جرد توحيده لله، وتقرب بمقتهم إلى الله تعالى انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل رحمك الله كلام هذا الإمام، وتصريحه بأن من دعا الموتى وتوجه إليهم، واستغاث بهم، ليشفعوا له عند الله، فقد فعل الشرك الأكبر، الذي بعث الله محمدا ﷺ بإنكاره، وتكفير من لم يتب منه، وقتاله ومعاداته، وأن هذا قد وقع في زمانه، وأنهم غيروا دين الرسول ﷺ وعادوا أهل التوحيد، الذين يأمرونهم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له.
وتأمل قوله أيضا، وما أعز من تخلص من هذا! بل ما أعز من لا يعادي من أنكره! يتبين لك الأمر إن شاء الله تعالى، ولكن تأمل أرشدك الله، قوله: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر، إلا من عادى المشركين ... إلى آخره، يتبين لك أن الإسلام لا يستقيم إلا بمعاداة أهل هذا الشرك، فإن لم يعادهم، فهو منهم، وإن لم يفعله ; والله أعلم.
وقال ﵀، في كتاب: زاد المعاد، في هدى خير العباد، في الكلام على غزوة الطائف، وما فيها من الفقه، قال فيها:
إنه لا يجوز إبقاء مواضع الشرك والطواغيت بعد
стр. 427
القدرة على هدمها وإبطالها يوما واحدا، فإنها من شعائر الكفر والشرك، وهي أعظم المنكرات، فلا يجوز الإقرار عليها، مع القدرة، البتة، وهكذا حكم المشاهد، التي بنيت على القبور، التي اتخذت أوثانا، وطواغيت، تعبد من دون الله، والأحجار التي تقصد للتعظيم، وللتبرك، والتقبيل، لا يجوز إبقاء شيء منها على وجه الأرض، مع القدرة على إزالته، وكثير منها بمنْزلة اللات، والعزى، ومناة، الثالثة الأخرى، أو أعظم شركا عندها، وبها، والله المستعان.
ولم يكن أحد من أرباب هذه الطواغيت يعتقد أنها تخلق، وترزق، وتحيي، وتميت، وإنما كانوا يفعلون عندها، وبها، ما يفعله إخوانهم من المشركين اليوم، عند طواغيتهم، فاتبع هؤلاء سنن من كان قبلهم، حذو القذة بالقذة، وأخذوا مأخذهم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع. وغلب الشرك على أكثر النفوس، لظهور الجهل، وخفاء العلم، وصار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ في ذلك الصغير، وهرم عليه الكبير، وطمست الأعلام، واشتدت غربة الإسلام، وقل العلماء، وغلبت السفهاء، وتفاقم الأمر، واشتد البأس، وظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. ولكن لا تزال طائفة من الأمة المحمدية قائمين، ولأهل الشرك والبدع مجاهدين، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.
стр. 428
(حكم قتال الطائفة الممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة)
وقال الشيخ تقي الدين لما سئل عن قتال التتار، مع تمسكهم بالشهادتين، ولما زعموا من اتباع أصل الإسلام: كل طائفة ممتنعة عن التزام شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة، من هؤلاء القوم وغيرهم، فإنه يجب قتالهم، حتى يلتزموا شرائعه، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ملتزمين بعض شرائعه، كما " قاتل أبو بكر والصحابة ﵃: مانعي الزكاة "، وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم، بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر ﵄.
واتفق الصحابة ﵃ جميعا، على القتال على حقوق الإسلام، عملا بالكتاب والسنة، وكذلك ثبت عن النبي ﷺ من عشرة أوجه: الحديث عن الخوارج، والأمر بقتالهم، وأخبر أنهم شر الخلق والخليقة، مع قوله: " تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم " ١، فعلم: أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال فالقتال واجب حتى يكون الدين كله لله، وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله، فالقتال واجب.
فأيما طائفة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات، أو الصيام، أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء، أو
стр. 429
الأموال، أو الخمر، أو الزنى، أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من التزام واجبات الدين ومحرماته، التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، الذي يكفر الواحد بجحودها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها، وإن كانت مقرة بها؛ وهذا مما لا أعلم فيه خلافا بين العلماء.
وإنما اختلف الفقهاء: في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن، كركعتي الفجر، أو الأذان، أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها، ونحو ذلك من الشعائر، فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات، والمحرمات المذكورة ونحوها، فلا خلاف في القتال عليها.
وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، كأهل الشام مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، فإن أولئك خارجون عن طاعة إمام معين، أو خارجون عليه لإزالة ولايته، وأما المذكورون: فهم خارجون عن الإسلام، بمنْزلة مانعي الزكاة، أو بمنْزلة الخوارج الذين قاتلهم علي ﵁؛ ولهذا: افترقت سيرته ﵁ في قتاله لأهل البصرة، وأهل الشام; وفي قتاله لأهل النهروان، فكانت سيرته مع البصريين، والشاميين سيرة الأخ مع أخيه، ومع
стр. 430
الخوارج، بخلاف ذلك وثبتت النصوص عن النبي ﷺ بما استقر عليه إجماع الصحابة، من قتال الصديق لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
فتأمل رحمك الله تصريح هذا الإمام، في هذه الفتوى، بأن من امتنع من شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة، كالصلوات الخمس، أو الزكاة، أو الحج; أو ترك المحرمات، كالزنى، أو تحريم الدماء، أو الأموال، أو شرب الخمر، أو المنكرات، وغير ذلك، أنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك، حتى يكون الدين كله لله، ويلتزموا شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، ملتزمين بعض شرائع الإسلام؛ وأن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف، من الصحابة فمن بعدهم، وإن ذلك عمل بالكتاب والسنة. فتبين لك أن مجرد الاعتصام بالإسلام، مع عدم التزام شرائعه، ليس بمسقط للقتال، وأنهم يقاتلون قتال كفر وخروج عن الإسلام، كما صرح به في آخر الفتوى بقوله: وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنْزلة البغاة الخارجين على الإمام، أو الخارجين عن طاعته، بل خارجون عن الإسلام، بمنْزلة مانعي الزكاة. انتهى، والله أعلم.
