فما معنى الباب الذي ذكر العلماء في كل مذهب؟ وهو: "باب حكم المرتد"، وهو المسلم الذي يكفر بعد إسلامه، حتى ذكروا فيه أنواعا كثيرة، كل نوع منها يكفّر الإنسان، ويحل دمه وماله؛ حتى ذكروا أشياء يسيرة مثل كلمة يذكرها بلسانه دون قلبه، أو كلمة يذكرها على وجه المزح واللعب.
والذين قال الله فيهم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ ١ الآية، أسمعت الله كفّرهم بكلمة؟ مع كونهم في زمن النبي ﷺ يجاهدون معه، ويصلون ويزكون، ويصومون ويحجون، ويوحدون الله سبحانه، وكذلك الذين قال الله فيهم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ٢ الآية؛ قالوا كلمة على وجه المزح واللعب، فصرح الله أنهم كفروا بعد إيمانهم، وهم مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.
فتأمل أرشدك الله، من انتسب إلى الإسلام، مرق من الإسلام لما أظهر خلاف ذلك، فكيف بما هو أطم من ذلك; فإذا كان على عهد النبي ﷺ وخلفائه من انتسب إلى الإسلام من مرق منه، مع عبادته العظيمة، حتى أمر النبي ﷺ بقتالهم، فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذه الأزمان، قد يمرق من الإسلام.
стр. 4272
وقولكم: هل تعلمون للنبي ﷺ دينا إلا الإسلام الذي جاء به جبرائيل؟ فمعلوم: أن رسول الله ﷺ قام يدعو الناس إلى التوحيد سنين عديدة، قبل أن يدعوهم إلى أركان الإسلام; ومعلوم: أن التوحيد الذي جاء به جبرائيل، أعظم فريضة، وهو أعظم من الصلاة والزكاة، والصوم والحج.
فكيف إذا جحد الإنسان شيئا من أركان الإسلام كفر، ولو عمل بكل ما جاء به الرسول ﷺ ، واذا جحد التوحيد الذي هو دين الرسل، من نوح إلى محمد ﷺ ، لا يكفر لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يفعل كذا وكذا؟!
فما الذي فرق بين رسول الله ﷺ وبين قريش؟ هل هو عند الممالك والرياسة والتطاول، أو عند لا إله إلا الله محمد رسول الله؟ فتفرقوا عند ذلك، وقالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ١.
أتظن أن قريشا لو يعلمون أن هذا الكلام مجرد قول بلا عمل، وأنهم يقولون لا إله إلا الله، وينشؤون على دينهم، ولا يضرهم، وأن النبي ﷺ يرضى منهم بذلك، وأنه ما يحاربهم، ولا يكفرهم، ولا يقاتلهم، أتراهم يتركون التلفظ بلا إله إلا الله، كما هو اعتقادكم، أو دين الإسلام لفظ لا إله إلا الله، وأن من قالها فهو المسلم؟ وتؤثرون عليها حديث جبرائيل، وحديث: " بني الإسلام على
стр. 4273
خمسة أركان " ١‘ وحديث "أمرت أن أقاتل الناس"‘ وحديث أسامة، وحديث: " من صلى صلاتنا "،وحديث أنه إذا أغار كمن عند القرية، فإن سمع أذانا وإلا أثار الغارة عليها.
ولكن الأمر كما قال عمر ﵁: (إنها لا تنقض عرى الإسلام عروة عروة، حتى ينشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية) ، فذلك أنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن، وما ذمه، وقع فيه وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، أو فوقه، أو دونه، أو آثر منه، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بمتابعة الرسول، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فإن كان سؤالك مسترشدا، فاسأل عن قول الله في إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ٢. قال شيخ الإسلام: وما نجا من شرك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد التوحيد لله، وعادى المشركين في الله، وتقرب بمقتهم إلى الله; فتأمل أن الإسلام لا يصح إلا بمعاداة أهل الشرك، وإن لم يعادهم فهو منهم، ولو لم يفعله.
وأسأل عن معنى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ٤،
стр. 4274
وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ ٢ الآية. وقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٣، الآية وما أشبه ذلك; واسأل عن سبب نزول الآية، وما معناها، وإن كان غير ذلك فلا آسى على الهالكين، وصلى الله على محمد.
[من رسالة الشيخ ابن عبد الوهاب لمطوع ثرمدا]
وقال أيضا قدس الله روحه، في رسالته لمطوع ثرمدا العاشرة ٤: قولك: إن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ قد أقروا بتوحيد الربوبية، ثم أوردت الأدلة الواضحة على ذلك؛ وإنما قاتلهم رسول الله ﷺ عند توحيد الألوهية، ولم يدخل الرجل في الإسلام بتوحيد الربوبية، إلا إذا انضم إليه توحيد الألوهية. فهذا كلام من أحسن الكلام وأبينه تفصيلا.
ولكن عام أول، لما واجهنا إبراهيم، كتب له علماء سدير مكاتبة وبعثها لنا، وهي عندنا الآن، ولم يذكروا فيها إلا توحيد الربوبية؛ فإذا كنت تعرف هذا، فلأي شيء ما أخبرت إبراهيم ونصحته أن هؤلاء ما عرفوا التوحيد، وأنهم منكرون دين الإسلام؟
стр. 4275
وكذلك أحمد بن يحيى ساكن رغبة، عداوته لتوحيد الألوهية، والاستهزاء بأهل العارض، لما عرفوه - وإن كان يقرئه أحيانا - عداوة ظاهرة، لا يمكن أنها لا تبلغك; وكذلك ابن إسماعيل أنه نقض ما أبرمت في التوحيد.
وتعرف أن عنده الكتاب الذي صنفه رجل من أهل البصرة، كله من أوله إلى آخره، في إنكار توحيد الإلهية، وأتاكم به ولد محمد بن سليمان ساكن أثيثية، وقرأه عندكم، وجادل به جماعتنا; وهذا الكتاب مشهور عند المويس وأتباعه، مثل ابن سحيم وابن عبيد، يحتجون به علينا، ويدعون الناس إليه، ويقولون: هذا كلام العلماء.
فإذا كنت تعرف أن النبي ﷺ ما قاتل الناس إلا عند توحيد الألوهية، وتعلم أن هؤلاء قاموا وقعدوا، ودخلوا وخرجوا، وجاهدوا ليلا ونهارا، في صد الناس عن التوحيد، يقرؤون عليهم مصنفات أهل الشرك، لأي شيء لم تظهر عداوتهم، وأنهم كفار مرتدون؟
فإن كان ظاهر لكأن أحدا من العلماء، لا يكفر من أنكر التوحيد، أو أنه يشك في كفره، فاذكره لنا وأفدنا; وإن كنت تزعم أن هؤلاء فرحوا بهذا الدين، وأحبوه، ودعوا الناس إليه، ولما أتاهم تصنيف أهل البصرة في إنكار التوحيد كفروه، وكفروا من عمل به.
стр. 4276
وكذلك لما أتاهم كتاب ابن عفالق، الذي أرسله المويس لابن إسماعيل، وقدم به عليكم العام الماضي، وقرأه على جماعتكم، يزعم فيه أن التوحيد دين ابن تيمية، وأنه لما أفتى به كفره العلماء، وقامت عليه القيامة; إن كنت تقول: ما جرى من هذا شيء، فهذا مكابرة، وإن كنت تعرف أن هذا هو الكفر الصراح، والردة الواضحة، ولكن تقول: أخشى الناس، فالله أحق أن تخشاه.
ولا تظن أن كلامي هذا معاتبة وكلام عليك، فوالله الذي لا إله إلا هو إنه نصيحة، لأن كثيرا ممن واجهناه، وقرأ علينا، يتعلم هذا ويعرفه بلسانه، فإذا وقعت المسألة لم يعرفها، بل إذا قال له بعض المشركين: نحن نعرف أن رسول الله ﷺ لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، فإن النافع الضار هو الله، يقول: جزاك الله خيرا، ويظن أن هذا هو التوحيد، ونحن نعلمه أكثر من سنة أن هذا هو توحيد الربوبية الذي أقر به المشركون؛ فالله الله في التفطن لهذه المسألة، فإنها الفارقة بين الكفر والإسلام!
ولو أن رجلا قال: شروط الصلاة تسعة، ثم سردها كلها، فإذا رأى رجلا يصلي عريانا بلا حاجة، أو على غير وضوء، أو لغير القبلة، لم يدر أن صلاته فاسدة، لم يكن قد عرف الشروط ولو سردها بلسانه; ولو قال: الأركان أربعة عشر، ثم سردها كلها، ثم رأى من لا يقرأ الفاتحة،
стр. 4277
ومن لا يركع، ومن لا يجلس للتشهد، ولم يفطن أن صلاته باطلة، لم يكن قد عرف الأركان ولو سردها؛ فالله الله في التفطن لهذه المسألة!
ولكن أشير عليك بعزيمة: أنك تصل إلينا، ونتذاكر معك; وكذلك من جهة البدع، قيل لي: إنك تقول فيها شيئا ما يقوله الذي عرف مسألة البدع; وصلى الله على محمد.
[المسائل التي عرَّف بها الشيخ ابن عبد الوهاب]
وله أيضا قدس الله روحه، ونور ضريحه:
بسم الله الرحمن الر حيم
من محمد بن عبد الوهاب، إلى محمد بن عيد، وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه.
وبعد: وصل الكراس، وتذكرون أن الحق إن بان لكم اتبعتموه، وفيه كلام غير هذا، سر الخاطر من جهتك خاصة، بسبب أن لك عقلا، والثانية أن لك عرضا تشح به، والثالثة: أن الظن فيك إن بان لك الحق، أنك ما تبيعه بالزهائد.
فأما تقريركم أول الكلام: أن الإسلام خمس كأعضاء الوضوء، وأنكم تعرفون كلام الله، وكلام رسوله، وإجماع العلماء أن له نواقض كنواقض الوضوء الثمانية; منها:
стр. 4278
اعتقاد القلب وإن لم يعمل أو يتكلم، يعني إذا اعتقد خلاف ما علمه الرسول ﷺ أمته بعدما تبين له، ومنها: كلام باللسان وإن لم يعمل ولم يعتقد، ومنها: عمل بالجوارح وإن لم يعتقد ويتكلم.
ولكن من أظهر الإسلام وظننا أنه أتى بناقض، لا نكفره بالظن، لأن اليقين لا يرفعه الظن; وكذلك لا نكفر من لا نعرف منه الكفر، بسبب ناقض ذكر عنه، ونحن لم نتحققه; وما قررتم هو الصواب الذي يجب على كل مسلم اعتقاده والتزامه.
ولكن قبل الكلام، اعلم: أني عَرَّفْتُ بأربع مسائل:
الأولى: بيان التوحيد مع أنه لم يطرق آذان أكثر الناس.
الثانية: بيان الشرك، ولو كان في كلام من ينتسب إلى العلم أو العبادة، من دعوة غير الله، أو قصده بشيء من العبادة، ولو زعم أنهم يريدون أنهم شفعاء عند الله، مع أن أكثر الناس يظن أن هذا من أفضل القربات، كما ذكرتم عن العلماء، أنهم يذكرون أنه قد وقع في زمانهم.
الثالثة: تكفير من بان له أن التوحيد هو دين الله ورسوله، ثم أبغضه ونفر الناس عنه، وجاهد من صدق الرسول فيه، ومن عرف الشرك، وأن رسول الله ﷺ بعث بإنكاره، وأقر بذلك ليلا ونهارا، ثم مدحه وحسنه للناس، وزعم أن أهله لا يخطئون، لأنهم السواد الأعظم.
стр. 4279
وأما ما ذكر الأعداء عني، أني أُكَفِّر بالظن وبالموالاة، أو أكفّر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون به تنفير الناس عن دين الله ورسوله.
الرابعة: الأمر بقتال هؤلاء خاصة، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فلما اشتهر عني هؤلاء الأربع، صدقني من يدعي أنه من العلماء في جميع البلدان، في التوحيد، وفي نفي الشرك، وردوا علي التكفير والقتال.
إذا تحققت ما ذكرت لك، انبنى الجواب على ما ذكرتم في أول الأوراق، من إقراركم بمعرفة نواقض الإسلام بإجماع العلماء، بشرط أنكم لا تكفّرون بالظن ولا من لا تعرفون.
فنقول: من المعلوم عند الخاص والعام، ما عليه البوادي أو أكثرهم، فإن كابر معاند لم يقدر على أن يقول: إن عنزة وآل ظفير وأمثالهم كلهم، مشاهيرهم والأتباع، إنهم مقرون بالبعث، ولا يشكون فيه; ولا يقدر أن يقول: إنهم يقولون: إن كتاب الله عند الحضر، وإنهم عائفوه، ومتبعو ما أحدث آباؤهم، مما يسمونه الحق، ويفضلونه على شريعة الله، فإن كان للوضوء ثمانية نواقض، ففيهم من نواقض الإسلام أكثر من مائة ناقض.
стр. 4280
فلما بينت ما صرحت به آيات التنْزيل، وعلمه الرسول ﷺ أمته، وأجمع عليه العلماء: أن من أنكر البعث، أو شك فيه، أو سب الشرع، أو سب الأذان إذا سمعه، أو فضل فراضة الطاغوت على حكم الله، أو سب من زعم أن المرأة ترث، أو أن الإنسان لا يؤخذ في القتل بجريرة أبيه وابنه، أنه كافر مرتد; قال علماؤكم: معلوم أن هذا حال البوادي لا ننكره، ولكن يقولون: لا إله إلا الله، وهي تحميهم من الكفر، ولو فعلوا كل ذلك; ومعلوم أن هؤلاء أولى وأظهر من يدخل في تقريركم.
فلما أظهرت تصديق الرسول ﷺ فيما جاء به، سبوني غاية المسبة، وزعموا أني أكفّر أهل الإسلام، وأستحل أموالهم، وصرحوا: أنه لا يوجد في جزيرتنا رجل واحد كافر، وأن البوادي يفعلون من النواقض، مع علمهم أن دين الرسول عند الحضر، وجحدوا كفرهم; وأنتم تذكرون: أن من رد شيئا مما جاء به الرسول بعد معرفته، أنه كافر.