وقال في: الإقناع من كتب الحنابلة، التي تعتمد
стр. 431
عندهم في الفتوى: وأجمعوا: على وجوب قتل المرتد، فمن أشرك بالله تعالى، كفر بعد إسلامه، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [سورة النساء آية: ٤٨] ، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، كفر; لأن جاحد ذلك مشرك بالله تعالى ... إلى أن قال: قال الشيخ: أو كان مبغضا لرسوله، أو ما جاء به اتفاقا، أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا; لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام، قائلين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] .
فصل: (أنواع الكفر)
وأما كلام الحنفية، فقال في كتاب تبيين المحارم المذكورة في القرآن، باب: الكفر، وهو: الستر، وجحود الحق، إنكاره، وهو: أول ما ذكر في القرآن العظيم من المعاصي، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٦] . وهو أكبر الكبائر، فلا كبيرة فوق الكفر- إلى أن قال-: واعلم أنما يلزم به الكفر أنواع: نوع يتعلق بالله سبحانه; ونوع يتعلق بالقرآن، وسائر الكتب المنَزَّلة، ونوع يتعلق بنبينا ﷺ وسائر الأنبياء، والملائكة، والعلماء، ونوع يتعلق بالأحكام.
فأما ما يتعلق به سبحانه، إذا وصف الله سبحانه بما لا يليق به، بأن شبه الله سبحانه بشيء من المخلوقات، أو نفى صفاته، أو قال بالحلول، أو الاتحاد، أو معه قديم غيره، أو
стр. 432
معه مدبر مستقل غيره، أو اعتقد أنه سبحانه جسم، أو محدث، أو غير حي، أو اعتقد أنه لا يعلم الجزئيات، أو سخر باسم من أسمائه، أو أمر من أوامره، أو وعده، أو وعيده، أو أنكرهما، أو سجد لغير الله، أو سب الله سبحانه، أو ادعى أن له ولدا، أو صاحبة، أو أنه متولد منه شيء كائن عنه، أو أشرك بعبادته شيئا من خلقه، أو افترى على الله الكذب، بادعائه الإلهية، والرسالة- إلى أن قال-: وما أشبه ذلك، مما لا يليق به سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا، يكفر ١ بهذه الوجوه كلها، بالإجماع، لأجل سوء فعله عمدا، أو هزلا، ويقتل إن أصر على ذلك، فإن تاب تاب الله عليه، وسلم من القتل. انتهى كلامه بحروفه.
وقال الشيخ قاسم، في شرح الدرر: النذر الذي يقع من أكثر العوام، بأن يأتي إلى قبر بعض الصلحاء قائلا: يا سيدي فلان، إن رد غائبي، أو عوفي مريضي، أو قضيت حاجتي، فلك من الذهب، أو من الطعام، أو الشمع، كذا، باطل إجماعا، لوجوه:
منها: أن النذر لمخلوق لا يجوز، ومنها: أن ذلك كفر- إلى أن قال-: وقد ابتلى الناس بذلك، ولا سيما في مولد: أحمد البدوي. انتهى.
فصرح:
стр. 433
بأن هذا النذر كفر ; يكفر به المسلم، وصلى الله على محمد، وآله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليما كثيرا.
(جواب أسئلة وردت من الساحل الشرقي)
وقال أيضا الشيخ: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، رحمهم الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فقد وصلت إلينا الأسئلة، التي صدرت من جهة الساحل الشرقي، على يد الأخ: سعد البواردي.
السؤال الأول: قول الملحد المجادل في دين الله: إن الأمر الذي جاء به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، مذهب خامس، وغش للأمة، فهل يكون هذا القائل سنيا، أو مبتدعا؟
فالجواب وبالله التوفيق: هذا القائل إنما تدل مقالته هذه، على أنه من أجهل خلق الله في دين الله، وأبعدهم عن الإسلام، وأبينهم ضلالة، فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀، إنما دعا الناس إلى أن يعبدوا الله وحده، ولا يشركوا به شيئا ; وهذا لا يرتاب فيه مسلم، أنه دين الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
стр. 434
وقوله: مذهب خامس، يبين جهله، وأنه لا يعرف العلم، ولا العلماء، فإن الذي قام به شيخ الإسلام لا يقال له مذهب، وإنما يقال له دين وملة؛ فإن التوحيد هو دين الله، وملة خليله إبراهيم، ودين جميع الأنبياء والمرسلين، وهو الإسلام الذي بعث به محمد ﷺ وأجمع عليه علماء الأمة سلفا وخلفا، ولا يخالف في هذا إلا من هو مشرك، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ٣] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة آية: ٥] فسماه الله تعالى في هاتين الآيتين وغيرهما من آي القرآن دينا، ولم يسمه مذهبا.
وأما ما جرى على ألسن العلماء، من قولهم: مذهب فلان، أو ذهب إليه فلان، فإنما يقع في الأحكام، لاختلافهم بحسب بلوغ الأدلة، وفهمها، وهذا لا يختص بالأئمة الأربعة ﵏، بل مذاهب العلماء قبلهم، وبعدهم في الأحكام كثيرة؛ فقد جرى الخلاف بين الصحابة ﵃ فللصديق ﵁ مذهب انفرد به، ولابن مسعود كذلك، وكذا ابن عباس، وغيرهم من الصحابة، وكذلك الفقهاء السبعة من التابعين، وخالف بعضهم بعضا في مسائل، وغيرهم من التابعين كذلك.
وبعدهم أئمة الأمصار، كالأوزاعي إمام أهل الشام، والليث بن سعد إمام أهل مصر، وسفيان بن عيينة، والثوري،
стр. 435
إماما أهل العراق، فلكل مذهب معروف في الكتب المصنفة في اختلاف العلماء، ومثلهم الأئمة الأربعة. وجاء بعدهم أئمة مجتهدون، وخالفوا الأئمة الأربعة في مسائل معروفة عند العلماء، كأهل الظاهر؛ ولذلك تجد من صنف في مسائل الخلاف، إذا عنى الأئمة الأربعة، قال: اتفقوا، وفي مسائل الإجماع، التي أجمع عليها العلماء سلفا وخلفا، يقول: أجمعوا.