فإذا كان المويس، وابن إسماعيل، والعديلي، وابن عباد، وجميع أتباعهم، كلهم على هذا، فقد صرحتم غاية التصريح: أنهم كفار مرتدون; وإن ادعى مدع: أنهم يكفرونهم، أو ادعى أن جميع البادية لم تتحقق من أحد منهم من النواقض شيئا، أو ادعى أنهم لا يعرفون أن دين
стр. 4281
الرسول خلاف ما هم عليه، فهذا كمن ادعى أن ابن سليمان، وسويد، وابن دوّاس، وأمثالهم، عباد زهاد فقراء، ما شاخوا في بلد قط، ومن ادعى هذا، فأسقط الكلام معه.
ونقول ثانيا: إذا كانوا أكثر من عشرين سنة، يقرون ليلا ونهارا، سرا وجهارا: أن التوحيد الذي أظهر هذا الرجل، هو دين الله ورسوله، لكن الناس لا يطيعوننا، وأن الذي أنكره هو الشرك، وهو صادق في إنكاره، ولكن لو يسلم من التكفير والقتال، كان على الحق؛ هذا كلامهم على رؤوس الأشهاد، ثم مع هذا يعادون التوحيد ومن مال إليه، العداوة التي تعرف، ولو لم يكفر ويقاتل.
وينصرون الشرك نصر الذي تعرف، مع إقرارهم بأنه مشرك، مثل كون المويس وخواص أصحابه، ركبوا وتركوا أهليهم وأموالهم إلى أهل قبة الكواز، وقبة رجب، سنة، يقولون: إنه قد خرج من ينكر قببكم وما أنتم عليه، وقد أحل دماءهم وأموالهم؛ وكذلك ابن إسماعيل، وابن ربيعة، والمويس أيضا بعدهم بسنة، رحلوا إلى أهل قبة أبي طالب، وأغروهم بمن صدق النبي ﷺ ، وأحلوا دماءنا وأموالنا، حتى جرى على الناس ما تعرف، مع أن كثيرا منهم لم يكفر ولم يقاتل.
وقررتم: أن من خالف الرسول ﷺ في عشر معشار
стр. 4282
هذا، ولو بكلمة، أو عقيدة قلب، أو فعل، فهو كافر، فكيف بمن جاهد بنفسه وماله وأهله ومن أطاعه في عداوة التوحيد، وتقرير الشرك، مع إقراره بمعرفة ما جاء به الرسول ﷺ ؟ فإن لم تكفروا هؤلاء ومن اتبعهم، ممن عرف أن التوحيد حق، وأن ضده الشرك، فأنتم كمن أفتى بانتقاض وضوء من نزغ منه مثل رأس الإبرة من البول، وزعم أن من يتغوط ليلا ونهارا، وأفتى للناس أن ذلك لا ينقض، وتبعوه على ذلك حتى يموت، أنه لا ينقض وضوءه.
وتذكرون: أني أكفّرهم بالموالاة، وحاشا وكلا; ولكن أقطع: أن كفر من عبد قبة أبي طالب، لا يبلغ عشر كفر المويس وأمثاله، كما قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ ١ الآيتين.
وأنا أمثل لك مثالا لعل الله أن ينفعك به، لعلمي أن الفتنة كبيرة، وأنهم يحتجون بما تعرفون; منها: ما ذكروا في الأوراق، أنهم لم يقصدوا بحربكم رد التوحيد، وإحياء الشرك، وإنما قصدوا دفع الشر عن أنفسهم، خوف البغي عليهم.
فنقول: لو نقدر أن السلطان ظلم أهل المغرب ظلما عظيما في أموالهم وبلادهم، ومع هذا خافوا استيلاءهم على
стр. 4283
بلادهم ظلما وعدوانا، ورأوا أنهم لا يدفعونهم إلا باستنجاد الفرنج، وعلموا أن الفرنج لا يوافقونهم، إلا أن يقولوا نحن معكم على دينكم ودنياكم، ودينكم هو الحق، ودين السلطان هو الباطل، وتظاهروا بذلك ليلا ونهارا، مع أنهم لم يدخلوا في دين الفرنج، ولم يتركوا الإسلام بالفعل،
لكن لما تظاهروا بما ذكرنا، ومرادهم دفع الظلم عنهم، هل يشك أحد أنهم مرتدون، في أكبر ما يكون من الكفر والردة؟ إذا صرحوا أن دين السلطان هو الباطل، مع علمهم أنه حق، وصرحوا أن دين الفرنج هو الصواب، وأنه لا يتصور أنهم لا يتيهون، لأنهم أكثر من المسلمين، ولأن الله أعطاهم من الدنيا شيئا كثيرا، ولأنهم أهل الزهد والرهبانية.
فتأمل هذا تأملا جيدا، وتأمل ما صدرتم به الأوراق، من موافقتهم فيما ينقض به الإسلام، ومعرفتكم بالناقض؛ فإذا تحققتموه وأنه يكون بكلمة، ولو لم تعتقد، ويكون بفعل ولو لم يتكلم، ويكون في القلب من الحب والبغض ولو لم يتكلم ولم يعمل، تبين لك الأمر، اللهم إلا إن كنتم ذاكرين في أول الأوراق، وأنتم تعتقدون خلافه، فذاك أمر آخر.
وأما ما ذكرتم من كلام العلماء، فعلى الرأس والعين، ولكن عنه جوابان أحدهما: أنكم لو لم تنقلوا
стр. 4284
كلام ابن عقيل في الفنون، وكلام الشيخ في "اقتضاء الصراط المستقيم" وكلام ابن القيم، لقلت لعلهم مخطئون قائلون بمبلغ علمهم، هذا كله عندنا في هذه الكتب، كما هو عندكم، وابن عقيل ذكر أنهم كفار بهذا الفعل - أعني دعوة صاحب التربة، ودس الرقاع - وأنتم تعلمون ذلك; وأصرح منه كلام الشيخ، في قوله: ومن ذلك ما يفعله الجاهلون بمكة.
يا سبحان الله! كيف تركتم صريحه في العبارة بعينها: أن هذا من فعله كان مرتدا، وأن المسلم إذا ذبح للزهرة، أو الجن أو لغير الله، فهو مما أهل لغير الله به; وهي أيضا: ذبيحة مرتد، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان; فصرح: أن هذا الرجل إذا ذبح للجن مرة واحدة، صار كافرا مرتدا، وجميع ما يذبحه للأكل بعد ذلك لا يحل، لأنه ذبيحة مرتد.
وصرح في مواضع من الكتاب كثيرة، بكفر من فعل شيئا من الذبح والدعوة، حتى ذكر ثابت بن قرة، وأبا معشر البلخي، وذكر أنهم كفار مرتدون وأمثالهم، مع كونهم من أهل التصانيف.
وأصرح من الجميع: كلام ابن القيم في كثير من كتبه، فلما نقلتم بعض العبارة، وتركتم بعضها، علمت أنه ليس بجهالة، ولكن الذي عليك: لو أنك فاعل كما فعل
стр. 4285
بعض أهل الأحساء، لما صنف بعضهم كتابا في الرد علينا، يريد أن يبعثه، تكلم رجل منهم، وقال: أحب ما إلى ابن عبد الوهاب وصول هذا إليه، أنتم ما تستحون، فتركوا الرسالة.