وذكر المذهب لا يختص بأهل السنة من الصحابة فمن بعدهم، فإن بعض أهل البدع صنفوا لهم مذهبا في الأحكام، يذكرونه عن أئمتهم، كالزيدية لهم كتب معروفة يفتي بها بعض أهل اليمن، والإمامية الرافضة لهم مذهب مدون خالفوا في كثير منه أهل السنة والجماعة. والمقصود: أن قول هذا الجاهل: مذهب خامس، قول فاسد، لا معنى له، كحال أمثاله من أهل الجدل والزيغ في زماننا، شعرا:
يقولون أقوالا ولا يعرفونها وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا
وأما قوله: وغش الأمة، فهذا الجاهل الضال بنى هذا القيل الكاذب على سوء فهمه، وانصرافه عن دين الإسلام، لأنه عدو لمن قام به، ودعا إليه، وعمل به، ومن المعلوم عند العقلاء وأهل البصائر أن من دعا الناس إلى توحيد ربهم وطاعته، أنه الناصح لهم حقا. وأما من حسن الشرك والبدع، ودعا إليها، وجادل بالباطل، وألحد في أسماء الله وصفاته، فهو الظالم، الغاش، لعباد الله، لأنه
стр. 436
يدعوهم إلى ضلالة، نعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
ونذكر ما قام به الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى: فإنه قد نشأ في أناس قد اندرست فيهم معالم الدين، ووقع فيهم من الشرك، والبدع، ما عم وطم في كثير من البلاد، إلا بقايا متمسكين بالدين، يعلمهم الله تعالى، وأما الأكثرون فعاد المعروف بينهم منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير.
ففتح الله بصيرة شيخ الإسلام، بتوحيد الله، الذي بعث الله به رسله وأنبياءه، فعرف الناس ما في كتاب ربهم من أدلة توحيده الذي خلقهم له، وما حرمه الله عليهم من الشرك الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه، فقال لهم، ما قال المرسلون لأممهم، أن: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [سورة الأعراف آية: ٥٩] .
فحجب كثيرا منهم عن قبول هذه الدعوة، ما اعتادوه ونشؤوا عليه، من الشرك والبدع، فنصبوا العداوة لمن دعاهم إلى توحيد ربهم وطاعته، وهو شيخنا ﵀ ومن استجاب له وقبل دعوته، وأصغى إلى حجج الله وبيناته، كحال من خلا من أعداء الرسل، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً﴾ [سورة الفرقان آية: ٣١] .
стр. 437
وأدلة ما دعا إليه هذا الشيخ ﵀ من التوحيد، في الكتاب، والسنة أظهر شيء وأبينه.
اقرأ كتاب الله من أوله إلى آخره تجد بيان التوحيد والأمر به، وبيان الشرك والنهي عنه، مقررا في كل سورة، وفي كثير من سور القرآن يقرره في مواضع منها، يعلم ذلك من له بصيرة وتدبر. ففي فاتحة الكتاب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٢] نوعا التوحيد: توحيد الألوهية، وتوحيد الربوبية، وفي: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [سورة الفاتحة آية: ٥] النوعان، وقصر العبادة، والاستعانة على الله أي: لا نعبد غيرك، ولا نستعين إلا بك.
وأول أمر في القرآن يقرع سمع السامع والمستمع، قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢١] إلى قوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ٢٢] : فأمرهم بتوحيد الإلهية، واستدل عليه بالربوبية، ونهاهم عن الشرك به، وأمرهم بخلع الأنداد، التي يعبدها المشركون من دون الله.
وافتتح سبحانه كثيرا من سور القرآن بهذا التوحيد: ﴿الم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [١سورة آل عمران آية: ١-٢] : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١] إلى قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ﴾ [سورة الأنعام آية: ٣] أي: المألوه،
стр. 438
المعبود في السماوات، والمألوه المعبود في الأرض ; وفي هذه السورة، من أدلة التوحيد، ما لا يحصر، وفيها من بيان الشرك والنهي عنه، كذلك.
وافتتح سورة هود بهذا التوحيد، فقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ اللهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ فأحكم تعالى آيات القرآن، ثم فصلها، ببيان توحيده، والنهي عن الإشراك به، وفي أول: سورة طه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [سورة طه آية: ٨] وافتتح، سورة الصافات بهذا التوحيد، وأقسم عليه، فقال: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [سورة الصافات آية: ١-٢-٣] وافتتح، سورة: الزمر، بقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [سورة الزمر آية: ١-٢-٣] وفي هذه السورة من بيان التوحيد والأمر به، وبيان الشرك والنهي عنه، ما يستضيء به قلب المؤمن. وفي السورة بعدها كذلك، وفي سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ١] نفي الشرك في العبادة، في قوله تعالى: ﴿لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [سورة الكافرون آية: ٢] إلى آخرها، وفي سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [سورة الإخلاص آية: ١] توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات؛ وهذا ظاهر لمن نور الله قلبه.
стр. 439
وفي خاتمة المصحف ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ﴾ [سورة الناس آية: ١-٢-٣] بين أن ربهم وخالقهم ورازقهم، هو المتصرف فيهم بمشيئته، وإرادته، وهو ملكهم الذي نواصي الملوك، وجميع الخلق في قبضته: يعز هذا ويذل هذا، ويهدي من يشاء ويضل من يشاء، ﴿لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [سورة الرعد آية: ٤١] وهو: معبودهم، الذي لا يستحق أن يعبد سواه، فهذه إشارة إلى ما في القرآن.
وأما السنة: ففيها من أدلة التوحيد، ما لا يمكن حصره، كقوله في حديث معاذ الذي في الصحيحين: " فإن حق الله على العباد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا " ١ وفي حديث ابن مسعود الصحيح: " من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار " ٢ والحديث الذي في معجم الطبراني: " إنه لا يستغاث بي، وإنما يستغاث بالله " ولما " قال له رجل: ما شاء الله وشئت؟ قال: أجعلتني لله ندا؟! بل ما شاء الله وحده " ٣ وأمثال هذا لا يحصى، كما تقدم ذكره ; وأدلة التوحيد، في الكتاب، والسنة أبين من الشمس في نحر الظهيرة، لكن لمن له فهم ثاقب، وعقل كامل، وبصر ناقد؛ وأما الأعمى فلا يبصر للشمس ضياء، ولا للقمر نورا.
ثم إن شيخنا ﵀، كان يدعو الناس إلى الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، حيث ينادى لها، وهذا من سنن الهدى، ومعالم الدين، كما دل على ذلك الكتاب
стр. 440
والسنة، ويأمر بالزكاة، والصيام، والحج، ويأمر بالمعروف ويأتيه، ويأمر الناس أن يأتوه ويأمروا به، وينهى عن المنكر ويتركه، ويأمر الناس بتركه والنهي عنه.
وقد تتبع العلماء مصنفاته، ﵀ من أهل زمانه وغيرهم- فأعجزهم أن يجدوا فيها ما يعاب. وأقواله في أصول الدين مما أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وأما في الفروع والأحكام فهو حنبلي المذهب، لا يوجد له قول مخالف، لما ذهب إليه الأئمة الأربعة; بل ولا خرج عن أقوال أئمة مذهبه، على أن الحق لم يكن محصورا في المذاهب الأربعة، كما تقدم، ولو كان الحق محصورا فيهم لما كان لذكر المصنفين في الخلاف، وأقوال الصحابة، والتابعين ومن بعدهم، مما خرج عن أقوال الأربعة فائدة.
والحاصل: أن هذا المعترض المجادل، مع جهله، انعكس عليه أمره، فقبل قلبه ما كان منكرا، ورد ما كان معروفا، فأعداء الحق، وأهله، من زمن قوم نوح، إلى أن تقوم الساعة، هذه حالهم، وطريقتهم. فمن حكمة الرب تعالى: أنه ابتلى عباده المؤمنين، الذين يدعون الناس إلى ما دعا إليه النبي ﷺ من الدين، بثلاثة أصناف من الناس، وكل صنف له أتباع:
الصنف الأول: من عرف الحق، فعاداه حسدا
стр. 441
وبغيا كاليهود، فإنهم أعداء الرسول والمؤمنين، كما قال تعالى: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة البقرة آية: ٩٠] وقال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٤٦] .
الصنف الثاني: الرؤساء، أهل الأموال، الذين فتنتهم دنياهم وشهواتهم، لما يعلمون أن الحق يمنعهم من كثير مما أحبوه وألفوه من شهوات الغي، فلم يعبؤوا بداعي الحق، ولم يقبلوا منه.
الصنف الثالث: الذين نشؤوا في باطل، وجدوا عليه أسلافهم، يظنون أنهم على حق، وهم على الباطل، فهؤلاء لم يعرفوا إلا ما نشؤوا عليه ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ [سورة الكهف آية: ١٠٤] .
وكل هذه الأصناف الثلاثة وأتباعهم، هم أعداء الحق، من زمن نوح إلى أن تقوم الساعة، فأما الصنف الأول: فقد عرفت ما قال الله فيهم. وأما الصنف الثاني: فقد قال الله فيهم: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة القصص آية: ٥٠] . وقال عن الصنف الثالث: ﴿بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [سورة الشعراء آية: ٧٤]
стр. 442
﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف آية: ٢٢] وقال: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ [سورة آية: ٦٩-٧٠] . وهؤلاء هم الأكثرون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ﴾ [سورة الصافات آية: ٧١] وقال تعالى في سورة الشعراء، عقب كل قصة: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الشعراء آية: ٨-٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يوسف آية: ١٠٣] .
وقال في قصة نوح ﵇: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ﴾ [سورة هود آية: ٤٠] وقال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [سورة الأنعام آية: ١١٦] .
فيا من نصح نفسه تدبر ما ذكر الله تعالى في كتابه، من ضلال الأكثرين، لئلا تغتر بالكثرة من المنحرفين عن الصراط المستقيم الذي هو سبيل المؤمنين، وتدبر ما ذكر الله من أحوال أعداء المرسلين، وما فعل الله بهم، قال تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلاَّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾ [سورة غافر آية: ٤-٥] الآية وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [سورة غافر آية: ٨٣] .
стр. 443
والآيات في هذا المعنى تبين أن أهل الحق أتباع الرسل، هم الأقلون عددا، الأعظمون عند الله قدرا; وأن أعداء الحق هم الأكثرون في كل مكان وزمان، حكمة بالغة; وفي الأحاديث الصحيحة ما يرشد إلى ذلك، كما في الصحيح: " أن ورقة بن نوفل، قال للنبي ﷺ يا ليتني كنت فيها جذعا، ليتني أكون حيا، إذ يخرجك قومك، قال: " أومخرجي هم؟ " قال: نعم، لم يأت أحد قط، بمثل ما جئت به، إلا عودي " ١.
فإذا كان هذا حال أكثر الخلق مع المرسلين، مع قوة عقولهم، وفهومهم، وعلومهم، فلا تعجب مما جرى في هذه الأوقات، ممن هو مثلهم، في عداوة الحق، وأهله، والصد عن سبيل الله، مع ما في أهل هذه الأزمان من الرعونات، والجهل، وفرط الغلو في الأموات، كما قال تعالى عن أسلافهم، وأشباههم: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠-٢٢] .
فاحتج على بطلان دعوتهم غيره، بأمور:
منها: أنهم ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٠] ، فالمخلوق لا يصلح أن يقصد بشيء من خصائص الإلهية، لا دعاء، ولا غيره، و " الدعاء مخ العبادة " ٢.
الثاني: كون الذين يدعونهم من دون الله ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾
стр. 444
[سورة النحل آية: ٢١] .
والميت لا يقدر على شيء، فلا يسمع الداعي، ولا يستجيب، ففيها معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [سورة آية: ١٣-١٤] وفي هذه الآية أربعة أمور تبطل دعوة غير الله، وتبين ضلال من دعا غير الله، فتدبرها.
والأمر الثالث في هذه الآية: قوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢١] ، ومن لا يدري متى يبعث، لا يصلح أن يدعى من دون الله، لا دعاء عبادة، ولا دعاء مسألة، ثم بين تعالى ما أوجبه على عباده من إخلاص العبادة له، وأنه هو المألوه المعبود دون كل من سواه، فقال: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [سورة البقرة آية: ١٦٣] وهذا هو الدين الذي بعث الله به رسله، وأنزل به كتبه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [سورة الأنبياء آية: ٢٥] .