الجواب الثاني: أن الشرك لا يكفر من فعله، وأنه شرك أصغر، وأنه معصية غير الكفر، مع أن جميع ما ذكرتم لا يدل على ذلك، فإن أردت بينت لك في غير هذه المرة، معاني هذه العبارات من الأدلة، من كلام كل رجل، كما بينته لك من كلام الشيخ، لكن أنتم مسلِّمون: أن رسول الله ﷺ قد أنكره ونهى عنه، فلو أن رجلا أقر بذلك مع كونه لم يفعله، لكنه زينه للناس ورغبهم فيه، أليس هذا كافرا مرتدا؟
ولو قدرنا: أن الأمر الذي كرهه وصد الناس عنه، ما أمر به الرسول ﷺ إلا أمر استحباب، كركعتي الفجر، أو أن الذي نهى عنه ما نهى عنه إلا نهي تنْزيه، كالأكل بالشمال، والنوم للجنُب من غير وضوء; ولو أن رجلا عرف نهي الرسول ﷺ ، وزعم لأجل غرض من الأغراض: أن الأكل بالشمال هو الأحب المرضي عند الله، وأن الأكل باليمين يضر عند الله، وأن الوضوء للجنُب إذا أراد النوم يضر عند الله، وأن النوم من غير وضوء أحب إلى الله، مع علمه بما قال الرسول ﷺ ، أليس هذا كلام كافر مرتد؟
стр. 4286
فكيف بمن سب دين الله الذي بعث به جميع أنبيائه؟ مع إقراره ومعرفته به، ومدح دين المشركين، الذي بعث الله الأنبياء بإنكاره، ودعا الناس إليه، مع معرفته; ولكن أرى لك أن تقوم في السَّحَر، وتدعو بقلب حاضر بالأدعية المأثورة، وتطرح نفسك بين يدي الله تعالى أن يهديك لدينه، ودين نبيه ﵇، وصلى الله على محمد.
[بعض المسائل التي سئل فيها الشيخ في باب المرتد]
وسئل أيضا: شيخ الإسلام، محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، عن مسائل: الأولى: قوله في باب حكم المرتد: أو استهزأ بالله أو كتبه أو رسله، كفر; فما وصف هذا الاستهزاء ... إلى آخر المسائل.
فأجاب، ﵀ بقوله - بعد السلام -: سرني ما ذكرت ألهمك الله التقوى، ولا تتعذر من السؤال، فإن هذا هو الواجب عليك، وعلى غيرك، كما قالوا: مفتاح العلم السؤال; ولكن اعلم: أن المسائل والعلوم المهجورة، ما يفهمها الإنسان إلا بعد المراجعة، وكثرة المذاكرة، ولو كانت واضحة.
وهذه المسائل: من العلوم المهجورة، كما ذكرت، فعل الطلبَة في باب حكم المرتد، مع أن معرفة الله ومعرفة حقه، أجلّ العلوم وأشرفها، فلا تستح من المراجعة وكثرة السؤال، ما بقي في نفسك شيء من الإشكال، وقولك:
стр. 4287
إن أهل العلم لم يشرحوها، فكثير من الكتب لم يوجد عندكم، وإلا جميع ما ذكرت قد شرحوه.
فأما المسألة الأولى: فالعلماء استدلوا عليها بقوله تعالى، في حق بعض المسلمين المجاهدين، في غزوة تبوك: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ١ الآية، فذكر السلف والخلف: أن معناها عام إلى يوم القيامة، فيمن استهزأ بالله، أو القرآن، أو الرسول؛ وصفة كلامهم أنهم قالوا: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسنا، ولا أجبن عند اللقاء؛ يعنون بذلك رسول الله ﷺ والعلماء من أصحابه.
فلما نقل الكلام عوف بن مالك، أتى القائل يعتذر أنه قال ذلك على وجه اللعب، كما يفعل المسافرون، فنَزل الوحي أن هذا كفر بعد الإيمان، ولو كان على وجه المزح واللعب، والذي يعتذر، يظن أن الكفر إذا قاله جادا لا لاعبا; إذا فهمت أن هذا هو الاستهزاء، فكثير من الناس يتكلم في الله عز وجلبالكلام الفاحش، عند وقوع المصائب على وجه الجد، وأنه لا يستحق هذا، وأنه ليس بأكبر الناس ذنبا.
وكذلك من يدعي العلم والفقه، إذا استدل الناس عليه بآيات الله أظهر الاستهزاء، وهذه المسألة لعلك لا تحررها تحريرا تاما إلا من الرأس، إذا أوقفناك على نصوص أهل
стр. 4288
العلم، وذكروا أشياء لعل كثيرا من الناس لا ينكرها إذا سمعها.
الثانية: قوله: أو كان مبغضا لما جاء به الرسول ﷺ ولم يشرك بالله، لكن أبغض السؤال عنه، ودعوة الناس إليه، كما هو حال من يدعي العلم، يقرون أنه دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض اليهود والنصارى، بل يعادون من التفت إليه، ويحلون دمه وماله، ويرمونه عند الحكام.
وكذلك الرسول ﷺ أتى بالإنذار عن الشرك، بل هو أول ما أنذر عنه، وأعظم ما أنذر عنه؛ ويقرون أنه أتى بهذا، ويقولون: خلق الله ما ينهون، وينصرون بالقلب واللسان واليد; والتكفير بالاتفاق فيمن أبغض النهي عنه، وأبغض الأمر بمعاداة أهله، ولو لم يتكلم ولم ينصر، فكيف إذا فعل ما فعل؟
وكذلك من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم، ويسألهم، ويتوكل عليهم، كفر إجماعا; وذكروا: أن هذا بعينه، هو الذي يفعل أهل زمانهم عند القبور، فكيف بزماننا؟ وبينه لك قول الشارح، لما ذكر هذا، وذكر بعده أنواعا من الكفر المخرج من الملة؛ وقد عمت البلوى بهذه الفرق، وأفسدوا كثيرا من عقائد أهل التوحيد. نسأل الله العفو والعافية، انتهى كلامه في شرح "الإقناع".
стр. 4289
فإذا كان هذا في زمانه، لم يذكره عن عشرة أو مائة، بل عمت به البلوى في مصر والشام، في زمن الشارح، فأظنك تقطع أن أهل القصيم ليسوا بخير من أهل مصر والشام، في زمن الشارح؛ فتفطن لهذه المعاني، وتدبرها تدبرا جيدا.
واعلم: أن هذه المسألة أم المسائل، ولها ما بعدها؛ فمن عرفها معرفة تامة، تبين له الأمر، خصوصا إذا عرف ما فعل المويس وأمثاله، مع قبة الكواز وأهلها، وما فعله هو، وابن إسماعيل، وابن ربيعة، وعلماء نجد في مكة سنة الحبس، مع أهل قبة أبي طالب، وإفتائهم بقتل من أنكر ذلك، وأن قتلهم وأخذ أموالهم، قربة إلى الله، وأن الحرم الذي يحرم اليهودي، والنصراني، لا يحرمهم.