ثم بين تعالى حال أكثر الناس، مع قيام الحجة عليهم، وبطلان ما هم عليه من الشرك بالله، وبيان ما افترضه عليهم من توحيده، فقال: ﴿فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٢٢] فذكر سببين حائلين بينهم وبين قبول الحق الذي دعوا إليه:
فالأول: عدم الإيمان باليوم الآخر.
والثاني: التكبر، وهو حال الأكثرين، كما قد عرف من حال الأمم الذين بعث الله إليهم رسله، كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح وغيرهم، وكيف جرى
стр. 445
منهم، وما حل بهم، وكحال كفار قريش، والعرب، وغيرهم، مع النبي ﷺ لما بعثه الله بالتوحيد، والنهي عن الشرك، والتنديد، فقد روى مسلم، وغيره، من حديث عمرو بن عبسة، أنه قال للنبي ﷺ لما قال له: " أنا نبي". فقال: "وما نبي؟ قال: أرسلني الله. قال: بأي شيء أرسلك؟ قال: بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله لا يشرك به شيئا. قال: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد. ومعه يومئذ: أبو بكر، وبلال " ١.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون إذا فسد الناس " ٢ وفسر الغرباء بأنهم: النّزاع من القبائل، فلا يقبل الحق من القبيلة إلا نزيعة، الواحد والاثنان؛ ولهذا قال بعض السلف: " لا تستوحش من الحق لقلة السالكين، ولا تغتر بالباطل لكثرة الهالكين"! وعن بعضهم أنه قال: "ليس العجب ممن هلك كيف هلك، إنما العجب ممن نجا كيف نجا؟ "
فإذا كان الأمر كذلك، فلا تعجبوا من كثرة المنحرفين، الناكبين عن الحق المبين، المجادلين في أمر الدين، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [سورة غافر آية: ٣٥] .
فأعظم منة الله على من رزقه الله معرفة الحق: الاعتصام
стр. 446
بكتابه، والتمسك بتوحيده وشرعه، مع كثرة المخالف، والمجادل بالباطل ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ [سورة الكهف آية: ١٧] وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(الامتنان بإرسال الرسل وبمن يجدد أمر هذا الدين ويدعو إلى ما دعا إليه الرسول)
وله أيضا رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من عبد اللطيف بن عبد الرحمن، إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، سلمهم الله تعالى. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد: فموجب هذا والباعث عليه، هو: النصح الذي يجب علينا من حقكم، وقد قال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الذاريات آية: ٥٥] . فاذكروا ما من الله به عليكم، وخصكم به في هذا الزمان، من نعمة الدين، التي هي أشرف النعم وأجلها، وما حصل في ضمنها من المصالح التي لا تعد ولا تحصى.
وقد أخبر الله تعالى عن كليمه موسى ﵇ أنه ذكر قومه هذه النعمة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ [سورة المائدة آية: ٢٠] الآية، فذكرهم أولا بالنعمة العظمى، وهي أن جعل فيهم أنبياء، يرشدونهم إلى ما فيه صلاحهم، وفلاحهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة.
وقد امتن الله سبحانه على عباده في كتابه بهذه
стр. 447
النعمة، وذكرهم بها في مواضع، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة آل عمران آية: ١٦٤] ، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة آية: ٢] . وأخبر عن مراده فيما شرعه، من تحويل القبلة إلى بيته الحرام، وأن ذلك قد قصد به، وأراد إتمام نعمته، وليحصل لهم الاهتداء، وذكرهم عند ذلك هذه النعم، وأنه فعل ذلك، كما من عليهم قبل مبعث الرسول، فقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة البقرة آية: ١٥١] ، فبعث الأنبياء وإرسال الرسل هو الذي حصل به العلم النافع، والعمل الصالح، كمعرفة الله بصفات كماله، ونعوت جلاله، والاستدلال بآياته ومخلوقاته، والقيام له بما أوجب على خلقه من العبادة والتوحيد، والعمل بما يرضي الرب ويريد، فإن بهذا تحصل زكاة العبد، ونموه، وصلاحه، وفلاحه، وسعادته في الدنيا والآخرة.
وفي ضمن تعليم الكتاب والحكمة، من تفاصيل العلوم والأعمال، والمعارف والأمثال، الدالة على وحدانيته، وقدرته، ورحمته، وعدله، وفضله، وإعادته
стр. 448
لخلقه، وبعثه إياهم، ومجازاتهم على أعمالهم، وذكر أيامه في أنبيائه وأوليائه، وما فعل ويفعل بأعدائهم وأعدائه، وإخباره بإلحاق النظير بالنظير، والشبيه بالشبيه، والمثل بالمثل ما يوجب للعبد من العلم بالله، ومعرفة قدرته، وحكمته في أقداره، ومراده من شرعه، وخلقه، وغير ذلك من الأحكام الكلية والجزئية، ما لا يمكن حصره ولا استقصاؤه.
فما أنعم الله على أهل الأرض من نعمة، إلا وهي دون نعمة إرسال الرسل وبعث النبيين، خصوصا رسالة محمد ﷺ سيد ولد آدم، صاحب اللواء المعقود، والمقام المحمود، والحوض المورود؛ فإنه قد حصل برسالته، من عموم الرحمة لكافة العالمين، ومن السعادة، والفلاح، والتزكية، والهدى، والرشاد لمن اتبعه، ما لم يحصل مثله، ولا قريب منه، ببعث غيره من الأنبياء. فمن كان له، من قبول ما جاء به، والإيمان به، حظ ونصيب، فعليه من شكر الله على هذه النعمة وطاعته، وإدامة ذكره، والثناء بنعمه، ما ليس على من قل حظه، ونصيبه من ذلك.
وقد من الله عليكم، رحمكم الله، في هذا الزمان، الذي غلبت فيه الجهالات، وفشت بين أهله الضلالات، والتحق بغبر الفترات، من يجدد لكم أمر هذا الدين، ويدعو إلى ما جاء به الرسول الأمين، من الهدى الواضح المستبين،
стр. 449
وهو: شيخ الإسلام والمسلمين، ومجدد ما اندرس من معالم الملة والدين، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، فبصر الله به من العماية، وهدى بما دعا إليه من الضلالة، وأغنى بما فتح عليكم وعليه من العالة، وحصل من العلم، ما يستبعد على أمثالكم في العادة، حتى ظهرت المحجة البيضاء التي كان عليها صدر هذه الأمة وأئمتها في: باب توحيد الله بإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، والإيمان بقدره وحكمه في أفعاله، فإنه قرر ذلك.
وتصدى ﵀: للرد على من نكب عن هذا السبيل، واتبع سبيل التحريف والتعطيل، على اختلاف نحلهم وبدعهم، وتشعب مقالتهم وطرقهم، متبعا ﵀، ما مضى عليه السلف الصالح، من أهل العلم والإيمان، وما درج عليه القرون المفضلة، بنص الحديث، ولم يلتفت ﵀، إلى ما عدا ذلك، من قياس فلسفي، أو تعطيل جهمي، أو إلحاد حلولي أو اتحادي، أو تأويل معتزلي أو أشعري.
فوضح معتقد السلف الصالح، بعدما سفت عليه السوافي، وذرت عليه الذواري، وندر من يعرفه من أهل القرى والبوادي، إلا ما كان مع العامة من أصل الفطرة، فإنه قد يبقى ولو في زمن الغربة والفترة. وتصدى أيضا للدعوة إلى ما يقتضيه هذا التوحيد، ويستلزمه، وهو: وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما سواه من الأنداد، والآلهة، والبراءة من عبادة كل ما عبد من دون الله.
стр. 450
وقد: عمت في زمنه البلوى بعبادة الأولياء والصالحين وغيرهم، وأطبق على ترك الإسلام جمهور أهل البسيطة؛ وفي كل مصر من الأمصار، وبلد من البلدان، وجهة من الجهات، من الآلهة والأنداد لرب العالمين، ما لا يحصيه إلا الله، على اختلاف معبوداتهم، وتباين اعتقاداتهم: فمنهم من يعبد الكواكب، ويخاطبها بالحوائج، ويبخر لها التبخيرات، ويرى أنها تفيض عليه، أو على العالم، وتقضي لهم الحاجات، وتدفع عنهم البليات.
ومنهم من لا يرى ذلك، ويكفر أهله، ويتبرأ منهم، لكنه قد وقع في عبادة الأنبياء، والصالحين؛ فاعتقد أنه يستغاث بهم في الشدائد والملمات، وأنهم هم الواسطة في إجابة الدعوات، وتفريج الكربات، فتراه يصرف وجهه إليهم، ويسوي بينهم وبين الله في الحب والتعظيم، والتوكل والاعتماد، والدعاء والاستغاثة، وغير ذلك من أنواع العبادات. وهذا هو: دين جاهلية العرب الأميين، كما أن الأول هو دين الصابئة الكنعانيين.
وقد بعث الله محمدا ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون، وكانت العرب في وقته وزمن مبعثه معترفين لله بتوحيد الربوبية والأفعال، وكانوا على بقية من دين إبراهيم الخليل ﵇ ; قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ
стр. 451
الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ [سورة يونس آية: ٣١] .
وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٤-٨٥] إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [سورة المؤمنون آية: ٨٩] .
والآيات في المعنى كثيرة، ولكنهم أشركوا في توحيد العبادة والإلهية فاتخذوا الشفعاء والوسائط، من الملائكة والصالحين وغيرهم، وجعلوهم أندادا لله رب العالمين، فيما يستحقه عليهم من العبادات والإرادات، كالحب، والخضوع، والتعظيم، والإنابة، والخشية، وغير ذلك من أنواع العبادات، والطاعات، لأجل جاههم عند الله، والتماس شفاعتهم، لا اعتقاد التدبير والتأثير، كما ظنه بعض الجاهلين، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [سورة يونس آية: ١٨] الآية، وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ﴾ [سورة الزمر آية: ٤٣] ، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [سورة الزمر آية: ٣] الآية.
فنهاهم رسول الله ﷺ عن هذا، وكفر أهله، وجهلهم، وسفه أحلامهم، ودعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وبين أن مدلولها، الالتزام بعبادة الله وحده لا شريك له، والكفر بما يعبد من دون الله؛ وهذا هو أصل الدين وقاعدته، ولهذا، كانت هذه الكلمة كلمة الإسلام، ومفتاح دار
стр. 452
السلام، والفارقة بين الكافر والمؤمن من الأنام; ولها جردت السيوف وشرع الجهاد، وامتاز الخبيث من طيب العباد، وبها حقنت الدماء وعصمت الأموال.
وقد بلغ الشيطان مراده من أكثر الخلق، وصدق عليهم إبليس ظنه، فاتبعه الأكثرون، وتركوا ما جاءت به الرسل، من دين الله الذي ارتضاه لنفسه، وتلطف الشيطان في التحيل والمكر والمكيدة حتى أدخل الشرك، وعبادة الصالحين وغيرهم، على كثير ممن ينتسب إلى دين الإسلام في قالب محبة الصالحين والأنبياء، والتشفع بهم، وأن لهم جاها، ومنْزلة ينتفع بها من دعاهم، ولاذ بحماهم؛ وأن من أقر لله وحده بالتدبير، واعتقد له بالتأثير، والخلق، والرزق، فهو المسلم، ولو دعا غير الله، واستعاذ بغيره، ولاذ بحماه؛ وأن مجرد شهادة أن لا إله إلا الله تكفي مثل هذا، وإن لم يقارنها علم ولا عمل ينتفع به، وأن الدعاء والاستغاثة، والاستعانة، والحب، والتعظيم، ونحو ذلك، ليس بعبادة، وإنما العبادة السجود، والركوع، ونحو هذه الزخرفة، والمكيدة; وهذا بعينه هو الذي تقدمت حكايته عن جاهلية العرب.