ثم تفكر في الأحياء الذين صالوا معهم، هل تابوا من فعلهم ذلك وأسلموا، وعرفوا أن عشر معشار ما فعلوه ردة عن الإسلام، بإجماع المذاهب كلها؟ أم هم اليوم على ما كانوا عليه بالأمس؟ والمويس، وابن إسماعيل، وأضرابهما إلى اليوم، علماء يعظمون ويترحم عليهم!! ومن دعا الناس إلى التوحيد، وترك الشرك، هم الخوارج، الذين خرجوا من الدين!!
فالله الله الله استعن بالله، في فهم هذه المسألة،
стр. 4290
واحرص على ذلك، لعلك أن تخلص من هذه الشبكة؛ فلو يسافر المسلم إلى أقصى المشرق، أو المغرب، في تحرير هذه المسألة، لم يكن كثيرا؛ والفكرة فيها في أمرين:
أحدهما: في صورة المسألة، وما قال الله ورسوله، وما قال العلماء.
والفكرة الثانية: إذا عرفت التوحيد الذي دعت إليه الرسل، أولهم نوح ﵇، وآخرهم محمد ﷺ ، وأقر به من أقر به، كيف فعلوا؟ هل أحبوه ودخلوا فيه؟ أم عادوه وصدوا الناس عنه؟ وكذلك لما عرفوا ما جاء به من إنكار الشرك والوسائط، وعرفوا أقوال العلماء: أنه الذي عمت به البلوى في زمانهم، هل فرحوا بالسلامة منه؟ ونهوا الناس؟ أم زينوه للناس وزعموا أن أهله السواد الأعظم؟ وثبتوه بما قدروا عليه من الأقوال والأعمال، وجاهدوا في تثبيته كجهاد الصحابة في زواله؟!
فالله الله الله الله! بادر ثم بادر ثم بادر! فقد قال ﷺ : " بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ " ١. فأنت تعرف بدوه يوم يقال له ﷺ : من معك على هذا؟ قال: "حر وعبد"، ومعه يومئذ أبو بكر وبلال; وقد قال الفضيل بن عياض - في زمانه، وهو قبل الإمام أحمد -: لا تترك طريق الحق لقلة السالكين، ولا يضرك الباطل لكثرة الهالكين.
ومع هذا وأمثاله من البيان، أضعاف أضعافه
﴿مَنْ
стр. 4291
يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً﴾ ١. وما أشكل عليك من هذا، فراجعني فيه، فإن كلام العلماء في أنه الشرك الأكبر، وأنه اشتهر عند كثير أهل زمانهم، أكثر من أن يحصر.
وأماالثالثة: فالقول الصريح في الاستهزاء بالدين، مثل ما قدمت لك; وأما الفعل: فمثل مدّ الشفة، وإخراج اللسان، ورمز العين، مما يفعله كثير من الناس، عندما يؤمر بالصلاة، والزكاة، فكيف بالتوحيد؟
الرابعة: إذا نطق بكلمة الكفر، ولم يعلم معناها، صريحا واضحا أنه نطق بما لا يعرف معناه؛ وأما كونه لا يعرف أنها لا تكفره، فيكفي فيه قوله: ﴿لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٢،فهم يعتذرون من النبي ﷺ ظانين أنها لا تكفرهم.
والعجب ممن يحملها على هذا، وهو يسمع قوله: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ٣، ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٤، ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ ٥، أيظن هؤلاء ليسوا كفارا؟ ولا تستنكر الجهل الواضح لهذه المسائل، لأجل غربتها.
стр. 4292
ومما يكشف لك الإشكال: ما قدمت لك، إجماع العلماء أن هذا كثر في زمانهم، وأيضا: بلدانهم أكثر علماء من بلدانكم.
الخامسة: من أطلق الشارع كفره بالذنوب، فالراجح فيها قولان:
أحدهما: ما عليه الجمهور من أنه أنه لا يخرج من الملة.
الثاني: الوقف، كما قال الإمام أحمد: أمروها كما جاءت، يعني: لا يقال يخرج، ولا ما يخرج; وما سوى هذين القولين غير صحيح.
السادسة: قوله: الذبح للجن منهي عنه; فاعرف قاعدة أهملها أهل زمانك، وهي: أن لفظ التحريم، والكراهة، وقوله: لا ينبغي، ألفاظ عامة، تستعمل في المكفرات، والمحرمات التي دون الكفر، وفي كراهة التنْزيه، التي دون الحرام.
مثل استعمالها في المحرمات، قوله: الإله الذي لا تنبغي العبادة إلا له; وقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ ١. ولفظ التحريم، مثل قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ٢ وكلام العلماء لا ينحصر في قولهم: يحرم كذا، لما صرحوا في مواضع أخر أنه كفر.
وقوله: يكره; كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ
стр. 4293
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ١. إلى قوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ ٢. وأما قول الإمام أحمد: أكره كذا، فهو عند أصحابه على التحريم.
إذا فهمت هذا، فهم صرحوا، أن الذبح للجن ردة تخرج، وقالوا: الذبيحة حرام، ولو سمي عليها، قالوا: لأنها يجتمع فيها مانعان: الأول: أنها مما أُهلّ به لغير الله، والثانية: أنها ذبيحة مرتد، والمرتد لا تحل ذبيحته، وإن ذبحها للأكل، وسمى الله عليها; وما أشكل عليك في هذا فراجعني، أذكر لك لفظهم بعينه.
[بيان الشيخ ابن عبد الوهاب للأشياء التي يكفر مرتكبها]
وله أيضا، رحمه الله تعالى:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى الأخ: حمد التويجري، ألهمه الله رشده، سلام عليكم، ورحمة الله وبركاته.
وبعد: وصل الخط، أوصلك الله ما يرضيه، وأشرفنا على الرسالة المذكورة؛ وصاحبها ينتسب إلى مذهب الإمام أحمد ﵀، وما تضمنته رسالته، من الكلام في الصفات، مخالف لعقيدة الإمام أحمد، وما تضمنته من الشبه الباطلة، في تهوين أمر الشرك، بل في إباحته، فمن
стр. 4294
أبين الأمور بطلانه، لمن سلم من الهوى والتعصب.
وكذلك تمويهه على الطغام: بأن ابن عبد الوهاب يقول: الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك هذا بهتان عظيم! بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في أي زمان، وأي مكان.
وإنما نكفّر من أشرك بالله في إلهيته، بعدما نبين له الحجة، على بطلان الشرك، وكذلك نكفر من حسنه للناس، أو أقام الشبه الباطلة على إباحته، وكذلك من قام بسيفه، دون هذه المشاهد، التي يشرك بالله عندها، وقاتل من أنكرها، وسعى في إزالتها؛ والله المستعان، والسلام.
وقال أيضا: الشيخ محمد بن عبد الوهاب، أسكنه الله الجنة.
وبعد: وصل إلينا حميدان وإخوانه، والذي عليهم من الإشكال زال، فالله الله عن مقدَّم بلاد، أو خاص، أو عام، يعترض عليهم، أو يستهزئ بهم، فإن الاستهزاء بالدين كفر صريح، وافهموا ست مسائل في "الإقناع"، في باب حكم المرتد.