وذكر المفسرون، وأهل التاريخ من أهل العلم، في سبب حدوث الشرك في قوم نوح، مثل هذه المكيدة، فإن ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، أسماء رجال
стр. 453
صالحين في قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا تماثيلهم، ويصوروا صورهم، ليكون ذلك أشوق إلى العبادة، وأنشط في الطاعة; فلما هلك من فعل هذا، أوحى الشيطان إلى من بعدهم أن أسلافهم كانوا يعبدونهم، وبهم يسقون المطر، فعبدوهم لذلك.
فأصل الشرك: هو تعظيم الصالحين بما لم يشرع. والغلو في ذلك، فأتاح الله بمنه، في هذه البلاد النجدية والجهات العربية، من أحبار الإسلام وعلمائه الأعلام من يكشف الشبهة، ويجلو الغمة، وينصح الأمة، ويدعو إلى محض الحق، وصريح الدين، الذي لا يخالطه، ولا يمازجه دين الجاهلية المشركين، فنافح عن دين الله، ودعا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وصنف الكتب والرسائل، وانتصب للرد على كل مبطل ومماحل، وعلم من لديه كيف يطلب العلم، وأين يطلب، وبأي شيء يقهر المشبه المجادل ويغلب; واجتمع له من عصابة الإسلام، والإيمان طائفة يأخذون عنه، وينتفعون بعلمه، وينصرون الله ورسوله، حتى ظهر واستنار ما دعا إليه، وأشرقت شموس ما عنده من العلم وما لديه، وعلت كلمة الله، حتى أعشى إشراقها وضوءها كل مبطل ومماحل، وذل لها كل منافق مجادل.
وحقق الله وعده لأوليائه وجنده، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾
стр. 454
[سورة غافر آية: ٥١] ،
وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [سورة النور آية: ٥٥] الآية فزال بحمد الله ما كان بنجد وما يليها، من القباب، والمشاهد، والمزارات، والمغارات ; وقطع الأشجار التي يتبرك بها العامة، وبعث السعاة لمحو آثار البدع الجاهلية، من الأوتار، والتعاليق، والشركيات.
وألزم بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت، وسائر الواجبات ; وحث من لديه من القضاة والمفتين، على تجريد المتابعة، لما صح وثبت عن سيد المرسلين، مع الاقتداء في ذلك بأئمة الدين، والسلف الصالح المهديين، وينهاهم عن ابتداع قول لم يسبقهم إليه إمام يقتدى به، أو علم يهتدى به.
وأنكر ما كان عليه الناس في تلك البلاد، وغيرها من تعظيم الموالد، والأعياد الجاهلية التي لم ينزل في تعظيمها سلطان، ولم يرد به حجة شرعية ولا برهان، لأن ذلك فيه من مشابهة النصارى الضالين، في أعيادهم الزمانية والمكانية، ما هو باطل مردود، في شرع سيد المرسلين.
وكذلك أنكر ما أحدثه جهلة المتصوفة، وضلال المبتدعة، من التدين، والتعبد، والمكاء، والتصدية، والأغاني التي صدهم بها الشيطان، عن سماع آيات القرآن،
стр. 455
وصاروا بها من أشباه عباد الأوثان، الذين قال الله فيهم: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [سورة الأنفال آية: ٣٥] . وكل من عرف ما جاء به الرسول ﷺ تبين له أن هؤلاء من أضل الفرق، وأخبثهم نحلة وطريقة، والغالب على كثير منهم النفاق، وكراهة سماع كلام الله ورسوله.
وأنكر ﵀، ما أحدثته العوام، والطغام من اعتقاد البركة والصلاح في أناس من الفجار والطواغيت الذين يترشحون لتأله العباد بهم، وصرف قلوبهم إليهم باسم الولاية والصلاح، وأن لهم كرامات ومقامات، ونحو هذا من الجهالات؛ فإن هؤلاء من أضر الناس على أديان العامة ; وأنكر ﵀ ما يعتقده العامة في البله والمجاذيب، وأشباههم الذين أحسن أحوال أحدهم أن يرفع عنه القلم، ويلحق بالمجانين.
وأرشد ﵀ إلى ما دل عليه الكتاب، وسنة رسول الله ﷺ من الفرقان، بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان وساق الأدلة الشرعية التي يتميز بها كل فريق، ويعتمدها أهل الإيمان والتحقيق، فإن الله جل ذكره وصف الأبرار، ونعتهم بما يمتازون به ويعرفون، بحيث لا يخفى حالهم، ولا يلتبس أمرهم، وكذلك وصف تعالى أولياء الشيطان من الكفار والفجار، ونعتهم بما لا يخفى معه حالهم، ولا يلتبس أمرهم على من له أدنى نظر في العلم، وحظ من الإيمان.
стр. 456
وكذلك قام بالنكير على أجلاف البوادي، وأمراء القرى والنواحي، فيما يتجاسرون عليه ويفعلونه من قطع السبيل، وسفك الدماء، ونهب الأموال المعصومة، حتى ظهر العدل واستقر، وفشا الدين واستمر، والتزمه كل من كانت عليه الولاية، من البلاد النجدية وغيرها، والحمد لله على ذلك ; والتذكير بهذا يدخل فيما امتن الله به على المؤمنين، وذكرهم به من بعث الأنبياء والرسل.
ومدار العبادة والتوحيد على ركنين عظيمين، هما: الحب، والتعظيم؛ وبمشاهدة النعمة يحصل ذلك، ويخبت القلب لطاعة من أنعم بها عليه، وكلما ازداد العبد علما بذلك، ومعرفة لحقيقة النعمة ومقدارها ازداد طاعة، ومحبة، وإنابة، وإخباتا، وتوكلا، ولذلك يذكر تعالى عباده بنعمه، الخاصة والعامة، وآلائه الظاهرة والباطنة، ويحث على التفكر في ذلك والتذكر; وأن يعقل العبد عن ربه، فيقوم بشكره، ويؤدي حقه.
ومبنى الشكر على ثلاثة أركان: معرفة النعمة وقدرها، والثناء بها على مسديها، واستعمالها في ما يحب موليها ومعطيها. فمن كملت له هذه الثلاثة، فقد استكمل الشكر، وكلما نقص العبد منها شيئا، فهو نقص في إيمانه وشكره، وقد لا يبقى من الشكر ما يعتد به ويثاب عليه.