الأولى: أنه ذكر الردة مهما تكن اعتقادا، أو شكا، أو نطقا، أو فعلا، فأول ما ذكر الشرك بالله، بسبب أن
стр. 4295
الجاهل يقول: الشرك ما هو عندنا، فإذا اعتقد بقلبه، أو شك، أو تكلم ولو عرف بقلبه، أو فعل ولو لم يتكلم.
الثانية: أن من أبغض ما جاء به الرسول ﷺ ولو لم يشرك، كفر.
الثالثة: أن الرافضي إذا سب الصحابة، فاختلف العلماء في كفره، وأما إذا اعتقد في علي، أو الحسين، فهو كافر إجماعا، والسني الذي يشك في كفره، كافر.
الرابعة: أنه يحرم تعلم السحر، ثم إنه يكفر إن تعلمه أو فعله؛ ثم ذكر أنواعه، وذكر منها العطف، والصرف، والطلاسم، التي يظنها أكثر المطاوعة حسنة.
الخامسة: أن كون الشيء حراما، لا يناقض كونه كفرا.
السادسة: المسألة العظيمة، استدلال العلماء بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ . والله أعلم.
وقال أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب: والمسألة الأخرى: يذكر لنا من أعداء الإسلام، من يذكر أنا نكفر بالذنوب، مثل التتن، وشرب الخمر، والزنى أو غير ذلك من كبائر الذنوب، فنبرأ إلى الله من هذه المقالة، بل الذي نحن نقول: الذنوب فيها الحدود، ومعلقة بالمشيئة، إن شاء الله عفا، وإن شاء عذب عليها.
وأما الذي نكفر به: فالشرك بالله، كما قال تعالى:
стр. 4296
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ١،وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ ٣.
ونكفّر أيضا: المستهزئين بالدين، مثل ما قال الله في الصحابي، الذي غزا مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ ٤، وغيرهم مثل ما حكى الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ ، وفي الآية الأخرى ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً﴾ ٥.
стр. 4297
[نفي الشيخ ابن عبد الوهاب أنه يكفِّر بالعموم]
وله أيضا ﵀:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
من محمد بن عبد الوهاب، إلى من يصل إليه من المسلمين، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد: ما ذكر لكم عني: أني أكفر بالعموم، فهذا من بهتان الأعداء، وكذلك قولهم: إني أقول من تبع دين الله ورسوله، وهو ساكن في بلده، أنه ما يكفيه حتى يجيء عندي، فهذا أيضا من البهتان؛ إنما المراد اتباع دين الله ورسوله، في أي أرض كانت.
ولكن نكفر من أقر بدين الله ورسوله، ثم عاداه وصد الناس عنه ; وكذلك من عبد الأوثان، بعدما عرف أنها دين المشركين، وزينه للناس، فهذا الذي أكفره؛ وكل عالم على وجه الأرض يكفر هؤلاء، إلا رجل معاند، أو جاهل؛ والله أعلم، والسلام.
وسئل أبناء الشيخ، وحمد بن ناصر، ﵏: هل تعتقدون كفر أهل الأرض على الإطلاق؟ أم لا؟
فأجابوا: الذي نعتقده دينا، ونرضاه لإخواننا مذهبا، أن من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، وقامت عليه الحجة، فإنه يكفر بذلك، ولو ادعى الإسلام؛ وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء.
стр. 4298
ويكفر أيضا: من أنكر وجوب الصلاة، ودُعي إليها وأبى عن فعلها جحدا، يُقتل عندنا كفرا؛ وهو مذهب الإمام أحمد، وإسحاق، وغيرهما من السلف والخلف، وهو الذي تدل عليه الأدلة، من الكتاب والسنة; وفي المسألة قول آخر: أنه يقتل حدا، وهو القول المشهور في مذهب الإمام مالك، والشافعي، وأبي حنيفة.
ونكفر أيضا: من أنكر وجوب الزكاة، وامتنع من أدائها، وقاتل الإمام عليها; ونكفر أيضا: من أبغض شيئا من دين الرسول ﷺ وسبه.
وقد ذكر بعض العلماء، ﵏: أن الكفر والردة أنواع كثيرة: فمن ذلك ما هو شك، ومنه ما هو اعتقاد، ومنه ما هو نطق؛ فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو إلهيته، أو جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم، كفر إجماعا، لأن هذا كفعل عابدي الأصنام، قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١،وذكروا أنواعا كثيرة من أنواع الردة، كل نوع يكفر به المسلم، ويحل دمه وماله.
وأما تكفير أهل الأرض كلهم، فنحن نبرأ إلى الله من هذا، بل نعتقد أن أمة محمد ﷺ لا تجتمع على ضلالة، بل قد أجارها الله عن ذلك، على لسان نبيه محمد ﷺ ، ولا تزال طائفة منها على الحق منصورين، لا يضرهم من
стр. 4299
خالفهم ولا من خذلهم، إلى أن تقوم الساعة، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة عن رسول الله ﷺ ، مع إخباره بأن أمته تأخذ ما أخذت الأمم قبلها، وتتبع سنتهم، وتسلك مسالكهم، كما ثبت ذلك في الصحيحين، من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة وغيرهما، عن رسول الله ﷺ .
وقد دل الكتاب العزيز على ذلك أيضا، فقال تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ ١.
ذكر المفسرون في تفسير هذه الآية عن ابن عباس، قال: (ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم) ، قال ابن جريج: ولا أعلم إلا أن فيه "والذي نفسي بيده لتتبعنهم" وعن أبي هريرة، قال: (الخلاق كذلك) ، رواه ابن أبي حاتم.
وعن زيد بن أسلم، قال: (الخوض مما يتكلمون به من الباطل، وما يخوضون فيه من أذى الله ورسوله، وتكذيبهم إياه) ، رواه ابن أبي حاتم; وروي عن ابن عباس: (نصيبهم من الآخرة في الدنيا) .
وقال آخرون: نصيبهم من الدين; قال أهل اللغة: الخلاق هو النصيب، والحظ، كأنه مخلوق للإنسان إلى ما قدر له، كما يقال القسم لما قسم له، والنصيب لما نصب
стр. 4300
له، أي: ما ثبت; ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ١ أي من نصيب، والآية تعم ما ذكره العلماء جميعهم.
فإنه سبحانه قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلاداً﴾ ٢، فتلك القوة التي كانت لهم، كانوا مستطيعين أن يعملوا بها للدنيا والآخرة، وكذلك أموالهم وأولادهم، وتلك القوة والأموال والأولاد، هو الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم، وأموالهم، وأولادهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة، والأموال هي نصيبهم؛ وتلك الأعمال، لو أرادوا بها الله والدار الآخرة، لكان لهم ثواب في الآخرة عليها، فتمتعهم بها أخذ منهم العاجل بها؛ فدخل بهذا من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان جنس العمل من العبادات أو غيرها.
وجمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق، وبين الخوض، لأن فساد الدنيا إما أن يقع بالاعتقاد الباطل، والتكلم به، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق إلا البدع ونحوها، والثاني من جهة الشهوات؛ ولهذا كان السلف يقولون: احذروا من الناس صنفين، صاحب هوى قد فتنه هواه، وصاحب دنيا قد أعمته دنياه; وعن ابن عباس ﵄، قال: (أنتم أشبه الأمم ببني إسرائيل سمتا وهديا، وتتبعون عملهم حذو القذة بالقذة، غير أني لا أدري أتعبدون العجل أم لا) .
стр. 4301
وقد أخرج أبو عيسى الترمذي في جامعه، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال قال رسول الله ﷺ : " ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية، كان من أمتي من يصنع ذلك. وإن بني إسرائيل تفترق على اثنتين وسبعين ملة، فستفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة؛ كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله الناجية؟ قال: ما أنا عليه اليوم وأصحابي " ١.قال أبو عيسى: هذا حديت غريب منكر، لا نعرفه إلا من هذا الوجه; وهذا الافتراق مشهور عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة، وسعد، ومعاوية، وعمرو بن عدي.
فانظر رحمك الله إلى ما تضمن هذا الحديث وغيره من الأحاديث، من إخباره بسلوك أمته سلوك الأمم قبلها، وتفرقها على ثلاث وسبعين ملة، وأن الناجية ملة واحدة، ثم وصفها لما سألوه عنها، بأنها ما كان على مثل ما كان عليه هو وأصحابه؛ فصلوات الله وسلامه على من بلغ البلاغ المبين. وما أحسن ما قال بعضهم:
يا باغي الإحسان يطلب ربه ... ليفوز منه بغاية الآمال
انظر إلى هدي الصحابة والذي ... كانوا عليه في الزمان الخالي
فصل: [هل يستتاب من تكلم بكلمة الشرك]
وأما قولكم: هل يستتاب من تكلم بكلمة الشرك أم لا؟ فالذي عليه أكثر أهل العلم: أن المرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل; وعند بعضهم: أن المرتد
стр. 4302
يقتل من غير استتابة; والصحيح: الأول، لحديث أم مروان، فإن النبي ﷺ أمر باستتابتها.
وفي الموطأ: أن "عمر ﵁ لما بلغه أن رجلا كفر بعد إسلامه، فقتل من غير استتابة، فقال عمر: فهلا حبستموه ثلاثا، وأطعمتموه كل يوم رغيفا، واستتبتموه لعله يتوب، ويراجع أمر الله. اللهم لم أحضر، ولم آمر، ولم أرض إذ بلغني". والله أعلم.
فصل: [معنى حديث "الإسلام يهدم ما قبله"]
وأما السؤال الثالث، وهو قولكم ورد: " الإسلام يهدم ما قبله " ١،وفي رواية " يجُبُّ ما قبله "، وفي حديث حجة الوداع: " ألا إن دم الجاهلية كله موضوع " ٢ إلخ، وظهر لنا من جوابكم: أن المؤمن بالله ورسوله إذا قال أو فعل ما يكون كفرا، جهلا منه بذلك، فلا تكفرونه، حتى تقوم عليه الحجة الرسالية، فهل لو قتل من هذا حاله، قبل ظهور هذه الدعوة، موضوع أم لا؟
فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك، لجهله، أو عدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة؛ ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص، لعدم قيام الحجة عليه؛ لا يقال: إن لم يكن كافرا، فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه، متوقف على بلوغ الحجة الرسالية. وقد
стр. 4303
ذكر أهل العلم: أن أصحاب الفترات، يمتحنون يوم القيامة في العرصات، ولم يجعلوا حكمه حكم الكفار، ولا حكم الأبرار.
وأما حكم هذا الشخص إذا قتل، ثم أسلم قاتله، فإنا لا نحكم بديته على قاتله إذا أسلم، بل نقول: الإسلام يجُبّ ما قبله، لأن القاتل قتله في حال كفره؛ والله أعلم.
وأما كلام أسعد، على قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ١، أنه الإيمان اللغوي الشرعي، فهو مصيب في ذلك؛ وقد ذكر المفسرون: أن معنى قوله ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ ٢ أن إيمانهم: إقرارهم بأن الله هو الخالق الرازق المدبر، ثم هم مع هذا الإيمان بتوحيد الربوبية، مشركون بالله في العبادة.
ومعلوم: أن مشركي العرب وغيرهم، يؤمنون بأن الله رب كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، ولم تنفعهم هذه الاعتقادات، حيث عبدوا مع الله غيره، وأشركوا معه؛ بل تجد الرجل يؤمن بالله ورسوله، وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث بعد الموت، فإذا فعل نوعا من المكفرات، حكم أهل العلم بكفره وقتله، ولم ينفعه ما معه من الإيمان.
стр. 4304
وقد ذكر الفقهاء من أهل كل مذهب باب حكم المرتد، وهو الذي يكفر بعد إسلامه، ثم ذكروا أنواعا كثيرة، من فعل واحدا منها كفر؛ وإذا تأملت ما ذكرناه، تبين لك أن الإيمان الشرعي، لا يجامع الكفر، بخلاف الإيمان اللغوي، والله أعلم.
وأما قولكم: وهل ينفع هذا المؤمن المذكور، ما معه من أعمال البر، وأفعال الخير، قبل تحقيق التوحيد؟
فيقال: لا يطلق على الرجل المذكور اسم الإسلام، فضلا عن الإيمان; بل يقال: الرجل الذي يفعل الكفر، أو يعتقده في حال جهله، وعدم من ينبهه، إذا فعل شيئا من أفعال البر، وأفعال الخير، أثابه الله على ذلك، إذا صحح إسلامه وحقق توحيده، كما يدل عليه حديث حكيم بن حزام: "أسلمت على ما أسلفت من خير".
وأما الحج الذي فعله في تلك الحالة، فلا نحكم ببراءة ذمته، بل نأمره بإعادة الحج، لأنا لا نحكم بإسلامه في تلك الحالة، والحج من شرط صحته الإسلام؛ فكيف نحكم بصحة حجه وهو يفعل الكفر، أو يعتقده؟ ولكنا لا نكفره إلا بعد قيام الحجة عليه، فإذا قامت عليه الحجة وسلك سبيل المحجة، أمرناه بإعادة الحج، ليسقط الفرض عنه بيقين.
стр. 4305
وأما ما ذكرته عن السيوطي: أن الردة لا تتبعض إذا لم تتصل بالموت، فهي مسألة اختلف العلماء فيها، وليست من هذا الباب، لأن كلام السيوطي فيمن فعل شيئا من الأعمال في حال إسلامه، ثم ارتد، ثم أسلم، هل يعيد ما فعله قبل ردته، لأنه قد حبط بالردة أم لا؟ لأن الردة لا تحبط العمل إلا بالموت عليها.
[إذا أحب الدين ولم يُعادِ المشركين]
وقال الشيخ حسين، والشيخ عبد الله، ابنا الشيخ محمد، رحمهم الله تعالى، في أثناء جواب لهما ١: المسألة الحادية عشرة: رجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن لا يعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: أنا مسلم، ولكن لا أقدر أن أكفّر أهل لا إله إلا الله، ولو لم يعرفوا معناها، ورجل دخل هذا الدين وأحبه، ولكن يقول: لا أتعرض للقباب، وأعلم أنها لا تنفع ولا تضر، ولكن ما أتعرضها.