والمقصود: أن الذكرى فيها من المصالح الدينية،
стр. 457
والشعب الإيمانية، ما هو أصل كل فلاح وخير، وبدأ في هذه الآية بأعظم النعم، وأجلها على الإطلاق، وهو: جعله الأنبياء فيهم، يخبرونهم عن الله، بما يحصل لهم به السعادة الكبرى، والمنة الجليلة العظمى؛ وكل خير حصل في الأرض من ذلك، فأصله مأخوذ عن الرسل والأنبياء، إذ هم الأئمة الدعاة الأمناء، وأهل العلم عليهم البلاغ، ونقل ذلك إلى الأمة، فإنهم واسطة في إبلاغ العلم، ونقله.
وأما قوله: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً﴾ [سورة المائدة آية: ٢٠] ، فهذه نعمة جليلة يجب شكرها، وتتعين رعايتها، فإنها من أفضل النعم، وأجلها. والشكر قيد النعمة، إن شكرت قرت; وإن كفرت فرت. ولم تحصل هذه النعمة، إلا باتباع الأنبياء، وطاعة الرسل، فإن بني إسرائيل إنما صاروا ملوك الأرض بعد فرعون وقومه، باتباع موسى، وطاعة الله ورسوله، والصبر على ذلك، قال تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [سورة الأعراف آية: ١٣٧] .
وقد حصل باتباع محمد ﷺ لمن آمن به من العرب، الأميين وغيرهم من أجناس الآدميين، من الملك وميراث الأرض، فوق ما حصل لبني إسرائيل، فإنهم ملكوا الدنيا، من أقصى المغرب، إلى أقصى المشرق ; وحملت إليهم كنوز كسرى ملك الفرس، وقيصر ملك الروم، وصارت بلادهم، وبلاد المغرب والمشرق، ولاية
стр. 458
لهم، ورعية تنفذ فيها أحكامهم، ويجبى إليهم خراجها.
ومكثوا على ذلك ظاهرين، قاهرين لما سواهم من الأمم، حتى وقع فيهم ما وقع في بني إسرائيل، من الخروج عن اتباع الأنبياء، وترك سياستهم، والانهماك في أهوائهم وشهواتهم، فجاء الخلل، وسلط العدو، وتشتت الناس، وتفرقت الكلمة، وصارت الدولة الإسلامية يسوسها في كثير من البلاد، في أوقات كثير من الملوك: أهل النفاق، والزندقة، والكفر، والإلحاد، والذين لا يبالون بسياسات الأنبياء، وما جاؤوا به من عند الله، وربما قصدوا معاكستهم ; فذهب الملك بذلك، وضاعت الأمانة، وفشا الظلم والخيانة، وصار بأسهم بينهم، وسلط عليهم العدو، وأخذ كثيرا من البلاد، ولم يقنع منهم إبليس عدو الله بهذا، حتى أوقع كثيرا منهم في البدع والشرك، وسعى في محو الإسلام بالكلية.
وكلما بعد عهد الناس بالعلم وآثار الرسالة، ونقص تمسكهم بعهود أنبيائهم، تمكن الشيطان من مراده في أديانهم ونحلهم واعتقاداتهم، ولكن من رحمة الله ومنته أن جعل في هذه الأمة بقية، وطائفة على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك. وكلما حصل لهذه الطائفة قوة وسلطان، في جهة، أو بلد، حصل من الملك والعز والظهور لهم، بقدر تمسكهم بما جاء به محمد ﷺ .
стр. 459
ولذلك صار لشيخنا، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، ﵀، ولطائفة من أنصاره، من الملك والظهور، والنصر، بحسب نصيبهم، وحظهم من متابعة نبيهم ﷺ والتمسك بدينه، فقهروا جمهور العرب، من الشام إلى عمان، ومن الحيرة إلى اليمن، وكلما كان أتباعهم وأنصارهم أقوى تمسكا، كانوا أعز وأظهر، وربما نال منهم العدو، وحصل عليهم من المصائب، ما تقتضيه الذنوب والمخالفة، والخروج عن متابعة نبيهم، وما يعفو الله عنه من ذلك، أكثر وأعظم.
والمقصود: أن كل خير، ونصر وعز، وسرور، حصل، فهو بسبب متابعة الرسول ﷺ وتقديم أمره في الفروع والأصول; وقد منّ الله عليكم في هذه الأوقات، بما لم يعطه سواكم في غالب البلاد والجهات; من النعم الدينية والدنيوية، والأمن في الأوطان، فاذكروا الله يذكركم، واشكروا نعمه يزدكم; و ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [سورة التحريم آية: ٦] بمعرفة الله، ومحبته، وطاعته، وتعظيمه، وتعليم أصول الدين، وتعظيم ما جاء به الرسول ﷺ من الأمر والنهي، والتزامه، والمحافظة على توحيد الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج بيت الله الحرام، والجهاد في سبيله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وترك الفواحش الباطنة والظاهرة، وسد الوسائل التي توقع في المحذور، وتفضي إلى ارتكاب
стр. 460
الآثام والشرور.
ويجمع ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة النحل آية: ٩٠] والله المسؤول أن يمنّ علينا وعليكم، بسلوك سبيله، وأن يجعلنا ممن عرف الهدى بدليله، وصلى الله على محمد.
(رسالة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن إلى عبد العزيز الخطيب، وإنكاره تكفير المسلمين)
وله أيضا، قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من: عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن، إلى: عبد العزيز الخطيب. السلام على من اتبع الهدى، وعلى عباد الله الصالحين. وبعد: فقرأت رسالتك، وعرفت مضمونها، وما قصدته من الاعتذار، ولكن أسأت في قولك: أن ما أنكره شيخنا الوالد، من تكفيركم أهل الحق، واعتقاد إصابتكم، أنه لم يصدر منكم; وتذكر أن إخوانك من أهل النقيع يجادلونك، وينازعونك في شأننا، وأنهم ينسبوننا إلى السكوت عن بعض الأمور، وأنت تعرف أنهم يذكرون هذا غالبا، على سبيل القدح في العقيدة، والطعن في الطريقة، وإن لم يصرحوا بالتكفير، فقد حاموا حول الحمى، فنعوذ بالله من الضلال بعد الهدى، ومن الغي عن