الجواب: أن الرجل لا يكون مسلما، إلا إذا عرف التوحيد ودان به، وعمل بموجبه، وصدق الرسول ﷺ فيما أخبر به، وأطاعه فيما نهى عنه، وأمر به، وآمن به وبما جاء به; فمن قال: لا أعادي المشركين، أو عاداهم ولم يكفرهم، أو قال: لا أتعرض أهل لا إله إلا الله، ولو فعلوا
стр. 4306
الكفر والشرك وعادوا دين الله، أو قال لا أتعرض للقباب، فهذا لا يكون مسلما، بل هو ممن قال الله فيهم: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً﴾ ١. والله : أوجب معاداة المشركين، ومنابذتهم، وتكفيرهم، فقال: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٢، الآية وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ ٣ الآيات؛ والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: رجل دخل الدين وأحبه، ويحب من دخل فيه، ويبغض الشرك وأهله، ولكن أهل بلده يصرحون بعداوة أهل الإسلام، ويقاتلون أهله، ويعتذر أن ترك الوطن يشق عليه، ولم يهاجر عنهم، فهل يكون مسلما أو كافرا؟ وهل يعذر بعدم الهجرة؟
الجواب: أما الرجل الذي عرف التوحيد وآمن به، وأحبه وأحب أهله، وعرف الشرك وأبغضه، وأبغض أهله، ولكن أهل بلده على الكفر والشرك، ولم يهاجر، فهذا فيه تفصيل: فإن كان يقدر على إظهار دينه عندهم، ويتبرأ مما
стр. 4307
هم عليه من الكفر والشرك، ويظهر لهم كفرهم وعداوتهم، ولا يفتنونه عن دينه، لأجل عشيرته أو ماله، أو غير ذلك، فهذا لا يحكم بكفره.
ولكنه إذا قدر على الهجرة ولم يهاجر، ومات بين أظهر المشركين، فيخاف عليه أن يكون قد دخل في أهل هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ ١ الآية؛ فلم يعذر الله إلا من لم يستطع حيلة ولا يهتدي سبيلا؛ ولكن قل أن يوجد اليوم من هو كذلك، إلا أن يشاء الله; بل الغالب: أن المشركين لا يدعونه بين أظهرهم، بل إما قتلوه، وإما أخرجوه إن وجدوا إلى ذلك سبيلا.
وأما إن لم يكن له عذر، وجلس بين أظهرهم، وأظهر لهم أنه منهم، وأن دينهم حق، ودين الإسلام باطل، فهذا كافر مرتد، ولو عرف الدين بقلبه، لأنه يمنعه عن الهجرة محبة الدنيا على الآخرة، ويتكلم بكلام الكفر من غير إكراه، فدخل في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
стр. 4308
المسألة الثالثة عشرة: فيمن مات قبل هذه الدعوة، ولم يدرك الإسلام، وهذه الأفعال التي يفعلها الناس اليوم يفعلها، ولم تقم عليه الحجة، ما الحكم فيه؟ وهل يلعن أو يسب، أو يكف عنه؟ وهل يجوز لابنه الدعاء له؟ وما الفرق بين من لم يدرك هذه الدعوة، وبين من أدركها ومات معاديا لهذا الدين وأهله؟
الجواب: من مات من أهل الشرك، قبل بلوغ هذه الدعوة، فالذي يحكم عليه: أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك، ويدين به، ومات على ذلك، فهذا ظاهره أنه مات على الكفر، ولا يدعى له، ولا يضحى له، ولا يتصدق عنه؛ وأما حقيقة أمره، فإلى الله تعالى، فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند، فهذا كافر في الظاهر والباطن، وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى.
وأما سبه ولعنه فلا يجوز، بل لا يجوز سب الأموات مطلقا، كما في صحيح البخاري، عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " ١، إلا إن كان أحدا من أئمة الكفر، وقد اغتر الناس به، فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية، والله أعلم.
المسألة الرابعة عشرة: فيمن أنكر الصفات التي
стр. 4309
وصف الله بها نفسه في كتابه، مثل ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ١، ثم يقول: يد الله قدرته، أو يؤوِّل الاستواء بالاستيلاء، أو يقول: الله في كل مكان، لا يخلو منه مكان، فهل هذا كافر أم لا؟
الجواب: أن من اعتقد هذا الاعتقاد، فهو مبتدع ضال جاهل، قد خالف العقيدة السلفية، التي درج عليها النبي ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، كالأئمة الأربعة، ومن اتبعهم من العلماء; وأما التكفير بذلك، فلا يحكم بكفره إلا إذا عرف أن عقيدته هذه، مخالفة لما عليه رسول الله ﷺ وأصحابه، والتابعون لهم بإحسان، والله أعلم.
المسألة الخامسة عشرة: فيمن عاهد على الإسلام والسمع والطاعة والمعاداة والموالاة، ولم يف بما عاهد عليه من الموالاة والمعاداة، ولا تبرأ من دينه الأول، ويدعي أن آباءه ماتوا على الإسلام، فهل يكون مرتدا؟ وهل يحل أخذ ماله وسبيه إن لم يرجع؟
الجواب: إن هذا الرجل، إن اعتقد أن آباءه ماتوا على الإسلام، ولم يفعلوا الشرك الذي نهينا الناس عنه، فإنه لا يحكم بكفره؛ وإن كان مراده أن هذا الشرك الذي نهينا الناس عنه، هو دين الإسلام، فهذا كافر؛ فإن كان قد أسلم فهو مرتد، يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل،
стр. 4310
وصار ماله فيئا للمسلمين، وإن تاب قبل موته أحرز ماله، والله أعلم.
وقالا: المسألة الثامنة عشرة: في بلد بلغتهم هذه الدعوة، وبعضهم يقول: هذا الأمر حق ولا أغير منكرا، ولا آمر بمعروف، ولا أعادي، ولا أوالي، ولا أقر أنه قبل هذه الدعوة على ضلال، وينكر على الموحدين، إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد; وبعضهم يكفر المسلمين جهارا، أو يسب هذا الدين، ويقول: دين مسيلمة; والذي يقول: هذا أمر زين، لا يمكنه أن يقوله جهارا؛ فما تقولون في هذه البلدة، على هذه الحالة، مسلمون أم كفار؟ وما معنى قول الشيخ وغيره: إنا لا نكفّر بالعموم؟ وما معنى العموم من الخصوص إلخ؟
الجواب: إن أهل هذه البلدة المذكورين، إذا كانوا قد قامت عليهم الحجة، التي يكفر من خالفها، حكمهم حكم الكفار، والمسلم الذي بين أظهرهم، ولا يمكنه إظهار دينه، تجب عليه الهجرة، إذا لم يكن ممن عذر الله، فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم، في القتل وأخذ المال؛ والسامعون كلام الشيخ، في قوله: إنا لا نكفر بالعموم، فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر.
فالتكفير بالعموم: أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم، ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه; وأما